كل العرب انفو الاخباري

منتدى . ثقافي . اجتماعي . رياضي . تعليمي . اسلامي . شامل
 
الرئيسيةالرئيسية  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 رحلة القرآن العظيم (1)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
رهف
عربي مميز
عربي مميز


عدد المساهمات : 61
تاريخ التسجيل : 16/12/2009

مُساهمةموضوع: رحلة القرآن العظيم (1)   الإثنين أبريل 12, 2010 6:15 am

رحلة القرآن العظيم (1)
[b]مكة المكرمة هذه المدينة المقدسة التي تحيط بها الكتل الجبلية السوداء الداكنة ذات التركيب الجرانيتي، تقع في غرب جزيرة العرب على السفوح الدنيا لجبال الثروات، وتنام في بطن وادٍ غير ذي زرع، تلفها الجبال من جميع جهاتها، ممثلة نقطة التقاء بين تهامة والثروات.

تنتصف طريق الشام واليمن بمنافذ قليلة من الجبال الجرداء، إذ يمتد شرقاً جبل أبي قبيس، يكتنفه جبل الخندمة، وغرباً جـبل هندي، يفصلهما وادي البطـحاء الذي يقع فيه البيت العتيق.

وترتفع عن سطح البحر مقدار ثلاثمائة متر، وكان لموقع مكة هذا أثر كبير على طريق التجارة القديم، فهي محط القوافل القادمة من الشام إلى اليمن، وما وليها من أرض الحبشة، ومحط الاستقرار في حضارات العالم القديم.

وتعتبر منطقة مكة المكرمة منطقة انتقالية بين تأثيرات البحر المتوسط والمناخ الموسمي، وتتأثر بقربها من ساحل البحر الأحمر وجبال الثروات الغربية، وتتأثر في الصيف بالجبهات المدارية، فيبلغ معدل الحرارة السنوي حوالي إحدى وثلاثين درجة، وتختلف درجة الحرارة بين فصل وآخر، فتصل في الصيف إلى ثمانٍ وأربعين درجة، بينما تنخفض في الشتاء إلى ثماني عشرة درجة.

وأمطار مكة نموذج للأمطار الصحراوية، بحيث تختلف اختلافاً كبيراً بين سنة وأخرى، وتتراوح بين ثمانين ملليمتراً ومائة وخمسة وعشرين ملليمتراً، تسقط في فصل الشتاء، وهو الفصل الممطر الرئيس في شهر كانون الثاني يناير الذي يعتبر أكثر الشهور مطراً.

مكة المكرمة هذه هي الذي اختارها الله تعالى بين الجبال السود الداكنة لتشهد الأحداث العظام، ففي جبل ثور استظل الغار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه أبا بكر -رضي الله عنه- وعلى بطاح وديانها وادي منى كان الصراع بين الخليل إبراهيم -عليه السلام- وإبليس اللعين.

وبين جبالها تمت بيعتا العقبة، ويهل إليها الحجيج من كل فج عميق، في الخيف والمزدلفة وعرفات حيث وقف محمد -صلى الله عليه وسلم- أسفل جبل الرحمة يبين للناس أمور دينهم ودنياهم في أبلغ موقف.

إنها مكة موطن دعوة التوحيد الأولى، التي دعا إليها سيدنا إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- فيها يحط جبل النور وغار حراء مطلاً على البيت العتيق، يذكر بمهبط الوحي على النبي العربي محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي شمل العالم بنوره.

في قمة جبل النور، جبل حراء الغار الذي نزلت به أولى آيات القرآن الكريم:

? اقْرَأْ بِاسم رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الأنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الأنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ?[سورة العلق، الآية 1: 5].

وكان محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- لا يعرف الكتابة والقراءة، قال تعال في سورة العنكبوت:

? وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ? [سورة العنكبوت، الآية 48].

فلا بد والحالة هذه من أن يتقلى القرآن تقليناً، ويحفظه من ملك الوحي مشافهة:

? لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ? [القيامة: 16، 17].

لقد نزل القرآن الكريم على مراحل ليكون أقرب للحفظ، وأسهل على الضبط، وأبعد عن النسيان، وكانت الآيات القرآنية تتنزل عليه تتابع تارة وتبطئ أخرى، قال تعالى:

? وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً ?. [سورة الفرقان، الآية 32].

لقد استمر نزول القرآن الكريم ثلاثا وعشرين سنة من بعثته حتى وفاته -صلى الله عليه وسلم- وقد حرص منذ اللحظة الأولى على حفظه واستظهاره وعلى تدوينه وكتابته فور نزوله، وبما أنه لا يكتب ولا يقرأ -صلى الله عليه وسلم- فقد تم التدوين هذا تحت إشرافه ورقابته.

وهكذا أصبح للقرآن صورتان: صورة صوتية وأخرى كتابية، وتظهر الصورة الصوتية من خلال المشافهة التي تلقاها من الوحي وأسمعها صاحبته، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- مع كمال فصاحته ومع كونه المصطفى للرسالة تعلم القرآن عن جبريل، وخاصة في السنة التي انتقل فيها إلى الرفيق الأعلى، كان جبريل يعارضه أي يدارسه بالقرآن في كل سنة مرة، ثم عارضه عام وفاته مرتين، والعرض على جبريل معناه تجويد اللفظ وتصحيح إخراج الحروف من مخارجها ليكون سنة في الأمة.

لقد حفظ أصحاب النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- القرآن وتلقوه شفاهاً منه، فهذا ابن مسعود أحد كبار الصحابة وأعلام رواة القرآن وتجويده وتحقيقه وترتيله يقول:

" حفظت من فِيِّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بضعة وسبعين سورة".

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يبعث إلى من كان بعيد الدار من الصحابة من يعلمهم ويقرئهم ويلقنهم القرآن العظيم.

فبعث مصعب بن عمير وابن أم مكتوم إلى أهل المدينة قبل هجرته يعلمانهم ويقرآنهم القرآن، ولما فتح النبي مكة خلف على أهلها معاذ بن جبل، وكان عبادة بن الصامت يعلم أهل الصفة القرآن، ولما فُتح الشام أرسله عمر بن الخطاب ومعاذا وأبا الدرداء ليعلموا الناس القرآن هناك.




وواضع أن من أحكام القراءة ما لا يمكن إحكامه أبداً إلا بالتلقي الشفهي، فالتفخيم والترقيق والمد والقصر والإدغام و الإظهار والإخفاء والروم والإشمام والإبدال والنقل والإقلاب والحذف والإبات والإحاق والإالة والفتح، وما بيهما وتخفيف الهمزة وما إلى ذلك، وكذلك إعطاء الحروف حقوقها وترتيبها،ورد كل منها إلى مخرجه وأصله والنطق به على كمال هيئته من غير إسراف ولا تسعف ولا إفراط ولا تكلف لا يحققه إلا الملقن الضابط.

لقد كانت القبائل العربية متعددة اللجات، تتباين في النطق والتعبير كما هي الحال اليوم في أقطارنا العربية، فأقرأهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بلهجاتهم، فكانت اللهجات التي ظهر فيها بعض الخلاف، مما جعل الرجل يسارع إليه حين يختلف مع أخيه في القراءة يستوضح منه الصواب فيجيب: كلاهما على صواب.

لقد كان بين القبائل العربية اختلاف في نبرات الأصوات وطريقة الأداء، فكان فيهم من يضغم ومن يظهر، ومن يخفي ومن يبين، ومن يميل ومن يفتح، ومن يفخم ومن يرقق، ومن يمد ومن يقصر إلى آخر كيفيات النطق المختلفة.

وأمام هذه الفروق التي يصعب على الناس التخلص منها والدين الذي نزل به القرآن يسر دائماً أمر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يُقْرِئ القرآن بأحرف مختلفة، حيث إن القرآن العظيم قد نزل على سبعة أحرف، تلك هي الصورة الصوتية للقرآن العظيم، حفظها أصحابه عن ظهر قلب، فكيف كانت الصورة المدونة المكتوبة لهذا الكتاب السماوي في الزمن الذي نتحدث عنه، زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-؟

لم يكن تدوين الكتاب أمراً شائعاً في ذلك الزمن، وكانت الكتابة في حواضر الحجاز زمن البعثة قليلة الانتشار، وكانت وسائلها بدائية وغير ميسورة، إلا أن حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على حفظ كلمات الله -عز وجل- قد دفعه على العمل على تدوينها فور نزول، فاتخذ كتاباً يكتبونها أول بأول، يلازمونه في كل مكان يحل فيه ليؤدوا هذا العمل الذي تفرغوا له.

رسمت الحروف الأولى للقرآن الكريم بيد كتاب من قريش في مكة، وكتاب من الأنصار في المدينة، حتى بلغ عددهم ثلاثة وأربعين كاتباً، وقد تشرف بالكتابة الخلفاء الأربعة، وعامر بن فهيرة، وعبدالله بن الأرقم، وأبي بن كعب، وثابت بن قيس بن شماس، وخالد بن سعيد بن العاص، وحنظلة بن ربيع الأسيدي، وشرحبيل بن حسنة وغيرهم -رضي الله عنهم أجمعين- وكان ألزمهم بذلك وأخصهم به معاوية بن أبي سفيان، وزيد بن ثابت الأنصاري.

وأورد الجهشياري في كتاب الوزراء والكتاب، وابن عبد ربه في العقد، والمسعودي في التنبيه والإشراف أسماء الذين كتبوا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجعلوهم مراتب، وقدروهم منازل، فكتاب يكتبون بين يديه -صلى الله عليه وسلم- فيما يعرض من أموره وحوائجه، وآخرون يكتبون بين الناس المداينات وسائر العقود والمعاملات، وآخرون يكتبون أموال الصدقات، وكاتب يكتب خرص الحجاز، أي: ما على النخل من الرطب، وآخر يكتب مغانم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وثالث يكتب إلى الملوك ويجيب على رسائلهم، ويترجم بالفارسية والرومية والقبطية والحبشية، وكتاب آخرون يكتبون الوحي.

ثم يعقب المسعودي بقوله: " وإنما ذكرنا من أسماء كتابه -صلى الله عليه وسلم- من ثبت على كتابته، واتصلت أيامه فيها وطالت مدته، وصحت الرواية على ذلك من أمره دون من كتب الكتاب والكتابين والثلاثة، إذ كان لا يستحق بذلك أن يسمى كاتبا ويضاف إلى جملة كتابه.

خُطت حروف القرآن الأولى ورسمت بالحبر على العظام والحجارة، وسعف النخل وجلود الحيوانات الرقوق، وعلى الورق والبردي، وعلى مواد مختلفة، فكيف كانت صورة الحرف والرسم هذه؟

لقد حمل العرب القرشيون أثناء رحلة الشتاء والصيف صورة الحرف من ديار الشام، وكان للأنباط دور كبير في تعليم القرشيين رسوم حرفهم ونهج إملائهم، وقد ظهر ذلك واضحاً جلياً في رسمهم للمصحف وإملائه.

والأنباط هم العرب الشماليون الذين امتدت دولتهم في القرن الرابع قبل الميلاد وما قبله من شمال الجزيرة العربية إلى جنوب الشام، وضمت فلسطين وشرق الأردن ودمشق، وسيطروا على البلاد الآرامية.

وكانت لهم حاضرتان هما سلع أو البتراء، أو الأصح ما كانت تسمى به البتراء قديماً وهي الرقيم، على ما تشهد به الوثائق الأثرية، وما إطلاق البتراء إلا اصطلاح أغريقي، والبتراء وسلع والرقيم تعني الصخرة.

والحاضرة الثانية هي الحجر أو مدائن صالح في الجنوب، وكانت هذه المنطقة حينئذ عامرة بالأشجار والمياه، لقد هيمن الأنباط منذ القرن الرابع قبل الميلاد على طرق التجارة بين جنوب الجزيرة العربية حتى البحر الأحمر، وبين الشام ومصر، وازدهرت مملكتهم بسبب توسطهم الطريق التجاري، إذ كانت البضائع تنتقل من الهند وإفريقيا الشمالية إلى اليمن، ومن اليمن إلى البحر الأبيض المتوسط عن طريق صنعاء، مكة، يثرب، العلا، الحجر، مدائن صالح، فالرقيم البتراء، ومنها كانت توزع إلى مصر و اليونان وإيطاليا والشام، وكانت البضائح خاضعة للرسوم المالية.

لقد ظلت الطريق التجارية بين مكة ويثرب والشام تسلكها القوافل حتى بعد ظهور الإسلام، وقوافل الحجيج أيضاً، وكان عرب الشمال يقيمون في مدائن صالح والبتراء الرقيم في غدوهم ورواحهم، فاقتبسوا منهم أساليب الحياة وطرق الكتابة.




وقد أدى ازدهار مملكة الأنباط وتدفق المال عليها إلى اتباعها في القرن الثاني قبل الميلاد سياسة الغزو، فسيطرت على جميع طرق القوافل التجارية واحتلت دمشق زمن ملكها حارثة الثالث.

لقد تأثر الأنباط بالحضارة الآرامية، وما لبثوا أن تمثلوا هذه الحضارة وابتدعوا حضارة جديدة، ومازالت المباني الضخمة في البتراء ومدائن صالح شاهدة على علو كعبهم في ميدان الفن والعمارة، كما أخبر عنهم القرآن الكريم في قوله تعالى:

? وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ ? [سورة الشعراء، الآية 149].

استخدم الأنباط بادئ ذي بدء الآرامية والقلم الآرامي في كتابتهم، وظلت الكتابة الأنباطية مستعملة بعد زوال مملكتهم لعدة قرون، فقد طوروا الخط الآرامي حتى ابتعد عن أصله عبر أدوار ثلاثة استغرقت بضعة قرون، إلا أن فنيت في الدور الأخير لتظهر في كتابة أخرى هي الكتابة العربية.

لقد الحل الأنباط محل الإيدوميين في القرن السادس قبل الميلاد، ومنهم أخذوا اللغة والكتابة الآرامية لاستخدامها في نصوصهم التذكارية وفي تجارتهم الدولية.

إن الكتابة النبطية هي أقدم الكتابات العربية الشمالية، وقد يرجع تاريخها إلى القرن الخامس قبل الميلاد، والكتابة النبطية هي كتابة آرامية سُجلت بلغة عربية، كما يدل على ذلك نص اكتشف في النقب عام تسعة وسبعين وتسعمائة وألف، وقدر زمنه في أواخر القرن الميلادي الأول، ويعرف هذا النص بنقش عبادة.

كما كتب بالحرف النبطي وباللغة العربية أيضاً النقش الشهير من عام ثمانية وعشرين وثلاثمائة ميلادية والمعروف باسم نقش امرئ القيس ملك العرب، المكتشف في موقع النمارة شرق جبل العرب جنوب سوريا، وهو محفوظ في متحف اللوفر بباريس.

وكذلك نقوش أخرى نرى فيها تحوير الخط الآرامي ليصبح مع الزمن أكثر ربطاً للحروف بعد أن انغلقت فيه بعض الحروف.

وأما نقش أم الجمال الذي اكتشف على بعد خمسة وعشرين كيلو متراً جنوب بصرى الشام، ويعود تاريخ للعام خمسين ومائتين ميلادية، وهو لقبر فهر بن سلم مربي جذيمة ملك تنوخ المعاصر لزينب ملكة تدمر، وقد كتب بالخط النبطي، نلاحظ فيه اندماج الحرف واتصاله، بحيث أصبح قريباً للحرف العربي واتصاله، ولو دققنا النظر في كتابته لوجدناه قريباً كل القرب لخطنا الحالي، ولنعمد إلى دراسة هذا النقش دراسة بليوغرافية فماذا نجد؟

في السطر الأول نقرأ " دنه نفشو فهرو " أي هذه نفس أو هذا قبر، ونلاحظ أن حرف الدال في دنه هو الغريبن ولو قلبناه لاستقامت الكلمة وأصبح الحرف عربياً.

وفي الكلمة الثانية " نفشو " والتي تتألف من مقطعين لو جمعنا المقطع الأول مع المقطع الثاني بتصرف بعد أن ننزل حرف الواو لقرأنا الكلمة بسهولة.

وكذلك كلمة " فهرو " وكلمة " بر " لننزل حرف الراء فإذا هي مستقيمة قوية.

وفي كلمة " سُليم " نلاحظ الوضوح، وكذلك في كلمة " مربي " " بر " و " جذيمة " و" ملك تنوخ " ونستطيع أن نقرأ النص بسهولة ونفهمه " دنه نفشو فهرو برشلي رب جزيمة ملك تنوخ " أي: هذا قبر فهر بن سليم مربي سليمة ملكة نوخ.

لقد تولدت الكتابة ونمت في شمال الجزيرة العربية في بلاد الأنباط، ثم انتقلت واتجهت مع قوافل التجارة إلى الجزيرة العربية إلى مكة والحجاز بعد أن اكتملت خصائصها، واستقرت قواعدها وصادفت استخداماً واسعاً، وحين استخدمها الصحابة -رضوان الله عليهم- استخدموها بمعرفة تامة في تدوين متطلبات الدولة الجديدة وتدوين القرآن، خلافاً لما يقوله ابن خلدون في مقدمته وابن قتيبة من أن الصحابة كانوا أميين لا يكتب منهم الواحد والاثنان، وإذا كتب لم يتقن ولم يصب بالتهجي، ووصمهم بالجهل في الكتابة.

إن كثرة الكتاب والتخصص في الكتابة ينافي وصم ما حدثنا عنه بعض المؤرخين، كما أن كثرة الكتب والرسائل التي أرسلها الرسول -صلى الله عليه وسلم- تبين أن الكتابة والقراءة كانت منتشرة في الجزيرة العربية وبين القبائل، وإلا فما جدوى كتابة كتب لأمة لا تقرأ.




وأما الخطأ في الهجاء الذي تحدث عنه ابن قتيبة وابن خلدون فإنه وهم ومردود بما سيتضح لنا من حذق الصحابة في تدوين الظواهر اللغوية التي سجلوها حين كتبوا القرآن العظيم، وهذا يظهر من خلال الرسم العثماني الذي كتب به المصحف الشريف.

إن التأمل في إملاء الأنباط يوضح عن مظاهر لا نعرفها اليوم في كتابتنا العربية، ففيها حروف يعبر رسم الحرف الواحد منها عن عدة أصوات، وفيها كلمات لا يتفق فيها المنطوق مع المكتوب.

ولقد حققت هذه الصورة وهذا الرسم تلك اللهجات والقراءات التي أقرهم عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفقاً لما تستطيعه ألسنتهم، ولحكمة أردها الله -سبحانه وتعالى- مثل الكلمات: " الحياة، الصلاة، الزكاة، النجاة، مشكاة، أشياعكم، جنات، العالمين " شاء الله أن يظل الوحي متجاوباً مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- من البعثة حتى الوفاة مدة ثلاث وعشرين سنة يتنزل عليه القرآن خلالها منجماً يعلمه كل يوم جديداً ويرشده ويهديه، ويثبته ويزيده اطمئناناً.

عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال:

بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين.

ونزول القرآن منجماً يعني نجوماً، أي خمس آيات خمس آيات لتيسير حفظ على المؤمنين في كل جيل.

لقد اكتمل نزول القرآن الكريم، وتولى النبي -صلى الله عليه وسلم- بنفسه ترتيب الآيات وتحديد مكانها في كل صورة طبقاً لما أخبر به الوحي.

لقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يملي القرآن على كتاب الوحي ويرشدهم إلى ترتيب الآيات والسور القرآنية، وقد ترك ترتيب السور في بادئ الأمر للصاحبة أنفسهم، ويقال: إن مصحف علي -رضي الله عنه- كان مرتباً حسب التنزيل، إذ ابتدأ بسورة اقرأ، فالمدثر، بالمزمل... وهكذا.

وكانت نسخة الصحابي ابن مسعود تبدأ بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران، ونسخة الصحابي أبي بن كعب تبدأ بالفاتحة، فالبقرة، فالنساء، فآل عمران... وهكذا، ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما اكتمل نزول القرآن رتب سوره على النحو الذي بين أيدينا اليوم، وانتقل إلى الرفيق الأعلى بعد أن انتظم القرآن في مائة وأربع عشرة سورة، سميت كل صورة بما ابتدأت بها، أو بكلمة وردت فيها، أو بموضوع بارز، أو بقصة تدور حولها.

وعرفت بعض السور بأكثر من اسم، كسورة الفاتحة التي عرفت باسم " أم الكتاب، والسبع المثاني " و "الحمد "، وسورة التوبة بـ " براءة " وسورة الأسراء بـ " بني اسرائيل " وسورة فاطر بـ " الملائكة " وسورة المؤمن بـ " غافر " وسورة محمد -صلى الله عليه وسلم- بـ " القتال " وسورة النبأ بـ " عم ".

إن ترتيب السور على ما نراه اليوم، كترتيب الآيات هو توقيفي من الله -عز وجل- بالرغم من أنه لم يجمع بين دفتي مصحف واحد زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم- فالقراء ومستظهرو القرآن كانوا كثيرين، وكان -عليه السلام- يترقب توالي نزول الوحي عليه، فالقرآن كله كتب في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غير مجموع في مصحف واحد، وقد أغنى عنه حفظ الصحابة له في صدورهم.

قال الزركشي: " وإنما لم يكتب في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- مصحف لئلا يفضي إلى تغييره في كل وقت، فلهذا تأخرت كتابته إلى أن كمل نزول القرآن بموته -صلى الله عليه وسلم- ".

وكان كل ما يكتب يوضع بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وينسخ الكتاب لأنفسهم نسخة منه، فتعاونت نسخ هؤلاء الكتاب والصحف التي في بيت النبي مع حافظة الصحابة الأميين وغير الأميين على حفظ القرآن وصيانته، مصداقاً لقوله تعالى:

? إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ? [سورة الحجر، الآية 9].

القرآن العظيم زمن أبو بكر وعمر رضي الله عنهما:

ألقت الخلافة قيادها إلى أبي بكر -رضي الله عنه- بعد غروب شمس النبوة، وواجته في خلافته مصاعب جمة، كانت أولاها في السنة الثانية عشرة للهجرة حين استشهد سبعون حافظاً أثناء موقعة اليمامة في حروب الردة، فهال الأمر سيدنا عمر بن الخطاب، وجاء يقترح على أبي بكر الخليفة جمع القرآن المكتوب متفرقاً في العظام والحجارة وسعف النخل والرقاع ومن أوراق وجدت في بيت النبي صلى الله عليه وسلم.




وشرح الله صدر أبي بكر فأخذ بمشورة عمر، وأسند المهمة لكاتب الوحي زيد بن ثابت، الذي شهر العرضة الأخيرة للقرآن في ختام حياته -صلى الله عليه وسلم- وزيد معروف بشدة ورعه، وعظم أمانته، وكمال خلقه.

يقول: زيد أرسل إليَّ أبا بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده فقال أبو بكر: " إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن " قت لعمر: كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟! فقال عمر: " والله إن هذا خير " فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، وقد رأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: وقال أبوبكر: إنك رجل شاب لا أتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتتبع القرآن فاجمعه، قال زيد: " فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن " قلت: " كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله -صلى عليه وسلم-؟ ".. فقال: " هو والله خير ".. فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من العشب واللخاف وصدور الرجال.

نسخ زيد القرآن العظيم في صحائف من الرق ذات طول واحد وعرض واحد، مرتبة بين دفتين، وربطها بخيط وأودعها بيت الخليفة أبي بكر، فلما توفاه الله انتقلت الصحائف إلى الخليفة عمر، ثم إلى ابنته السيدة حفصة أم المؤمنين -رضي الله عنهم أجمعين- قال علي رضي الله عنه: " رحمة الله على أبي بكر، كان أعظم الناس أجراً في جمع المصاحف، وهو أول من جمع بين اللوحين ".. وهكذا تغيرت الصورة التي كان عليها القرآن الكريم إلى صورة جديدة ذات مظهر حسن جميل.

لقد كتب زيد القرآن العظيم بنفس الخط والإملاء الذي كتب عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويجب أن نعلم أن العرب في هذه الفترة الزمنية كانوا يكتبون بنوعين من الخط، خط لين يميل إلى السهولة والاستدارة يسطرون به الرسائل والأمور اليومية، مثل رسالة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين وعامل كسرى عليها، وفيها:

"بسم الله الرحمن الرحيم:

من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى، سلام عليك، فأني أحمد الله إليك الذي لا إله غيره، وأشهد ألا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله، أما بعد:

أذكرك الله -عز وجل- فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه، ومن يطع رسلي ويتبع أمرهم فقد أطاعني، ومن نصح لهم فقد نصح لي، وإن رسلي قد أثنوا عليك خيراً، وإني قد شفعتك في قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل الذنوب فأقبل منهم، وأنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك، ومن أقام على يهوديته أو مجوسيته فعليه الجزية".

وأما النوع الثاني من الخط والذي كان سائداً فهو يابس جاف، يميل إلى التربيع والزوايا، يطلق عليه اسم: الخط المزوي، وتسطر به الشئون الجليلة العظيمة، وهو ما كتبت به الصحائف، وأطلق على نوع الخط هذا اسم الخط المكي فالمدني فالكوفي.

وهو أقرب ما يكون إلى صورة المصاحف الكوفية التي تختزنها متاحف العالم اليوم، كهذه الوثيقة التي يحتفظ بها المتحف البريطاني، وهي صفحة من القرآن الكريم من سورة " يس " من الآية الرابعة وحتى الآية الحادية والعشرين.

وهكذا تستمر الكتابات والآيات بالخط المكي المائل إلى قوله تعالى:

? اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ ? [سورة يس، الآية 21].

لأول مرة ظهرت كلمة: مصحف بعد أن جمع القرآن بين دفتين في عهد الخليفة أبي بكر --رضي الله عنه- وكان سالم بن معقل المتوفي سنة اثنتي عشرة للهجرة أول من أطلق على كتاب الله -عز وجل- هذه اللفظة والتسمية.




[/b]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
رهف
عربي مميز
عربي مميز


عدد المساهمات : 61
تاريخ التسجيل : 16/12/2009

مُساهمةموضوع: رحلة القرآن العظيم (2)   الإثنين أبريل 12, 2010 6:16 am

رحلة القرآن العظيم (2)
[b]امتدت الفتوحات في عصر سيدنا "عمر"، وسيدنا "عثمان" -رضي الله عنهما- وكثر الداخلون في الإسلام دين الله الحنيف: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) [ سورة النصر]، وازدادت حاجة الداخلين إلى معرفة تعاليم الدين الجديد؛ فظهرت المصاحف في الأمصار من إملاء كبار الصحابة الذين كانوا يُعلمون القرآن بلهجاتهم قراءاتهم السبع، التي أجاز لهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- القراءة بها تيسيرًا عليهم.

فكان أن ظهر الخلاف بين المتعلمين الذين يتلقون القراءة، وصار كل واحد يتطاول على أخيه بقراءته، ويخال أن قراءته هي الأصح، كما وقع الخلاف في جيش الفتح على أرض أرمينية، وتشاجر الجند فيما بينهم؛ بسبب اختلاف اللهجات في قراءة القرآن، مما دفع "حذيفة بن اليمان" أن يشكو أمرهم للخليفة "عثمان" بقوله: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب.

وتدارك عثمان الأمر، فجمع أعلام الصحابة وتدارس معهم أمر هذه الفتنة وأسبابها وعلاجها، واجتمع الرأي على ضرورة عمل نسخ من القرآن الكريم ترسل للأمصار، وتكون أصلاً لقراءة كتاب الله وكتابته، يرجع إليها كلما دعت الحاجة.

وأرسل سيدنا عثمان -رضي الله عنه- إلى أم المؤمنين "حفصة": أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها.

فشكل لجنة رباعية قوامها: "زيد بن ثابت"، و"عبد الله بن الزبير"، و"سعيد بن العاص"، و"عبد الرحمن بن الحارث بن هشام"، وقد حددت مهمة اللجنة في أن تعمل على إخراج نص مكتوب للقرآن العظيم من الأصل المحفوظ عند أم المؤمنين "حفصة"، وأوصى الرهط القرشيين الثلاثة قائلاً: إذا اختلفتم أنتم و"زيد بن ثابت" في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنه إنما نزل بلسانهم.

وكانت مهمة اللجنة صعبة في التوفيق بين لهجات العرب، ولكن لهجة قريش كانت ملاذهم الأخير.

شرعت اللجنة الرباعية في تنفيذ قرار الخليفة "عثمان" سنة خمس وعشرين للهجرة، واستغرق العمل سنة بكاملها، نسخت فيه اللجنة أربع نسخ على الرق، أرسلها الخليفة إلى "الكوفة" و"البصرة" و"الشام"، واحتفظ بنسخة له، وأمر بحرق كل صحيفة أو مصحف سواه.

وأرسل مع كل مصحف قارئًا؛ ليضع بذلك حدًّا لأي خلاف واختلاف يقع في الرسم أو في القراءة، فقد أرسل القارئ "المغيرة بن هشام" للشام، و"أبا عبد الرحمن السلمي" للكوفة، و"عامر بن عبد القيس" للبصرة.

قال سيدنا علي -رضي الله عنه-: لا تقولوا في عثمان إلا خيرًا، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا، ولو وليت ما ولي لعملت في المصاحف ما عمل.

أعاد سيدنا "عثمان بن عفان" الصحف التي اطلعت عليها اللجنة لأم المؤمنين "حفصة ابنة عمر" -رضي الله عنها- فاحتفظت بها ولم تفرط فيها، فلما توفيت أخذها "مروان بن الحكم" من أخيها "عبد الله بن عمر"، فغسلها ثم أتلفها وأحرقها.

كتبت المصاحف الأولى بخط مكي مدني واضح بيّن محكم رصين، ليس فيها تشكيل ولا تنقيط، خالية من أسماء السور والفواصل، وبينها وبين الآيات مساحة قليلة فارغة ليس فيها ما يشير إليها، وبمداد حبر أسود على رق، وبمقاس كبير شبه مربع، وبإملاء ورسم عرفا فيما بعد بـ"الرسم العثماني"، نسبة للخليفة عثمان -رضي الله عنه- مع أن عثمان لا علاقة له بهذا الرسم وهذا الإملاء، فلم يضع قواعده ولم يمل هجاءه، وإنما أمر بكتابته بذات الصورة التي كتب بها أيام النبي -صلى الله عليه وسلم-، والتي أوضحنا من قبل بأنها مستمدة من رسوم الأنباط الذين أثروا في إملاء العربية؛ لحكمة أرادها الله.

لقد كتب الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- القرآن العظيم برسم إملائي يجد فيه الدارس اليوم بعض الغرابة؛ لأنه يطلق حكمه من منطلق تطور الرسم الذي نكتب به اليوم، بعد أن تطورت الكتابة وأخذت رسومها حذفًا ووصلاً لكلمات كثيرة، وإن كثيرًا من الكلمات يتغير رسمها عن منطوقها أثناء درج الكلام وحين الوقوف، ولابد للمتأمل في الرسم أن يعلم أن قواعد الهجاء التي نكتب بها اليوم قد جاءت في مرحلة لاحقة بعد التطور الذي حل برسوم العربية من نقط وشكل وضبط.

ورسم المصحف بشكله القديم يفيد في توجيه القراءات التي نزل بها القرآن ولهجات العربية المختلفة.

فإضافة الألف مثلاً في ثمود في قوله: (وَعَادًا وَثَمُودًا) [الفرقان: 38] تفيد قراءة ابن كثير وأبي عمرو ونافع؛ لأنهم قرءوها بالتنوين (ثَمُودًا)، وزيادة الألف في (ملاقوا) (نصروا) (يعفوا)، كزيادة الألف في "مائة" أو الواو في "أولئك"؛ كي لا تقرأ منه أو "إليك"، لأن الكتابة كما نعلم لم تكن مشكولة ولا منقوطة من قبل.

وقد تحدثنا عن التأثيرات النبطية في الإملاء، كحذف الألف الطويلة كما في (العالمين)، وكتابة التاء المبسوطة في النبطية تكتب الأسماء المؤنثة بالتاء في معظم الحالات، كأن نكتب خالة "خلت"، ووائلة "ويلت"، وغزالة "غزلت"، وسنة "سنت".




إن سر الرسم القرآني العثماني يحتاج إلى دراسة مفصلة واعية بعيدة عن الهوى، وتتعلق بدراسة تطور الكتابة مما قبل عصر الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ لنحكم في النهاية على أن هذا الشكل من الرسم كان متطورًا في زمنه، ويوافق في كثير من الأحيان المنطوق المرسوم.

إن كتابة (الزكاة، الحياة، النداة، مشكاة، النجاة، الربا) من تأثيرات الكتابة النبطية، وتحمل أسرار الأصوات في طريقة النطق للهجة من اللهجات العربية التي نزل بها القرآن الكريم.

يقول "ابن الجوزي": إن كتابة الصحابة للمصحف مما يدل على عظيم فضلهم في علم الهجاء خاصة، وثقوب فهمهم في تحقيق كل علم.

واستدل "السيوطي" على قدم علم النحو: بما منه كتابة المصحف على الوجه الذي يعلله النحاة في ذوات "الواو، والياء، والهمزة، والمد والقصر"؛ فكتبوا ذوات "الياء" بالياء، وذوات "الواو" بالألف.

إن قواعد الإملاء العادي لم يتفق عليها واضعوها وهي عرضة للتغيير والتبديل، ومتطورة على مدى الزمن، فواجب الحذر والتحرز يقتضي من المسلمين أن ينزهوا القرآن في رسمه عن قواعد مختلف فيها ومطلوب تغييرها، وربما يؤدي الترخص في الرسم إلى التحريف.

وسبق أن حاولت "إسرائيل" وعمدت إلى تحريف كتاب الله؛ فطبعت مائة ألف نسخة سنة إحدى وستين وتسعمائة وألف ووزعتها في البلاد الإفريقية والآسيوية، وبدلت عبارات وحذفت أخرى، وأسقطت آيات.

ووجه شيخ الأزهر حينها برقية يقول فيها: إن "إسرائيل" التي قامت على البغي والطغيان، والاعتداء على المقدرات والمقدسات، ما زالت تعيش في هذا العبث، وتحيى في إطار هذا الطغيان، وإنها بتحريفها القرآن الكريم، تريد القضاء على معتقداتنا وديننا، وهي بذلك تمارس ما كان عليه آباؤهم من تحريف الكلم عن مواضعه.

وانعقد مؤتمر إسلامي استعرض جريمة التحريف، وكان الرد بتسجيلات المصحف المرتل، وتوزيع اسطوانات في الدول التي وزعت فيها "إسرائيل" المصاحف المحرفة، وباءت "إسرائيل" بالفشل والخزي، والله حافظ لقرآنه ومتمم نوره ولو كره الصهاينة.

يوجد في العالم اليوم أربعة مصاحف تنسب لسيدنا عثمان ولزمنه.

واحد في "طشقند"، ويعرف بالمصحف "السمرقندي"، حيث كان في جامع "خوجا عبيد الله الأحرار"، ثم اشتراه حاكم "تركستان" ونقله إلى "بطرس بيرج" فوضع في دار الكتب القيصرية، وكان الناس يزورونه، ثم نشرته جمعية الآثار القديمة على يد الخطاط المصور الروسي "باركس"، وطبعت منه خمسين نسخة.

ولما كان الانقلاب "البلشفي" أواخر سنة سبع عشرة وتسعمائة وألف ميلادية حمل المصحف في حفل عظيم وتحت حراسة مشددة من الجند إلى النظارة الدينية، وبقي فيها خمس سنوات.

وفي سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة وألف ميلادية نقل إلى "تركستان"، وبقي في "سمرقند" فترة طويلة، وهو الآن في "طشقند" في مكتبة الإدارة الدينية.

والمصحف السمرقندي هذا مكتوب على الرق بمساحة قدرها ثمان وستون بثلاث وخمسين سنتيمترًا، وعدد ورقاته ثلاثمائة وثلاث وخمسون ورقة، وهو خال من النقط والشكل والتزيين ومكتوب بخط كوفي محقق رصين، وكل صفحة من صفحاته تحتوي على اثني عشر سطرًا.

قال تعالى: (وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87) قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْهَا) [الأعراف: 87- 89].

ويتساءل بعض المؤرخين عن الطريق الذي وصل منه هذا المصحف الإمام إلى "سمرقند" ويفترضون حلولاً، فمنهم من قال: إنه كان هدية من السلطان المملوكي الملك الظاهر "ركن الدين بيبرس" لـ"بركة خان" -"خان" القبيلة الذهبية-؛ لأن "بيبرس" تزوج ابنته.

ومنهم من قال: بل هو المصحف الذي رآه "ابن بطوطة" ووصفه أثناء زيارته للبصرة، وانتقل منها على يد "تيمورلنك" إلى "سمرقند".

وصورة الخط في هذا المصحف هي أقرب ما تكون إلى صورة الكتابة التي كتب بها المصحف الإمام.

ومن النقاد من يقول: إن هذا المصحف لا يرقى إلى زمن الخليفة عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، وإن الصنعة ظاهرة عليه، ويشبه مصحف "القيروان"، ويعود للقرن الثاني أو الثالث الهجري؛ إذ الخطوط فيه مستقيمة وكأنها رسمت بمسطرة.

والمصحف الثاني المنسوب لسيدنا عثمان -رضي الله عنه- موجود بالقاهرة وهو مكتوب على الرق بدون شكل أو نقط.

يذكر "المقريزي": أن رجلاً من أهل العراق قدم إلى مصر في الخامس من المحرم سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة هجرية في خلافة "العزيز بالله الفاطمي"، وأحضر معه مصحفًا. ذكر أنه مصحف عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، وأنه كان بين يديه يوم الدار، وكان فيه أثر الدم. وذكر أنه استخرج من خزائن "المقتدر"، ودفع المصحف إلى "عبد الملك بن شعيب" المعروف بـ"ابن بنت ولد القاضي"، فأخذه "أبو بكر الخازن" وجعله في جامع عمرو وشهره، وجعل عليه خشبًا منقوشًا، وكان الإمام يقرأ فيه يومًا وفي "مصحف أسماء" يومًا، وذلك إبان "العزيز بالله" لخمس خلون من المحرم سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة.




ويعلق "المقريزي" على ذلك" بأن قومًا ينكرون أن يكون المصحف المشار إليه مصحف عثمان -رضي الله عنه-؛ لأن نقله لم يصح ولم يثبت برواية رجل واحد.

ويورد "السمهودي" خبرًا آخر يقول: إن بالقاهرة مصحفًا عليه أثر لدم عند قوله تعالى: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ) [البقرة: 137]، كما هو بالمصحف الشريف الموجود اليوم بالمدينة.

ويذكرون أنه المصحف العثماني، وكذلك بمكة، والمصحف الإمام الذي قتل عثمان -رضي الله عنه- وهو بين يديه لم يكن إلا واحدًا، والذي يظهر أن بعضهم وضع خلوقًا على تلك الآية تشبيهًا بالمصحف الإمام، ولعل المصحف هذا من المصاحف التي بعث بها "عثمان" رضي الله عنه.

ظل هذا محفوظًا بـ"مدرسة القاضي الفاضل"، وكان بها مكتبة لا نظير لها، ثم تفرقت هذه الكتب وتخربت المدرسة، فنقل السلطان الأشرف "قنسوه الغوري" هذا المصحف إلى القبة التي أنشأها تجاه مدرسته، وبقي فيها حتى سنة خمس وسبعين ومائتين وألف هجرية، ثم نقل مع آثار نبوية أخرى إلى المسجد الزينبي، ثم إلى خزانة الأمتعة بالقلعة، وفي سنة أربع وثلاثمائة وألف هجرية نقل إلى ديوان الأوقاف، ومن هناك في العام التالي إلى قصر عابدين، ثم إلى المسجد الحسيني في نفس السنة، وما يزال محفوظًا به حتى يومنا هذا.

وأما المصحفان الثالث والرابع فهما موجودان في "استانبول" واحد بمتحف الآثار الإسلامية، والآخر في متحف الأمانات المقدسة بـ"طبقابي سراي"، وكلاهما مكتوب على الرق بمداد حبر داكن وبمقاس مختلف وأسطر مختلفة.

ونقرأ في مصحف الخليفة عثمان -رضي الله عنه- ويقال: إن دماءه عليه وهو الموجود في "طبقابي":

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا (3) وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا (4) وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ) [النساء: 1- 4].

إن مصحف الخليفة عثمان هذا المحفوظ بـ"طبقابي سراي" منقوط باللون الأحمر، وفي آخر الآية أحيانًا دائرة تشغلها خطوط هندسية. وقيل: إنه كتب بخط الخليفة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- إلا أن هذه العلامات تؤكد على بطلان القول إنه من المصاحف العثمانية، كما أن فيه رقش ونقط وهذا ما ليس من مزايا المصاحف العثمانية.

ما قيل عن المصاحف المنسوبة:

تذكر بعض المصادر التاريخية: أن مصحف الإمام الخاص به كان محفوظًا في جامع قرطبة، وأنه ظل محفوظا به حتى سنة اثنتين وخمسين بعد الخمسمائة عندما نقله "عبد المؤمن بن علي" خليفة الموحدين إلى "مراكش"، وظل بالمغرب حتى عهد "بني مرين".

يروي "الإدريسي" في "نزهة المشتاق": إن جامع قرطبة كان يحتفظ في مخزنه الواقع إلى يسار المحراب بمصحف كان يرفعه رجلان لثقله، وهذا المصحف كان يضم أربع أوراق من مصحف "عثمان بن عفان" الذي خطه بيمينه، وفيه نقط من دمه.

لقد نظم الشعراء قصائد كثيرة، منها ما أنشده الوزير "يحيى بن محمد بن عبد الملك بن طفيل":

جزا الله عنا للأنام خليفة به شربوا ماء الحياة فخلدوا

بمصحف عثمان الشهيد وجمعه تبين أن الحق بالحق يعضدُ

رأى أثر المسفوح في صفحاته فقام لأخذ الثأر منه مــــؤيدُ

عندما نقل "عبد المؤمن بن علي" مصحف "عثمان" إلى المغرب، احتفل الناس في الاعتناء بكسوته، وأبدلها فبعد أن كانت من الجلد القاتم كساه بصفائح الذهب المرصعة بالآلي النفيسة والأحجار الكريمة من يواقيت وزمرد.

ولم يكن "عبد المؤمن بن علي" وحده الذي وجه اهتمامه بمصحف عثمان، فقد تابعه في ذلك أبناؤه وأحفاده، فكانوا يتفننون في تزيينه بمزيد من الجواهر النادرة، وأضيفت الأحجار الكريمة لدفتيه حتى استوعبوهما، وكانوا دائمًا يحضرونه في مجالسهم في ليالي رمضان، ويباشرون بالقراءة فيه، ويصفحون ورقه بصفيحة من الذهب تشبه المسطرة.

لقد أفاضت المصادر في وصف ما زينت به كسوة هذا المصحف بعد انتقاله إلى المغرب. يذكر "عبد الواحد المراكشي" أنه في عهد الخليفة الموحدي "أبي يعقوب يوسف" أرسل ملك صقلية إتاوة مالية للموحدين وفيها ذخائر لم يكن عند ملك مثلها، منها حجر ياقوت لا يقدر بمال، كان يسمى الحافر الأحمر، على شكل حافر الفرس؛ كللوا به غلاف المصحف العثماني إلى جانب أحجار كريمة نفيسة أخرى، وصنع للمصحف كسوتان واحدة من السندس الأخضر يخرج بها للناس عامة، وأخرى عظيمة قيمة يخرج بها لخاصة الناس.

كما صنع الموحدون محملاً خشبيًّا مرصعًا ومنقوشًا ومغلفًا بصفائح ذهبية، وصنع لذلك المحمل كرسي يحمله، رصع بدوره بأجمل اليواقيت وأحلى الدرر، ثم جعلوا لكل هذا تابوتًا كبيرًا مكعب الشكل به مشكاة، وقد ركب الصناع في أحد جوانبه بابًا عليه دفتان، وتفنن الصناع في طريقة فتح بابه وغلقه بحركات هندسية فنية، فقد كان له مفتاح يترتب عليه أربع حركات، أولها: انفتاح الباب بانعطاف الدفتين، ثم خروج الكرسي من تلقاء نفسه، ثم يتحرك المحمل في ذات الوقت من مؤخر الكرسي إلى مقدمه، فإذا تم خروج الكرسي والمحمل انغلق الباب من تلقاء نفسه.




قتل سيدنا عثمان -رضي الله عنه- وهو يقرأ القرآن، وصبغت دماؤه صفحات ومداد القرآن العظيم، وانتشر الإسلام في أرجاء الأرض ووصلت المصاحف التي أمر بها إلى الأمصار، وسارع المسلمون إلى نسخ المصاحف منها، حرفًا بحرف، وكلمة بكلمة، واشتُهر أئمة بالقراءة والكتابة، ولاقى القرآن عناية ما عرفت البشرية كلها بكتاب مثيلاً.

وتمر الأيام، ويدخل في الدين الجديد آلاف وآلاف من غير العرب أبناء البلاد المفتوحة، أولئك الذين لا يحسنون التكلم بالعربية، وهم يتشوقون لقراءة القرآن الكريم، وفهم معانيه، واتباع تعاليمه. فكان أن تسرب اللحن وفشا الغلط، وكان لابد من وضع ضوابط لشكل القرآن العظيم ولنطقه، حتى لا يخطئ فيه من كان أعجمي اللسان.

حكاية النقط .. الإعراب .. التشكيل

وكانت حكاية بداية نشوء النقط الذي نعني به اليوم "التشكيل" للحرف العربي: وهو إعراب اللفظ؛ كي لا يتسرب اللحن أي الغلط إلى اللسان، ويتغير المعنى ويفهم منه غير المقصود، فيختلط الأمر.

لقد سمع "ظالم بن عمرو بن سفيان" الشهير بـ"أبي الأسود الدؤلي" حوالى سنة ثمان وثلاثين للهجرة قارئا يقرأ قوله تعالى: (إن الله بريء من المشركين ورسولِه) بجر لام (رسولُه) بدل الرفع، وهذا كفر من غير شك، فقال "أبو الأسود": معاذ الله أن يتبرأ من رسوله. وأفزعه ذلك، وشعر بخطورة الأمر، فلجأ لسيدنا علي وشرح له ما يجول في فكره، فباركه وقال له: ما أحسن هذا النحو الذي نحوت.

وكان بدء علم النحو، وبدء الإعراب، وبدء النقط، وبدء التشكيل.

الصورة الأولى للتشكيل: النقط

لم تكن صورة التشكيل فوق الحروف كصورة التشكيل التي عليها حروف العربية اليوم، وإنما كانت كما وضعها "أبو الأسود الدؤلي" المتوفى سنة تسع وستين للهجرة، حين اختار رجلاً من "عبد القيس" وقال له: خذ المصحف وصابغا يخالف لونه مداد المصحف، فإذا فتحت شفتي فأنقط نقطة فوق الحرف، وإذا ضممتهما فأنقط أمامه نقطة، وإذا كسرتهما فأنقط تحته نقطة، فإذا اتبعته غنة أو تنوينا فأنقط نقطتين. حتى أتى على آخر المصحف.

فالتشكيل الأول كما نرى هو عبارة عن رسم دائرة نقطة بمداد حبر أحمر حتى لا تختلط بجسم الحرف، فوق الحرف لتدل على الفتحة، وتحت الحرف للخفض أي الكسرة، وفي وسط الحرف أو بين يديه للضمة، واستخدم النقطتين لتدل على التنوين.

(إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) [الأعراف: 206].

وفي سورة البقرة نشاهد النقط الذي هو الشكل، وهو نقط "أبو الأسود الدؤلي"، قال تعالى:

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

(الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبِالآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [البقرة: 1- 5].

وهكذا حلت مشكلة الإعراب، وصار القارئ في كتاب الله في المصحف الشريف في مأمن من الوقوع في لحن أو خطأ يشوه المعنى القرآني.

وظل هذا الأسلوب من الشكل متبعًا حتى أواخر القرن الهجري الأول، بل وحتى نهاية العصر الأموي سنة اثنتين وثلاثين ومائة للهجرة.

لم تبق الحركات من فتحة وخفضة وضمة وتنوين متفردة في القرآن الكريم بمداد أحمر لضبط كلماته، وإنما أضيفت إليها رموز جديدة لتعبر عن المهموز والتشديد والمدود، واستخدم لها اللون الأخضر والأصفر والبرتقالي واللازوارد؛ كي يدل كل لون على رمز صوتي.

فبينما مثلت النقطة الصفراء "الهمزة" عند أهل المدينة أصحاب الإمام "مالك بن أنس" المتوفى سنة تسع وسبعين بعد المائة من الهجرة وتبعهم في ذلك أهل المغرب والأندلس، كانت النقطة الخضراء والحمراء هي التي تمثل "الهمزة" عند أهل العراق والشام.

كما استخدموا النقطة الصفراء لتدل على "الشدة"، واستعمل أهل المدينة والمغرب والأندلس النقطة الخضراء لهمزة الوصل أو الحرف الذي لا يلفظ.

كما قامت طوائف من أهل الكوفة والبصرة فأدخلوا الحروف الشواذ في المصاحف، ونقطوها باللون الأخضر، وربما جعلوا الخضرة للقراءة المشهورة، وجعلوا الحمرة للقراءة الشاذة المتروكة، وذلك تخليط وتغيير كما يقول "الداني".

لقد بقي المصحف الشريف خلال هذه الفترة مكتوبًا بمداد حبر أسود أو داكن، ولم تمس حروفه ولم يتسرب إليها أي لون، وإنما كانت الإشارات النقاط فوق الحروف، هي التي استخدم المسلمون فيها الألوان.

يقول "الداني": "وأكره من ذلك وأقبح منه ما استعمله أناس من القراء وجهلة من النقاط، من جمع قراءات شتى وحروف مختلفة في مصحف واحد، وجعلهم لكل قراءة لونًا من الألوان المخالفة للسواد، كالحمرة والخضرة والصفرة واللازورد، وتنبيههم على ذلك أول المصحف ودلالتهم عليه هناك؛ لكي تعرف القراءات وتميز الحروف، إن ذلك من أعظم التخليط وأشد التغيير للمرسوم".

لقد لعبت الألوان بصورة نقاط للشكل فوق الحروف دورًا كبيرًا في العناية برسم المصحف على مدى أربعة قرون؛ كانت الغاية من ذلك ضبط القراءة حتى لا يخطئ قارئ القرآن في حرف صوتي.

ولقد كان التحفظ الصادق الأصيل في المحافظة على متن القرآن الكريم الذي كان عليه أيام "عثمان بن عفان" -رضي الله عنه-، فلم يمس أحد جسم الحرف المكتوب بمداد أسود على الرق؛ وما ذلك إلا لقطع السبيل على تحريفه بأية إضافة من الإضافات.

ومع ذلك فإن الجهود تتواصل حثيثة لاتخاذ التدابير التي تمنع التصحيف أو التحريف أو اللحن فيه.




[/b]

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
رهف
عربي مميز
عربي مميز


عدد المساهمات : 61
تاريخ التسجيل : 16/12/2009

مُساهمةموضوع: رحلة القرآن العظيم (3)   الإثنين أبريل 12, 2010 6:17 am

رحلة القرآن العظيم (3)
[b]? إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ?. [ سورة الحجر الآية 9 ].

في المصحف الذي يحتفظ به مركز دراسات الحضارة والفنون الإسلامية بقصر رقادة بالقيروان بتونس نشاهد النقطة الخضراء، وقد استخدمت لتدل على الهمزة، وهي طريقة البغداديين، بينما استخدمت النقطة الصفراء لتدل على الشدة، بينما أخذت النقطة الزرقاء في كلمة مرضاة وتحت الضاد لتدل على الإمالة.

قال تعالى:

? لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ? [ سورة التحريم، الآية 1 ].

لقد وصلتنا من هذه الفترة الزمنية أي القرن الهجري الأول والقرن الهجري الثاني عدة وثائق توضح لنا رسوم الحروف وطرق الشكل، والمتأمل في هذه المصاحف بالرغم من خلوها من الزخارف وتجردها من علامات نهايات الآيات ورءوس السور -فإنه يلاحظ روعة الفن في أداء رسوم هيكل الحرف، الذي يعبتره النقاد اليوم من أجمل الحروف وأكثرها حيوية.

وفي الوثيقة التي يحتفظ بها المتحف الإسلامي في القاهرة نلاحظ ما قلناه، ونشاهد فيها تجردها من نهايات الآيات ورءوس السور، ونقرأ من آيات أواخر سورة المؤمنون:

? وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ * قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ * وَمَن يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ? [ المؤمنون، الآية 109: 118 ].



وتأتي بعد ذلك سورة النور دون أن يكون لها رأس سورة أو أية إشارة تنبه إليها، وتبتدئ بالبسملة ثم بكلمة:

? سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا ? [ سورة النور، الآية 1 ].

ثم نقرأ في الوثيقة الثانية المحفوظة بالمتحف الإسلامي بالقاهرة:

? وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ . ? [ سورة المائدة، الآية 2، 3 ]

ونلاحظ جمال الحرف بهيئته الناصعة التي تدل على عظمة هذا القرآن العظيم الذي اعتنى به المسلمون أشد عناية، وكان التوفيق حليفهم لأنه كلام الخالق البارئ جل جلاله.

وتنتشر اليوم في متاحف العالم عدة مصحف تنسب لسيدنا علي -رضي الله عنه- واحد في مكتبة نور عثمانية في إسطنبول، وهو مصحف مكتوب بالذهب، وأحرفه مسورة بمداد أسود على رَق مستطيل الشكل، ونقرأ في هذا المصحف سورة الإخلاص، ونلاحظها وهي محفورة بالذهب مسورة:

? قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ? [ سورة الإخلاص، الآية 1 : 4 ].

ومصحف آخر موجود في خزانة الإمام الرضا بمشهد بإيران مكتوب على الرق، وقد أوقفه الشاه عباس الصفوي سنة ثمانٍ بعد الألف هجرية غير منقوط ولا مشكول، وليس فيه نقاط ولا رءوس آيات ونقرأ فيه من سورة الحجر:

? مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ * ِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ * وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ * وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ * وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ * وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ ? [ سورة الحجر، الآية 17 : 27 ].

وأما المصحف الثالث فتحتفظ به خزانة الإمام الرضا بمشهد أيضاً، وهو مكتوب على الرق، ويضم من سورة هود إلى آخر سورة الكهف. وهذا ما بقي منه عبر الأزمان، والصفحة هذه مكتوبة بخط كوفي متحول مع الإعراب والإعجام بألوان مركبة، وفيه الصحفة الثانية والثالثة مذهبتان، ونقرأ صفحة منه من سورة النحل:

? وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ ? [ سورة النحل، الآية 78 : 80 ].




ونلاحظ هنا داخل دائرة العدد ثمانين، والأعداد لم تستخدم زمن سيدنا علي -رضي الله عنه- وبديهي أن العدد قد أُقحم إقحاماً، وهذا ما سنراه في الحلقات القادمة، كما أن إقحام العدد لا يدل على عدم نسبة المصحف لسيدنا علي -رضي الله عنه- كما يحتج بعض دارسي المخطوطات ويعتبرونه محدثاً لا يمت بصلة لزمن علي -رضي الله- أو عهده، ولكنا نعلم أن الأجيال كانت تتوارث هذه الوثائق وتجمل فيها وتحسن وتضيف وتُذَهب، كما حدث في السيوف المنسوبة للأئمة ولرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وليس بضائر ذلك من وجهة الدراسة النقدية، ونتابع مشاهدة نص هذه الوثيقة ونقرأ:

? وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ .. ? [ سورة النحل الآية، 81 ].

ونرى أيضاً من جملة ما يشك في نسبة هذا المصحف لسيدنا علي -رضي الله عنه- أن كلمتي أكناناً وسرابيل قد رُسم فيهما حرف الألف مع أن قاعدة الرسم في ذلك الزمن لم تكن تثبت حرف الألف.

ومصحف آخر محفوظ في مدينة النجف في العراق مكتوب على الرق، فيه شكل للحركات وعلامات للعشور، وفي الصفحة أربعة عشر سطراً، ونختار صحفة منه لنلاحظ أسلوب الخط والكتابة، ونقرأ من سورة الرعد من الآية الثالثة عشرة:

? .. لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وغَيْرُ صِنْوَانٍ يُّسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ ? [ سورة الرعد، الآية 3، 4 ].

و تستمر الآيات حتى نهاية الصفحة بقوله تعالى:

? فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ .. ? [ سورة الرعد، الآية:13 ].

أما المصحف الذي يحتفظ به متحف طوبقابي بإسطنبول فإنه كتب الرق المبشور، أي رق أُستعمل من قبل ثم أُزيلت الكتابة منه وكتب عليه مرة ثانية، وعدد أوراقه مائة وسبع وأربعون ورقة، ونجد في آخره: وكتبه علي بن أبي طالب، وفي الصفحة سبعة أسطر بدون نقط، إلا أنه مشكول بالأحمر والأخضر، ونقرأ فيه من سورة الفاتحة:

? وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ?5? اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ?6? صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّين ? [ سورة الفاتحة، الآية 5 : 7 ].

وفي صفحة أخرى منه:

? كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ? [ سورة البقرة، الآية 219 ].

كتبه علي بن أبي طالب.

ومصحف آخر في متحف طوبقابي بإسطنبول يُنسب لعلي -رضي الله عنه- مكتوب على الرق، فيه حركات الإعراب، وآخر الأدوات دوائر، كما حُليت أسماء السور كلها بالذهب، لقد كان سيدنا علي -رضي الله عنه- من كتاب الوحي، وكان ذا خط حسن؛ بل خطاطاً لا يجاريه بجمال خطه أحد من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

إذا كانت مشكلة الإعراب قد حُلت بنقط أبي الأسود الدؤلي وصار القارئ لا يخطئ في القراءة فإنه مازالت الصعوبات أمام الأعجمي قائمة ليميز بين الحروف المتشابهة في السورة، فكيف يميز بين الباء والتاء والثاء والجيم والحاء والخاء وهكذا لبقية الحروف؟ لقد كثر التصحيف حتى قيل بأن كتاب عثمان لعامل مصر كان مكتوباً فيه. " إذا جاءكم الرجل فاقبلوه " فقرئت فاقتلوه. فكانت الفتنة والانقلاب على عثمان، وتصدى لهذا العمل نصر بن عاصم المتوفى سنة تسع وثمانين للهجرة، فأعاد النقط للحروف المتشابهة في القرآن ولكن بخطوط مائلة صغيرة حتى لا تختلط مع نقط التشكيل، وكان ذلك زمن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان المتوفى سنة ست وثمانين للهجرة، وبتكليف من الحجاج بن يوسف الثقفي المتوفى سنة خمس وتسعين للهجرة، وفي الوثيقة المحفوظة في المكتبة البريطانية بلندن نشاهد نقط نصر بن عاصم على صفحة ترجع إلى القرن الهجري الثالث، وهمزة القطع بلون أخضر، قال تعالى :

? نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ * وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأوَّلِينَ * أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ * كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ * أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ .. ? [ سورة الشعراء، الآية 193: 205 ].




اختلف أهل المشرق والمغرب في نقط الفاء والقاف، فأخذ أهل المغرب القاعدة القديمة الأولى ونقطوا الفاء بنقطة من الأسفل، والقاف بنقطة من الأعلى، وتركوا حرفي القاف والنون بدون نقط في حالة الإفراد والتطرف؛ لأنهما لا يلتبسان بحروف أخرى، ونهج أهل المشرق على رسم نقطة على الفاء ونقطتين على القاف، ونقطوا المفرد والمتطرف، وفي الوثيقة المحفوظة في المكتبة البريطانية نشاهد نقط الفاء والقاف على الطريقة المغربية، فنقطة الفاء من الأسفل ونقطة القاف من الأعلى، كما نشاهد حرف النون المتطرف وهو خال من النقط. لقد استخدم الخطام النقطة الصفراء لتدل على همزة القطع، والنقطة الخضراء لتدل على همزة الوصل. قال تعالى:

? إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا * وَيَنصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا * هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَللهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزًا عَظِيمًا * وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ? [ سورة الفتح، الآية 1، 6 ].

الرموز الفنية في المصحف الشريف

ظل المصحف الشريف خلال النصف الأول من القرن الهجري الأول مجرداً إلا من بعض رموز أبي الأسود، وإذا كانت الكوفة قد أخضعت خط المدينة لقواعد الصنعة فإن دمشق قد دفعت بالخط الكوفي مراحل نحو التقدم والتحسن، ونتج عن ذلك خط جميل هو الخط الشامي، وكان من الطبيعي أن يظهر خط شامي ودمشق أيام الأمويين عاصمة الملك.

لقد تم نقط الحروف المتشابهة في القرآن زمن عبدالملك، وجمع الحجاج بن يوسف الثقفي فقهاء المسلمين وأحضر القراء فمكثوا أربعة أشهر يصلون ليلهم بنهارهم حتى عدوا آيات وكلمات وحروف القرآن العظيم، وسووا أجزاءه وقسموه إلى ثلاثين جزءاً، وستين حزباً، ومائتين وأربعين ربعاً، وأربعمائة وثمانين عشراً، وعدد آيات القرآن العظيم على طريقة الكوفيين وهو الرأي الراجح ست وثلاثون ومئتان وست آلاف آية، وعدد كلماته تسع وثلاثون وأربعمائة وسبع وسبعون ألف كلمة، وعدد أحرفه خمسة عشر وثلاثة وعشرون وثلاثمائة ألف حرف.

إن هذا الترتيب للقرآن الكريم في زمن الحجاج لم يكن نابعاً من فراغ، وإنما كان قبل ذلك لتسهل على الحفاظ المراجعة الدائمة لآيات القرآن العظيم، فقد أخرج أحمد في مسنده وأبو داوود وابن ماجة عن أوس بن حذيفة أنه سأل أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حياته كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: " ثلاث وخمس وسبع وتسع وإحدى عشرة، وحزب مفصل من سورة قاف حتى يُختم ".

وقد كان سيدنا عثمان -رضي الله عنه- حريصاً على أن يتلوا القرآن العظيم جميعه كل أسبوع، فكان يبدأ ليلة الجمعة بقراءة سورة البقرة حتى نهاية المائدة، ويبدأ ليلة السبت في قراءة سورة الأنعام حتى نهاية سورة هود، ويبدأ ليلة الأحد بقراءة سورة يوسف حتى نهاية سورة مريم، ويبدأ ليلة الاثنين بقراءة سورة طه حتى نهاسة سورة طسم، ويبدأ ليلة الثلاثاء بقراءة سورة العنكبوت حتى نهاية سورة " ص " ويبدأ ليلة الأربعاء بقراءة سورة الزمر حتى نهاية سورة الرحمن، ويختم ليلة الخميس ما بقي من سور القرآن الكريم، وقد كان هذا التقسيم أساساً لما عُرف بأحزاب المصحف، وهي سبعة على عدد أيام الأسبوع، ولقد طرأ عليها التعديل بعد عثمان -رضي الله عنه- كما شاع في فيما بعد قسمة كل جزء إلى جزأين وكل حزب إلى أربعة أرباع.

لم يكن المصحف الشريف يحمل رموزاً تشير إلى هذه التقسيمات الفنية، وإنما كان مجرداً ليس فيه إلا الحرف، ثم استحب النساخ كتابة العناوين في رأس كل سورة حتى يميزوها عن جسم القرآن العظيم كي لا يعتقد الناس بأنها من القرآن، كتبوها بالذهب وبلون مغاير، وابتعدوا لها خطاً مورقاً، كما وضعوا رموز الفاصلة عند رءوس الآي فاستخدموا في البدء مجموعة من النقط على هيئة مثلث، ثم تطور هذا الشكل فاستعاضوا عنه بدائرة، وأدخلوا فيها حرفاً ليدل على العدد، ونحن نعلم أن العرب قد استعملوا حروف الهجاء للتعداد والتأريخ والسنوات، فكانت تسعة أحرف للآحاد ومثلها للعشرات ومثلها للمئات، واستخدم حرف واحد للألوف، وتسمى الحروف الهجائية في حساب الجُمل.

استعمل المسلمون الأوائل حرف الهاء للدلالة على العدد خمسة، ووضعوه داخل دائرة عند انتهاء خمس آيات، وسموا ذلك بالتخميس، واستعملوا عند نهاية كل عشر آيات حرف ياء داخل دائرة للدلالة على العدد عشرة، وسُمي ذلك بالتعشير، كما استخدم بعض نساخ القرآن العظيم رأس خاء للخمسة، و رأس عين للعشرة، ووضعوا حرف هاء بلون مذهب للدلالة السجدة.




ظهور الأرقام

ذكر القرآن العظيم الأرقام بالكلمات كما في قوله : ? ثَانِيَ اثْنَيْنِ ? [ سورة التوبة، الآية 40 ] ? تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ? [ البقرة، 196 ] ? وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا ? [ سورة الكهف، الآية 25 ] ? فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ ? [ سورة العنكبوت، الآية 14 ] ? فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ? [ سورة المعارج، الآية 4 ] يسمى نظام كتابة الأرقام بالحروف حساب الجُمل، ويقضي بأن تساوي حرف الألف واحداً والباء اثنين والجيم ثلاثة والدال أربعة والهاء خمسة، وهكذا، فالحروف التسعة الأولى تحمل الآحاد، والتسعة الثانية هي الهاء والكاف واللام والميم والنون والسين والعين والفاء والصاد تحمل العشرات، والتسعة الثالثة وهي القاف والراء والشين والتاء والثاء والخاء والذال والضاد والظاء تحمل المئات، ويحمل حرف الغين رقم الألْف، إن هذا التقسيم عرفه العرب قبل اتصالهم بالهنود، ويسمى التقسيم والنظام هذا بالنظام العُشري، وقد أخذه العرب والهنود عن البابليين، إلا أن التطور الحضاري الذي مر به العرب في ظل الإسلام دفعهم إلى التفكير بطريقة تكون أيسر من حساب الجُمل هذا، لقد استعمل العرب والمسلمون نظام حساب الجمل في البدء في عد آيات القرآن الكريم زمن الحجاج وكان التخميس والتعشير، إلا أن اتصالهم بالحضارات القديمة دفعهم إلى اكتشاف نظام جديد حين وجدوا أن الهنود قد تخلصوا من الحروف ووضعوا لكل رقم شكلاً يدل عليه.

وقد كان الفلكي محمد الفزاري الكوفي المتوفى سنة ثمانين ومائة هجرية وقد وضع كتاب السند هند الكبير، شرح فيه فكرة الأعداد الهندية ورسم أشكالها، وكان هذا الكتاب فاتحة فتحت الطريق لعالم الرياضيات محمد الخوارزمي المتوفى سنة اثنين وثلاثين ومائتين هجرية حيث أعاد كتابة هذا الكتاب، وأضاف إليه الشيء الكثير.

إن الأرقام التي استعملها العرب والتي نكتب بها اليوم لم تكن الهندية صورة كما يخطئ بعد المثقفين ويدعونها بالأرقام الهندية، إن شكل الرقم العربي مختلف عن الهندي صورة، وما أخذه العرب عن الهنود هو فكرة النظام العشري، يقول الأستاذ قدري حافظ طوقان: " كان للهنود أشكال عديدة للأرقام هذب العرب بعضها، وكونوا من ذلك سلسلتين عرفت إحداهما بالأرقام الهندية، وهي التي تستعملها أكثر الأقطار العربية والإسلامية، وعرفت الثانية باسم الأرقام الغبارية، وانتشر استعمالها في بلاد المغرب والأندلس، وعن طريق الأندلس وبواسطة المعاملات التجارية، دخلت هذه الأرقام البلاد الأوروبية، وعُرفت باسم الأرقام العربية، إن صور الأرقام الهندية تختلف اختلافاً كبيراً عن أشكال الأرقام العربية، كما أن منشأ الأرقام العربية والتي تدعى بالغبارية لا علاقة للهنود بها، وإنما هي صورة الأحرف العربية، وليس صحيحاً أنها قامت على تعداد الزوايا، وقد جمعها بعضهم في هذه الأبيات.

ألف وحاء ثم حج بعده ** عين وبعد العين عُوٌّ تُرسم

هاء وبعد الهاء شكل ظاهر ** يبدو كمخطاف إذا هو يُرقم

صفران ثامنها وقد ضما معاً ** والواو تاسعها بذلك تَختم

لقد ذكر الخوارزمي نوعين بشكل الأرقام، ظل الأول مستعملاً واختفى الثاني بعد أن تحول إلى أصل الأرقام المستعملة في العالم اليوم مع تغيير بسيط، وشكل الأرقام اليوم لا يمت بصلة إلى شكل الرقم الغباري، إن الأرقام المشرقية هي الأصل، وهي التي شاعت قديماً وحديثاً، واستُعملت في المخطوطات العامة وفي مخطوطات الحساب، وإلى عهد قريب كان الجزائريون يزينون مخطوطاتهم بها، وأقدم مخطوطة ظهر فيها شكل الرقم الغباري هو مخطوط ابن الياسمين الذي مات ذبيحاً بمراكش عام واحد وستمائة هجرية، ويوضح هيئة الأرقام كما تستعمل اليوم عدا شكل الأربعة والخمسة فهما تشذان عن ذلك، ومن المؤسف أن يظهر هذا الرقم المغترب في المصاحف ظناً بأنه الرقم العربي الأصيل.

ظلت أشكال الأرقام المشرقية سائدة في جميع بلاد المشرق العربي والإسلامي، وتطورت مع تطور الحرف العربي، وسارت ليونة الحرف حتى أصبحت جزءاً من التراث، لعب الفن والذوق الرفيع عند الفنان المسلم دوراً كبيراً، فأحدث أشكالاً جميلة مذهلة لصنع هذه الرموز استمدها من الطبيعة الورافة الغناء، وكانت الأزهار أحد مصادر إلهامه ليستقي منها آلاف الأشكال بشكل مجرد، وهكذا نشأ الفن الإسلامي التجذيبي لخدمة القرآن العظيم، وكانت آياته في التأمل في خلق الله الباعث الحثيث على صياغة جمالية هذا الفن المذهل.




لقد أسهم الخطاطون في تجويد المصاحف وتحسين كتابتها، وحملوا لواء تطور الحرف العربي، فقد ظهر الخطاط قطبة المحرر فابتدع أقلام الجليل والطومار والثلث والنصف في العصر الأموي، وكان من قبل مؤسسُ الدولة سيدنا معاوية -رضي الله عنه- خطاطاً وكاتباً للوحي عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما ظهر الخطاط خالد بن أبي الهياج أيام الوليد بن عبدالملك، وكان يخط المصاحف بالذهب، وهو الذي كتب محراب المسجد النبوي بالمدينة.

وأصبحت دمشق حتى منتصف القرن الهجري الثاني قبلة الخطاطين والمُذَهبين والمبدعين، لقد وصلنا من الفترة الأموية عدة مصاحف ففي متحف طوبقابي بإسطنبول مصحف كُتب عليه أنه كُتب سنة اثنتين وخمسين هجرية بخط عقبة بن عامر، إلا أن كتابة الاسم والتاريخ مضافة فيما بعد، والخط أندلسي مشكول على طريقة الخليل، ضمة وفتحة وشدة بالأزرق، والنقاط بالأحمر، وفي نهاية الآيات علامات مزخرفة، وفيه تقسيمات للأرباع والأخماس والأجزاء، ودوائر هندسية زخرفية، ولا نشك في أن المصحف متأخر جداً عن التاريخ الذي زُعم أنه كتب فيه.

ومصحف آخر في طوبقابي بإسطنبول كتبه حُدَيج بن معاوية بن مسلمة الأنصاري للأمير عقبة بن نافع الفهري سنة تسع وأربعين من الهجرة، والشكل فيه بالأحمر، فيه نقاط، وجعل حوله ورقاته إطاراً من الذهب، وخطه أقرب إلى النسخ المدور منه إلى الكوفي، وفي خطه خصائص لا توجد في أي من المصاحف التي نُسبت للقرن الهجري الأول، وفي المتاحف اليوم مصاف تنتسب لآل البيت -رضي الله عنهم- إذ تحتفظ مكتبة الإمام الرضا في مشهد بإيران بثلاثة مصاحف تنسب إلى الأئمة، الأول منسوب للحسن -رضي الله عنه- وهو ناقص يبدأ من قوله تعالى:

? .. بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ? [ سورة يس، الآية 27 ]

وآخره:

? .. وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ? [ سورة فصلت، الآية 45 ]

وكُتب فيه: كتبه حسن بن علي بن أبي طالب في سنة إحدى وأربعين، ويحمل أربعاً وعشرين ومائة ورقة.

ومصحف آخر منسوب للحسين -رضي الله عنه- وفيه حركات الإعراب، ويحمل واحدة وأربعين ورقة، وأوله:

? ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ? [ سورة الكهف، الآية 82 ].

من سورة الكهف، وصفحته من سبعة أسطر، لكن ليس لدينا ما يؤكد أن هذين المصحفين يعودان بالفعل للحسن والحسين رضي الله عنهما.






[/b]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
رهف
عربي مميز
عربي مميز


عدد المساهمات : 61
تاريخ التسجيل : 16/12/2009

مُساهمةموضوع: رحلة القرآن العظيم (4)   الإثنين أبريل 12, 2010 6:18 am

رد: رحلة القرآن العظيم (1)
[b]رحلة القرآن العظيم (4)


ظل أسلوب أبو الأسود الدؤلي في شكل الحروف وضبطها والذي عرف بالنقط في المصاحف متبعاًً حتى ظهر الخليل بن أحمد الفراهيدي في القرن الثاني الهجري.

فابتكر هذا النابغة العبقري أشكالاً جديدة ورموز وصوراً جعلها بدل نقاط الدؤلي الحمراء، ومن أضاف عليها رموز النقاط الخضراء والصفراء وغيرها، وأراح الناس والكتاب من مشقة الكتابة بالألوان، ورغم سهولة أشكال ورموز الخليل فقد رفضها في البداية فريق من المتشددين وظلوا متمسكين بنقط أبي الأسود حتى القرن الخامس الهجري.

حيث تم استبدال خط المصاحف الكوفي المحقق بخط نسخي شامي رشيق، وكان من الطبيعي زوال نقط أبي الأسود عند أهل المشرق وبقائه ببعض الرموز عند أهل المغرب بسبب الخصائص الفنية والفروق التي أملتها طبيعة الخط المشرقي والمغربي.

إن خط الكوفة الرصين يقبل نقط أبي الأسود لاتساع حروفه وتمطيط فراغاته، وبزواله من كتابة المصاحف الشريفة في القرن الخامس الهجري زالت الأشكال والرسوم الخاصة به وبظهور خط النسخ في المصاحف كان لابد من استخدام الأشكال والرموز التي ابتكرها الخليل والتي سار عليها أهل المشرق.

أما أهل المغرب فقد طوروا خط الكوفة اليابسة وحافظوا على بعض قواعده، فكان أن شكل حرفهم ببعض رموز أبي الأسود الدؤلي ورموز الخليل بن أحمد.

إن سطراً واحداً في المصحف المكتوب بخط الكوفة المحقق لا يتسع لأكثر من خمس كلمات، بينما نراه في خط النسخ يتسع لأكثر من عشر كلمات؛ وذلك سبب من أسباب هجران نقط أبي الأسود.

لقد ابتكر الخليل ثماني علامات للحروف الصوتية أبدلها بنقط أبي الأسود وهي الفتحة التي رسمها ألفا مبطوحة فوق الحرف، والخفضة "الكسرة" ألفاً مبطوحةً تحت الحرف، والضمة واواً صغيرة، ورمز للتنوين بعلامتين من جنس الفتحة والخفضة والضمة، إلا أن بعض نساخ المصاحف فيما بعد اتخذوا حرف نون صغير فوق الحرف علامة للتنوين.

ورمز الفراهيدي للسكون برأس حرف الخاء وقد أخذه من كلمة خفيف، واتخذ بعض النساخ حرف الميم علامة للسكون وأخذوها من كلمة جزم.




ومع مرور الزمن ذهب ذيلها وبقي رأسها، أما الشدة فقد اختارها الخليل من الحرف الأول لكلمة شديد ووضعها بدون نقط واعتبرها من علامة الإدغام ورسم الهمزة رأس عين، ووضع للوصل كلمة صل، وللمد كلمة مد، ثم تطور شكل المدة إلى ما نعرفه، وشكل الوصل إلى حرف صاد صغير، وسار سائر أهل المشرق على إتباع هذا النهج والرسم، وخالف أهل المدينة ومن تابعهم من أهل المغرب والأندلس فرسموا الشدة حرف دال فوق الحرف للدلالة على الشدة مع الفتحة وتحت الحرف للدلالة على الخفضة وبشكل مقلوب للدلالة على الشدة مع الضمة، ثم تطور الرسم فاتخذ شكل القوس، ثم تطور فيما بعد إلى الأشكال الحادة الزوايا ورمز المغاربة للضمة حرف راء مقوس وأخذوه من كلمة رفع، وعاشت هذه الأشكال لتدل على خصائص الخط والرسم المصحفي المغربي واستعاروا الرموز الأخرى من المشارقة أصحاب الخليل.

بالرغم من إعادة النقط على حروف المصحف الشريف على يد نصر بن عاصم فإن ابتكار رموز جديدة للحروف خشية التصحيف كانت تسير على أيدي الخطاطين لتكسب الخط العربي جمالاً وجلالاً فابتدعوا علامة الميزان ووضعوها فوق حرفي الراء والدال للتفريق بين الدال والزاي.

ثم أضافوها لحرف السين للتمييز بينه وبين حرف الشين، ووضعوا داخل حرف الكاف المفرد الأخير حرف كاف صغير للتفريق بينه وبين حرف اللام، وتطور الشكل مع الأيام وصغر حتى أصبح كالهمزة.

إن هذا الإصلاح في طريقة رسم الحروف ونطق الكلمات كان الدافع إليه الرغبة الصادقة في المعاونة على تلاوة صحيحة وفهم لكتاب الله عز وجل وهكذا تحددت معالم صورة المصحف الشريف كما نعرفه اليوم.

ارتبط الخط العربي بالإسلام ونشأ وتطور في رحاب القرآن ونظر المسلمون إلى الحرف نظرة حب واحترام وسخروا معارفهم لخدمة كتاب الله عز وجل وارتفعوا به إلى مراتب أعلى مراتب الجمال، وتزخر متاحف العالم اليوم بروائع من المصاحف التي تنبئ عن رحلة طويلة يحكي فيها الحرف عن أسراره وعن مكنونات تطوره عبر هذا الزمن الطويل.

لقد كتب المصحف الشريف منذ نزوله بخط رصين وهاجر مع هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومن ثم إلى الكوفة التي أرسى فيها قواعده زمن سيدنا عمر وسيدنا عثمان وسيدنا علي.

واتخذ من الكوفة نسباً فعرف بالكوفي ورحل مع الفاتحين فشرق حتى دخل الصين، وغرب حتى وصل حدود فرنسا في آيات وسور من الإعجاز.

إن ما كتب من مصاحف في القرون الثلاثة الأولى من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن إلا بقلم واحد أطلق عليه القلم الكوفي، وحمل ذات الصفات بين المشرق والمغرب مع بعض التطور الجمالي في المشرق، ولم تسعفنا الأيام بمصحف كامل من هذا الزمن، وما وصلنا وما تبقى إن هو إلا صحائف متناثرة في خزائن المتاحف العالمية.

لقد أنشأ العرب الكوفة بمقربة من الحيرة عاصمة اللخميين، أنشأها سعيد بن أبي وقاص بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنهما بين عامي سبعة عشر وتسعة عشر للهجرة، وبظهورها فقدت الحيرة والأنبار ما كان لهما من أهمية.




كانت الكوفة أول أمرها معسكراً من الخيام، ثم تحولت بمرور الزمن إلى منتجع دائم شيدت مبانيه باللبن، وما لبثت أن نمت واتسعت باتساع الفتوحات العربية من ناحية الشرق وظلت للمدينة مكانتها العمرانية والسياسية حتى سلبتها دمشق سلطانها السياسي مع زوال خلافة سيدنا علي رضي الله عنه.

ونافستها البصرة منافسة شديدة في ميدان العلوم واتخذها أول الأمر العباسيون عاصمة لهم ولم يقيموا فيها، وبتأسيس بغداد فقدت الكوفة كل ما كان باقياً لها من مكانة، وإن بقيت عمارتها حتى القرن الخامس الهجري وتدهورت بعد ثورات الزنج، وغارات بني مزيد والتتار وعندما زارها ابن بطوطة كانت قد أجهزت عليها قبائل بني خفاجة ولم يبق من عمرانها إلا الأطلال، وتسمية الخط بالكوفي راجع إلى مألوف العرب الأوائل في تسمية الخطوط التي انتهت إليهم بأسماء المدن التي وردتهم منها فعرف الخط قديماً بالنبطي والحيري والأنباري والحجازي والمكي والمدني ثم بالكوفي.

وقد عرف الخط العربي باسم الكوفي؛ لأنه انتشر من الكوفة إلى أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي مصاحباً لانتشار الإسلام، ولقد كان للكوفة نوعان أساسيان من الخط، نوع يابس ثقيل صعب الإنجاز تؤدى به الشؤون الجليلة، وآخر لين تجري به اليد في سهولة، وهذا ما ورد في كتاب الفهرست لابن النديم.

كما وصلتنا وثيقة تثبت ما نقوله وهي ورقة بردية من عامل عمر بن العاص على قرية أهناسيا في صعيد مصر، وهي مؤرخة سنة اثنتي وعشرين هجرية زمن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكتبت بخط مدني لين أطلق عليه خط التحرير وباللغتين العربية واليونانية ونقرأ فيها.. بسم الله الرحمن الرحيم..

"هذا ما أخذ عبد الله بن جبير وأصحابه من الجزر من إهناس أخذنا من خليفة تزرق ابن أبو قير الأصغر ومن خليفة اصطف ابن أبو قير الأكبر خمسين شاة من الجزر، وخمس عشرة شاة أخرى، شهر جماد الأولى من سنة اثنتين وعشرين".

ونستطيع أن نميز أيضاً خلال القرون الثلاثة الأولى من الهجرة بين عدة أنواع من الخط الكوفي، بين خط نشأ في الحجاز والشام والعراق، وخط تطور في هارات بإيران وانتقل بعضها إلى بلاد الهند والسند والأفغان والصين وخط ترعرع في القيروان وهاجر لبلاد الأندلس وإفريقيا، وكل واحد منهم يحمل صفات وخصائص جمالية يختلف فيها عن أخيه، كما حملت لنا الوثائق أنماط للخطوط الكوفية عرفت باسم التئن والمثلث والمدور وهي من خطوط المدينة، كما حملت إلينا المشق والتجاويد والمحكم والمحقق والمائل والجلي وهي من صنع بلاد الشام والعراق، ويوجد في دار الكتب المصرية، سبعة وعشرون مصحفاً بخط كوفي محقق رصين، وهي ناقصة من أوائلها وأواخرها وقد كتبت على رق الغزال، ونشاهد من نماذج تلك المصاحف هذه الوثيقة التي نقرأ فيها من نهاية سورة النور وبداية سورة الحجرات.

ونلاحظ الفاصل بين السورتين دون ذكر اسم السورة.. قال تعالى: ?فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ? [سورة الفتح الآية 29].. وتنتهي سورة النور لتبدأ الكلمات في سورة الحجرات بقوله تعالى:

? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ? [سورة الحجرات الآية 1، 2]..




وتحتفظ مكتبة جامعة إسطنبول بصفحة من مصحف كتب على الرق بالرسم العثماني وعلامات تشكيله على طريقة أبي الأسود الدؤلي وهي نقاط حمراء للفتحة والخفضة والضمة، ووضعت نقاط نصر بن عاصم على الطريقة المغربية بنقط الفاء من الأسفل ونقط القاف بواحدة ونقرأ فيه من آخر سورة البقرة من الآية الثالثة والثمانين بعد المائتين.

? فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَّشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ? [سورة البقرة. الآية 283.284].

كما نرى في المصحف المحفوظ في دار الكتب بالقاهرة نص الوقف المكتوب عليه وكان هذا التعبير وهذا الأسلوب مما يكتب ويثبت في كل مصحف موقوف حتى تعم الفائدة في قراءته، وينال الواقف الثواب والمغفرة، ونص العبارة "هذا المصحف حبس في سبيل الله عز وجل لا يباع ولا يوهب ولا يورث ولا يملك"...

لم تكد الملكات الفنية تنضج لدى الخطاط المسلم حتى أقبل على قرآنه يمجده ويعظمه فخطه بالذهب الخالص ووشه بالفضة وقد وصلت عدة وثائق من القرن الهجري الثالث تدل على ما صنع المذهب والخطاط بكتاب الله المجيد وتبرهن على طول باعه في التقدم الحضاري.

" هذه آثارنا تدل علينا ***فانظروا بعدنا إلى الآثار "..

ونشاهد في هذه الصفحة المتبقية من مصحف شريف الخط الكوفي البديع المذهب، وتظهر فيه علامات التشكيل بالألوان كما زينت فواصل الآيات بشكل أزهار دائرية زرقاء ويعتبر هذا النوع من الخطوط الكوفية النادرة جداً، وكانت مقصورة على المناطق الوسطى من الدولة العباسية، وقد استعمل الفنان الذهب لمصاحف الخلفاء وعلية القوم، وتضم هذه الصفحة آيات من سورة ق.

وهي من الآية السادسة وحتى منتصف الآية الرابعة عشرة.

قال تعالى: ? أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ * وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ * وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ * رِزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ *وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الأيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيد ِ? [سورة ق، الآية 6-14].

إن جل- بل كل- الصحف التي وصلت من الفترة الزمنية في القرون الهجرية الأولى مكتوبة على الرق وقد اختاره الفنان المسلم لسهولة الكتابة عليه ودوام بقائه مدة طويلة من الزمن، واستعمال الرقوق في الكتابة قديم إذ كانت من السلع الهامة التي يتاجر بها الفينيقيون من بلاد الشام إلى جميع أنحاء الأرض، والرق كلمة عربية تنطق بالفتح والكسر وهي جلد رقيق يكتب فيه والجمع رقوق، لقد وردت الكلمة في القرآن العظيم مرة واحدة في سورة الطور، في قوله تعالى: ? وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ ? [سورة الطور الآية 1-3]..

إن أقدم نص كتب على الرق يعود إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد كما أن هناك نص آخر يعود للقرن التاسع قبل الميلاد في بلاد الرافدين يوضح أهمية استعمال الرق في الكتابة ويطلق على الرق المدبوغ دباغة جيدة اسم "بارشمان" ويعنى الوثيقة، وأفضل الجلود المستعملة في هذه الوثائق ما كانت من جلود الحيوانات الصغيرة كالغنم والماعز، وأرقاها رق الغزال حيث يؤخذ الجلد فينقع في ماء الجير خمسة أيام ثم يحلق ويشد ويترك ليجف تماماً، وينتقل ويقطع إلى مربعات ومستطيلات وكان يكتب على وجهيه وفي حال الغلط أو الاستغناء عن النصوص يمحى ويكتب عليه مرة أخرى.

يذكر ابن النديم في كتابه الفهرست أن الفرس اعتادوا على الكتابة على جلود الثيران وجلود الأغنام وتوجد منها نماذج عديدة في بعض المجموعات الخاصة في فيينا.

وللتفريق بين الرق العادي الذي يكتب عليه والرق الخاص للدولة ابتكر المسلمون طريقة جديدة وهي صبغ الرق بمادة الصفران، وعملت الدوائر الحكومة في العراق على إتباع هذا النهج والنمط وأخذوا يلونون الرق المستعمل لدوائر الدولة بألوان صفراء أو زهرية.

كما يصف ابن النديم الطريقة المستعملة للكتابة على الرق فيقول: إنها كانت تنعم بالمبرد مما يجعلها تجف وتيبس بسرعة، إن التجارب والأبحاث في عملية دباغة الجلود تطورت في عهود الدولة الإسلامية الأولى حتى أصبحت أكثر رقة ويرجع اصطلاح الرق إلى سماكة الجلد وكان الرق يغسل أحياناً وينظف مرتين أو ثلاثة ثم يبيض ويستعمل لكتابة القرآن الكريم.

لقد استعمل القرشيون الرق وجلبوه من بلاد الشام في رحلتا الشتاء والصيف، ولما كان الإسلام وكانت الحضارة تطورت أحجام وأشكال الرقوق وسارت الكوفة ودمشق مهد صناعة الرق الجميل.




وأدخل الخليفة الأموي معاوية رضي الله عنه استعمال الرقوق في دوائر الدولة وكذلك الخلفاء العباسيون من بعده، وكانت دمشق زمن الأميون وجهة الصناع والحرفيون فأنشأت مصانع الرقوق والدباغة، ونشط الخطاطون فكتبوا مئات المصاحف التي حملها الجنود معهم خلال الفتوحات مشرقين ومغربين لينشروا ويعلموا كتاب الله ويبلغوا رسالته إلى أقصى نقطة في المعمورة حطت عليها قدم.

امتدت الفتوحات بعد نهاوند في إيران وأذربيجان وما وراء النهر، وامتد سلطان الدولة الإسلامية حتى شمل خرسان وسائر بلاد فارس حتى حدود الفرس ولم يمضي القرن الهجري الأول حتى كانت مدن بلخ وهارات وبوشيخ وبخارى وإقليم ساجستان ومقاطعة سنكيانك وكشكر في الصين تدين بالإسلام وتقرأ القرآن.

وكان المصحف الشريف المخطوط بالقلم الكوفي المحقق الرصين وبالرسم العثماني يبهر الأنظار ويحير العقول ويحيي القلوب.

ولعب الفن دوره في كتابة المصحف وتطوير خط الكوفة المحقق فتولدت منه خطوط جديدة في أقصى المشرق وكانت هارات معقل الفن في ذلك الوقت.

لقد أحس الخطاط في بلاد ما وراء النهر أنه يكتب كلاماً مقدساً، فشعر بالرهبة والعظمة فجند أحاسيسه بمعالم إدراكه إلى سبر غور الحرف وامتدت يده إلى الحرف العربي مغرقاً في صفاء نفسي بكلام خالقه، وبدأت التغيرات والتطورات في مسيرة الحرف الكوفي المشرقي، ونبصر في المصحف المحفوظ في مكتبة جامعة اسطنبول تجسيم الفوارق التي بدأت تظهر على الخط الكوفي المحقق التقليدي.

كما نلاحظ قواعد أبو الأسود الدؤلي في التشكيل بالنقط الحمراء لدلالة الفتحة والخفضة والرفع وفيه الهمزة والشدة والمد بلون أخضر على طريقة الخليل وهناك دوائر سوداء لتدل على الروم والإشمام.

والروم هو الإتيان ببعض حركة الحرف بصوت خفي ويكون في الخفض والرفع ويأتي مع القصر والإشمام إطباق الشفتين بعد إسكان الحرف بغير صوت ويكون مع المد، وسنفرد حلقة رموز التجويد عبر التاريخ فيما بعد إن شاء الله لقد اختلطت إشارات الروم والإشمام هذه بعلامة الجزم فحذفت من المصاحف بعد ذلك، وفي المصحف دائرة تدل على انتهاء عشر آيات وهو التعشير كما أسلفنا ورسمت مع رأس السورة بالذهب وتبدأ الصفحة بقوله تعالى: من نهاية سورة الحج:

? وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ? [سورة المؤمنون الآية 78]..

لقد وضع الخطاط المسلم في إيران خلاصة معارفه وخبراته التي ورثها من إمبراطورية ممتدة الجذور في التاريخ ليطور الحرف في إمبراطورية بات الحرف فيها ينظر إليه باحترام كبير، وليمزج حسه بمعاني القرآن العظيم ويحلق في خيالاته ويبدع آلاف الأشكال مستمداً كل ذلك من معاني المصحف الشريف، وقد تجلى الإبداع في القرآن المفسر بالفارسية والمحفوظ في مكتبة متحف سراية طبقاتي بإسطنبول وهو من عمل عثمان بن الحسين الوراق الخزنوي وقد كتبت آياته بأحرف متزنة الأطوال وحركاته باللون الأحمر، وشدداته وهمزاته باللون الأخضر كما نلاحظ علامة الميزان والتي أوضحنا عنها من قبل فوق حروف الراء والدال والسين كما توضح لنا الأعداد المكتوبة بالحروف وبالخط الكوفي داخل دوائر محلاة في نهاية الآيات عدد الآية عشرياً مع إشارة للتخميس على الهامش، ويعد هذا التفسير نموذجاً فريدا في عصره ويوجد منه قسم آخر محفوظ في مكتبة مشهد بإيران إن هذه النماذج من الخط الكوفي المشرقي لتدل دلالة واضحة على صفاء نفس الخطاط وإخلاصه وحبه لخدمة كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

ونلاحظ من خلال آلاف المصاحف التي نستعرضها عبر التاريخ بأنه لم يتجرأ مسلم على مس الحرف العربي بأي تغيير لوني، وإنما كان المسلمون في كل زمن يضعون الرموز الصوتية لضبط سلامة القراءة ويضيفونها بالألوان وكما نلاحظ في همزات الوصل والقطع والشدة والرموز الأخرى على امتداد رقعة العالم الإسلامي واختلاف المذاهب والمشارب.

وقد أشار إلى ذلك الداني في محكمه كما أوضحنا من قبل، ومن أجمل نماذج الكتابة المشرقية التي وصلت من إيران مصحف مصغري بجداول من ذهب وفواصل الآيات فيه على شكل دوائر داخلها حرف أو أكثر يشير بحساب الجمل للقيمة العددية التي تقابل الآية.

فالنون تساوي خمسين آية ونا تساوي أحدى وخمسين آية، وقد كتب في كل صحيفة أربعة سطور ثم صبغت الخليفة بكاملها باللون البني ورسمت عليها زخارف مورقة باللون الأزرق ونلاحظ أن جميع الإشارات كتبت باللون الأحمر، إلا علامات التشديد والجزم وعلامة الميزان كما نلاحظ طريقة كتابة حرفي اللام ألف في قوله رسولاً وهو تحول كبير يدل إلى بداية تحول اليبوسة في الخط إلى الليونة، ويعتبر هذا الخط الكوفي المشرقي بداية تأثير في قواعد الخط المغربي.
















[/b]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
رهف
عربي مميز
عربي مميز


عدد المساهمات : 61
تاريخ التسجيل : 16/12/2009

مُساهمةموضوع: رحلة القرآن العظيم (5)   الإثنين أبريل 12, 2010 6:19 am

رد: رحلة القرآن العظيم (1)
[b]رحلة القرآن العظيم (5)


فتح المسلمون فلسطين وتسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه بيت المقدس، هذه المدينة المقدسة التي نزل فيها قوله سبحاته وتعالى:

? سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ? [الإسراء الآية 1].

والتي قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى). وكتب الخليفة لأهل بيت المقدس وثيقة الأمان التي عرفت فيما بعد بالعهدة العمرية.. بسم الله الرحمن الرحيم.. " هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم سقيمها وبريئها، وسائر ملتها أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من خيرها ولا من صلبهم ولا شيء من أموالهم ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما تعطي المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص فمن خرج منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير نفسه وماله مع الروم ويخلي بيعهم وصلبهم، فإنهم آمنون على أنفسهم وصلبهم حتى يبلغوا مأمنهم، فمن شاء منهم قعد وعليهم مثل ما على أهل إيلياء من الجزية ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أهله فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصدوا حصادهم، وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء، وذمة المؤمنين إذا أعطوا ما عليهم من الجزية".

كتب سنة خمسة عشر للهجرة، شهد على ذلك خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف وعمر بن العاص ومعاوية بن أبو سفيان.

بعد كتابة وثيقة الأمان زار عمر رضي الله عنه كنيسة القيامة، ولما كان في داخلها حان وقت الصلاة، فأشار عليه البطريك صافرونيوس أن يصلي في داخل الكنيسة قائلاً " مكانك صلي " إلا أن عمر أبى، وخرج من الكنيسة وصلى في مكان قريب خشية أن يتخذ المسلمون صلاته ذريعة فيضعوا أيديهم عليها، فقابل النصارى عمله هذا بالشكر، وذكره المؤرخون بالتقدير، فلما سأل عن مكان الصخرة فإذا هي مكان للقاذورات، فراح يحفن التراب بكفيه عنها، وحذا الصحابة حذوه، إلى أن برزت الصخرة فأمر أن يبنى عليها مسجد فبني المسجد، وكان ظلة من خشب حتى جاء فيما بعد عبد الملك بن مروان فأقام عليها جامع فخم وقبة لا تضاهى.

ذكر المؤرخون أن الخليفة عمر بن الخطاب زار قبيل رحيله عن بيت المقدس أبا عبيدة بن الجراح في بيته فلم يجد فيه سوى لبد فرسه، وكان هذا هو فراشه وسرجه ووسادته، وكسرٍ يابسة في كوة بيته ولما دخل عمر جاء بهذه الكسر فوضعها على الأرض بين يديه وأتاه بملح جريش وكوز من الخزف فيه ماء، فلما نظر عمر إلى ذلك بكى، وقبل أن يغادر بيت المقدس جمع الجند وشكر الله إذ صدق وعده ونصر جنده وأورثهم البلاد ومكن لهم في الأرض ثم نصحهم بالابتعاد عن المعاصي والتوبة وتقوى الله وإلا ذهب الله عزهم وسلط عليهم عدوهم. وأقام على بيت المقدس يزيد بن أبي سفيان على أن يأتمر بأوامر أبو عبيدة ثم عاد إلى الحجاز.




وفي سنة ثماني عشرة للهجرة استأذن عمر بن العاص الخليفة عمر في فتح مصر، وسار من قيصارية إلى عسقلان فغزة فرفح، ماراً بالعريش حتى وصل حصن بابليون ثم أرض مصر.

واختط الفسطاط ونشر الدعوة ودانت مصر بالإسلام، وتولى عبد الله بن أبي السرح ولاية مصر فاتجه لفتح إفريقية ووصل تونس ودخلها سنة ثماني وعشرين للهجرة، وتولى مصر بعد ذلك معاوية بن حديج السكوني، وتولى عقبة بن نافع قيادة فتح المغرب سنة خمسين للهجرة فسار من زويلة وودان وفذان إلى جدامس ودخل إفريقية من الجنوب.

واختط شمال سبيطلة قاعدة سماها القيروان وبنى فيها مسجداً جامعاً واتخذ دار إمارة وأنفق في بناء القيروان خمس سنوات وأصبحت رابع الأمصار الإسلامية بعد الكوفة والبصرة والفسطاط.

حمل المسلمون المصحف الشريف المكتوب بخط الكوفة إلى إفريقية الشمالية، وسكانها من البربر يكتبون كتابة تسمى فيناغ لا تزال تستعمل حتى الآن لدى الطوارق في الصحراء الجزائرية، ولم يمض القرن الهجري الأول حتى كان الإسلام موطد الأركان في كل أنحاء المغرب، فهجر المغاربة حروفهم ونظروا إلى ذلك الحرف الوافد إليهم نظرة إكبار وتقديس ومحبة فحافظوا على رسومه ورصانته وتشددوا في قواعد الشكل الذي وفد إليهم مع الفاتحين من المدينة المنورة.

وكان مذهب الإمام مالك بن أنس واضحاً بيناً في جملة الرموز القرآنية حتى عهد قريب، تأسست القيراون وجامعتها في القرن الهجري الأول، وأمها أكابر علماء البصرة والكوفة ونشروا مذاهبهم في طريقة الكتابة القرآنية وتأثر أهل القيروان بالخطوط الكوفية المشرقية، ورأوا فيها أرواحهم وحياتهم وأنسهم، وأضفوا على خط المصحف مسحة جمال تفردوا بها عبر الأزمان حتى التصق اسمه بخطهم ودعا بالخط القيرواني، والمصحف المحفوظ في خزانة مركز الحضارة والفنون الإسلامية بقصر رقادة بقيروان بتونس يدلنا بوضوح على طريقة الكتابة القيروانية في المصحف الشريف الذي خطه الخطاط علي بن أحمد الوراق على خمسة أسطر لحاضنة المعز بن باديس الصنهادي والذي حبسته على الجامع الأعظم بمدينة القيران.

ونقرأ فيه.. ? زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ? [سورة البقرة: 212].

وإن كان تطور الرموز والنقط في المشرق يسير قدماً للتوصل إلى النطق السليم لألفاظ القرآن الكريم؛ فإن المغاربة لم يرفضوا كل ما جاء إليهم من قديم المشرق، وإنما قبلوا ترتيب الحروف الهجائية مع اختلاف يسير واستعملوا نقط أبي الأسود الدؤلي ثم نقط نصر بن عاصم مع اختلاف نفط الفاء والقاف وكتبوا أسماء السور بالذهب.

ظل استعمال الخط اليابس الكوفي في المصاحف المغربية حتى القرن السادس الهجري، ونلحظ في تلك المصاحف تطوراً واضحاً في ليونة بعض الحروف وفي الشكل، وبعض الخواص التي تتسم وتنطبع بطابع المغاربة بخلاف المشرق كجرة الوصل، وتوجد في المكتبة الوطنية بتونس أوراق من مصاحف عثر عليها في مسجد القيروان ومنه هذا النموذج وهو مكتوب على الرق، وآياته من آخر سورة طه وتبتدئ: ? وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى * قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى ? [سورة طه، الآية 135].

ونلاحظ الشكل المثلث للنقط وتدل على انتهاء الآيات وهي فواصل بينها، وكتب رأس السورة بالذهب، ولكن بخط المصاحب الأولى وجاء فيها فاتحة السورة التي يذكر فيها الأنبياء:? اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ? [سورة الأنبياء، الآية 1 – 2].

ونرى بوضوح في هذه الكتابة رسم عراقات النون والياء وأشباههما بأشكال دائرية ومع ذلك فإن الخطاط لم ينس أصلهم الجاف، فاستعملهما لضيق المكان في آخر السطر، كما استعمل الشكل الذي استحدثه أبو الأسود الدؤلي، فالنقطة الحمراء فوق الحرف للفتح، وتحته للخفض والمتراكبتان للضم والنقطة الخضراء للهمز، وليس في المصحف نقط نصر بن عاصم على الحروف المتشابهة ومما تبقى من أوراق المصحف الذي كتبه وجلده علي بن أحمد الوراق لفاطمة الحاضنة ما نصه:

? ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ ? [سورة البقرة الآية 74].




وأثر الجودة واضح في تنوع منبسطات الألفات الموزونة الطول ودقة الفراغ بين الصواعد والنوازل وسائر الحروف وامتاز أيضاً برسم رؤوس الواو والميم والهاء بشكل مثلث واتبع طريقة الخليل في رسم الفتحة والضمة والكسرة والشدة، ورسم الهمزة رأس عين صغيرة وللصلة جرة، وهو ما امتازت به المصاحف المغربية دون سواها.

والعناية الشديدة واضحة في كتابة هذا المصحف الثمين والسبب في ذلك أنه مكتوب لحاضنة أمير كان ثالث أمراء زيري الذين خلفهم الفاطميون على تونس بعد انتقالهم إلى مصر، وقد أشرفت على متابعته الكاتبة درة وتم وقفه على الجامع الأعظم بالقيروان في شهر رمضان على يد قاضي القضاة عبدالرحمن بن هاشم.

ونلاحظ صفحة أخرى من هذا المصحف، الذي بلغ قمة الجمال فنقرأ: ? شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ ? [سورة آل عمران، الآية 17، 18].

ومن الكنوز الأثرية بجامع القيروان صندوق خشبي كبير كان يحفظ به هذا المصحف وعليه كتابة كوفية جميلة تحمل اسم الحاضنة الجليلة وتاريخ الوقف المسجل على المصحف نفسه.

الأندلس..

لقد كان للمسلمين في الأندلس دور كبير في تطوير الحرف العربي المغربي الذي كتبت به المصاحف وإن كانت القيروان أسبق في الظهور بعد إن اختط عقبة بن نافع القيروان سنة خمسين للهجرة والتي توافق سنة سبعين وستمائة للميلاد، وجعلها قاعدة متقدمة للمسلمين يرابطون فيها للغزو والحرب ويقيمون فيها في السلم، قاد جيش الإسلام من المسلمين حتى وصل الأطلسي.

وخاض خلال ذلك مجموعة من العمليات واصطدم مع قوات البربر والروم وتوفي في تهوذا ودخل العرب شبه جزيرة إيبيريا فاتحين سنة اثنتين وتسعين هجرية زمن الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك تحت إمرة طارق بن زياد ثم موسى بن نصير.

ولما انتهوا بالفتح إلى برشلونة عاد موسى ومعه طارق إلى المغرب ومنها للمشرق بعد أن ولى عليها ابنه عبد العزيز بن موسى بن نصير.

وما زالت تختلف عليها الولاة من قبل بني أمية حتى انتهى حكهم في المشرق سنة اثنتي وثلاثين بعد المئة، ومن خيرة الولاة السمح بن مالك الذي مات أثناء حصاره لمدينة طولوز بفرنسا، وعبد الرحمن الغافقي الذي فتتح بوروده وليون وبيزانسون ثم طور وبواتيه التي توفي فيها أثناء المعركة بعد أن أصيب بسهم.




بعد سقوط الدولة الأموية في الشرق أمعن السفاح في تقتيل الأمويين فهرب منهم عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك حتى دخل الأندلس سنة ثمان وثلاثين بعد المئة واقام فيها ملكاً وحضارة ومات فيها سنة ستة ومئتين وخلفه ابنه عبد الرحمن الأوسط بعهد منه.

وكان لطيف الجانب عظيم الخلق ميال للعلم والعلماء على اختلاف مذاهبهم، ثم خلفه عبد الرحمن الناصر الذي بنى الزهراء، وجعلها مركز الحكم، وكان عالماً فاضلاً بعيد النظر في القيادة والسياسة شجاعاً، وتوفي الناصر سنة خمسين وثلاث مئة هجرية بعد حكم دام خمسين سنة، وطد فيها دعائم الحكم لأبنه الحكم التي تفرغ لنشر العلم.

فكانت مكتبته تضم أربعة مئة ألف مجلد من الكتب النادرة وكان على أغلبها تعليقات بخطه، وكان أعلم بني أمية على الإطلاق، وقد نقلت العلوم والمعارف في عهده إلى أوروبا وترجمت الكتب إلى اللاتينية، ولولا ذلك لكانت أوروبا اليوم متأخرة مئات السنين عما وصلت إليها.

وتتالت الأحداث حتى انتهى الأمر بهشام بن محمد الملقب بالمعتمد فكان ضعيفاً فخلعه الجنود سنة اثنتين وعشرين بعد الأربعمائة وانقضى أمر الدولة الأموية، ثم تقسمت الدولة إلى ملوك الطوائف وآلت إلى حكم بن جهور والمعتمد بن عباد صاحب إشبيلية، ثم جاء المرابطون والموحدون ولم يبق للعرب غير غرناطة التي بقيت في يدي بني الأحمر إلى آخر القرن التاسع الهجري حين سلم أبو عبد الله مفاتيح غرناطة إلى فرديناند في الثاني من شهر ربيع الأول سنة سبع وتسعين وثمانمائة هجرية.

حمل المغاربة القيروانيون خطهم الجميل إلى الأندلس حيث كانت بلادهم مركزاً للعبور نحو المشرق، ومنه ومؤولاً للعلم والبحث والدرس، فلما كانت الحضارة قد بلغت أوجهاً وكانت الحضارة والعمران والعلوم بدأ الخط المصحفي الأندلسي يرنوا نحو الليونة بدل اليبوسة، ويرسم ملامح وبوادر خط جميل بهيج، وكأنه التفاف الريحان في لوحة يسودها الحب في كتاب الله وشوف للارتفاع بالمعاني إلى أقصى درجات الصفاء.

وكانت العلوم في القرن الهجري الخامس بلغت مبلغاً عظيماً من التقدم، فقد ترك أبو عمر الداني الذي توفى سنة أربع وأربعين وأربعمائة هجرية كتب قيمة في نقط المصاحف وقراءتها.

يقول ابن خلدون:" وأما أهل الأندلس فافترقوا في الأمصار عند تلاشي ملك العرب ومن خلفهم من البربر فانتشروا في عدوة المغرب وإفريقية، وشاركوا أهل العمران بما لديهم من الصنائع وتعلقوا بأذيالهم فغلب خطهم على الخط الإفريقي وعفا عليه ونسي خط القيروان والمهدية بنسيان عوائدهما وصنائعهما، وصارت خطوط إفريقية كلها على الرسم الأندلسي بتونس، وما إليها وتميز ملك الأندلس للأموييين فتميزوا بأحوالهم من الحضارة والصنائع والخطوط وتميز خطهم الأندلسي كما هو معروف الرسم لهذا العهد، ونرى في نماذج المصاحف الأندلسية التي وصلت بر السنين مدى التطور الجميل الذي أشتق من الحروف الأموية، وقد سارت كلها على النهج العثماني في رسم المصاحف، وضبطت في البداية على طريقة أبي الأسود ثم تآلفت مع بعض رموز الخليل بن أحمد ثم نصر بن عاصم، وجعلت الفاء بنقطة إلى الأسفل والقاف بنقطة من الأعلى كما هي الحال في رسوم المغاربة، فاللون الأصفر مخصص للهمزات وهي على هيئة نقطة مدورة والحمرة للحركات وقد وردت في بعض المواقع دال مقلوبة، وأخذ أهل المدينة كما يروي الداني وصورة التشديد على هذا المذهب وتبقى الدال علامة على الشدة في المفتوح والمكسور والمضموم وعلى هذا الوجه ذهب نقاط أهل المدينة ومن سلفهم ومن خلفهم، وعلى استعماله واتباع أهل المدينة فيه عامة أهل بلدنا قديماً وحديثاً، وهو الذي أختار، وبه أنقط، ثم يذكر الداني بأن النحويون اختاروا كلمة شديد علامة على الشدة، واختار أهل المدينة أخر حرف الكلمة وهي الدال.

ومما يلاحظ في كتابة الأندلسيين والمغاربة نقط حروف الفاء والقاف والنون والياء في التطرف خلال القرون الأولى، إلا أنها قد خلت وتعرت فيما بعد من النقط في حالة التطرف.

ويضع الأندلسيون والمغاربة النقطة الخضراء للوصل على الألف عند البدء بالفتح وفي وسط الألف عند البدء بالضم وتحت الألف عند البدء بالكسر، وذلك ما امتازت به المصاحف الأندلسية والمغربية.

اعتنى الأندلسيون والمغاربة باستعمال الزخارف المذهبة والملونة في مصاحفهم، ومعظمها تبدأ بمربعين متقابلين بزخارف هندسية، تتداخل فيها الزخارف النباتية التي لا فراغ فيها، فالخطاط المسلم يكره الفراغ، كما يوجد مثلهما أواخر المصحف ورسمت فواصل الآيات بحليات الذهب وكذلك الأخماس والأعشار من الآيات في أشكال متباينة يحار المرء لي روعتها ودقتها، ويبحر معها متأملاً في آيات القرآن مسبحاً الله على ما من عليه من سلامة الذوق وحسن الاختيار.

وفي الهوامش طرر مزخرفة متصلة بأسماء السور وأخرى للأحزاب والسجدات وتجزءات رمضان وهي تنبيء قارئ القرآن وحافظه وتنبه إلى المكان الذي وصل إليه في قراءته كما أفردت لسورة الفاتحة والبقرة وأوائل الأجزاء مستطيلات مزخرفة كتب بداخلا اسم السورة وعدد آياتها.

أما بقية أسماء السور فكتب بخط الكوفة المجرد من النقط وبلون الذهب وكان ذلك حتى القرن العاشر الهجري.

وجل المصاحف المغربية مكتوبة على الرق لمتانتها وصونها من التلف.

لم يكن في المصاحف الأندلسية والمغربية على طول الزمن سوى خط واحد في خط نص القرآن وهو الخط المبسوط الذي يتسم برزانة حروفه وقربها من خطوط المشارقة الأم.




والفروق بين خطوط المصاحف الأندلسية والمغربية فروق تجويد واختلافات ضئيلة وترجع الاختلافات في مدرسة واحدة إلى انعدام قواعد تضبط الخط المغربي بالرغم من وجود حفاظ للقرآن في تلك البلاد، لقد حافظ الأندلسيون والمغاربة على مرسوم المصحف العثماني كما لقنوه وكما رأوه في المصحف الإمام مصحف عثمان.

وحرصوا على ذلك أشد الحرص ولما ارتضوا إدخال الشكل والحروف الزوائد رسموها بألوان مغايرة لحبر الكتابة، فخصة الفتحة والضمة والكسرة والحروف الزوائد بالحمرة والسكون والشد والوقف بالأزرق والصلة بالخضرة والهمز بالصفرة وامتازت المصاحف الأندلسية والمغربية عن المشرقية بالجرة المرسومة على الف الوصل لتدل على الحركة السابقة، وبالنقطة الدالة على كيفية الابتداء بألف الوصل عند الوقف، واختصت مصاحفهم أيضاً باتباع التنوين المتراكب منذ إرساء قوعد الرسم.

المصحف الشريف ومظهره الخارجي.

تنوعت أشكال وأحجام المصاحف والصفحات التي خط عليها رسم القرآن العظيم عبر التاريخ، وهي في مجملها لا تتعدى عن ثلاثة أشكال، شكل مربع، وآخر مستطيل بشكل أفقي، وثالث مستطيل بشكل عمودي.

ولقد وصلنا من النموذج الأول بعض صفحات نادرة الوجود وتحتفظ بها مكتبة جامعة إسطنبول وهي مما تركه أجدادنا من تراث الأندلس وقد خط بمدينة بلانسيا سنة ثماني وسبعين وخمسمائة هجرية بخط محمد بن عبد الله بن علي بن غطوس المتوفى سنة عشر وستمائة للهجرة وقد كتب بالخط الدقيق على الرق بمداد بني فاتح، كما وضع الخطاط إشارات الشد والجزم باللازغرد وعلامات التشكيل الأخرى بالأحمر وخرج فيه عن قاعدة الأندلسيين والمغاربة فنقط الهمزة بلون أحمر على طريقة المشارقة، وجعل أسماء السور وشارات التخميس والتعشير على الهامش وبالذهب الخالص.

وابن غطوس هذا كان وحيد عصره في الأندلس وبمدينة بلانسيا وقد كتب بالأندلس في حياته ألف مصحف وكان متخصص في كتابة المصاحف لا يكتب غيرها كما عاهد نفسه على ذلك.

أما الشكل الثاني اللذي يميل للامتداد عرضاً، عرف عند المؤرخين والمشتغلين بالفن باسم المصحف السفيني نسبة إلى السفينة؛ لأن شكله قريب منها على ما يزعمون، وجاء وصفه في كتب تاريخ الفن أنه ذو الفورمة الإيطالية، وقد تحدثنا في حلقة ماضية عن الرق وقلنا: إن الفينيقيين كانوا أصحاب تجارة الرقوق وهم الذين يقطعونها إلى مستطيلات ثم يتاجرون بها بسفنهم إلى إيطاليا.

وقد جاءت تسمية الطليان لها بالسفينة نسبة إلى سفن الفينيقيين التي حملت لهم هذه البضاعة.

وأما الشكل الثالث: وهو المعروف بالفورمة الفرنسية وقد أطلق عليه مؤرخو الفن اسم المصحف العمودي والذي ما زال سائداً ومتعباً حتى اليوم. إن هذه التسميات التي أطلقها مؤرخو الفن على الشكل الخارجي على المصحف العظيم لا تحمل أي دلالة فنية ولو عدنا إلى رحلة الشتاء والصيف ورأينا كيفي حمل القرشيون رقوقهم من بلاد الشام لعرفنا السبب في اختيار أجدادنا للشكل المستطيل اللذي يناسب حرفهم المحقق الرصين ويناسب ما يريدونه من تعظيم كتاب الله بخط جليل واضح، وبانقضاء القرن الهجري الثالث وظهور خط النسخ الشامي في المصاحف وهجران خط الكوفة الرصين وبدء الكتابة على الورق بدل الرق، ظهر المصحف بشكله العمودي الذي يناسب الخط ويؤدي غرض الحفاظ بعد تقسيمه إلى أجزاء وأحزاب وأرباع وأعشار وأخماس.










[/b]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
رهف
عربي مميز
عربي مميز


عدد المساهمات : 61
تاريخ التسجيل : 16/12/2009

مُساهمةموضوع: رحلة القرآن العظيم (5)   الإثنين أبريل 12, 2010 6:20 am

رد: رحلة القرآن العظيم (1)
[b]رحلة القرآن العظيم (5)


فتح المسلمون فلسطين وتسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه بيت المقدس، هذه المدينة المقدسة التي نزل فيها قوله سبحاته وتعالى:

? سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ? [الإسراء الآية 1].

والتي قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى). وكتب الخليفة لأهل بيت المقدس وثيقة الأمان التي عرفت فيما بعد بالعهدة العمرية.. بسم الله الرحمن الرحيم.. " هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم سقيمها وبريئها، وسائر ملتها أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من خيرها ولا من صلبهم ولا شيء من أموالهم ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما تعطي المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص فمن خرج منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير نفسه وماله مع الروم ويخلي بيعهم وصلبهم، فإنهم آمنون على أنفسهم وصلبهم حتى يبلغوا مأمنهم، فمن شاء منهم قعد وعليهم مثل ما على أهل إيلياء من الجزية ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أهله فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصدوا حصادهم، وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء، وذمة المؤمنين إذا أعطوا ما عليهم من الجزية".

كتب سنة خمسة عشر للهجرة، شهد على ذلك خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف وعمر بن العاص ومعاوية بن أبو سفيان.

بعد كتابة وثيقة الأمان زار عمر رضي الله عنه كنيسة القيامة، ولما كان في داخلها حان وقت الصلاة، فأشار عليه البطريك صافرونيوس أن يصلي في داخل الكنيسة قائلاً " مكانك صلي " إلا أن عمر أبى، وخرج من الكنيسة وصلى في مكان قريب خشية أن يتخذ المسلمون صلاته ذريعة فيضعوا أيديهم عليها، فقابل النصارى عمله هذا بالشكر، وذكره المؤرخون بالتقدير، فلما سأل عن مكان الصخرة فإذا هي مكان للقاذورات، فراح يحفن التراب بكفيه عنها، وحذا الصحابة حذوه، إلى أن برزت الصخرة فأمر أن يبنى عليها مسجد فبني المسجد، وكان ظلة من خشب حتى جاء فيما بعد عبد الملك بن مروان فأقام عليها جامع فخم وقبة لا تضاهى.

ذكر المؤرخون أن الخليفة عمر بن الخطاب زار قبيل رحيله عن بيت المقدس أبا عبيدة بن الجراح في بيته فلم يجد فيه سوى لبد فرسه، وكان هذا هو فراشه وسرجه ووسادته، وكسرٍ يابسة في كوة بيته ولما دخل عمر جاء بهذه الكسر فوضعها على الأرض بين يديه وأتاه بملح جريش وكوز من الخزف فيه ماء، فلما نظر عمر إلى ذلك بكى، وقبل أن يغادر بيت المقدس جمع الجند وشكر الله إذ صدق وعده ونصر جنده وأورثهم البلاد ومكن لهم في الأرض ثم نصحهم بالابتعاد عن المعاصي والتوبة وتقوى الله وإلا ذهب الله عزهم وسلط عليهم عدوهم. وأقام على بيت المقدس يزيد بن أبي سفيان على أن يأتمر بأوامر أبو عبيدة ثم عاد إلى الحجاز.




وفي سنة ثماني عشرة للهجرة استأذن عمر بن العاص الخليفة عمر في فتح مصر، وسار من قيصارية إلى عسقلان فغزة فرفح، ماراً بالعريش حتى وصل حصن بابليون ثم أرض مصر.

واختط الفسطاط ونشر الدعوة ودانت مصر بالإسلام، وتولى عبد الله بن أبي السرح ولاية مصر فاتجه لفتح إفريقية ووصل تونس ودخلها سنة ثماني وعشرين للهجرة، وتولى مصر بعد ذلك معاوية بن حديج السكوني، وتولى عقبة بن نافع قيادة فتح المغرب سنة خمسين للهجرة فسار من زويلة وودان وفذان إلى جدامس ودخل إفريقية من الجنوب.

واختط شمال سبيطلة قاعدة سماها القيروان وبنى فيها مسجداً جامعاً واتخذ دار إمارة وأنفق في بناء القيروان خمس سنوات وأصبحت رابع الأمصار الإسلامية بعد الكوفة والبصرة والفسطاط.

حمل المسلمون المصحف الشريف المكتوب بخط الكوفة إلى إفريقية الشمالية، وسكانها من البربر يكتبون كتابة تسمى فيناغ لا تزال تستعمل حتى الآن لدى الطوارق في الصحراء الجزائرية، ولم يمض القرن الهجري الأول حتى كان الإسلام موطد الأركان في كل أنحاء المغرب، فهجر المغاربة حروفهم ونظروا إلى ذلك الحرف الوافد إليهم نظرة إكبار وتقديس ومحبة فحافظوا على رسومه ورصانته وتشددوا في قواعد الشكل الذي وفد إليهم مع الفاتحين من المدينة المنورة.

وكان مذهب الإمام مالك بن أنس واضحاً بيناً في جملة الرموز القرآنية حتى عهد قريب، تأسست القيراون وجامعتها في القرن الهجري الأول، وأمها أكابر علماء البصرة والكوفة ونشروا مذاهبهم في طريقة الكتابة القرآنية وتأثر أهل القيروان بالخطوط الكوفية المشرقية، ورأوا فيها أرواحهم وحياتهم وأنسهم، وأضفوا على خط المصحف مسحة جمال تفردوا بها عبر الأزمان حتى التصق اسمه بخطهم ودعا بالخط القيرواني، والمصحف المحفوظ في خزانة مركز الحضارة والفنون الإسلامية بقصر رقادة بقيروان بتونس يدلنا بوضوح على طريقة الكتابة القيروانية في المصحف الشريف الذي خطه الخطاط علي بن أحمد الوراق على خمسة أسطر لحاضنة المعز بن باديس الصنهادي والذي حبسته على الجامع الأعظم بمدينة القيران.

ونقرأ فيه.. ? زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ? [سورة البقرة: 212].

وإن كان تطور الرموز والنقط في المشرق يسير قدماً للتوصل إلى النطق السليم لألفاظ القرآن الكريم؛ فإن المغاربة لم يرفضوا كل ما جاء إليهم من قديم المشرق، وإنما قبلوا ترتيب الحروف الهجائية مع اختلاف يسير واستعملوا نقط أبي الأسود الدؤلي ثم نقط نصر بن عاصم مع اختلاف نفط الفاء والقاف وكتبوا أسماء السور بالذهب.

ظل استعمال الخط اليابس الكوفي في المصاحف المغربية حتى القرن السادس الهجري، ونلحظ في تلك المصاحف تطوراً واضحاً في ليونة بعض الحروف وفي الشكل، وبعض الخواص التي تتسم وتنطبع بطابع المغاربة بخلاف المشرق كجرة الوصل، وتوجد في المكتبة الوطنية بتونس أوراق من مصاحف عثر عليها في مسجد القيروان ومنه هذا النموذج وهو مكتوب على الرق، وآياته من آخر سورة طه وتبتدئ: ? وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى * قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى ? [سورة طه، الآية 135].

ونلاحظ الشكل المثلث للنقط وتدل على انتهاء الآيات وهي فواصل بينها، وكتب رأس السورة بالذهب، ولكن بخط المصاحب الأولى وجاء فيها فاتحة السورة التي يذكر فيها الأنبياء:? اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ? [سورة الأنبياء، الآية 1 – 2].

ونرى بوضوح في هذه الكتابة رسم عراقات النون والياء وأشباههما بأشكال دائرية ومع ذلك فإن الخطاط لم ينس أصلهم الجاف، فاستعملهما لضيق المكان في آخر السطر، كما استعمل الشكل الذي استحدثه أبو الأسود الدؤلي، فالنقطة الحمراء فوق الحرف للفتح، وتحته للخفض والمتراكبتان للضم والنقطة الخضراء للهمز، وليس في المصحف نقط نصر بن عاصم على الحروف المتشابهة ومما تبقى من أوراق المصحف الذي كتبه وجلده علي بن أحمد الوراق لفاطمة الحاضنة ما نصه:

? ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ ? [سورة البقرة الآية 74].




وأثر الجودة واضح في تنوع منبسطات الألفات الموزونة الطول ودقة الفراغ بين الصواعد والنوازل وسائر الحروف وامتاز أيضاً برسم رؤوس الواو والميم والهاء بشكل مثلث واتبع طريقة الخليل في رسم الفتحة والضمة والكسرة والشدة، ورسم الهمزة رأس عين صغيرة وللصلة جرة، وهو ما امتازت به المصاحف المغربية دون سواها.

والعناية الشديدة واضحة في كتابة هذا المصحف الثمين والسبب في ذلك أنه مكتوب لحاضنة أمير كان ثالث أمراء زيري الذين خلفهم الفاطميون على تونس بعد انتقالهم إلى مصر، وقد أشرفت على متابعته الكاتبة درة وتم وقفه على الجامع الأعظم بالقيروان في شهر رمضان على يد قاضي القضاة عبدالرحمن بن هاشم.

ونلاحظ صفحة أخرى من هذا المصحف، الذي بلغ قمة الجمال فنقرأ: ? شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ ? [سورة آل عمران، الآية 17، 18].

ومن الكنوز الأثرية بجامع القيروان صندوق خشبي كبير كان يحفظ به هذا المصحف وعليه كتابة كوفية جميلة تحمل اسم الحاضنة الجليلة وتاريخ الوقف المسجل على المصحف نفسه.

الأندلس..

لقد كان للمسلمين في الأندلس دور كبير في تطوير الحرف العربي المغربي الذي كتبت به المصاحف وإن كانت القيروان أسبق في الظهور بعد إن اختط عقبة بن نافع القيروان سنة خمسين للهجرة والتي توافق سنة سبعين وستمائة للميلاد، وجعلها قاعدة متقدمة للمسلمين يرابطون فيها للغزو والحرب ويقيمون فيها في السلم، قاد جيش الإسلام من المسلمين حتى وصل الأطلسي.

وخاض خلال ذلك مجموعة من العمليات واصطدم مع قوات البربر والروم وتوفي في تهوذا ودخل العرب شبه جزيرة إيبيريا فاتحين سنة اثنتين وتسعين هجرية زمن الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك تحت إمرة طارق بن زياد ثم موسى بن نصير.

ولما انتهوا بالفتح إلى برشلونة عاد موسى ومعه طارق إلى المغرب ومنها للمشرق بعد أن ولى عليها ابنه عبد العزيز بن موسى بن نصير.

وما زالت تختلف عليها الولاة من قبل بني أمية حتى انتهى حكهم في المشرق سنة اثنتي وثلاثين بعد المئة، ومن خيرة الولاة السمح بن مالك الذي مات أثناء حصاره لمدينة طولوز بفرنسا، وعبد الرحمن الغافقي الذي فتتح بوروده وليون وبيزانسون ثم طور وبواتيه التي توفي فيها أثناء المعركة بعد أن أصيب بسهم.




بعد سقوط الدولة الأموية في الشرق أمعن السفاح في تقتيل الأمويين فهرب منهم عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك حتى دخل الأندلس سنة ثمان وثلاثين بعد المئة واقام فيها ملكاً وحضارة ومات فيها سنة ستة ومئتين وخلفه ابنه عبد الرحمن الأوسط بعهد منه.

وكان لطيف الجانب عظيم الخلق ميال للعلم والعلماء على اختلاف مذاهبهم، ثم خلفه عبد الرحمن الناصر الذي بنى الزهراء، وجعلها مركز الحكم، وكان عالماً فاضلاً بعيد النظر في القيادة والسياسة شجاعاً، وتوفي الناصر سنة خمسين وثلاث مئة هجرية بعد حكم دام خمسين سنة، وطد فيها دعائم الحكم لأبنه الحكم التي تفرغ لنشر العلم.

فكانت مكتبته تضم أربعة مئة ألف مجلد من الكتب النادرة وكان على أغلبها تعليقات بخطه، وكان أعلم بني أمية على الإطلاق، وقد نقلت العلوم والمعارف في عهده إلى أوروبا وترجمت الكتب إلى اللاتينية، ولولا ذلك لكانت أوروبا اليوم متأخرة مئات السنين عما وصلت إليها.

وتتالت الأحداث حتى انتهى الأمر بهشام بن محمد الملقب بالمعتمد فكان ضعيفاً فخلعه الجنود سنة اثنتين وعشرين بعد الأربعمائة وانقضى أمر الدولة الأموية، ثم تقسمت الدولة إلى ملوك الطوائف وآلت إلى حكم بن جهور والمعتمد بن عباد صاحب إشبيلية، ثم جاء المرابطون والموحدون ولم يبق للعرب غير غرناطة التي بقيت في يدي بني الأحمر إلى آخر القرن التاسع الهجري حين سلم أبو عبد الله مفاتيح غرناطة إلى فرديناند في الثاني من شهر ربيع الأول سنة سبع وتسعين وثمانمائة هجرية.

حمل المغاربة القيروانيون خطهم الجميل إلى الأندلس حيث كانت بلادهم مركزاً للعبور نحو المشرق، ومنه ومؤولاً للعلم والبحث والدرس، فلما كانت الحضارة قد بلغت أوجهاً وكانت الحضارة والعمران والعلوم بدأ الخط المصحفي الأندلسي يرنوا نحو الليونة بدل اليبوسة، ويرسم ملامح وبوادر خط جميل بهيج، وكأنه التفاف الريحان في لوحة يسودها الحب في كتاب الله وشوف للارتفاع بالمعاني إلى أقصى درجات الصفاء.

وكانت العلوم في القرن الهجري الخامس بلغت مبلغاً عظيماً من التقدم، فقد ترك أبو عمر الداني الذي توفى سنة أربع وأربعين وأربعمائة هجرية كتب قيمة في نقط المصاحف وقراءتها.

يقول ابن خلدون:" وأما أهل الأندلس فافترقوا في الأمصار عند تلاشي ملك العرب ومن خلفهم من البربر فانتشروا في عدوة المغرب وإفريقية، وشاركوا أهل العمران بما لديهم من الصنائع وتعلقوا بأذيالهم فغلب خطهم على الخط الإفريقي وعفا عليه ونسي خط القيروان والمهدية بنسيان عوائدهما وصنائعهما، وصارت خطوط إفريقية كلها على الرسم الأندلسي بتونس، وما إليها وتميز ملك الأندلس للأموييين فتميزوا بأحوالهم من الحضارة والصنائع والخطوط وتميز خطهم الأندلسي كما هو معروف الرسم لهذا العهد، ونرى في نماذج المصاحف الأندلسية التي وصلت بر السنين مدى التطور الجميل الذي أشتق من الحروف الأموية، وقد سارت كلها على النهج العثماني في رسم المصاحف، وضبطت في البداية على طريقة أبي الأسود ثم تآلفت مع بعض رموز الخليل بن أحمد ثم نصر بن عاصم، وجعلت الفاء بنقطة إلى الأسفل والقاف بنقطة من الأعلى كما هي الحال في رسوم المغاربة، فاللون الأصفر مخصص للهمزات وهي على هيئة نقطة مدورة والحمرة للحركات وقد وردت في بعض المواقع دال مقلوبة، وأخذ أهل المدينة كما يروي الداني وصورة التشديد على هذا المذهب وتبقى الدال علامة على الشدة في المفتوح والمكسور والمضموم وعلى هذا الوجه ذهب نقاط أهل المدينة ومن سلفهم ومن خلفهم، وعلى استعماله واتباع أهل المدينة فيه عامة أهل بلدنا قديماً وحديثاً، وهو الذي أختار، وبه أنقط، ثم يذكر الداني بأن النحويون اختاروا كلمة شديد علامة على الشدة، واختار أهل المدينة أخر حرف الكلمة وهي الدال.

ومما يلاحظ في كتابة الأندلسيين والمغاربة نقط حروف الفاء والقاف والنون والياء في التطرف خلال القرون الأولى، إلا أنها قد خلت وتعرت فيما بعد من النقط في حالة التطرف.

ويضع الأندلسيون والمغاربة النقطة الخضراء للوصل على الألف عند البدء بالفتح وفي وسط الألف عند البدء بالضم وتحت الألف عند البدء بالكسر، وذلك ما امتازت به المصاحف الأندلسية والمغربية.

اعتنى الأندلسيون والمغاربة باستعمال الزخارف المذهبة والملونة في مصاحفهم، ومعظمها تبدأ بمربعين متقابلين بزخارف هندسية، تتداخل فيها الزخارف النباتية التي لا فراغ فيها، فالخطاط المسلم يكره الفراغ، كما يوجد مثلهما أواخر المصحف ورسمت فواصل الآيات بحليات الذهب وكذلك الأخماس والأعشار من الآيات في أشكال متباينة يحار المرء لي روعتها ودقتها، ويبحر معها متأملاً في آيات القرآن مسبحاً الله على ما من عليه من سلامة الذوق وحسن الاختيار.

وفي الهوامش طرر مزخرفة متصلة بأسماء السور وأخرى للأحزاب والسجدات وتجزءات رمضان وهي تنبيء قارئ القرآن وحافظه وتنبه إلى المكان الذي وصل إليه في قراءته كما أفردت لسورة الفاتحة والبقرة وأوائل الأجزاء مستطيلات مزخرفة كتب بداخلا اسم السورة وعدد آياتها.

أما بقية أسماء السور فكتب بخط الكوفة المجرد من النقط وبلون الذهب وكان ذلك حتى القرن العاشر الهجري.

وجل المصاحف المغربية مكتوبة على الرق لمتانتها وصونها من التلف.

لم يكن في المصاحف الأندلسية والمغربية على طول الزمن سوى خط واحد في خط نص القرآن وهو الخط المبسوط الذي يتسم برزانة حروفه وقربها من خطوط المشارقة الأم.




والفروق بين خطوط المصاحف الأندلسية والمغربية فروق تجويد واختلافات ضئيلة وترجع الاختلافات في مدرسة واحدة إلى انعدام قواعد تضبط الخط المغربي بالرغم من وجود حفاظ للقرآن في تلك البلاد، لقد حافظ الأندلسيون والمغاربة على مرسوم المصحف العثماني كما لقنوه وكما رأوه في المصحف الإمام مصحف عثمان.

وحرصوا على ذلك أشد الحرص ولما ارتضوا إدخال الشكل والحروف الزوائد رسموها بألوان مغايرة لحبر الكتابة، فخصة الفتحة والضمة والكسرة والحروف الزوائد بالحمرة والسكون والشد والوقف بالأزرق والصلة بالخضرة والهمز بالصفرة وامتازت المصاحف الأندلسية والمغربية عن المشرقية بالجرة المرسومة على الف الوصل لتدل على الحركة السابقة، وبالنقطة الدالة على كيفية الابتداء بألف الوصل عند الوقف، واختصت مصاحفهم أيضاً باتباع التنوين المتراكب منذ إرساء قوعد الرسم.

المصحف الشريف ومظهره الخارجي.

تنوعت أشكال وأحجام المصاحف والصفحات التي خط عليها رسم القرآن العظيم عبر التاريخ، وهي في مجملها لا تتعدى عن ثلاثة أشكال، شكل مربع، وآخر مستطيل بشكل أفقي، وثالث مستطيل بشكل عمودي.

ولقد وصلنا من النموذج الأول بعض صفحات نادرة الوجود وتحتفظ بها مكتبة جامعة إسطنبول وهي مما تركه أجدادنا من تراث الأندلس وقد خط بمدينة بلانسيا سنة ثماني وسبعين وخمسمائة هجرية بخط محمد بن عبد الله بن علي بن غطوس المتوفى سنة عشر وستمائة للهجرة وقد كتب بالخط الدقيق على الرق بمداد بني فاتح، كما وضع الخطاط إشارات الشد والجزم باللازغرد وعلامات التشكيل الأخرى بالأحمر وخرج فيه عن قاعدة الأندلسيين والمغاربة فنقط الهمزة بلون أحمر على طريقة المشارقة، وجعل أسماء السور وشارات التخميس والتعشير على الهامش وبالذهب الخالص.

وابن غطوس هذا كان وحيد عصره في الأندلس وبمدينة بلانسيا وقد كتب بالأندلس في حياته ألف مصحف وكان متخصص في كتابة المصاحف لا يكتب غيرها كما عاهد نفسه على ذلك.

أما الشكل الثاني اللذي يميل للامتداد عرضاً، عرف عند المؤرخين والمشتغلين بالفن باسم المصحف السفيني نسبة إلى السفينة؛ لأن شكله قريب منها على ما يزعمون، وجاء وصفه في كتب تاريخ الفن أنه ذو الفورمة الإيطالية، وقد تحدثنا في حلقة ماضية عن الرق وقلنا: إن الفينيقيين كانوا أصحاب تجارة الرقوق وهم الذين يقطعونها إلى مستطيلات ثم يتاجرون بها بسفنهم إلى إيطاليا.

وقد جاءت تسمية الطليان لها بالسفينة نسبة إلى سفن الفينيقيين التي حملت لهم هذه البضاعة.

وأما الشكل الثالث: وهو المعروف بالفورمة الفرنسية وقد أطلق عليه مؤرخو الفن اسم المصحف العمودي والذي ما زال سائداً ومتعباً حتى اليوم. إن هذه التسميات التي أطلقها مؤرخو الفن على الشكل الخارجي على المصحف العظيم لا تحمل أي دلالة فنية ولو عدنا إلى رحلة الشتاء والصيف ورأينا كيفي حمل القرشيون رقوقهم من بلاد الشام لعرفنا السبب في اختيار أجدادنا للشكل المستطيل اللذي يناسب حرفهم المحقق الرصين ويناسب ما يريدونه من تعظيم كتاب الله بخط جليل واضح، وبانقضاء القرن الهجري الثالث وظهور خط النسخ الشامي في المصاحف وهجران خط الكوفة الرصين وبدء الكتابة على الورق بدل الرق، ظهر المصحف بشكله العمودي الذي يناسب الخط ويؤدي غرض الحفاظ بعد تقسيمه إلى أجزاء وأحزاب وأرباع وأعشار وأخماس.









[/b]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
رحلة القرآن العظيم (1)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كل العرب انفو الاخباري :: المنتدى الاسلامي :: المكتبة الاسلامية-
انتقل الى: