منتدى . ثقافي . اجتماعي . رياضي . تعليمي . اسلامي . شامل
 
HomeRegisterLog in
Share | 
 

 الصحابه رضوان الله عليهم

View previous topic View next topic Go down 
Go to page : 1, 2, 3, 4  Next
AuthorMessage
سلمى العربيه
عربي مميز
عربي مميز


عدد المساهمات: 250
تاريخ التسجيل: 2010-01-18

PostSubject: الصحابه رضوان الله عليهم   Tue Jan 19, 2010 5:27 am

موقف أهل السنة والجماعة من آل البيت


الخطبة الأولى

الحمد لله يخلق ما يشاء ويختار, ويصطفي للشرف من شاء من الأخيار ، شرّف رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم على كل البرية ، وجعل ذريته أشرف ذريّة .
أحمد ربي تعالى وأشكره وأثني عليه وأستغفره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله نتقرب إلى الله تعالى بمحبة رسوله وعترته الطاهرة الزكية صلى الله وسلم وبارك عليهم وعلى الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد،
فوصية الله تعالى للأولين والآخرين تقواه "ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله".

أيها المسلمون:
الشريف في ذاته يفيض بالشرف على من حوله والكريم في معدنه يسري كرمه في المحيطين به، انظر إلى زجاجة العطر كيف تبقى فوّاحة بعد نفاد ما فيها، تطلّع إلى جوار المصباح وكيف استحال هالة من نور، وسوارًا من ضياء وكذلك البشر تفيض بركة السعداء منهم وتتعداهم إلى غيرهم . فكثير من سلالة إبراهيم الخليل غدوا أنبياء وأصحاب عيسى صاروا حواريين ورفاق محمد صلى الله عليه وسلم شرفوا بالصحبة وأزواجه أمهات للمؤمنين. ونسله استحقوا وصف الشرف والسيادة، كيف لا وفيهم من دمائه دم، و من روحه نبض ومن نوره قبس ومن شذاه عبق ومن وجوده بقية صلى الله عليه وصلى على آله وأزواجه وصلى على صحابته وسلّم تسليمًا كثيرًا.

أيها المسلمون:
ولكرم النبي صلى الله عليه وسلم كرمت ذريته، ولشرفه شرف آل بيته، وكانت مودتهم ومحبتهم جزءًا من شريعة المسلمين، رعوها على مر الزمان كما رعوا باقي الشريعة. وأقاموها كما أقاموا بقية أحكام الدين، وقد يكون قصّر بعض المسلمين في هذا الجانب في مراحل من التاريخ وفي وقائع دونت بمداد من أسى كما يقصّر بعض المسلمين في بعض واجباتهم؛ فتكتب عليهم ذنبًا من الذنوب وخطيئة من الخطايا، إلا أن الطابع العام للأمة هو معرفة قدرهم، وبذل المودة لهم ومحبتهم وموالاتهم، شهدت بذلك عقائدهم المدونة وتفاسيرهم المبسوطة وشروحات السنن وكتب الفقه. كيف لا، وهم وصية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هم وصيته وهم بقيته، إذ يقول: "أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي" (رواه مسلم) وآل بيته صلى الله عليه وسلم هم أزواجه وذريته وقرابته الذين حرمت عليهم الصدقة هم أشراف الناس، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فاطمة سيدة نساء أهل الجنة" (رواه البخاري)، وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فاطمة بضعة مني من أغضبها أغضبني" وفي رواية في الصحيحين أيضًا: "فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها"، وروى البخاري -رحمه الله- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "أنت مني وأنا منك"، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الحسن بن علي رضي الله عنه : "إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين" (رواه البخاري). وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحسن رضي الله عنه : "اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه" (متفق عليه). وقد قال الله عزّ وجل في كتابه الكريم وقرآنه العظيم: "إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا" ومعلوم أن هذه الآية نزلت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لأن ما قبلها وما بعدها كله خطاب لهن رضي الله عنهن، وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: قولوا: "اللهم صلّ على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد". وهذا يفسر اللفظ الآخر للحديث: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد؛ فالآل هنا هم الأزواج والذرية كما في الحديث الأول.

عباد الله: هذه بعض فضائل آل بيت النبوة كما حفظتها كتب السنة والتزمها المسلمون منذ صدر الإسلام الأول وأنزلوهم منازلهم اللائقة من غير إفراط ولا تفريط. ففي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما "أن أبا بكر رضي الله عنه قال: ارقبوا محمدًا في أهل بيته". وفي الصحيحين "أن أبا بكر رضي الله عنه قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليّ أن أصل من قرابتي" وفي صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه شهد بالرضا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه والسبق والفضل ولما وضع الديوان بدأ بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وكان يقول للعباس رضي الله عنه: "والله لإسلامك أحب إلي من إسلام الخطاب لحب النبي صلى الله عليه وسلم لإسلامك"، كما استسقى بالعباس وأكرم عبد الله ابن عباس وأدخله مع الأشياخ... كل ذلك في صحيح البخاري وغيره . وقد روى إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في فضائل آل البيت وحفظ للأمة أحاديث كثيرة في ذلك ، منها ما رواه عن عبد المطلب بن ربيعة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمه العباس: "والله لا يدخلُ قلب مسلم إيمانٌ حتى يحبّكم لله ولقرابتي "، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتولونهم ويحفظون وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم حيث قال يوم غدير خم: "أذكركم الله في أهل بيتي". رواه مسلم.
وقال الطحاوي رحمه الله: "ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير وحبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان. ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه الطاهرات من كل دنس وذرياته المقدسين من كل رجس فقد برئ من النفاق".

عباد الله: إن مما تفاخر به هذه البلاد المملكة العربية السعودية منذ نشأتها بمراحلها الثلاث حكامًا وعلماء ، رعاة ورعية اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة آل بيته وتعظيمهم ومحبتهم واقتفاء أثرهم والدفاع عنهم وعن منهجهم ودينهم الحق. وقد اتخذت ذلك ديناً ومنهجًا وقربة إلى الله عز وجل. وتحملت في سبيل هذا المنهج العدل طعون الطاعنين ولمز الشانئين ولا يزيدها ذلك إلا ثباتًا على الحق وتمسكًا بمنهج الوسط واتباعًا لسنة آل البيت حقًا وليس أحدٌ أتبع لمنهجهم اليوم من هذه البلاد وأهلها وحكامها وعلمائها. قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "لآله صلى الله عليه وسلم حق لا يشركهم فيه غيرهم ويستحقون من زيادة المحبة والموالاة ما لا يستحقه سائر قريش.. وقريش يستحقون ما لا يستحقه غيرهم من القبائل". وقال رحمه الله في موضع آخر: "وقد أوجب الله لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس حقوقًا، فلا يجوز لمسلم أن يسقط حقوقهم ويظن أنه من التوحيد بل هو من الغلو والجفاء، ونحن ما أنكرنا إلا ادعاء الألوهية فيهم وإكرام مدعي ذلك" انتهى كلامه رحمه الله . و قال الإمام في السنة في زمانه الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: "والشيخ محمد رحمه الله – يعني ابن عبدالوهاب - وأتباعه الذين ناصروا دعوته كلهم يحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين ساروا على نهجه ويعرفون فضلهم ويتقربون إلى الله سبحانه بمحبتهم والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة والرضا كالعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكالخليفة الرابع الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبنائه الحسن والحسين ومحمد رضي الله عنهم . ومن سار على نهجهم من أهل البيت" انتهى كلامه رحمه الله.

أيها المسلمون:
ولأن آل بيت نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومحبتهم، أمر تهفو إليه النفوس وشعور تجثو عنده العواطف، وحس يتحرك له الوجدان فقد نفذ من هذا الباب من استغله وتاجر به واستخدمه من ادّعى خدمته، منذ القرن الأول من عمر هذه الأمة إلى أيامنا هذه، وعلى مر ذلك التاريخ الطويل وتحت شعار محبة آل البيت والانتصار لهم. برزت مطامع سياسية وأخرى مادية وصفيت ثارات عرقية عنصرية واندس موتورون بهذا الدين، شانئون له مبغضون لأهله يهدمون أساسه ويبغون اندراسه، حتى غيرت معالم الدين وشوهت الشريعة وبدلت العقيدة، ونبتت الفرقة وثار غبار النزاع والشقاق. فطالوا أهم ما فيه وهو التوحيد ثم كرّوا على أهم مسائل العقيدة فحرفوها ثم أخذوا يعيثون فسادًا في بقية شرائع الدين وأطاعوا شيوخهم في التحليل والتحريم بلا هدى حتى صاروا كمن قال الله فيهم: "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله". عظموا المشاهد وعطلوا المساجد ناهيك عن أكل أموال الناس بالباطل واستحلال فروج الحرائر. وتكفير عموم الأمة وكنِّ العداوة والبغضاء للعرب الذين هم مادة الإسلام وأصل الإسلام كل هذا يحدث ويكون تحت لافتات النصرة لآل البيت، ومحصلة الأمر كله تمكن مندسين في تغيير عقائد الإسلام الراسخة وشرائعه الثابتة وشعائره الظاهرة لدى جماعة من المسلمين باسم آل البيت ومحبة آل البيت.

و هنا أمران يستدعيان الوقوف ويلحان في الطرح.
أولهما: أن آل البيت الثابتة أنسابهم هنا في الحجاز أو ممن انتشر منهم في البلاد أو حكم جزءًا من بلادنا الإسلامية اليوم، هم أبعد الناس عن تلك المذاهب المستحدثة، تشهد بذلك عقائدهم ومؤلفات العلماء وطلبة العلم منهم ومواقعهم على شبكة الاتصال العالمية، وكذا مواقف الساسة منهم والحكام فيهم؛ فهل بعد هذا بصيرة لمستبصر وذكرى لمستذكر؟!
الأمر الثاني: أنه في الوقت الذي ينكر فيه المعروفون من آل البيت تلك العقائد الدخيلة، تنشط في الوقت نفسه عناصر ليسوا عربًا ولا من نسل العرب، ينشطون في الحديث باسم آل البيت وتكوين دين يزعمون أنه مستقىً من آل البيت، دين لا يعرفه صاحب البيت ولم يأت به جد آل البيت؛ بل ويخالف شريعة مؤسسه صلى الله عليه وسلم. بل إن أولئك العجم هم الرعاة لهذه العقائد المستحدثة ، الناشرون لها منذ نشأت إلى يومنا هذا. ألم يتساءل العقلاء منهم أو من تأثر بهم لماذا لم تلق هذه العقائد قبولاً في منازل آل البيت وفي مهبط الوحي وموطن الرسالة؟ ويقودنا هذا إلى تأكيد على دور العلماء وطلبة العلم خاصة من النسل الشريف وآل البيت المنيف ممن جرت في عروقهم الدماء الزكية أن يملكوا زمام المبادرة في الحفاظ على عقيدة جدهم صلى الله عليه وسلم، وألا يتركوا الصوت العالي يذهب لغيرهم ممن يتاجر باسمهم وينتفع بالحديث عنهم، مفسدًا أديان الناس وعقائدهم. إن عليهم وعلى عموم الأمة مسؤولية عظمى لهداية الناس وتبصيرهم بالدين الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم واكتمل بوفاته، وتنقية فطر المسلمين من لوثات الغلو والجفاء لئلا تحيد بهم الأهواء عن صراط الله الذي قال فيه سبحانه: "وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون".
بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعنا بما فيها من الآيات والحكمة. أقول قولي هذا وأستغفر الله تعالى لي ولكم.

الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد،
فلقد وفّق الله هذه البلاد ومنذ أن قامت في دورها الأول بلزوم جماعة المسلمين والتمسك بالإسلام الذي جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن رب العالمين، وقفوا أثر آل البيت وعموم الصحابة والتابعين مما جعل للإسلام في هذه الديار بقاء بنقاء وهيمنة بصفاء. إن الإسلام الذي تمسكت به هذه البلاد هو الإسلام الذي قبلَتْه أجيال الأمة على مرَّ القرون يُسْلِمُه سلَفُهم إلى خَلَفِهم وعُلَماؤهم إلى مُتَعَلمهم، نافين عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين ولأجل هذا كانت هذه البلاد بحكامها وعلمائها في مَرْمَى سهام المتربصين، وإفك الكاذبين، لقد نال علماء هذه البلاد الكثير من الطعن والتكفير كما نال حكامه صنوف من اللمز والتشكيك في المواقف السياسية والمبادرات والقرارات في محاولة للحد من تأثيرها الإيجابي في العالم. ولإقصائها عن الريادة في أمور الدين وفضاء السياسة وهو الأمر الذي هو قَدْرُها وقدرها ويمليه عليها مكانها ومكانتها وتتطلع إليه قلوب المستضعفين قبل عيونهم أملاً في لملمة شمل، وتطلعًا لمداواة جرح، ورغبة في سد حاجة. ومواقفها وسيرتها شاهدة على الجمع لا التفريق ورأب الصدع لا شق الصفوف، حفظها الله قائمة بالإسلام منافحة عنه.
ثم اعلموا رحمكم الله أن الله تعالى أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه فقال جل في علاه: "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا" اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وصل وسلم وبارك على آله وأزواجه وذريته وصحابته وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر صحابة نبيك أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين واجعل هذا البلد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا. اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لما تحب وترضى، وخذ بهم للبر والتقوى، اللهم وفق ولي أمرنا خادم الحرمين الشريفين لرضاك واجعل عمله في رضاك، اللهم وفقه ونائبه وإخوانهم وأعوانهم لما فيه صلاح العباد والبلاد، اللهم هيئ له البطانة الصالحة يا رب العالمين.
اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان. الله كن للمسلمين في فلسطين وفي كل مكان. اللهم آمنهم في أوطانهم وأرغد عيشهم واحقن دماءهم واكبت عدوهم. اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين. اللهم فرّج هم المهمومين والمسلمين ونفس كرب المكروبين واقض الدين عن المدينين وفك أسر المأسورين واشف برحمتك مرضانا ومرضى المسلمين. اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.
ربنا اغفر لنا ولوالدينا ووالديهم ولجميع المسلمين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


الصحابة ومكانتهم عند المسلمين


رَبَّنَا لا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ

الإهداء
أهدي هذه الرسالة إلى مَن تعهداني بأسباب الرعاية
أمي وأبي



المقـدمة




مقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل ومن يضلل فما له من هاد.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد إمام المتقين وقائد الغر المحجلين الذي بُعث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه الذين اهتدوا بهديه, فكانوا أعلام الهدى , المنار المقتدى.
أما بعد:
فقد تعرض الجيل الأول من المسلمين إلى محن قاسية وتحملوا أعباء كبيرة من أجل التمكين لهذا الدين القيّم في الأرض, فخرجوا من قلب الجزيرة العربية إلى العالم أجمع يحملون لهم الدواء الناجع لما كانت تعانيه الإنسانية من ضياع وتمزق. يحملون السلام العالمي الذي طالما حلم به الفلاسفة والحكماء, وقدموه للدنيا بأسرها وعلى وجوههم علامات الرضا, غير عابئين بما ضحوا في سبيل ذلك من دمائهم وأموالهم واغترابهم. فنالوا بهذه التضحيات الجسام الثواب الجزيل من الله تعالى والحب العظيم من رسول الله e, وأصبحوا نبراس الأمة الإسلامية ومثالها الفذ مَن أجبهم أحب الله ورسوله ومن أبغضهم أبغض الله ورسوله.
غير إن كثيراً ممن استحوذ عليهم الشيطان, وممن نذروا أنفسهم للنيل من هذا الدين العظيم لم يرق لهم هذا التكريم لصحابة رسول الله e وكانوا يعلمون أنهم يمثلون سور الدين, وأن الطعن فيهم هو السبيل الموصلة إلى هدمه دون ضوضاء, فأخذوا يشوهون صورتهم في أعين الناس, ويبثون آراءهم المنحرفة في صحابة رسول الله e.
لهذا كله حق على كل مسلم غيور أن في كل زمان ومكان أن يدافع عن تلك النخبة الطاهرة الذين لولا جهادهم وإخلاصهم وأمانتهم لما نعمنا بنعمة الإسلام, وأن يساهم ولو بشيء يسير في إبراز دورهم الهام في حفظ الشريعة وتعاليم الدين, لأننا مدينون لهم بكل شيء, فحبهم قربى إلى الله, والذود عنهم ذود عن حياض الدين, ولاشيء أوجب على المسلم في حياته من ذلك.
وهذا ما دفعني إلى أن أكتب رسالتي في هذا الموضوع وأن أسميها " الصحابة ومكانتهم عند المسلمين" سائلا المولى تعالى أن يجعلها في صحيفة عملي يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من أتى الله بقلب سليم.

وقد جاءت رسالتي على بابين وخاتمة.

فالباب الأول – عقدته في الصحابة- جاء مشتملاً على ثلاثة فصول:

الفصل الأول في التعريف بالصحابة رضي الله عنهم, وذكرت فيه تعريف الصحابي لغة واصطلاحاً, وطبقات الصحابة, وعددهم والطرق التي يُعرف بها الصحابي.
أما الفصل الثاني فقد عقدته لبيان عدالتهم رضي الله عنهم وبينت فيه عدالتهم من خلال القران الكريم, والسنة النبوية وأقوال علماء الأمة وسلفها الصالح, ثم من خلال سيرتهم وأحوالهم العطرة.
والفصل الثالث, تحدثت فيه عن اختلافات الصحابة فتكلمت عن أسباب الاختلاف بين الناس عموماً, ثم بين الصحابة وأنواع الاختلافات التي وقعت بين الصحابة, وعن الآثار الناجمة عن تلك الاختلافات وأخيرا موقف علماء الأمة من اختلافهم.
أما الباب الثاني الذي عقدته لبيان مكانتهم فقد جاء مشتملاً على ستة فصول:
الفصل الأول: تحدثت فيه عن مكانة الصحابة عند الشيعة الإمامية. وذكرت فيه أيضاً نشأتهم وآراءهم وفرقهم.
الفصل الثاني: تكلمت فيه عن الإسماعيلية تعريفها ونشأتها وآرائها وموقفها من الصحابة ومكانتهم لديها, وأتيت فيه بشيء من جهود العلماء في مقاومة ضلالها.
الفصل الثالث: تحدثت فيه عن الزيدية وما قامت به من محاولات لتصحيح منهج التشيع وبينت فيه موقفهم من صحابة رسول الله e بعد أن ذكرت فرقهم.
الفصل الرابع: تحدثت فيه عن الخوارج وأسباب ظهورهم وصفاتهم وفرقهم وأرائهم ثم عن مكانة الصحابة عندهم.
الفصل الخامس: تحدثت فيه عن أهل السنة والجماعة وذكرت تعريفهم وأصنافهم وموقفهم من الصحابة وحكم من تجاوز عليهم عندهم بسب أو لعن أو اكفار.
الفصل السادس: عقدته في بيان النتائج الضارة للطعن في الصحابة رضي الله عنهم, وبينت فيه أن الطعن ينجم عنه الطعن في صحة نقل القرآن الكريم, والطعن في صحة نقل السنة النبوية, وتكذيب القرآن والسنة في نصوص كثيرة بعينها, وكذلك ينجم عنه الطعن في شخص الرسول e وأخيراً تصوير الإسلام ديناً بعيداً عن التطبيق العملي.


أما الخاتمة فقد تحدثت فيها عن النتائج التي خرجت بها من دراستي هذه.
ولا يفوتني أن أتقدم بالشكر الجزيل للدكتور حارث سليمان الضاري لتفضله بالإشراف على رسالتي المتواضعة هذه ولما قدمه لي من ملاحظات أثناء كتابتي لها, التي كانت نعم العون لي. كما أتقدم بالشكر لكل من مد يد المساعدة وأشكر أسرة مكتبة كلية العلوم الإسلامية لما قدموه لي من تعاون وأسرة مكتبة التأميم المركزية فجزاهم الله عني ألف خير.
وأخيراً... فهذا جهد بذلته فإن أصبت فبعون من الله وفضل وإن أخفقت فإنما أنا بشر. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.



الباب الأول
الفصل الأول
التعريف بالصحابة

من هو الصحابي
طبقات الصحابة
عدد الصحابة
طرق معرفة الصحابي





أولاً:- مَن هو الصحابي؟
الصحابي لغة مشتق من الصحبة, وهي المعاشرة, جاء في لسان العرب: صحبه يصحبه صُحبة بالضم وصحابة بالفتح, وصاحَبَه عاشَرَه ... والصاحب المُعاشر().
وقال صاحب المصباح المنير: والأصل في هذا الإطلاق -أي إطلاق اسم الصحبة من حيث اللغة- لمن حصل له رؤية ومجالسة. ووراء ذلك شروط للأصوليين. ويطلق مجازاً على من تمذهب بمذهب من مذاهب الأئمة, فيقال: أصحاب الشافعي, وأصحاب أبي حنيفة(), وكل شيءٍ لائم شيئاً فقد استصحبه().
ولا يشترط في إطلاق اسم الصحبة لغة, أن تكون الملازمة بين الشيئين طويلة الأمد, أو الملابسة بينهما عميقة, لأنها اسم مشتق من فعل, والأسماء المشتقة من الأفعال يصح أن تطلق بمجرد صدور الفعل, ولا علاقة لها بمقدار تحقق ذلك الفعل في الشخص.
فكما أن قولك: ضارب وهو اسم مشتق من الفعل (ضرب) يصح أن يطلق بمجرد صدور الضرب من شخص ما دون النظر إلى مقدار هذا الضرب, كذلك يصح أن يطلق اسم الصحابي أو الصاحب على كل من صحب غيره مهما كان مقدار الصحبة. لهذا قال صاحب الرياض المستطابةSadيطلق اسم الصحبة في اللغة على الشيئين إذا كان بينهما ملابسة وان قلّت أو مناسبة أو ملابسة من بعض الوجوه)().
أما تعريف الصحاب من حيث الاصطلاح فقد اختلف العلماء في حدّه على أقوال (فالمعروف عند المحدثين أنه كل مسلم رأى رسول الله r )(), وقال ابن حجر: (هو من لقي النبي e مؤمناً به ومات على الإسلام ولو تخللت ردة على الأصح)().
غير أن (منهم من بالغ فكان لا يعد من الصحابة إلا من صحب الصحبة العرفية كما جاء عن عاصم الأحول حيث قال: رأى عبدالله بن سرجس رسول الله e غير انه لم يكن له صحبة, هذا مع كون عاصم قد روى عن عبدالله بن سرجس هذا عدة أحاديث وهي عند مسلم وأصحاب السنن وأكثرها من رواية عاصم عنه, ومنها قوله: إن النبي e استغفر له. فهذا يوضح رأي عاصم في الصحابي بأنه من صحب الصحبة العرفية().
(وكذا روى عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يعد من الصحابة إلا من أقام مع النبي e سنة فصاعداً أو غزا معه غزوة فصاعداً)().
ومنهم من اشترط أن يكون حين اجتماعه بهF بالغاً , وهو مردود أيضاً لأنه يخرج أمثال الحسين بن علي ونحوه من أحداث الصحابة() وروي عن بعض أصحاب الأصول في تعريفهم للصحابي (أنه من طالت مجالسته عن طريق التتبع)() قال ابن حجر: (والعمل على خلاف هذا القول وأنهم اتفقوا على عدّ جمع من الصحابة لم يجتمعوا بالنبي e إلا في حجة الوداع)().
ولعل أرجح التعاريف وأجمعها ما اختاره ابن حجر إذ قال: (وأصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي من لقي النبي e مؤمناً به ومات على الإسلام فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته أو قصرت ومن روى عنه أو لم يرو عنه ومن غزا معه أو لم يغز معه ومن رآه ولو لم يجالسه, ومن لم يره لعارض كالعمى)().
وهذا الذي صححه ابن حجر نسَبَه كثير من العلماء إلى الإمام البخاريT. وأثبت ابن حجر أن البخاري تابع فيه شيخه علي بن المديني T حيث قال: (وقد وجدت ما جزم به البخاري من تعريف الصحابي في كلام شيخه علي بن المديني فقرأت في المستخرج لأبي قاسم بن منده بسنده إلى أحمد بن يسار الحافظ المروزي قال: سمعت أحمد بن عتيك يقول: قال علي بن المديني: من صحب النبي e ولو ساعة من نهار فهو من أصحاب النبي e)().
وأرى أن هذا التعريف الذي ذكره ابن حجر هو أرجح التعاريف لما يلي:
أولاً: لأنه يتماشى مع المدلول اللغوي لكلمة الصحبة, ولا يجوز صرف اللفظ عن ظاهره إلا عند وجود مقتضى لذلك من نص أو مانع, لا وجود لشيء من ذلك كله.
ثانياً: لأنه قول جهابذة السنة وعلماء الأمة ممن لا يعدل قولهم قول غيرهم ممن خالفهم.
ثالثاً: لأن التوسع في إطلاق الصحبة يرى فيه العلماء وجهاً من وجوه الثناء على رسول الله e وتقديراً لمكانته e حق قدرها, قال ابن الصلاح: (بلغنا عن أبي المظفر السمعاني المروزي أنه قال: أصحاب الحديث يطلقون اسم الصحابة على كل من روى عنه حديثاً أو كلمة ويتوسعون حتى يعدوا من رآه رؤية من الصحابة, وهذا لشرف منزلة النبي e أعطوا كل من رآه حكم الصحبة)().
رابعاً: إن الأقوال الأخرى غير جامعة لكل من تشرف بلقاء النبي e أو رآه ولو مرة, لأنها اشترطت طول المجالسة أو الغزو معه أو الرواية عنه e وهذه الأمور لم تتحقق لكثير ممن وصفوا بالصحبة, كالعميان والأحداث من الصحابة y.
ثم إن الصحبة تكريم من الله لجماعة من البشر اختارهم سبحانه ليكونوا معية رسول الله e والنقلة لكل أحداث عصر النبوة. كما إن الجرح والتعديل بتطبيقهم لقواعد النقد العلمي الصحيح لم يعثروا على ما يمكن أن يكون مخلاً بعدالة أي شخص ثبت أنه رأى أو لقي النبي e مسلماً ومات على الإسلام.

ثانياً: طبقات الصحابة
حينما نقول أن كل من رأى النبي e مؤمناً به ومات على الإيمان فان له شرف الصحبة, وما يلزم منها من العدالة ودخولهم الجنة بوعد الله تعالى لهم بقوله: } لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاَّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌÇÊÉÈ {() فليس معنى هذا أن الصحابة كلهم على مرتبة واحدة, بل هم على طبقات ودرجات, حددها عدل الله سبحانه وتعالى. إذ فيهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار, وفيهم من تلوهم وتبعوهم بإحسان, فكان لابد أن يتفاوتوا في الفضل والمرتبة والزلفى عند الله تعالى, لذلك رتبهم العلماء الذين اعتنوا بهم إلى طبقات, وقد اختلفوا في ترتيب تلك الطبقات باعتبارات مختلفة.
فقسمهم ابن سعد في طبقاته على حسب القدم والمشاهد إلى خمس طبقات, هي():
الأولـى : البدريون من المهاجرين.
الثانيـة : البدريون من الأنصار.
الثالثـة : الذين لم يشهدوا بدراً ولهم إسلام قديم.
الرابعـة: الذين أسلموا قبل الفتح.
الخامسة : الذين أسلموا بعد الفتح.

ورتبهم الحاكم إلى اثنتي عشرة طبقة() وهي كالآتي:
الأولى: قوم أسلموا بمكة مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم رضي الله عنهم.
الثانية: أصحاب دار الندوة.
الثالثة: المهاجرون إلى الحبشة.
الرابعة: الذين بايعوا النبي e عند العقبة.
الخامسة: أصحاب العقبة الثانية.
السادسة: أول المهاجرين الذين وصلوا إلى رسول الله e وهو بقباء قبل أن يدخل المدينة ويبني المسجد.
السابعة: أهل بدر الذين قال رسول الله e فيهم: (( لعل الله أطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم))().
الثامنة: المهاجرون الذين هاجروا بين بدر والحديبية.
التاسعة: أهل بيعة الرضوان الذين أنزل الله تعالى فيهم قوله } لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا { ().
العاشرة: المهاجرة بين الحديبية والفتح, منهم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وأبو هريرة().
الحادية عشرة: الذين أسلموا يوم الفتح وهم جماعة من قريش.
الثانية عشرة: صبيان وأطفال رأوا رسول الله e يوم الفتح وفي حجة الوداع وغيرهما.

والناظر في تقسيم الحاكم يرى أنه قائم على السبق في دخول الإسلام بغض النظر عن أية عوامل أخرى, بخلاف ما جرى عليه ابن سعد في طبقاته من اعتماده المشاهد والسبق إلى الإسلام معاً, فعنده أن المهاجر البدري أعلى رتبة من الأنصاري البدري باعتبار عامل السبق, ومن شهد بدراً من المهاجرين والأنصار فهو أعلى رتبة ممن لم يشهدها وإن كان إسلامه قديماً, وهو بهذا يكون أميز من مخالفيه في تقديرنا.
هذا الترتيب والمفاضلة بين الصحابة y على سبيل الإجمال، أما على سبيل الأفراد لكل منهم فقد ذهب جمهور علماء أهل السنة إلى أن أفضل الناس بعد رسول الله e أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة ثم أهل بدر ثم أهل أحد ثم أهل بيعة الرضوان وممن لهم مزية من أهل العقبتين من الأنصار والسابقين الأولين().

ثالثاً: عدد الصحابة
لاشك أن حصر عدد الصحابة أمر متعذر لأمور, منها: أن الرسول e عاش يدعو إلى دين الله ثلاثة وعشرين عاما, وقد أسلم في هذه الفترة خلق كثير بلا شك, فمنهم من كان يقيم معه ومنهم من يرجع إلى الجهة التي جاء منها, ومعرفة من أعلن إسلامه أمام الرسول e ومن أسلم دون أن يلتقي به أمر في غاية الصعوبة.
لذا فإن من كتب في هذا المجال, فإنما كتب على سبيل التقريب لا التحديد فيما نظن.
فقد روي عن أبي زرعة الرازي قوله: (توفي رسول الله e ومن رآه ومن سمع منه زيادة على مائة ألف إنسان من رجل وامرأة كلهم قد روى عنه سماعاً أو رؤية)().
وأخرج الإمام مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: (خرج رسول الله e لعشر مضين من رمضان, وصام الناس معه, حتى إذا كانوا بالكديد أفطر, ثم مضى في عشرة آلاف من المسلمين) وكان ذلك عام الفتح().
وقال ابن حجر: (ثبت عن سفيان الثوري فيما أخرجه الخطيب بسنده الصحيح إليه قال: من قدّم علياً على عثمان فقد أزرى على اثني عشر ألفاً مات رسول الله e وهو عنهم راض()- يعني الذين توفوا في خلافة أبي بكر وعمر-.
من خلال هذه الآثار يتبين لنا أن أصحاب رسول الله e كانوا من الكثرة بحيث أن الرواة الذين سمعوا من رسول الله e يزيدون على مائة ألف.
ومع هذا فإن التاريخ لم يحفظ لنا عشر ما ذكره أبو زرعة من الرواة. وقد قام الدكتور أكرم ضياء العمري بدراسة استقرائية في كتب معرفة الصحابة وتوصل إلى هذه النتيجة().
إن أوسع كتب معرفة الصحابة هو كتاب الإصابة لابن حجر حيث بلغت ترجماته(9477) ترجمة ممن عرفوا بأسمائهم و (1268) ترجمة ممن عرفوا بكناهم و (1522) ترجمة امرأة.
وليس كل من أوردهم ابن حجر في الإصابة قد ثبتت صحبتهم, فقد ذكر في مقدمة كتابه أنه تناول فيه أربعة أقسام, وهي:
الأول: من وردت صحبته بطريق الرواية عنه أو عن غيره سواء أكانت الطريق صحيحة أو حسنة أو ضعيفة, أو وقع ذكره على الصحبة بأي طريق كان.
الثاني: فيمن ذكر في الصحابة من الأطفال الذين ولدوا في عهد النبي e لبعض الصحابة من الرجال والنساء ممن مات e وهم دون سن التمييز, لغلبة الظن أنه e رآهم.
الثالث: فيمن ذكر في الكتب المتقدمة عليه من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يرد خبر قط أنهم اجتمعوا بالنبي e ولا رأوه, سواء أسلموا في حياته أم لا, وهؤلاء ليسوا صحابة بالاتفاق.
الرابع: فيمن ذكر في الكتب المتقدمة أنه صحابي على سبيل الوهم والغلط وبيان ذلك().

رابعاً: طرق معرفة الصحابي

للعلماء في معرفة الصحابة رضي الله عنهم طرق يعرفونه بها, ويمكن إجمال هذه الطرق بما يلي:
الأولى: الخبر المتواتر, كصحبة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
الثانية: الخبر المستفيض أو المشهور: وهو الخبر الذي لم يصل إلى حد التواتر.
الثالثة: إخبار بعض الصحابة أنه صحابي.
الرابعة: شهادة ثقات التابعين في حقه بكونه صحابياً.
الخامسة: إخباره عن نفسه بصحبته لرسول الله بعد أن ثبتت عدالته عند علماء الجرح والتعديل().
فإذا ما ثبتت للشخص صحبة بأية طريقة من هذه الطرق فهو صحابي ويجب تعديله, واعتبار أقواله ومروياته دون عرضها على ميزان الجرح والتعديل.


الباب الأول
الفصل الثاني
عدالة الصحابة


تعريف العدالة
بم فضل الصحابة y على غيرهم
عدالة الصحابة y في القران الكريم
عدالة الصحابة y في السنة النبوية
عدالة الصحابة y في أقوال السلف الصالح
عدالة الصحابة y من خلال أحوالهم وسيرتهم العطرة
قبل أن نخوض في إثبات عدالة الصحابة رضي الله عنهم من خلال الكتاب والسنة وآراء العلماء, أرى من المناسب أن نتحدث عن معنى العدالة من حيث اللغة والاصطلاح وتوضيح الفرق بينها وبين العصمة ثم نتحدث عن الأشياء التي بها فُضّل الصحابة على غيرهم, بالله التوفيق.
أولاً:- تعريف العدالة
العدالة في اللغة مشتقة من العدل ضد الجور... ورجل عدل أي رضا ومقنع في الشهادة. وتعديل الشيء تقويمه .. وتعديل الشهود أن تقول أنهم عدول().
والعدالة في الاصطلاح عرفها ابن حجر بقولهSad إنها ملكة تحمل على ملازمة التقوى. والمراد بالتقوى اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة)() ولعل هذا التعريف هو المختار عند علماء الحديث.
فالعدالة بهذا المنظور لا تعني أن يكون الإنسان معصوماً, ونحن لا نريد أن نصل بالصحابة إلى مرتبة العصمة, إذ لا يجوز لنا أن ندعيها لغير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وقد فهم العلماء هذه الحقيقة, فقد روى الخطيب البغدادي بسنده إلى إمام التابعين سعي بن المسيب أنه قال: (ليس من شريف ولا عالم ولا ذي سلطان إلا وفيه عيب, لابد , لكن من الناس مّن لا تُذكر عيوبه. من كان فضله أكثر من نقصه, وهب نقصه لفضله)().
فإذا صدر من أحد الصحابة ذنب, فلا يعني هذا خروجه من دائرة العدالة لأن مقومات العدالة لا تنص على عدم إتيان الذنوب, كما تنص العصمة على ذلك(). فكل من كان مسلماَ بالغاً عاقلاً سالماً من أسباب الفسق, سالماً من خوارم المروءة فهو جدير بتعديل المعدلين(), ولا يضره بعد ذلك أن تكون له هنّات وزلات, فالزلة لا تسقط بها العدالة كما نص على ذلك أبو حاتم الرازي().


ثانياً: بمَ فُضّل الصحابة على غيرهم.
لا شك أن علماء الأمة عليهم رضوان الله تعالى كانوا عالمين أن الصحابة يمتازون عن غيرهم بأمور استحقوا بها أن يسجل الله سبحانه وتعالى تعديلهم في الذكر الحكيم ليبقى في صدور المؤمنين وعلى أطراف ألسنتهم ما دامت السموات والأرض.
ومن أجل أن نتعرف على الأمور التي استحق بها الصحابة رضي الله عنهم هذه المنزلة, يجدر بنا أن نتعرف أولاً على الأسس التي يتفاضل العاملون بموجبها في أعمالهم بشكل عام, ثم نتعرف على نصيب الصحابة من تلك الأسس لكي نكون على بينة من أمرنا. ومن أجــل أن لا يظن ظان أن العلماء ربما بالغوا حينما قالوا بتعديل الصحابة رضوان الله عليهم وتفضيلهم على مَن سواهم.

وجوه التفاضل بين الناس
لقد رد ابن حزم رحمه الله أسباب التفاضل بين العاملين إلى سبعة أوجه:
(الوجه الأول:- الماهية, وهي أن تكون الفروض في أعمال أحدهما موافاة كلها, ويكون الآخر يضيع بعض الفروض وله نوافل...
الوجه الثاني:- الكمية وهي العرض, فان يكون أحدهما يقصد بعمله وجه الله لا يمزج به شيئاً البتة ويكون الآخر يساويه في جميع عمله, إلا أنه ربما مزج بعمله شيئاً من حب الترقي في الدنيا, وأن يستدفع بذلك الأذى عن نفسه.
الوجه الثالث:- الكيفية, فان يكون أحدهما يوفي عمله جميع حقــوقه ورتبه لا منتقصاً و لا مزيداً ويكون الآخر ربما انتقص بعض رتب ذلك العمل وسننه, وان لم يعطل منه فرضاً.
الوجه الرابع:- الكم, فان يستويا في أداء الفرض, ويكون الآخر أكثر نوافل, فيفضله هذا بكثرة عدد نوافله.
الوجه الخامس: الزمان, فكمن عمل في صدر الإسلام, أو في عام المجاعة, أو في وقت نازلة بالمسلمين, وعمل غيره بعد قوة المسلمين أو في زمن رخاء وأمن...
الوجه السادس:المكان, كصلاة في المسجد الحرام ومسجد المدينة, فهما أفضل من ألف صلاة فيما عداهما...
الوجه السابع:- الإضافة, فركعة من نبي أو معه, أو صدقة من نبي, أو صدقة معه, أو ذكر من نبي أو ذكر معه, أو سائر أعمال البر منه ومعه: فقليل ذلك أفضل من كثير الأعمال بعده)(). (أ.هـ)
هذه هي وجوه التفاضل بين الناس ولننظر الآن ما نصيب الصحابة رضوان الله عليهم من هذه الوجوه.
إذا دققنا النظر في الوجوه التي ذكــرناها آنفاً, جدنا أن الوجه الخامس والوجه السابع لا يشارك الصحابة فيه أحد البتة. فهم الذين آمنوا حين كفر الناس, وهم الذين أنفقوا حين بخل الناس, وهم الذين جاهدوا حينما كانوا قلة يخافون أن يتخطفهم الناس فما زادهم ذلك إلا إيماناً. ومن أجل هذا قال رسول الله r Sad لا تسبوا أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مُد أحدهم ولا نصيفه)().
وقال تعالى: }لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ{()
قال ابن حزم معلقاً على هذه الآية الكريمة: (وهذا في الصحابة فيما بينهم فكيف لمن بعدهم معهم رضي الله عنهم)(). هذا بالنسبة للوجه الخامس.
أما الوجه السابع من وجوه التفاضل وهو الإضافة: فان الصحابة رضي الله عنهم وحدهم الذين كانت أعمالهم مقترنة مع رسول الله e, صلاتهم وحجهم وجهادهم وسائر عباداتهم, وفي هذا منزلة وشرف تتطلع إليه الأعناق ولا يناله إلا من آتاه الله حظاً عظيماً, لذا فإن أي عمل يقوم به الصحابي بعد رسول الله e لا يوازي شيئاً من عمل البر الذي عمله ذلك الصحابي نفسه مع رسول الله e. وكذلك يمتاز الصحابة عن غيرهم ممن جاء بعدهم بإيمانهم العميق وإخلاصهم العمل لله سبحانه وتعالى, وهو الوجه الثاني من وجوه التفاضل التي ذكرناها آنفاً, وفي هذا الصدد يقول ابن تيمية محتجاً لرأي عبدالله بن المبارك وأحمد بن حنبل في تفضيل كل فرد في الصحابة على كل فرد ممن جاء بعدهم: (ومن حجة هؤلاء: أن أعمال التابعين وإن كانت أكثر وعدل عمر بن عبدالعزيز أظهر من عدل معاوية t وهو أزهد من معاوية لكن الفضائل عند الله بحقائق الإيمان الذي في القلوب, وقد قال النبي e لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه, قالوا: نحن نعلم أن أعمال بعض من بعدهم أكثر من أعمال بعضهم, لكن من أين نعلم أن ما في قلبه من الإيمان أعظم مما في قلب ذلك الصحابي ... وقال أبو بكر بن عياش: ما سبقهم الصديق بكثرة صلاة ولا صيام ولكن بشيء وقر في قلبه) () ثم هم لم يقصرا فيما تبقى من وجوه التفاضل فقد كانوا حريصين على أن يتمثلوا برسول الله e في كل صغيرة وكبيرة من شؤون حياتهم, فما أجدرهم أن ينالوا ما نالوا وما أجدرنا باحترامهم وإنزالهم المنزلة التي رضيها لهم رب العالمين.
وفوق كل هذا فالصحابة رضي الله عنهم هم نقلة السنة النبوية والشهود على الرسالة السماوية, وهم الذين نذروا أنفسهم في سبيل نشر هذه الرسالة التي امتزجت بها دماؤهم وأرواحهم مما يوجب لهم فضلا عظيما على كل من جاء بعدهم, لأن الله تعالى جعلهم سبباً في هداية غيرهم, مما يدخلهم في قوله e Sad من علّم علماً فله أجر من عمل به لا ينقص من أجر العامل)().
وقوله e Sadمن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجروه شيئاً. ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً) ().

ثالثاً: عدالة الصحابة في القران الكريم:
القرآن هو كتاب الله, كلمته الهادية لأهل الأرض, وهو المقياس الذي يتفاضل الناس في دينهم بمدى تمسكهم بتعاليمه واهتدائهم بهديه, فلا يعد مؤمناً-بإجماع الأمة- من يرى جواز مخالفته لقوله تعالى:} فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا{(), إذن فلا يسع المسلم بأي حالٍ من الأحوال إلا أن يسلم قلبه ولبه لله تعالى في كل ما ورد من تشريعات سواء أكانت بنص الكتاب أم على لسان رسول الله r .
وقد وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة تتحدث عن الصحابة الكرام مشتملة على مكارم كثيرة منحها الله تعالى لهم, بما قدموا من أموالهم وأنفسهم في سبيل نصرة دين الله .
وهذه الآيات من الكثرة والصراحة بحيث لا يستطيع أحد معها أن ينال من صحابي إلا من كان ناقص الإيمان, مريض القلب والعياذ بالله تعالى.
فمن هذه الآيات قوله تعالى: }لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ {() و قوله تعالى: } كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ{ () وأكثر العلماء على أن المراد بهذه الآية هم المخاطبون عند نزول الوحي وهم صحابة رسول الله r كما نص على ذلك الخطيب وابن حجر().
ومنها قوله تعالى: } وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{ ().
ومنها قوله تعالى:} مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا{ () وقوله تعالى: } لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا { () و قوله تعالى: } لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ=(Cool وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ = 9 وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ{().
ولو لم يأت ذكر الصحابة yفي القرآن الكريم إلا في هذه الآيات الثلاث لكانت كافية لهم في الدنيا والآخرة, كافية لمن يأتي بعدهم في اتخاذ الموقف النبيل تجاه من أكرمه الله تعالى اقراراً بأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ويمنعه عمن يشاء.
والمؤمن الحق حين يرى قافلة الإيمان تمضي عليه أن يبذل جهده ليكون في الطليعة فإن لم ينل ذلك فلا أقل من أن يتمنى أن يصل إلى مرتبتهم وأن يلقى الله ومحبتهم في قلبه, وينزع الغل والحسد والبغضاء لركب المؤمنين الأوائل.
و قوله تعالى: } تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ { ()
و قوله تعالى: } الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ {()
وقال جل شأنه في حق المهاجرين:} فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ{ ().
ويقول تعالى شاهداً لهم بالإيمان الحق:} وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ{ ().
ثم يذكر الله تعالى بشارته لعامة الصحابة y المنفق منهم قبل الفتح والمنفق بعده فيقول جل ذكره: :} لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ{().
و قال تعالى: :} إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا{ ().
وقد ذكر تعالى الصحابة y في مواضع كثيرة قارناً ذكرهم بذكر رسول الله r وفي هذا تشريف لهم أيما تشريف, وقد بلغت هذه الآيات من الكثرة ما يطول بنا ذكرها, لذا سنكتفي بذكر طرف منها فإن فيه كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد.
من هذه الآيات قوله تعالى: } إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ{ ().
و قوله تعالى: } إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ{ ().
و قوله تعالى: } وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ
Back to top Go down
سلمى العربيه
عربي مميز
عربي مميز


عدد المساهمات: 250
تاريخ التسجيل: 2010-01-18

PostSubject: Re: الصحابه رضوان الله عليهم   Tue Jan 19, 2010 7:28 am

الصحابة ومكانتهم عند المسلمين


رَبَّنَا لا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ

الإهداء
أهدي هذه الرسالة إلى مَن تعهداني بأسباب الرعاية
أمي وأبي



المقـدمة




مقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل ومن يضلل فما له من هاد.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد إمام المتقين وقائد الغر المحجلين الذي بُعث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه الذين اهتدوا بهديه, فكانوا أعلام الهدى , المنار المقتدى.
أما بعد:
فقد تعرض الجيل الأول من المسلمين إلى محن قاسية وتحملوا أعباء كبيرة من أجل التمكين لهذا الدين القيّم في الأرض, فخرجوا من قلب الجزيرة العربية إلى العالم أجمع يحملون لهم الدواء الناجع لما كانت تعانيه الإنسانية من ضياع وتمزق. يحملون السلام العالمي الذي طالما حلم به الفلاسفة والحكماء, وقدموه للدنيا بأسرها وعلى وجوههم علامات الرضا, غير عابئين بما ضحوا في سبيل ذلك من دمائهم وأموالهم واغترابهم. فنالوا بهذه التضحيات الجسام الثواب الجزيل من الله تعالى والحب العظيم من رسول الله e, وأصبحوا نبراس الأمة الإسلامية ومثالها الفذ مَن أجبهم أحب الله ورسوله ومن أبغضهم أبغض الله ورسوله.
غير إن كثيراً ممن استحوذ عليهم الشيطان, وممن نذروا أنفسهم للنيل من هذا الدين العظيم لم يرق لهم هذا التكريم لصحابة رسول الله e وكانوا يعلمون أنهم يمثلون سور الدين, وأن الطعن فيهم هو السبيل الموصلة إلى هدمه دون ضوضاء, فأخذوا يشوهون صورتهم في أعين الناس, ويبثون آراءهم المنحرفة في صحابة رسول الله e.
لهذا كله حق على كل مسلم غيور أن في كل زمان ومكان أن يدافع عن تلك النخبة الطاهرة الذين لولا جهادهم وإخلاصهم وأمانتهم لما نعمنا بنعمة الإسلام, وأن يساهم ولو بشيء يسير في إبراز دورهم الهام في حفظ الشريعة وتعاليم الدين, لأننا مدينون لهم بكل شيء, فحبهم قربى إلى الله, والذود عنهم ذود عن حياض الدين, ولاشيء أوجب على المسلم في حياته من ذلك.
وهذا ما دفعني إلى أن أكتب رسالتي في هذا الموضوع وأن أسميها " الصحابة ومكانتهم عند المسلمين" سائلا المولى تعالى أن يجعلها في صحيفة عملي يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من أتى الله بقلب سليم.

وقد جاءت رسالتي على بابين وخاتمة.

فالباب الأول – عقدته في الصحابة- جاء مشتملاً على ثلاثة فصول:

الفصل الأول في التعريف بالصحابة رضي الله عنهم, وذكرت فيه تعريف الصحابي لغة واصطلاحاً, وطبقات الصحابة, وعددهم والطرق التي يُعرف بها الصحابي.
أما الفصل الثاني فقد عقدته لبيان عدالتهم رضي الله عنهم وبينت فيه عدالتهم من خلال القران الكريم, والسنة النبوية وأقوال علماء الأمة وسلفها الصالح, ثم من خلال سيرتهم وأحوالهم العطرة.
والفصل الثالث, تحدثت فيه عن اختلافات الصحابة فتكلمت عن أسباب الاختلاف بين الناس عموماً, ثم بين الصحابة وأنواع الاختلافات التي وقعت بين الصحابة, وعن الآثار الناجمة عن تلك الاختلافات وأخيرا موقف علماء الأمة من اختلافهم.
أما الباب الثاني الذي عقدته لبيان مكانتهم فقد جاء مشتملاً على ستة فصول:
الفصل الأول: تحدثت فيه عن مكانة الصحابة عند الشيعة الإمامية. وذكرت فيه أيضاً نشأتهم وآراءهم وفرقهم.
الفصل الثاني: تكلمت فيه عن الإسماعيلية تعريفها ونشأتها وآرائها وموقفها من الصحابة ومكانتهم لديها, وأتيت فيه بشيء من جهود العلماء في مقاومة ضلالها.
الفصل الثالث: تحدثت فيه عن الزيدية وما قامت به من محاولات لتصحيح منهج التشيع وبينت فيه موقفهم من صحابة رسول الله e بعد أن ذكرت فرقهم.
الفصل الرابع: تحدثت فيه عن الخوارج وأسباب ظهورهم وصفاتهم وفرقهم وأرائهم ثم عن مكانة الصحابة عندهم.
الفصل الخامس: تحدثت فيه عن أهل السنة والجماعة وذكرت تعريفهم وأصنافهم وموقفهم من الصحابة وحكم من تجاوز عليهم عندهم بسب أو لعن أو اكفار.
الفصل السادس: عقدته في بيان النتائج الضارة للطعن في الصحابة رضي الله عنهم, وبينت فيه أن الطعن ينجم عنه الطعن في صحة نقل القرآن الكريم, والطعن في صحة نقل السنة النبوية, وتكذيب القرآن والسنة في نصوص كثيرة بعينها, وكذلك ينجم عنه الطعن في شخص الرسول e وأخيراً تصوير الإسلام ديناً بعيداً عن التطبيق العملي.


أما الخاتمة فقد تحدثت فيها عن النتائج التي خرجت بها من دراستي هذه.
ولا يفوتني أن أتقدم بالشكر الجزيل للدكتور حارث سليمان الضاري لتفضله بالإشراف على رسالتي المتواضعة هذه ولما قدمه لي من ملاحظات أثناء كتابتي لها, التي كانت نعم العون لي. كما أتقدم بالشكر لكل من مد يد المساعدة وأشكر أسرة مكتبة كلية العلوم الإسلامية لما قدموه لي من تعاون وأسرة مكتبة التأميم المركزية فجزاهم الله عني ألف خير.
وأخيراً... فهذا جهد بذلته فإن أصبت فبعون من الله وفضل وإن أخفقت فإنما أنا بشر. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.



الباب الأول
الفصل الأول
التعريف بالصحابة

من هو الصحابي
طبقات الصحابة
عدد الصحابة
طرق معرفة الصحابي





أولاً:- مَن هو الصحابي؟
الصحابي لغة مشتق من الصحبة, وهي المعاشرة, جاء في لسان العرب: صحبه يصحبه صُحبة بالضم وصحابة بالفتح, وصاحَبَه عاشَرَه ... والصاحب المُعاشر().
وقال صاحب المصباح المنير: والأصل في هذا الإطلاق -أي إطلاق اسم الصحبة من حيث اللغة- لمن حصل له رؤية ومجالسة. ووراء ذلك شروط للأصوليين. ويطلق مجازاً على من تمذهب بمذهب من مذاهب الأئمة, فيقال: أصحاب الشافعي, وأصحاب أبي حنيفة(), وكل شيءٍ لائم شيئاً فقد استصحبه().
ولا يشترط في إطلاق اسم الصحبة لغة, أن تكون الملازمة بين الشيئين طويلة الأمد, أو الملابسة بينهما عميقة, لأنها اسم مشتق من فعل, والأسماء المشتقة من الأفعال يصح أن تطلق بمجرد صدور الفعل, ولا علاقة لها بمقدار تحقق ذلك الفعل في الشخص.
فكما أن قولك: ضارب وهو اسم مشتق من الفعل (ضرب) يصح أن يطلق بمجرد صدور الضرب من شخص ما دون النظر إلى مقدار هذا الضرب, كذلك يصح أن يطلق اسم الصحابي أو الصاحب على كل من صحب غيره مهما كان مقدار الصحبة. لهذا قال صاحب الرياض المستطابةSadيطلق اسم الصحبة في اللغة على الشيئين إذا كان بينهما ملابسة وان قلّت أو مناسبة أو ملابسة من بعض الوجوه)().
أما تعريف الصحاب من حيث الاصطلاح فقد اختلف العلماء في حدّه على أقوال (فالمعروف عند المحدثين أنه كل مسلم رأى رسول الله r )(), وقال ابن حجر: (هو من لقي النبي e مؤمناً به ومات على الإسلام ولو تخللت ردة على الأصح)().
غير أن (منهم من بالغ فكان لا يعد من الصحابة إلا من صحب الصحبة العرفية كما جاء عن عاصم الأحول حيث قال: رأى عبدالله بن سرجس رسول الله e غير انه لم يكن له صحبة, هذا مع كون عاصم قد روى عن عبدالله بن سرجس هذا عدة أحاديث وهي عند مسلم وأصحاب السنن وأكثرها من رواية عاصم عنه, ومنها قوله: إن النبي e استغفر له. فهذا يوضح رأي عاصم في الصحابي بأنه من صحب الصحبة العرفية().
(وكذا روى عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يعد من الصحابة إلا من أقام مع النبي e سنة فصاعداً أو غزا معه غزوة فصاعداً)().
ومنهم من اشترط أن يكون حين اجتماعه بهF بالغاً , وهو مردود أيضاً لأنه يخرج أمثال الحسين بن علي ونحوه من أحداث الصحابة() وروي عن بعض أصحاب الأصول في تعريفهم للصحابي (أنه من طالت مجالسته عن طريق التتبع)() قال ابن حجر: (والعمل على خلاف هذا القول وأنهم اتفقوا على عدّ جمع من الصحابة لم يجتمعوا بالنبي e إلا في حجة الوداع)().
ولعل أرجح التعاريف وأجمعها ما اختاره ابن حجر إذ قال: (وأصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي من لقي النبي e مؤمناً به ومات على الإسلام فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته أو قصرت ومن روى عنه أو لم يرو عنه ومن غزا معه أو لم يغز معه ومن رآه ولو لم يجالسه, ومن لم يره لعارض كالعمى)().
وهذا الذي صححه ابن حجر نسَبَه كثير من العلماء إلى الإمام البخاريT. وأثبت ابن حجر أن البخاري تابع فيه شيخه علي بن المديني T حيث قال: (وقد وجدت ما جزم به البخاري من تعريف الصحابي في كلام شيخه علي بن المديني فقرأت في المستخرج لأبي قاسم بن منده بسنده إلى أحمد بن يسار الحافظ المروزي قال: سمعت أحمد بن عتيك يقول: قال علي بن المديني: من صحب النبي e ولو ساعة من نهار فهو من أصحاب النبي e)().
وأرى أن هذا التعريف الذي ذكره ابن حجر هو أرجح التعاريف لما يلي:
أولاً: لأنه يتماشى مع المدلول اللغوي لكلمة الصحبة, ولا يجوز صرف اللفظ عن ظاهره إلا عند وجود مقتضى لذلك من نص أو مانع, لا وجود لشيء من ذلك كله.
ثانياً: لأنه قول جهابذة السنة وعلماء الأمة ممن لا يعدل قولهم قول غيرهم ممن خالفهم.
ثالثاً: لأن التوسع في إطلاق الصحبة يرى فيه العلماء وجهاً من وجوه الثناء على رسول الله e وتقديراً لمكانته e حق قدرها, قال ابن الصلاح: (بلغنا عن أبي المظفر السمعاني المروزي أنه قال: أصحاب الحديث يطلقون اسم الصحابة على كل من روى عنه حديثاً أو كلمة ويتوسعون حتى يعدوا من رآه رؤية من الصحابة, وهذا لشرف منزلة النبي e أعطوا كل من رآه حكم الصحبة)().
رابعاً: إن الأقوال الأخرى غير جامعة لكل من تشرف بلقاء النبي e أو رآه ولو مرة, لأنها اشترطت طول المجالسة أو الغزو معه أو الرواية عنه e وهذه الأمور لم تتحقق لكثير ممن وصفوا بالصحبة, كالعميان والأحداث من الصحابة y.
ثم إن الصحبة تكريم من الله لجماعة من البشر اختارهم سبحانه ليكونوا معية رسول الله e والنقلة لكل أحداث عصر النبوة. كما إن الجرح والتعديل بتطبيقهم لقواعد النقد العلمي الصحيح لم يعثروا على ما يمكن أن يكون مخلاً بعدالة أي شخص ثبت أنه رأى أو لقي النبي e مسلماً ومات على الإسلام.

ثانياً: طبقات الصحابة
حينما نقول أن كل من رأى النبي e مؤمناً به ومات على الإيمان فان له شرف الصحبة, وما يلزم منها من العدالة ودخولهم الجنة بوعد الله تعالى لهم بقوله: } لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاَّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌÇÊÉÈ {() فليس معنى هذا أن الصحابة كلهم على مرتبة واحدة, بل هم على طبقات ودرجات, حددها عدل الله سبحانه وتعالى. إذ فيهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار, وفيهم من تلوهم وتبعوهم بإحسان, فكان لابد أن يتفاوتوا في الفضل والمرتبة والزلفى عند الله تعالى, لذلك رتبهم العلماء الذين اعتنوا بهم إلى طبقات, وقد اختلفوا في ترتيب تلك الطبقات باعتبارات مختلفة.
فقسمهم ابن سعد في طبقاته على حسب القدم والمشاهد إلى خمس طبقات, هي():
الأولـى : البدريون من المهاجرين.
الثانيـة : البدريون من الأنصار.
الثالثـة : الذين لم يشهدوا بدراً ولهم إسلام قديم.
الرابعـة: الذين أسلموا قبل الفتح.
الخامسة : الذين أسلموا بعد الفتح.

ورتبهم الحاكم إلى اثنتي عشرة طبقة() وهي كالآتي:
الأولى: قوم أسلموا بمكة مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم رضي الله عنهم.
الثانية: أصحاب دار الندوة.
الثالثة: المهاجرون إلى الحبشة.
الرابعة: الذين بايعوا النبي e عند العقبة.
الخامسة: أصحاب العقبة الثانية.
السادسة: أول المهاجرين الذين وصلوا إلى رسول الله e وهو بقباء قبل أن يدخل المدينة ويبني المسجد.
السابعة: أهل بدر الذين قال رسول الله e فيهم: (( لعل الله أطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم))().
الثامنة: المهاجرون الذين هاجروا بين بدر والحديبية.
التاسعة: أهل بيعة الرضوان الذين أنزل الله تعالى فيهم قوله } لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا { ().
العاشرة: المهاجرة بين الحديبية والفتح, منهم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وأبو هريرة().
الحادية عشرة: الذين أسلموا يوم الفتح وهم جماعة من قريش.
الثانية عشرة: صبيان وأطفال رأوا رسول الله e يوم الفتح وفي حجة الوداع وغيرهما.

والناظر في تقسيم الحاكم يرى أنه قائم على السبق في دخول الإسلام بغض النظر عن أية عوامل أخرى, بخلاف ما جرى عليه ابن سعد في طبقاته من اعتماده المشاهد والسبق إلى الإسلام معاً, فعنده أن المهاجر البدري أعلى رتبة من الأنصاري البدري باعتبار عامل السبق, ومن شهد بدراً من المهاجرين والأنصار فهو أعلى رتبة ممن لم يشهدها وإن كان إسلامه قديماً, وهو بهذا يكون أميز من مخالفيه في تقديرنا.
هذا الترتيب والمفاضلة بين الصحابة y على سبيل الإجمال، أما على سبيل الأفراد لكل منهم فقد ذهب جمهور علماء أهل السنة إلى أن أفضل الناس بعد رسول الله e أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة ثم أهل بدر ثم أهل أحد ثم أهل بيعة الرضوان وممن لهم مزية من أهل العقبتين من الأنصار والسابقين الأولين().

ثالثاً: عدد الصحابة
لاشك أن حصر عدد الصحابة أمر متعذر لأمور, منها: أن الرسول e عاش يدعو إلى دين الله ثلاثة وعشرين عاما, وقد أسلم في هذه الفترة خلق كثير بلا شك, فمنهم من كان يقيم معه ومنهم من يرجع إلى الجهة التي جاء منها, ومعرفة من أعلن إسلامه أمام الرسول e ومن أسلم دون أن يلتقي به أمر في غاية الصعوبة.
لذا فإن من كتب في هذا المجال, فإنما كتب على سبيل التقريب لا التحديد فيما نظن.
فقد روي عن أبي زرعة الرازي قوله: (توفي رسول الله e ومن رآه ومن سمع منه زيادة على مائة ألف إنسان من رجل وامرأة كلهم قد روى عنه سماعاً أو رؤية)().
وأخرج الإمام مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: (خرج رسول الله e لعشر مضين من رمضان, وصام الناس معه, حتى إذا كانوا بالكديد أفطر, ثم مضى في عشرة آلاف من المسلمين) وكان ذلك عام الفتح().
وقال ابن حجر: (ثبت عن سفيان الثوري فيما أخرجه الخطيب بسنده الصحيح إليه قال: من قدّم علياً على عثمان فقد أزرى على اثني عشر ألفاً مات رسول الله e وهو عنهم راض()- يعني الذين توفوا في خلافة أبي بكر وعمر-.
من خلال هذه الآثار يتبين لنا أن أصحاب رسول الله e كانوا من الكثرة بحيث أن الرواة الذين سمعوا من رسول الله e يزيدون على مائة ألف.
ومع هذا فإن التاريخ لم يحفظ لنا عشر ما ذكره أبو زرعة من الرواة. وقد قام الدكتور أكرم ضياء العمري بدراسة استقرائية في كتب معرفة الصحابة وتوصل إلى هذه النتيجة().
إن أوسع كتب معرفة الصحابة هو كتاب الإصابة لابن حجر حيث بلغت ترجماته(9477) ترجمة ممن عرفوا بأسمائهم و (1268) ترجمة ممن عرفوا بكناهم و (1522) ترجمة امرأة.
وليس كل من أوردهم ابن حجر في الإصابة قد ثبتت صحبتهم, فقد ذكر في مقدمة كتابه أنه تناول فيه أربعة أقسام, وهي:
الأول: من وردت صحبته بطريق الرواية عنه أو عن غيره سواء أكانت الطريق صحيحة أو حسنة أو ضعيفة, أو وقع ذكره على الصحبة بأي طريق كان.
الثاني: فيمن ذكر في الصحابة من الأطفال الذين ولدوا في عهد النبي e لبعض الصحابة من الرجال والنساء ممن مات e وهم دون سن التمييز, لغلبة الظن أنه e رآهم.
الثالث: فيمن ذكر في الكتب المتقدمة عليه من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يرد خبر قط أنهم اجتمعوا بالنبي e ولا رأوه, سواء أسلموا في حياته أم لا, وهؤلاء ليسوا صحابة بالاتفاق.
الرابع: فيمن ذكر في الكتب المتقدمة أنه صحابي على سبيل الوهم والغلط وبيان ذلك().

رابعاً: طرق معرفة الصحابي

للعلماء في معرفة الصحابة رضي الله عنهم طرق يعرفونه بها, ويمكن إجمال هذه الطرق بما يلي:
الأولى: الخبر المتواتر, كصحبة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
الثانية: الخبر المستفيض أو المشهور: وهو الخبر الذي لم يصل إلى حد التواتر.
الثالثة: إخبار بعض الصحابة أنه صحابي.
الرابعة: شهادة ثقات التابعين في حقه بكونه صحابياً.
الخامسة: إخباره عن نفسه بصحبته لرسول الله بعد أن ثبتت عدالته عند علماء الجرح والتعديل().
فإذا ما ثبتت للشخص صحبة بأية طريقة من هذه الطرق فهو صحابي ويجب تعديله, واعتبار أقواله ومروياته دون عرضها على ميزان الجرح والتعديل.


الباب الأول
الفصل الثاني
عدالة الصحابة


تعريف العدالة
بم فضل الصحابة y على غيرهم
عدالة الصحابة y في القران الكريم
عدالة الصحابة y في السنة النبوية
عدالة الصحابة y في أقوال السلف الصالح
عدالة الصحابة y من خلال أحوالهم وسيرتهم العطرة
قبل أن نخوض في إثبات عدالة الصحابة رضي الله عنهم من خلال الكتاب والسنة وآراء العلماء, أرى من المناسب أن نتحدث عن معنى العدالة من حيث اللغة والاصطلاح وتوضيح الفرق بينها وبين العصمة ثم نتحدث عن الأشياء التي بها فُضّل الصحابة على غيرهم, بالله التوفيق.
أولاً:- تعريف العدالة
العدالة في اللغة مشتقة من العدل ضد الجور... ورجل عدل أي رضا ومقنع في الشهادة. وتعديل الشيء تقويمه .. وتعديل الشهود أن تقول أنهم عدول().
والعدالة في الاصطلاح عرفها ابن حجر بقولهSad إنها ملكة تحمل على ملازمة التقوى. والمراد بالتقوى اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة)() ولعل هذا التعريف هو المختار عند علماء الحديث.
فالعدالة بهذا المنظور لا تعني أن يكون الإنسان معصوماً, ونحن لا نريد أن نصل بالصحابة إلى مرتبة العصمة, إذ لا يجوز لنا أن ندعيها لغير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وقد فهم العلماء هذه الحقيقة, فقد روى الخطيب البغدادي بسنده إلى إمام التابعين سعي بن المسيب أنه قال: (ليس من شريف ولا عالم ولا ذي سلطان إلا وفيه عيب, لابد , لكن من الناس مّن لا تُذكر عيوبه. من كان فضله أكثر من نقصه, وهب نقصه لفضله)().
فإذا صدر من أحد الصحابة ذنب, فلا يعني هذا خروجه من دائرة العدالة لأن مقومات العدالة لا تنص على عدم إتيان الذنوب, كما تنص العصمة على ذلك(). فكل من كان مسلماَ بالغاً عاقلاً سالماً من أسباب الفسق, سالماً من خوارم المروءة فهو جدير بتعديل المعدلين(), ولا يضره بعد ذلك أن تكون له هنّات وزلات, فالزلة لا تسقط بها العدالة كما نص على ذلك أبو حاتم الرازي().


ثانياً: بمَ فُضّل الصحابة على غيرهم.
لا شك أن علماء الأمة عليهم رضوان الله تعالى كانوا عالمين أن الصحابة يمتازون عن غيرهم بأمور استحقوا بها أن يسجل الله سبحانه وتعالى تعديلهم في الذكر الحكيم ليبقى في صدور المؤمنين وعلى أطراف ألسنتهم ما دامت السموات والأرض.
ومن أجل أن نتعرف على الأمور التي استحق بها الصحابة رضي الله عنهم هذه المنزلة, يجدر بنا أن نتعرف أولاً على الأسس التي يتفاضل العاملون بموجبها في أعمالهم بشكل عام, ثم نتعرف على نصيب الصحابة من تلك الأسس لكي نكون على بينة من أمرنا. ومن أجــل أن لا يظن ظان أن العلماء ربما بالغوا حينما قالوا بتعديل الصحابة رضوان الله عليهم وتفضيلهم على مَن سواهم.

وجوه التفاضل بين الناس
لقد رد ابن حزم رحمه الله أسباب التفاضل بين العاملين إلى سبعة أوجه:
(الوجه الأول:- الماهية, وهي أن تكون الفروض في أعمال أحدهما موافاة كلها, ويكون الآخر يضيع بعض الفروض وله نوافل...
الوجه الثاني:- الكمية وهي العرض, فان يكون أحدهما يقصد بعمله وجه الله لا يمزج به شيئاً البتة ويكون الآخر يساويه في جميع عمله, إلا أنه ربما مزج بعمله شيئاً من حب الترقي في الدنيا, وأن يستدفع بذلك الأذى عن نفسه.
الوجه الثالث:- الكيفية, فان يكون أحدهما يوفي عمله جميع حقــوقه ورتبه لا منتقصاً و لا مزيداً ويكون الآخر ربما انتقص بعض رتب ذلك العمل وسننه, وان لم يعطل منه فرضاً.
الوجه الرابع:- الكم, فان يستويا في أداء الفرض, ويكون الآخر أكثر نوافل, فيفضله هذا بكثرة عدد نوافله.
الوجه الخامس: الزمان, فكمن عمل في صدر الإسلام, أو في عام المجاعة, أو في وقت نازلة بالمسلمين, وعمل غيره بعد قوة المسلمين أو في زمن رخاء وأمن...
الوجه السادس:المكان, كصلاة في المسجد الحرام ومسجد المدينة, فهما أفضل من ألف صلاة فيما عداهما...
الوجه السابع:- الإضافة, فركعة من نبي أو معه, أو صدقة من نبي, أو صدقة معه, أو ذكر من نبي أو ذكر معه, أو سائر أعمال البر منه ومعه: فقليل ذلك أفضل من كثير الأعمال بعده)(). (أ.هـ)
هذه هي وجوه التفاضل بين الناس ولننظر الآن ما نصيب الصحابة رضوان الله عليهم من هذه الوجوه.
إذا دققنا النظر في الوجوه التي ذكــرناها آنفاً, جدنا أن الوجه الخامس والوجه السابع لا يشارك الصحابة فيه أحد البتة. فهم الذين آمنوا حين كفر الناس, وهم الذين أنفقوا حين بخل الناس, وهم الذين جاهدوا حينما كانوا قلة يخافون أن يتخطفهم الناس فما زادهم ذلك إلا إيماناً. ومن أجل هذا قال رسول الله r Sad لا تسبوا أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مُد أحدهم ولا نصيفه)().
وقال تعالى: }لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ{()
قال ابن حزم معلقاً على هذه الآية الكريمة: (وهذا في الصحابة فيما بينهم فكيف لمن بعدهم معهم رضي الله عنهم)(). هذا بالنسبة للوجه الخامس.
أما الوجه السابع من وجوه التفاضل وهو الإضافة: فان الصحابة رضي الله عنهم وحدهم الذين كانت أعمالهم مقترنة مع رسول الله e, صلاتهم وحجهم وجهادهم وسائر عباداتهم, وفي هذا منزلة وشرف تتطلع إليه الأعناق ولا يناله إلا من آتاه الله حظاً عظيماً, لذا فإن أي عمل يقوم به الصحابي بعد رسول الله e لا يوازي شيئاً من عمل البر الذي عمله ذلك الصحابي نفسه مع رسول الله e. وكذلك يمتاز الصحابة عن غيرهم ممن جاء بعدهم بإيمانهم العميق وإخلاصهم العمل لله سبحانه وتعالى, وهو الوجه الثاني من وجوه التفاضل التي ذكرناها آنفاً, وفي هذا الصدد يقول ابن تيمية محتجاً لرأي عبدالله بن المبارك وأحمد بن حنبل في تفضيل كل فرد في الصحابة على كل فرد ممن جاء بعدهم: (ومن حجة هؤلاء: أن أعمال التابعين وإن كانت أكثر وعدل عمر بن عبدالعزيز أظهر من عدل معاوية t وهو أزهد من معاوية لكن الفضائل عند الله بحقائق الإيمان الذي في القلوب, وقد قال النبي e لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه, قالوا: نحن نعلم أن أعمال بعض من بعدهم أكثر من أعمال بعضهم, لكن من أين نعلم أن ما في قلبه من الإيمان أعظم مما في قلب ذلك الصحابي ... وقال أبو بكر بن عياش: ما سبقهم الصديق بكثرة صلاة ولا صيام ولكن بشيء وقر في قلبه) () ثم هم لم يقصرا فيما تبقى من وجوه التفاضل فقد كانوا حريصين على أن يتمثلوا برسول الله e في كل صغيرة وكبيرة من شؤون حياتهم, فما أجدرهم أن ينالوا ما نالوا وما أجدرنا باحترامهم وإنزالهم المنزلة التي رضيها لهم رب العالمين.
وفوق كل هذا فالصحابة رضي الله عنهم هم نقلة السنة النبوية والشهود على الرسالة السماوية, وهم الذين نذروا أنفسهم في سبيل نشر هذه الرسالة التي امتزجت بها دماؤهم وأرواحهم مما يوجب لهم فضلا عظيما على كل من جاء بعدهم, لأن الله تعالى جعلهم سبباً في هداية غيرهم, مما يدخلهم في قوله e Sad من علّم علماً فله أجر من عمل به لا ينقص من أجر العامل)().
وقوله e Sadمن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجروه شيئاً. ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً) ().

ثالثاً: عدالة الصحابة في القران الكريم:
القرآن هو كتاب الله, كلمته الهادية لأهل الأرض, وهو المقياس الذي يتفاضل الناس في دينهم بمدى تمسكهم بتعاليمه واهتدائهم بهديه, فلا يعد مؤمناً-بإجماع الأمة- من يرى جواز مخالفته لقوله تعالى:} فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا{(), إذن فلا يسع المسلم بأي حالٍ من الأحوال إلا أن يسلم قلبه ولبه لله تعالى في كل ما ورد من تشريعات سواء أكانت بنص الكتاب أم على لسان رسول الله r .
وقد وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة تتحدث عن الصحابة الكرام مشتملة على مكارم كثيرة منحها الله تعالى لهم, بما قدموا من أموالهم وأنفسهم في سبيل نصرة دين الله .
وهذه الآيات من الكثرة والصراحة بحيث لا يستطيع أحد معها أن ينال من صحابي إلا من كان ناقص الإيمان, مريض القلب والعياذ بالله تعالى.
فمن هذه الآيات قوله تعالى: }لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ {() و قوله تعالى: } كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ{ () وأكثر العلماء على أن المراد بهذه الآية هم المخاطبون عند نزول الوحي وهم صحابة رسول الله r كما نص على ذلك الخطيب وابن حجر().
ومنها قوله تعالى: } وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{ ().
ومنها قوله تعالى:} مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا{ () وقوله تعالى: } لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا { () و قوله تعالى: } لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ=(Cool وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ = 9 وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ{().
ولو لم يأت ذكر الصحابة yفي القرآن الكريم إلا في هذه الآيات الثلاث لكانت كافية لهم في الدنيا والآخرة, كافية لمن يأتي بعدهم في اتخاذ الموقف النبيل تجاه من أكرمه الله تعالى اقراراً بأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ويمنعه عمن يشاء.
والمؤمن الحق حين يرى قافلة الإيمان تمضي عليه أن يبذل جهده ليكون في الطليعة فإن لم ينل ذلك فلا أقل من أن يتمنى أن يصل إلى مرتبتهم وأن يلقى الله ومحبتهم في قلبه, وينزع الغل والحسد والبغضاء لركب المؤمنين الأوائل.
و قوله تعالى: } تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ { ()
و قوله تعالى: } الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ {()
وقال جل شأنه في حق المهاجرين:} فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ{ ().
ويقول تعالى شاهداً لهم بالإيمان الحق:} وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ{ ().
ثم يذكر الله تعالى بشارته لعامة الصحابة y المنفق منهم قبل الفتح والمنفق بعده فيقول جل ذكره: :} لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ{().
و قال تعالى: :} إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا{ ().
وقد ذكر تعالى الصحابة y في مواضع كثيرة قارناً ذكرهم بذكر رسول الله r وفي هذا تشريف لهم أيما تشريف, وقد بلغت هذه الآيات من الكثرة ما يطول بنا ذكرها, لذا سنكتفي بذكر طرف منها فإن فيه كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد.
من هذه الآيات قوله تعالى: } إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ{ ().
و قوله تعالى: } إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ{ ().
و قوله تعالى: } وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ { ().
و قوله تعالى: } لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ { ().
و قوله تعالى: } وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ{ ().
و قوله تعالى: } بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا { ().
و قوله تعالى: } إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا{ ().
و قوله تعالى في هجرة الرسول e : } يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمِْ{ ().
هذا بالنسبة للصحابة y بشكل عام من دون أن نتبع الآيات التي وردت في أشخاص بعينهم لأن ذلك سيطول بنا.
ولا يفوتنا أن نذكر تعديل الله تعالى لزوجات رسول الله r حيث يقول تعالى: } النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا {().
ويقول أيضاً : } يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ{().
فإذا كانت نساء النبي e اكتسبن هذه الخصوصية بحكم معاشرتهن لرسول الله r , فإن الصحابة y بحكم جهادهم وكفاحهم مع رسول الله r قد اكتسبوا خصوصية ترتفع بهم عن مستوى جميع من سواهم, وهذا كله راجع إلى منزلة النبي e عند الله , تلك المنزلة التي بلغت أن أقسم تعالى بعمره e حيث قال: } لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ{(), وأن نوّه بأخلاقه الرفيعة فقال: } وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ {().
وبعد هذه الآيات المباركات لا أظن مسلماً يعتز بإسلامه وإيمانه يستطيع أن يطلق للعنان لينال من تلك المقامات الرفيعة التي اختارها الله تعالى لتكون الشاهد على كتابه, إذ بهم أوصل الله دينه إلينا فهم معية رسول الله r يسوؤه ما يسوؤهم ويسره ما يسرهم, وهم الذين جاهدوا في الله حق جهاده باذلين أنفسهم وأموالهم غير مكترثين بذلك.
وهذه الآيات ملزمة لكل المسلمين باتخاذ موقف سليم تجاه الصحابة الكرامy لأن الله تعالى يقول: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ { ().
والله سبحانه وتعالى قد عدّلهم وأمرنا بنزع الغل من صدورنا عن المؤمنين الذين سبقونا بالإيمان, فلا يسعنا بعد هذا أن نزنهم كما نشاء, أو كما تهوى أنفسنا إن كنّا صادقين في دعوانا بأنا مسلمون منقادون لأمر الله جل جلاله ومعتزون بكتابه ومهتدون بهدي نبيه y.

رابعاً : عدالة الصحابة y في السنة النبوية
لقد اشتملت السنة النبوية على أحاديث كثيرة تشهد بفضل الصحابة y وتنص على احترامهم وإكبارهم, والأحاديث التي تتحدث عن الصحابة y على نوعين: الأول يذكر الصحابة y بشكل عام دونما تخصيص والنوع الثاني يمثل خصوصيات لبعض إفراد الصحابة y المحيطين برسول الله r أو الذين لهم مواقف معلومة أو صفات معينة.
ولا يسعنا في هذه الرسالة أن نتصدى لجميع تلك الأحاديث لأنها كما قلنا آنفاً كثيرة جداً إلى حد أن صنّف العلماء الأوائل فيها مصنفات كبيرة, فقد ذكر الإمام أحمد بن حنبل في كتابه (فضائل الصحابة ) ما يقارب الألفي حديث من تلك النصوص, لكننا سنكتفي بذكر طرف يسير منها, فإن مَن لا يكتفي بالقليل ولا يذعن لرسول الله r من خلال ما صح عنه منها لن يجدِ معه الكثير مهما بلغ عدده.
ومن تلك النصوص قوله r فيما رواه أبو سعيد الخدري t : (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه)().
وعنه t أيضاً قال: قال رسول الله r Sad يأتي على الناس زمان فيغزو فئام() من الناس فيقولون هل فيكم من صاحب رسول الله r ؟ فيقولون نعم فيفتح لهم, ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله r؟ فيقولون نعم فيفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله r فيقولون نعم فيفتح لهم) ().
وعن أبي بردة عن أبيه قال: قال النبي e : (النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد, وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون, وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون) ().
وعن عمران بن حصين t قال: قال رسول الله r ( خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة ثم إن بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن)().
وعن عبدالله بن مسعود t أن النبي e قال: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته)().
وعن ابن عباس t قال: سمعت علي بن أبي طالبt يقول: خرج علينا رسول الله r فقال: اللهم ارحم خلفائي, قلنا يا رسول الله r ومن خلفاؤك؟ قال الذين يأتون من بعدي يرون أحاديثي وسنتي ويعلمونها للناس)().
وعن بريدة t قال: قال رسول الله r : (ما من أحد من أصحابي يموت بأرض إلا بُعث قائداً ونوراً لهم يوم القيامة)().
وعن جابر t قال: قال رسول الله r : (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة)().
وعن عبدالله بن مغفل المزني t قال: قال رسول الله r : (الله الله في أصحابي لا تتخذوهم بعدي غرضاً فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم, ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه)().
وعن عبدالله بن أبي أوفى t قال: شكى عبدالرحمن بن عوف خالد بن الوليد فقال r : لم تؤذِ رجلاً من أهل بدر؟ لو أنفقت مثل أحد ذهباً لم تدرك عمله, فقال: يا رسول الله يقعون فيّ فأرد عليهم فقال رسول الله r لا تؤذوا خالد فإنه سيف من سيوف الله صبه على الكفار) ().
هذا طرف من الأحاديث الكثيرة التي تشير إلى مكانة الصحابة y عند الله تبارك وتعالى وعند نبيه الكريم صلوات الله وسلامه عليه.
وهذه الأحاديث منها ما هو صحيح متفق على صحته كما رأيت ومنها ما هو حسن موافق لماء جاء في كتاب الله العزيز في بيان مكانة الصحابة y ومد الله تعالى لهم وإكرامه إياهم وثناؤه عليهم.

خامساً : عدالة الصحابة y في أقوال علماء الأمة وسلفها الصالح:
بعد أن عرضنا جانباً من الآيات القرآنية الكريمة التي شهدت للصحابة y بحسن السريرة وعلو المنزلة وثنينا بعد ذلك بطائفة من الأحاديث النبوية الشريفة التي تمجد الصحابة y , أرى من المناسب أن نقتبس بعض الأنوار من خلال الأقوال الكثيرة لعلماء الأمة وسلفها الصالح التي قيلت بحق الصحابة y, لنعلم كيف كان سلف الأمة وعلماؤها يتعاملون مع النصوص النبوية إذا وردت في مسألة من المسائل.
فقد روى الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما قوله: (لا تسبوا أصحاب محمد فلمقام احدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره)().
وعن نسير بن ذعلوق قال: سمعت ابن عمر يقول: ( لاتسبوا أصحاب محمد فلمقام أحدهم ساعة خير من عبادة أحدكم أربعن سنة)().
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( لا تسبوا أصحاب محمد فان الله عز وجل قد أمر بالاستغفار لهم وهو يعلم أنهم سيقتتلون)().
وعن ميمون بن مهران قال: (ثلاث ارفضوهن: سب أصحاب محمد r والنظر في النجوم والنظر في القدر)().
وعن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى انه قال: (من طعن في أصحاب رسول الله r فهو صاحب هوى)().
وقال الإمام أبو زرعة الرازي : (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله r فاعلم أنه زنديق, لأن الرسول r عندنا حق والقرآن حق وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله r وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهو زنادقة)().
وقال النووي في التقريب: (الصحابة y كلهم عدول من لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يعتد به)().
وقال ابن حجر: (اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة)().
وقال ابن عبدالبر في الاستيعاب: (فهم خير القرون وخير أمة أخرجت للناس ثبتت عدالتهم جميعهم بثناء الله عز وجل ورسوله r )().
وقد كان سلفنا الصالح على درجة كبيرة من احترام الصحابة y وتقديرهم حتى أنهم عدوا من طعن في أي صحابي مرتكباً لأكبر الفواحش والكبائر, فهذا الإمام النووي يقول بهذا الصدد: (واعلم أن سب الصحابة y حرام من فواحش المحرمات ... )
ويقول في موضع آخر: ( وسب أحدهم من المعاصي الكبائر)().
وقد بلغ من إنكارهم أنهم كانوا يرون تعزير من يقع فيهم كما هو رأي الجمهور().
بل إن الإمام مالكاً رحمه الله يرى قتل من قال بضلال أحد من الصحابةy(). وقال القاضي أبو يعلى) مَن قذف عائشة مما برأها الله منه كفر بلا خلاف وحكى الإجماع على هذا غير واحد) ().
وقال ابن عباس رضي الله عنهما موضحاً دور الصحابة y وجهادهم في نشر الإسلام وإرساء دعائمه: ( إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه خص نبيه محمدا r بصحبة آثروه على الأنفس والأموال وبذلوا النفوس دونه في كل حال ووصفهم في كتابه فقال: رحماء بينهم فقاموا بمعالم الدين وناصحوا الاجتهاد للمسلمين حتى تهذبت طرقه وأسبابه وظهرت آلاء الله واستقر دينه, ووضحت أعلامه وأذل الله بهم الشرك وأزال رؤوسه ومحا دعائمه وصارت كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى فصلوات الله ورحمته وبركاته على تلك النفوس الزاكية والأرواح الطاهرة العالية, فقد كانوا في الحياة أولياء وكانوا بعد الموت أحياء وكانوا لعباد الله نصحاء وصلوا إلى الآخرة قبل إن يصلوا إليها وخرجوا من الدنيا وهم بعد فيها) ()
Back to top Go down
سلمى العربيه
عربي مميز
عربي مميز


عدد المساهمات: 250
تاريخ التسجيل: 2010-01-18

PostSubject: Re: الصحابه رضوان الله عليهم   Tue Jan 19, 2010 7:33 am

فإذا كان ابن عباس رضوان الله عليه- وهو من هو بين الصحابة y- ينظر إليهم بعين الإجلال هذه ويحتفظ لهم في قلبه بهذه المنزلة الرفيعة فما أحرانا نحن بأن نحترمهم ونتولاهم ونتقرب إلى الله بحبهم. وقد أدرك هذه الحقيقة شيخ من شيوخ الزيدية في اليمن وهو الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة بن سليمان بن حمزة وهو من علماء القرن السابع نقل ذلك عنه عالم الزيدية في القرن التاسع عشر السيد عمرو بن إبراهيم بن المرتضى الوزير (757- 840) في كتابه (الروض الباسم) () فذكر طبقة الدهماء من الصحابة y وعوامهم فقال: ( إن أكثرهم تساهلاً في أمر الدين ممن يتجاسر على الإقدام على الكبائر لاسيما معصية الزنا... وذلك دليل خفة الإيمان ونقصان الديانة لكنا نظرنا في حالهم فوجدناهم فعلوا ما لا يفعله من المتأخرين إلا أهل الورع الشحيح والخوف العظيم, ومن يضرب بصلاحه المثل, ويتقرب بحبه إلى الله عز وجل وذلك أنهم بذلوا أرواحهم في مرضاة رب العالمين وليس يفعل ذلك إلا من يحق له منصب الإمامة من أهل التقوى واليقين) ().
أي أن أقل الصحابة y تمسكاً بهدي الإسلام ممن قد يقعون في حدود الله وسرعان ما يستيقظ ضميرهم فيعترفون ولو كان في اعترافهم ذهاب حياتهم مما يرفعهم إلى استحقاق منصب الإمامة, فكيف بكبار الصحابة y الذين طهرهم الله من كل الأدران الخبيثة إنهم شريحة يصعب على البشر تصورهم.
وهاهو سيدنا علي بن أبي طالب t يذكر أصحاب رسول الله r يذكر أصحاب رسول الله r مقارناً بينهم وبين شيعته فيقول: ( لقد رأيت أصحاب محمد r فما رأيت أحداً يشبههم منكم! لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً وقد باتوا سجداً وقياماً يراوحون بين جباههم وخدودهم ويقفون على مثل الحجر من ذكر معادهم كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجوهم اذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفاً من العقاب ورجاء الثواب)().
ويقول أيضاً في حقهم مقارناً بينهم وبين شيعته آسفاً على ذهابهم: ( أين القوم الذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه وقرءوا القرآن فأحكموه وسلبوا السيوف أغمادها وأخذوا بأطراف الأرض زحفاً زحفاً وصفاً صفاً بعض هلك وبعض نجا ولا يبشرون بالأحياء و لا]يُعزون عن الموتى, مره العيون من البكاء خمص البطون من الصيام ذبل الشفاه من الدعاء صفر الألوان من السهر, على وجوههم غبرة الخاشعين أولئك خواص الذاهبون فحق لنا أن نظمأ اليهم ونفض الأيدي على فراقهم.)().
وقد ذكر الشيخ إحسان آلهي ظهير أن المجلسي روى في كتابه "حياة القلوب" عن الآلوسي رواية موثوقة() عن علي رضي الله عنه أنه قال لأصحابه: ( أوصيكم في أصحاب رسول الله r , لا تسبوهم فإنهم أصحاب نبيكم وهم أصحابه الذين لم يبتدعوا في الدين شيئاً ولم يقروا صاحب بدعة, نعم أوصاني رسول الله r في هؤلاء...)().
ولا شك أن شهادةً مثل شهادة علي بن أبي طالب t لها طعم خاص وثقل مميز خصوصاً اذا كان الرواة لها ممن يطلقون ألسنتهم لتنال من الصحابة الكرام y , ثم يدعون بعد ذلك تمسكهم بهدي أهل البيت رضوان الله عليهم. ولا نريد أن ننقل المزيد من أقوال السلف في حق الصحابةy ففيما نقلناه كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد.
هذه هي منزلة الصحابةy عند علماء الأمة, وهم لم ينالوها بكسبهم وإنما هي هبة من الله وفضل حباهم بها واصفاهم لها.
و لاشك أن العلماء لم ينطلقوا من فراغ في تكريمهم لكل من صح أن يطلق عليه اسم الصحبة, فهم بهذا يكونون قد اقتدوا بالصــحابة أنفسهم, فإنهم كانوا يرون أن للصحبة فضلاً لا يعد له فضل.
قال ابن حجر: ( وقد كان تعظيم الصحابةy ولو كان اجتماعهم به r قليلاً , مقرراً عند الخلفاء الراشدين وغيرهم, فمن ذلك قرأت في كتاب (أخبار الخوارج) تأليف محمد بن قدامة المروزي بخط بعض من سمعه منه في سنة سبع وأربعين ومائتين قال: حدثنا علي بن الجعد قال حدثنا زهير وهو الجعفي عن الأسود بن قيس عن نبيح العنزي قال كنت عند أبي سعيد الخدري ... قال: كنا عنده وهو متكئ فذكرنا علياً ومعاوية, فتناول رجل معاوية فاستوى أبو سعيد الخدري جالساً ثم قال: كنا ننزل رفاقاً مع رسول الله r فكنا في رفقة فيها أبو بكر فنزلنا على أبيات وفيهم امرأة حبلى ومعنا رجل من أهل البادية فقال للمرأة الحامل أيسرك أن تلدي غلاماً, قالت نعم, قال: إن أعطيتني شاةً ولدت غلاماً, فأعطته فسجع لها اسجاعاً ثم عمد إلى الشاة فذبحها و طبخها وجلسنا نأكل منها ومعنا أبو بكر فلما علم بالقصة قام فتقيأ كل شي أكل, قال ثم رأيت ذلك البدوي أتي به عمر بن الخطاب وقد هجا الأنصار, فقال لهم عمر: لولا أن له صحبة من رسول الله r ما أدري ما نال فيها لكفيتكموه ولكن له صحبة من رسول الله r) ().
وقال ابن كثير: (قال الزبير بن بكار: حدثني أخي هارون بن أبي بكر عن يحيى بن إبراهيم عن سليمان بن محمد عن يحيى بن عروة عن عمه عن عبدالله بن عروة قال: أقحمت السنة بني جعدة فدخل على عبدالله بن الزبير المسجد الحرام فأنشده هذه الأبيات:
حكيت لنا الصــــديق لما وليتها وعثمان والفــاروق فارتاح معدم
وسويت بين الناس في الحق فاستووا فعاد صبــاحاً حـالك اليوم مظلم
أتاك أبو ليلى يجـوب به الرجـــا دجا الليــل جواب الفلاة غشعشم
لتـجير منــه جـــائيا غدرت به صروف الليالي والزمان المصمصم
فقال ابن الزبير: هون عليك أبا ليلى فإن الشعر أهون رسائلك عندنا... ولكن لك في مال الله حقان: حق لرؤيتك رسول الله r وحق لشركتك أهل الإسلام في فيئهم) ().
أرأيت كيف جعل عمر الصحبة مانعاً من إنزال العقوبة في مستحقها وجعلها ابن الزبير سبباً في استحقاق سهم آخر من مال المسلمين؟.

عدالة الصحابة y من خلال سيرتهم وأحوالهم العطرة:
بعد أن أتينا على الجوانب الثلاثة الماضية من أدلة عدالة الصحابة y رأيت أن أختم هذا الفصل بذكر طرف من شمائلهم العظيمة وأخلاقهم الرفيعة وحرصهم على التمسك الكامل لمنهج رسول الله r وعزوفهم عن الفتن وتمكن المحبة في قلوبهم وغير ذلك مما يشكل دليلاً قوياً من أدلة عدالتهم رضوان الله عليهم ونبراساً وضاءً للأمة الإسلامية تستضيء به على مر العصور إذا ما اشتدت دياجير الظلام يوما.

اقتداؤهم المطلق بالرسول r
لقد كان الصحابةy يعلمون أن رسول الله r إنما أرسل بشيراً نذيراً فكانوا يتمثلون به في كل أحوالهم فـ( قد ثبت أن النبي e كان يحث أمته على التمسك بسنته ويحذرهم من مخالفتها وأن الصحابة y كانوا يمتثلون أمره في ذلك ويقتدون به ويتبعونه في جميع أقواله وأفعاله وسائر أحواله ويعتبرون أن كل ما يصدر منه فهو حجة يلزمهم إتباعها) (). مع أن قدرة الصحابةy على الاستنباط من كتاب الله مباشرة اكبر من قدرات من جاء بعدهم بحكم تمكنهم من صهوة اللغة أيما تمكن, لكنهم كانوا عالمين أن القرآن الكريم لا يستقيم فهمه إلا من خلال صنوه – السنة النبوية-.
وقد وردت الآثار الكثيرة بهذا الشأن وسنورد بعضها فيما يلي:
فهذا عمر بن الخطاب t يقول مخاطباً الحجر الأسود: ( والله إني لأعلم أنك حجر ولو لم أر حبيبي r قبلك أو استلمك ما استلمتك ولا قبلتك) ().
وعن علي بن ربيعة قال: رأيت علياً أتي بدابة ليركبها فلما وضع رجله في الركاب قال: باسم الله فلما استوى عليها قال: الحمد لله. سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون ثم حمد الله ثلاثاً ثم كبر ثلاثاً ثم قال سبحانك لا اله إلا أنت قد ظلمت نفسي فاغفر لي. ثم ضحك. فقلت ضحكت يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت رسول الله r فعل مثل ما فعلت ثم ضحك فقلت لم تضحك يا رسول الله r ؟ قال: تعجب الرب من عبده إذا قال اغفر لي , ويقول علم عبدي انه لا يغفر الذنوب غيري)().
وعن مجاهد قال: كنا مع ابن عمر في سفر فمر بمكان فحاد عنه فسئل لم فعلت؟ قال: رأيت رسول الله r فعل هذا ففعلت)().
وقد بلغ من تمسك الصحابة y بالنسبة النبوية أنهم كانوا ينكرون أشد الإنكار على من لا يعمل بها وإن كانوا آباءهم أو أبناءهم أو عشيرتهم. ولا شك في ذلك فهم الذين فارقوا المال والولد في سبيل الدين.
من ذلك ما روي عن عبدالله بن مغفل أنه كان جالساً والى جنبه أبن اخ له فخذف فنهاه وقال ان رسول الله r نهى عنها وقال إنها لا تصيد صيداً ولا تنكيء عدواً وإنها تكسر السن وتفقأ العين. قال فعاد ابن اخيه يخذف. فقال: أحدثك أن رسول الله r نهى عنها ثم عدت تخذف لا أكلمك أبداً) ().
وروى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: أتخذ النبي e خاتماً من ذهب فاتخذ الناس خواتيم من ذهب. فقال النبي e إني اتخذت خاتماً من ذهب, فنبذه فقال: إني لن ألبسه أبدأ. فنبذ الناس خواتيمهم().
روى ابن عبدالبر عن عبدالله بن رواحة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله r يقول: اجلسوا, فجلس في الطريق فمر به رسول الله r فقال: ما شأنك؟ فقال سمعتك تقول: أجلسوا, فجلست فقال له النبي e : زادك الله طاعة().
بل إن بعض الصحابة y أو من كان يعيش معهم من المخضرمين ممن لا يذكرهم التاريخ لأنهم لم يكونوا يطلبون الذكر والمباهاة في الدنيا من وراء إعمالهم – أقول أن منهم من كان على درجة كبيرة من التمسك بهدي رسول الله r حتى شهد لهم كبار الصحابة y في ذلك. فقد ذكر الذهبي في ترجمته لعمرو بن الأسود أن عمر بن الخطاب قال في حقه : من أحب أن ينظر إلى هدي رسول الله r فلينظر إلى هدي عمرو بن الأسود() فمن يعرف عمراً هذا في التاريخ مع أنه كان على هذه الدرجة من السلوك الحسن, أن عدم شهرته تدل على أن المجتمع حينذاك كان بمجموعه على مثل هذه الدرجة الرفيعة فلو كان سلوكه فريداً بين أقرانه لكان من المشهورين منهم .
من خلال هذه الآثار التي أوردناها نستطيع أن نقول كما كانت السنة النبوية بمجموعها بياناً وتفسيراً للقران فان الصحابة y كانوا بمجوعهم يمثلون حياة الرسول r بحكم اقتداءهم به, فأي إغفال لجانب من حياة الصحابة y هو إغفال لجانب من حياة رسول الله r لأنه قد بلغ من اهتداءهم به r أنهم كانوا يفعلون ما يفعل ويتركون ما يترك دون أن يعلموا لذلك سبباً أو يسألوه عن علته أو حكمه().
فكن النبي e مثلهم الأعلى وقدوتهم المثلى , كانت أعمالهم صورة لأعماله وأحوالهم مظهراً لأحواله فكان احترامهم احتراماً له والتعريض بهم تعريض به r بل اعتراض على أقواله الآمرة باحترامهم ومودتهم.

خلو نفوسهم من العداوة والبغضاء
لا شك أن الصحابة y بشر عاشوا حياتهم كما عاش غيرهم يفرحون ويحزنون ويختلفون مع غيرهم في وجهات النظر لكنهم اختلفوا عن غيرهم في أن ما كان بينهم لم يصل إلى أن يحقد بعضهم على بعض, فكانوا قدوة لمن بعدهم في كل شيء : في سلمهم وحربهم , في جدهم ومرحهم , في رضاهم وغضبهم لأن الله أختارهم وجعلهم في موضع القدوة. والدارس لتاريخ الصحابة الكرام y ممن لا يرضى لنفسه أن يصطاد في الماء العكر يعرف هذه الحقيقة جيداً , فهذا سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه حينما سمع بعض جنوده يسبون أهل الشام أبان معركة صفين على الرغم مما جرى بينه وبين أهل الشام الذين يقودهم معاوية قال: لا تسبوا أهل الشام فإن بها الأبدال فإن بها الأبدال().
( وأن علياً لما دار بين القتلى رأى طلحة بن عبيدالله فجعل يمسح التراب عن وجهه وقال: رحمة الله عليك أبا محمد, يعز علي أن أراك مجدولاً تحت نجوم السماء ثم قال: إلى الله أشكو عجري وبجري, والله لوددت أني كنت مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة()).
ثم قال ابن كثير(): وروي من غير وجه أنه قال: إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير وعثمان ممن قال الله فيهم: ونزعنا ما في صدروهم من غل أخواناً على سرر متقابلين()).
صحيح أن عدداً يسيراً من الصحابة y ربما قاتل بعضهم بعضاً لكن قتالهم كان من اجتهاد واعتقاد وتحر للحق وعزم على التمسك به. وهم يعلمون هذه الحقيقة لهذا لم يكن يقع بعضهم ببعض, بل كانوا على الرغم من هذا الخلاف على مودة عظيمة واحترام لا يتصوره كثير من الناس.
وقد روى سعيد بن المسيب أن رجلاً كان يقع في طلحة والزبير وعثمان وعلي رضي الله عنهم فجعل سعد ينهاه ويقول: لا تقع في إخواني فأبى ,فقام فصلى ركعتين ثم قال: اللهم إن كان سخطاً لك فيما يقول فأرني اليوم فيه آية وأجعله للناس عبرة. فخرج الرجل فاذا ببختي يشق الناس فأخذه بالبلاط فوضعه بين كركرته والبلاط فسحقه حتى قتله. قال سعيد بن المسيب: فإني رأيت الناس يتبعون سعداً ويقولون: هنيئاً لك أبا اسحق أجيبت دعوتك().
( ولما قتل ابن جرموز الزبير بن العوام احتز رأسه وذهب به إلى علي ورأى أن ذلك يحصل به حظوة عنده فاستأذن فقال علي: لا تأذنوا له وبشروه بالنار)().
وكان الصحابة y على جانب كبير من الاتزان في الحكم على الأشياء فهم لا يبحثون عن الزلة لكي يسقطوا صاحبها من معيار العدالة.
وفي هذا الصدد يقول الدكتور عبدالمتعال الصعيدي" ( الا ليت الناس يتعظون بما كان عليه السلف الصالح من ذلك التسامح الديني, فهذا قدامة يرتكب هذا الخطاً الظاهر (حينما شرب الخمر متأولاً) وينكر حكماً معلوما من الدين بالضرورة فلا يتخذ أحد ذلك وسيلة للتشهير عليه في دينه, بل يراعى له حسن قصده في ذلك الخطأ ويبقى له دينه سالماً لا يطعن عليه أحد ثم يكون هو الذي يغضب على عمر ويهجره, فيكون عمر هو الذي يسعى إلى استرضائه ومصالحته. إلا ليت الناس يتعظون بما كان عليه السلف الصالح من الاعتدال في دينهم فلا يميلون فيه إلى تفريط أو إفراط بل يأخذ قدامة بالحد من غير تفريط في دينهم ولا يضيق صدرهم بتأويله الخاطئ... ألا ليتنا نعرف ما كان لهذا الأثر فيما امتاز به عصرهم من الصراحة في الدين والصراحة في الرأي. وأن هذا وصل بهم إلى تلك القوة والعظمة, ووصل بهم إلى حد الكمال الذي قدر له().
وعن أنس بن مالك t قال: كنا جلوسا مع رسول الله r فقال: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة, فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد علق نعليه بيده الشمال فلما كان الغد قال النبي e مثل ذلك فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى فلما كان اليوم الثالث قال النبي e مثل مقالته أيضاً فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى فلما قام النبي e تبعه عبدالله بن عمرو فقال: إني لاحيت أبي فأقسمت أني لا أدخل عليه ثلاثاً فان رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت. قال: نعم , قال أنس فكان عبدالله يحدث أنه بات معه تلك الثلاث الليالي فلم يره يقوم من الليل شيئاً غير أنه إذا تعارّ تقلب على فرشه ذكر الله عز وجل حتى صلاة الفجر, قال عبدالله: غير أني لم اسمعه يقول إلا خيرا فلما مضت الثلاث الليالي وكدت أحتقر عمله قلت: يا عبدالله لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرة ولكني سمعت رسول الله r يقول لك ثلاث مرات يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فطلعت أنت الثلاث المرات فأردت أن أوى إليك فانظر ما عملك فاقتدي بك فلم أرك كبير عمل فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله r ؟ قال: ما هو إلا ما رأيت فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً و لا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه. فقال عبدالله: هذه التي بلغت بك().
بهذه القلوب الصافية وبهذه العزائم الصادقة في البحث عن وسائل الفلاح استحق الصحابة y تلك المنزلة الرفيعة.

ابتعاد جمهور الصحابة y عن الفتنة:
على الرغم مما حدث بين الصحابةy من فتن منذ أن قتل سيدنا عثمان بن عفان t إلى أن تولى الخلافة معاوية بن أبي سفيان t, أقول : على الرغم من كل ذلك بقي جمهور الصحابةy محباً للعافية بعيدا ًعن خوض غمار الفتنة, فلم يشترك في قتل سيدنا عثمان من الصحابةy أحد كما هو رأي جمهور العلماء ومن أضطر للولوج فيها إنما كان رائده الاجتهاد في طلب الحق وحرصه على تثبيت أركانه وإن أدى ذلك إلى أن تفيض روحه في سبيله.
جاء في المنتقى من منهاج الاعتدال: وجمهور الصحابةy وساداتهم تأخروا عن الفتنة. روى أبو أيوب السختياني عن ابن سيرين قال: هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله r عشرة آلاف فما خف لها منهم مائة, بل لم يبلغوا ثلاثين. وقال منصور بن عبدالرحمن: قال الشعبي: لم يشهد الجمل من أصحاب النبي e غير علي وعمار وطلحة والزبير, فإن جاءوا بخامس فانا كذاب – كأنه عنى من المهاجرين السابقين ( وهذا الاستدراك للذهبي) وقال عبدالله بن أحمد حدثنا أبي, حدثنا أمية بن خالد قال قيل لشعبة إن أبا شيبة روى عن الحكم عن عبدالرحمن بن أبي ليلى قال: شهد صفين من أهل بدر سبعون رجلاً. قال أبو شيبة كذب والله , ذاكرنا الحكم ما وجدنا شهد صفين من أهل بدر غير خزيمة بن ثابت , قلت ( القائل هو الذهبي) هذا النفي يدل على قلة من حضرها().
ويقول ابن كثير بصدد قتل عثمان t : ( ولما وقع هذا الأمر عظمه الناس جداً ولزم كثير من الناس بيوتهم)().
وعن عار بن سعد أن أخاه انطلق إلى سعد في غنم له خارج المدينة فلما رآه سعد قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب. فلما أتاه قال: يا أبت أرضيت أن تكون اعرابياً في غنمك والناس يتنازعون الملك بالمدينة؟ فضرب سعد صدر عمر وقال: اسكت فاني سمعت رسول الله r يقول: (( إن الله يحب العبد التقي النقي الخفي))().
ولما أشار بعض الصحابة y على عثمان بقتل هؤلاء الخارجين قال: (ان رحى الفتنة دائرة فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها)().

خلوهم من الكذب
وللصحابة رضوان الله عليهم ميزة أخرى لم يكونوا ليفرطوا فيها وكان لها أثر كبير في حفظ السنة النبوية المطهرة, فقد كانوا صادقين في كل شؤونهم لا يكذبون مهما كانت الظروف مما جعل بعضهم يحدث عن بعض من دون أن يختلج في نفوسهم هاجس تكذيب بعضهم بعضا.
فعن البراء بن عازب t قال: ( ليس كلنا كان يسمع حديث النبي e فقد كانت لنا صنعة وأشغال ولكن كان الناس لا يكذبون فيحدث الشاهد الغائب)().
وروي عن قتادة أن انس t حدث بحديث فقال رجل: أسمعت هذا من رسول الله r ؟ قال نعم أو حدثني من لم يكذب , والله ما كنا نكذب ولاكنا ندري ما الكذب().
فما يراد لكي يُعدل الرجل أكثر من حرص مطلق على السنة النبوية وقلب خالٍ تماماً من الأمراض والأهواء وصدق ليس له نظير, وكل هذه الصفات كانت قائمة في الصحابة y على أكمل وجه وأحسنه. ولو أردنا أن نتعرض لصفات الخير كلها لما وسعنا المجال ففقد كانوا يشدون الرحال أياماً وأسابيع وراء حديث يبلغهم عن رسول الله r لكي يسمعوه ممن سمعه من رسول الله r مباشرة وكانوا يبذلون أموالهم وأرواحهم في سبيل الله راضية نفوسهم بذلك, أفلا يستحقون أن يكونوا عدولاً بعد كل هذا؟.
وبعد أن تعرضنا لأدلة عدالة الصحابةy من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة ومن خلال سيرتهم وسجاياهم هل يسع أحداً بعد كل هذا أن يتناول الصحابةy بلسانه وقلمه مدعياً النزاهة والمنهجية العلمية ولست أدري منذ متى كانت المنهجية قائمة على السباب والطعن الفاحش من غير بيان ولا برهان. إننا لكي ندعي الالتزام بمنهج الإسلام يجب أن نكون عالمين أن (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) () وأن المسلم يجب أن يلتمس لأخيه العذر مهما كان الذي بدر منه ما لم يكن كفراً بواحاً.
وفي هذا الصدد يقول ابن تيمية رحمه الله : (فإن باب الإحسان إلى الناس والعفو عنهم مقدم على باب الإساءة والانتقام ... فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة فإذا كان هذا في حق آحاد الناس فالصحابة أولى أن يسلك بهم هذا فخطأ المجتهد في الإحسان إليهم بالدعاء والثناء عليهم والذب عنهم خير من خطئه في الإساءة إليهم باللعن والذم والطعن وما شجر بينهم غايته أن يكون ذنباً والذنوب مغفورة بأسباب متعددة هم أحق بها ممن بعدهم. وما نجد أحداً يقدح فيهم إلا ويعظم من هو دونهم ولا نجد أحداً يعظم شيئاً من زلاتهم إلا وهو يغض عما هو أكبر من ذلك من زلات غيرهم وهذا من أعظم الجهل والظلم) ().




الباب الأول
الفصل الثالث
اختلاف الصحابة


تمهيد
اسباب اختلاف الصحابةy
موقف علماء الأمة من اختلاف الصحابة y
الآثار الناتجة عن اختلاف الصحابةy



تمهيد
إن دراسة الاختلافات التي جرت بين الصحابةy - لاسيما السياسية منها- على جانب كبير من الصعوبة ويتطلب الكثير من الجهود للوقوف على الحقائق المتعلقة بها أو الاقتراب على الأقل. وتأتي هذه الصعوبة من كون أن عامة الاختلافات السياسية التي وقعت بين الصحابةy كان أهل البيت يمثلون أحد طرفيها, مما جعل القضية بمرور الزمن تأخذ طابع التحزب في عيون أشياعهم وفي عيون كثير من العامة , فتدخلت عواطف الناس في الحكم على الأشياء وأصبح كل من يقف في وجه أهل البيت أو تهاون في مناصرتهم -بغض النظر عن دوافعه ودواعيه- مجرماً يستحق السباب والشتم واللوم والتقريع. بينما أصبح الذين شايعوا أهل البيت على درجة كبيرة من الحظوة لدى الكثير من أبناء الأجيال اللاحقة.
وجرى كثير من المؤرخين على هذا المنوال. يقول الدكتور أحمد شلبي في أثناء كلامه على تاريخ الدولة الأموية: (لقد تحالفت ظروف كثيرة على الحط من شأن الأمويين بقصد أو بدون قصد وتكاد المراجع التي بين أيدينا تخلو خلواً تاماً من كلمة مدح أو ثناء على أكثر خلفاء هذه الدولة, أما عبارات القذف والطعن فقد أسهبت فيها كتب كثيرة واقتصدت كتب أخرى, وكان أسرها من اكتفى باللوم والتقريع)(). والسبب الحقيقي لهذا الغمط والغبن هو وقوف بعضهم أمام أهل البيت في يوم من الأيام في حين إن الحضارة الإسلامية عاشت عهداً ذهبياً أبان الحكم الأموي يشهد على ذلك صروح الحضارة في دمشق والأندلس وغيرها.
ما أريد أن أقوله هو أن النصوص التاريخية التي بين أيدينا تعجز إن تعطي لنا صورة صادقة للواقع أو تقارب ما كانت عليه الحياة, وبالتالي لا يجوز لأحد يتحرى الحق والصواب أن يسلم لكل ما ورد في كتب المؤرخين لكي يرسم صورة المجتمع الذي تتحدث عنه وعن أحداثه وأهم قضاياه.
نعم إن روايات الإخباريين على درجة كبيرة من الأهمية لا يجوز إغفالها ولكن في الوقت نفسه لا يجوز أن تأخذ كمسلمات وإنما يُنظر إلى إليها كمادة يستخرج منها تاريخنا بعد النقد والتمحيص, فـ(دراسة التاريخ لا تكون صحيحة إلا بتعليل الحوادث)().
وقد بلغت بعض الروايات حداً فظيعاً من الاستهتار بالقيم وتصوير المجتمع الإسلامي الأول بأبشع ما يتصوره العقل, فمثلاً:-
يقول ابن الأثير: (قال عمر بن سبيئة() حج يزيد في حياة أبيه فلما بلغ المدينة جلس على شراب له فاستأذن عليه ابن عباس والحسين فقال: إن ابن عباس إذا وجد ريح الشراب عرفه, فحجبه وأذن للحسين فلما دخل وجد رائحة الشراب مع الطيب فقال: لله در طيبك ما أطيبه فما هذا؟ قال هو طيب يصنع بالشام ثم دعا بالقدح فشربه ثم دعا بآخر فقال: اسق أبا عبدالله , فقال الحسين: عليك شرابك أيها المرء لا عين عليك مني فقال يزيد:
إلا يا صاح للعجـب دعوتك ذا ولم تجـب
إلى الفتيات والشهوا ت والصهباء والطرب
وباطيــــة مكللة عليها ســادة العرب
وفيهن التي تبلــت فـــؤادك ثم لم تتب
فنهض الحسين وقال: بل فؤادك يا ابن معاوية تبلت)().
إن مثل هذه النصوص لا تسيء إلى يزيد والحسين فحسب بل تسيء إلى المجتمع الإسلامي آنذاك بعمومه, لأن مجاهرة يزيد بشرب الخمر في موسم الحج وفي مدينة رسول الله r وبحضرة الحسين t استهتار فظيع بأمور الدين وتعاليمه يضعنا بين أمرين لا ثالث لهما, أما أن نصدق هذه الرواية ونؤمن بمقتضاها وهو أنه لم يكن لتعاليم الدين سلطان على النفوس ولم يكن هناك مجتمع يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولم يكن هذا القرن ثاني خير القرون التي أخبر عنها رسول الله r , وأما أن نحكم بأن هذه الرواية موضوعة ابتدعها أناس يتطلعون إلى يوم يلعن فيه آخر هذه الأمة أولها, وتزول تلك الروابط الإيمانية التي تشد بنيان الأمة وتقوي وحدتها, ومما لا مجال للشك فيه أن من يرى في الدولة الإسلامية في عهدها الأموي أو في عهدها العباسي خصوماً ألداء لأهل بيت النبوة لا تجوز شهادته على تلك الدولة إذ ليس من العدل أن يكون الخصم هو الحكم أو يكون الحكم متحيزاً إلى فئة ما. والناظر في كتب التأريخ الإسلامي يرى أن الكثير منها وقع أصحابها تحت تأثير العواطف والميول الشخصية إلى آل البيت بحكم ما لهم من مكانة سامية في قلوب المسلمين. ومن لم يكن واقعاً تحت تأثير تلك العواطف والميول فإنه واقع تحت تأثير الخط العام لكتابة التأريخ, وهو الاهتمام بمآثر أهل البيت والإغضاء من شأن مخالفيهم. فان كان للمسعودي والدينوري واليعقوبي وابن أعثم الكوفي وابن الطقطقا ميول علوية لا يخفونها() فإن الطبري وابن الأثير والسيوطي لم يستطيعوا أن يتخلصوا من ضغط هذا التيار. إذ أن نسبة كبيرة من تاريخ الطبري مروية عن أبي مخنف لوط بن يحيى وعن محمد بن عمر الواقدي.


أما أبو مخنف فقد قال عنه الذهبي في ميزان الاعتدال: (إخباري تالف لا يوثق به تركه أبو حاتم وغيره)().
وقال ابن تيمية في معرض كلامه على حجية الأخبار التي يوردها من يتعرضون للبحث عما يسمونه بمثالب الصحابةy: (كما أنهم جهلة بالمنقولات وإنما عمدتهم على تواريخ منقطعة الإسناد وكثير منها من وضع المعروفين بالكذب فيعتمدون نقل أبي مخنف لوط بن يحيى وهشام بن الكلبي)().
وأما محمد بن عمر الواقدي (فهو لا يتورع بإظهار الصحابة y بمظهر المتآمرين على عثمان)() وقد جرحه علماء الجرح والتعديل وحذروا الناس من الأخذ بحديثه , فقد اتهمه النسائي والشافعي بالكذب والبخاري ينص على عدم الأخذ بحديثه. في حين أن الذهبي قال : استقر الإجماع على وهن الواقدي().
ولا شك أن من هذه حالته وهذه ميوله وعواطفه تكون دراسته انتقائية في أحسن الأحوال, فيأخذ ما يوافقه ويلاءم هواه ومذهبه ويترك كل ما لا يوافق ذلك. وقد لاحظ اثر تلك العواطف والميول على بعض الإخباريين بعض الباحثين من غير المسلمين أيضاً, فقد ذكر المستشرق فلهاوزن أن أبا مخنف لم يستطع أن يتجرد تماماً من عواطفه (وقد أغفل في بعض الأحيان شيئاً مما لا يعجبه, كإغفاله مثلاً أن عقيل بن أبي طالب كان في موقعة صفين يحارب في صفوف أعداء أخيه علي بن أبي طالب)().
فإذا كان تاريخ الطبري الذي يعد من خيرة كتب التاريخ الإسلامي على هذا المستوى فما بالك بالكتب الأخرى التي تعد عالة على تاريخ الطبري. ومما زاد من صعوبة اكتناه الحقائق لتاريخ صدر الإسلام والدولة الأموية هو انه لم يتم أو بالأصح لم تبدأ مرحلة التدوين في التاريخ الإسلامي إلا في أواخر الدولة الأموية, ثم انتقلت الخلافة إلى بني العباس فلم يكونوا حريصين على إظهار بني أمية بمظهرهم الحقيقي كما كان بعض الناس على عهدهم (يتملقون الحكام بتشويه محاسن بني أمية)().
وقد فهم المستشرق فلهاوزن هذه الحقيقة جيداً حين قال: (أما روح هذا المأثور الشامي فيستطيع الإنسان أن يعرفه أحسن معرفة إذا رجع إلى كتب التاريخ النصرانية خصوصاً كتاب الصلة لتاريخ ايزيدور فالأمويون في هذه الكتب النصرانية يظهرون في ضوء آخر مغاير كل المغايرة في الكتب الأخرى, وهو يظهرون على صورة أحسن بكثير من الصورة التي اعتدنا أن نراهم عليها. أما في كتب التاريخ العربي فقد كانت الكلمة الأخيرة لأعدائهم وقد ألحق ذلك بتاريخهم ضرراً كبيراً)().
لا أقصد من سوقي لكلام فلهاوزن حول التواريخ النصرانية أن نعتمد عليها في دراسة قضايانا الإسلامية وإنما قصدت فقط أن ظاهرة التحيز وعدم الدقة التي اتسمت بها كثير من نقولنا التاريخية قد لاحظها غيرنا لذا فالحاجة إلى مراجعة علمية نقدية واسعة لتاريخنا الإسلامي وإخضاعه لقوانين الرواية المعتمدة لدى علماء الحديث, لأن تمحيص تراثنا التاريخي لا يقل أهمية عن تمحيص الآثار النبوية.
وقد وعى المحققون من العلماء هذه المسألة وخاصة ما يتعلق منها بالرعيل الأول من المسلمين فقسموا المثالب المنقولة عنهم والمنسوبة إليهم إلى قسمين لا ثالث لهما:
فقد قال ابن تيمية: (إن ما نقل عن الصحابة من المثالب فهو نوعان أحدهما ما هو كذب (ويشمل):
أما كذب كله.
وأما محرف قد دخله من الزيادة والنقصان ما يخرجه إلى الذم والطعن, وأكثر المنقول من المطاعن الصريحة هو من هذا الباب يرويها الكذابون المعروفون بالكذب, مثل أبي مخنف لوط بن يحيى ومثل هشام بن محمد السائب الكلبي وأمثالهما من الكذابين...
والنوع الثاني: ما هو صدق وأكثر هذه الأمور فيها معاذير تخرجها عن أن تكون ذنوباً وتجعلها من موارد الاجتهاد)() و لا أريد أن اظلم التاريخ الإسلامي كله أو أجرده من مقومات النقد العلمي كلها.
فقد كانت البلاد الإسلامية تحتوي على أربع مدارس تاريخية كبرى لكل مدرسة مميزاتها وسماتها تبعاً للبيئات التي نشأت فيها, وتبعاً لسلوكيات أفرادها, فقد كانت هناك مدرسة المدينة ومدرسة الكوفة ومدرسة البصرة ومدرسة بغداد, وقد عقد الدكتور خليل إبراهيم السامرائي مقارنة بين مدرسة المدينة من ناحية ومدرستي الكوفة والبصرة من ناحية أخرى فكانت النتيجة كما يلي:
أولاً: اهتمام مدرسة المدينة بالمواضيع الدينية كالسير والمغازي والتراجم , أما المدرستان الأخريان فكان اهتمامهما بالمواضيع الدنيوية, كأيام العرب والأنساب والحروب والقصص التاريخية.
ثانياً: اهتمام مدرسة المدينة بالإسناد على غرار دراسة الحديث, بينما اقتصرت المدرستان الأخريان على المتن دون السند غالباً.
ثالثاً: كانت مدرسة المدينة تعتمد تثبيت تاريخ الحوادث وتأكيده, بينما لا نجد هذا في مدرستي البصرة والكوفة إلا في الحروب والوقائع وأخيراً كان الاتجاه الإسلامي هو الغالب على مدرسة المدينة بينما غلب الاتجاه القبلي المحلي على المدرستين الأخيرتين)().
أما المدرسة الرابعة أعني مدرسة بغداد فقد كان (الطابع العالمي هو السائد على دراساتها... وذلك على أثر الازدهار الحضاري الذي رافق مختلف شؤون الحياة لدى العرب)().
إذن فالأمة الإسلامية لم تخل من رجال, ولم تخل من مدارس كانت تعتمد المنهج العلمي الرصين في دراساتها, لكن والحق يقال أن المنهج العلمي لم يعتمد في كل المدارس التاريخية أو في كل النقول التاريخية بدقة مما أدى إلى ما نراه من الروايات المضطربة والأخبار المبالغ فيها مدحاً أو ذماً وكذلك المكذوبة وما أكثرها.
وليت مدارس الكوفة والبصرة وبغداد تابعت مدرسة المدينة في إيرادها لأسانيد رواياتها التاريخية, فأعانتنا بذلك على التأكد من صحة تلك الروايات وخلصت تأريخنا من كثير من الروايات المكذوبة والمدسوسة فيه, للتشويش على سيرة بعض سلفنا الصالح ولتشويه تأريخ أمتنا بشكل عام.
ولا يعني هذا أن عدم إسناد تلك الروايات يسبغ عليها صفة القبول ويفيها من النظر فيها أو البحث عن صحتها ودرجتها فكثير منها يشهد أسلوبها ومضمونها بعدم صحتها لمخالفتها لواقع عصرها أو لصريح العقل أو لنص كتاب أو سنة صحيحة.
إذن فالنتيجة التي نخرج بها من هذا التمهيد هي: إن التزوير والتحريف وإعطاء المسائل أكبر من حجمها أو ما يسمى بالتضخيم إن صح التعبير كل ذلك قد وقع في التاريخ الإسلامي فلا بد لنا من التيقظ والحذر عند تناولنا لدراسة موضوع ما.
وأود أن أختم هذا التمهيد بذكر أصناف المزورين في التأريخ الإسلامي وهم:
أولاً: الزنادقة الذين حملهم على الوضع الاستخفاف بالدين والتلبيس على المسلمين.
ثانياً: أصحاب الأهواء والبدع وضعوا الأحاديث نصرة لمذاهبهم أو ثلباً لمخالفيهم.
ثالثاً: قوم اتخذوا الوضع صناعة وتسوقاً().
وكان بعضهم على درجة كبيرة من النظر البعيد فهم لا يأملون نتائج عاجلة لما يصنعون, فقد الخطيب البغدادي إن : (هارون الرشيد سأل أحد الزنادقة الشعوبيين في عصره قبل أن يضرب عنقه أمام الحاضرين: لماذا يتخذ الزنادقة خطتهم في البداية مع إتباعهم تعليمهم كراهية الصحابة y والطعن فيهم؟ فقال ذلك الزنديق: إنا نريد الطعن على الناقلة فإذا بطلت الناقلة أو شك أن يبطل المنقول)().
بعد كل ما تقدم نستطيع أن نقول ما قاله الدكتور محمود إسماعيل من انه (يتعين على الباحث المعاصر أن يعمل العقل في روايات السلف ويخضعها للمنهج النقدي... وان يتبع المنهج المقارن في استخلاص الحقيقة التاريخية من الروايات المتعددة المتباينة, وهو منهج احتذاه المحدثون القدامى فيما عرف " بالجرح والتعديل" وعملية التحقيق هذه لا تتم بمعزل عن الإلمام الكامل بحياة المؤرخين القدامى والوقوف على اتجاهاتهم الفكرية وأوضاعهم الطبقية التي تشكل المنظور التاريخي لكل منهم, وهي التي تترك بصماتها فيما يكتبون)().


أسباب اختلاف الصحابة y :
قبل الخوض في بيان أسباب اختلاف الصحابةy لابد لنا من معرفة أسباب الاختلاف بين الناس عموماً, فالصحابة يخضعون لما يخضع له الناس من مؤثرات تحدد ميولهم واتجاهاتهم فيما يعرض لهم في حياتهم, فإذا ما عرفنا هذه الأسباب سهل علينا الأمر في معرفة أسباب اختلاف الصحابةy .

أسباب الاختلاف بين الناس
منذ قديم الزمان والناس يختلفون على الحقائق, أو ما يعرض لهم من أمور كانوا يريدون أن يصلوا إلى كنهها, وقد أرجع العلماء هذه الاختلافات إلى أسباب عديدة نجمل أهمها فيما يلي:

أولاً: غموض الموضوع في ذاته
فإذا كان الموضوع غامضاً في ذاته, فإنه سيكون داعياً إلى تعدد الآراء واختلاف وجهات النظر فيه , كل ينطبق من فهمه وتصوراته له, وربما أصاب كل واحد منهم جزء من الموضوع فيكون الحق في جميعها وليس في آحادها, وربما كانوا متفقين في آرائهم إلا أن أحدهم لم يفهم وجهة نظر الآخر فيصورهم هذا الجهل بنيات بعضهم بعضاً بصورة الخصماء وما هم بخصماء على الحقيقة ولذلك كان سقراط يقول: إذا عرف موضع النزاع بطل كل نزاع)().

ثانياً: اختلاف الرغبات والشهوات والأمزجة
خلق الله الإنسان وهو يسعى إلى أن يرضي نداء شهواته ورغباته ويجهد في أن يصور الحقائق متوافقة مع مزاجه ورغباته , وبما أن هذه الرغبات والشهوات مختلفة بين الناس بالضرورة لأنها تخضع لكل ما ألم به في حياته سواء كان في أسرته أو محيطه العام فإن حكمهم على الأشياء سيكون مختلفاً إذا ما أرادوا أن يرضوا رغباتهم وأمزجتهم.
بيد أن خضوع الإنسان لهذه الشهوات والرغبات والأمزجة وإن كان قاسماً مشتركاً بين الناس إلى حدٍ ما فانا لا نستطيع أن ندّعي أن الناس يخضعون لن بنفس المقدار, إذ أن فيهم من يستطيع أن يتجرد عن ميوله الخاصة إلى حد بعيد ما لم يكن لها صل بالحكم على حقائق الأشياء وفيهم من يكون خضوعه لها خضوعا شبه تام. وعلى هذا فلا أرى وجهاً لتعميم الشيخ محمد أبي زهرة حيث يقول: (فالرغبة إذن تستولي على مقياس الحسن والقبح في الأشياء والأفكار)().
فإطلاق القول هكذا بلا تقييد فيه ظلم للحقيقة وأهلها, نعم إن الرغبة قد تستولي على ذوي النفس الضعيفة والنظر القصير, لكنها تقف عاجزة أمام ذوي البصائر والعزائم الذين يقولون الحق وإن كان مراً. والذين يشهدون بالحق ولو على أنفسهم لأن الرغبة في جمع المال مثلاً لا تجعل السرقة حسنة حتى عند المجرمين.

ثالثاً: التعصب في تقليد السابقين:
ومن الأسباب التي تؤدي إلى اختلاف الناس في حكمهم على الأشياء التعصب لآراء تلقوها عن السابقين اكتسبت بمرور الزمن قداسة كبيرة دفعتهم إلى تبني هذه الأفكار بأي ثمن حتى إن اضطرهم الأمر إلى اصطناع الحجج لكي يظهروا ما تعصبوا له بمظهر الحقيقة, فكان بعض المتعصبين لا يتورعون عن الكذب على رسول الله r من أجل نصرة مذاهبهم , وعن هؤلاء المتعصبين يقول ابن عراق الكناني: ( أصحاب الأهواء والبدع وضعوا أحاديث نصرة لمذاهبهم أو ثلباً لمخالفيهم , روى أبن أبي حاتم في مقدمة كتاب الجرح والتعديل عن شيخ من الخوارج أنه كان يقول بعد ما تاب: أنظروا عمن تأخذون فإنا كنا إذا هوينا أمراً صيرنا له حديثاً)().

رابعاً: اختلاف المدارك والقدرات العقلية:
يتميز كل إنسان عن غيره بمداركه الخاصة وقدراته التي يتسم بها, تبعاً لما وهب من فطنة وذكاء, وما مر به من تجارب في حياته فإذا اختلفت المدارك والقدرات التي هي وسائل الإنسان في حكمه على الأشياء فمن الطبيعي أن تأتي الأحكام مختلفة تبعاً لذلك التفاوت العقلي. فمن الناس من يكون إدراكه نافداً إلى حقيقة الأشياء ومنهم من يذهب به الوهم بعيداً فيعشو عن الحقيقة والصواب. وبالتالي يزيد من الاختلاف ويبعد عن الائتلاف. هذه جملة من الأسباب التي تؤدي إلى الاختلاف بين الناس في حكمهم على الأشياء تناولناها على وجه السرعة لتكون مدخلاً لدراسة أسباب الاختلاف بين الصحابة y .

أسباب اختلاف الصحابة y
بعد أن تعرفنا على الأسباب التي تؤدي إلى الاختلاف في وجهات النظر بين الناس في موضوع ما, أصبح الآن يسيراً علينا أن ندرس الأسباب التي أدت إلى اختلاف الصحابةy, ولكن قبل هذا علينا أن نعرف أنواع الاختلافات التي وقعت بين الصحابة y .
وجملة الاختلافات بين المسلمين أما أن تكون :-
اختلافاً في الأمور العقائدية.
أو في الأمور الفقهية.
أو في الأمور السياسية.
وقد وقع بين الصحابة y من هذه الاختلافات نوعان:-
الأول: اختلاف في الأمور الفقهية.
الثاني: اختلاف في الأمور السياسية.
أما الاختلاف في المسائل العقائدية فلم يقع بين الصحابة y منه شيء لأن الصحابة y (كانوا يكرهون البحث والجدل في الأمور العقائدية , ويرون أنه لا سبيل إلى تقرير شيء منها إلا بالوحي. بينما كانوا لا يتحرجون من النظر والاجتهاد في الشرائع العملية) () بل إن البحث في هذه الأمور _أي العقائدية- (بدأ يظهر في أواخر القرن الأول الهجري) () حيث لم يبق وجود لصحابة رسول الله r ورضي الله عنهم.
ولكل من النوعين السابقين من أنواع الاختلاف أسباب أدت إلى وقوعه بين الصحابةy .
فمن الأسباب التي أدت إلى وقوع الاختلافات الفقهية بين الصحابة y كما ذكر الشيخ عبدالوهاب خلاف() ما يلي:
اولاً: إن أكثر نصوص الحكام في القرآن والسنة الصحيحة ليست قطعية الدلالة على المراد منها,بل هي ظنية الدلالة في الغالب, وكما تحتمل أن تدل على معنى تحتمل أن تدل على معنى آخر بسبب أن في النص لفظاً مشتركاً لغة بين معنيين أو أكثر, أو أن فيه لفظاً عاماً يحتمل التخصيص , أو لفظاً مطلقاً يحتمل التقييد. فكل مشرع يفهم منه حسبما ترجح عنده من القرائن ووجهات النظر.
ثانياً: إن السنة النبوية لم يتم تدوينها في عهد الصحابة y , ولم يكن أحد من الصحابة y حافظاً للسنة كلها, مما كان يضطر بعضهم في كثير من الأحيان إلى أن يتراجع عن فتواه التي أفتى بها بعد أن علم من النصوص الواردة في المسألة ما لم يكن قد علمه من قبل, ولعل هذا السبب (أعني عدم تدوين السنة) كان وراء رد بعضهم لبعض الأخبار لاعتقاد السامع أن ما معه من نصوص في المسألة قد يكون ناسخاً لما مع الصحابي الآخر أو مخصصاً له أو غير ذلك ولا دخل للراوي نفسه من حيث العدالة كما توهم السايس حين قال: (إنهم كانوا يردون الحديث لضعف ثقتهم بالراوي)() , فلو كان الأمر كما قال رحمه الله لما قبل حديث من دره الصحابة y ولو مرة, ولما تجرأ علماء الجرح والتعديل على تعديل من جرحه الصحابة y .
ثالثاً: اختلاف البيئات التي يعيش فيها الصحابة y كان له الأثر الكبير في اختلاف الأحكام التي تصدر عنهم فما يطرأ لعبدالله بن عمر في المدينة غير ما يطرأ لمعاوية بن أبي سفيان في الشام وهو غير ما يطرأ لعبدالله بن مسعود في الكوفة, لأن الأحداث وليدة البيئة فيجب أن تكون الحلول ملائمة لها وفق ما تحتمله النصوص ويتطلبه النظر الصحيح.
رابعاً: لما كانت النصوص القرآنية والنصوص النبوية محدودة في حين إن مفردات الحياة غير متناهية فان ذلك اوجب على فقهاء الصحابة y أن يعملوا رأيهم في استنباط الأحكام الشرعية لهذه النصوص المتجددة . وكان لابد لهم من أن يختلفوا تبعا لقدراتهم العقلية ومواهبهم في استشفاف الأمور وحملها على مقتضى النصوص التشريعية الثابتة.
هذه هي جملة الأسباب التي أدت إلى اختلاف الصحابة y في الأمور الفقهية.
أما الأسباب التي أدت إلى الاختلافات السياسية بين الصحابة y فيمكن ردها إلى سببين:
سبب قريب: وهو محاولة معرفتهم من هو أحق بالخلافة.
وكانت بداية هذا الاختلاف عقب وفاة الرسول , فقد ظن الأنصار أنهم أولى بهذا الأمر من غيرهم, فقالوا نحن الذين آوينا ونصرنا وبنا اعز الله دينه فلا يكون هذا الأمر إلا فينا, وقال المهاجرون نحن السابقون الأولون أسلمنا ونحن قلة وتركنا المال والولد في سبيل نصرة الإسلام فنحن أحق به من غيرنا, ثم اختلف المهاجرون على أنفسهم فقال أغلبهم سوى بني هاشم إن الخلافة في قريش دون أن يخصوا بيتاً دون آخر ( لأنها قبيلة النبي e ولأنها أفضل القبائل ومن السهل أن يخضع لها جميع العرب إذ لو انتخب الخليفة من قبيلة أخرى لقامت القبائل ينافس بعضها بعضاً)().
بينما ذهب بنو هاشم إلى أن الخلافة لا تكون إلا فيهم لقرابتهم من رسول الله r .
السبب الثاني وهو السبب البعيد, وهو:
صحوة العصبية العربية, فقد جاء الإسلام والعرب تطحنهم حروب دامية تغذيها عصبية عمياء, فأباد الله هذه الحروب بأن أطفأ داعي العصبية وجعلها من عبية() الجاهلية ودعاهم إلى التمسك بشيء جديد لا يمت إليها بصلة على أساسه يكون التفاضل والتفاخر وهو تقوى الله سبحانه وتعالى, قال تعالى: } يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ {() فجعل تقوى الله تقوم مقام الاعتزاز بالآباء والأجداد والنسب العلي.
بل إن الرسول e اخرج من يدعو إلى عصبية عن حظيرة الإيمان , فعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r : ( من قاتل تحت راية عمية يدعو إلى عصبية أو يغضب لعصبية فقتلته جاهلية)().
فاختفت هذه العصبية طوال عهد رسول الله r وأبي بكر وعمر وشطراً من خلافة عثمان, فلما قُتل t نشطت هذه العصبية من جديد ودبت الحياة فيها().
ويبدو أن سبب حياة هذه العصبية بعد رقادها هو أن الجيل الجديد الذي نشأ بعد الصحابةy كانت لديهم أطماع سياسية كبيرة, ولم يكن من السهل أن يرضخوا لسلطان خليفة ما, فكان كثير منهم يرى أنه جدير بالخلافة, وأن ليس فيه من الغضاضة ما يجعله يخرج من الساحة معلناً ولاءه لمن يختاره المسلمون, وكان لكل واحد من هؤلاء أتباع كثيرون يدفعونه إلى ذلك فكان أن اجتمعت في نفوسهم الرغبة وتأييد الناس, مما أدى إلى ظهور العصبية من جديد.
وهناك سبب آخر يمكن إضافته وهو محاولتهم معرفة طبيعة الحكم وشروط الخلافة بعد رسول الله r .
Back to top Go down
سلمى العربيه
عربي مميز
عربي مميز


عدد المساهمات: 250
تاريخ التسجيل: 2010-01-18

PostSubject: Re: الصحابه رضوان الله عليهم   Tue Jan 19, 2010 7:36 am

وقف علماء الأمة من اختلاف الصحابة y
يختلف موقف العلماء إزاء اختلافات الصحابة y بتنوع هذه الاختلافات تبعاً للفائدة المتوخاة من تلك الاختلافات.

أولاً: موقفهم من الاختلافات الفقهية:-
أجمع المسلمون على أن قول الصحابي في المسائل التي لا مجال فيها للاجتهاد حجة لأنه محمول على السماع من النبي e وكذلك اتفقوا على الأخذ بقول الصحابي إذا شاع ولم يعرف له مخالف. لأنه من باب الإجماع السكوتي(). وليس هذا محل كلامنا, إنما نحن بصدد التعرف إلى موقف العلماء من اختلافات الصحابة y فيما بينهم في المسائل الفقهية.
فقد ذهب الإمام مالك وأحمد في أحد قوليه والشافعي في قوله القديم وأكثر الحنفية إلى اعتبار قول الصحابي حجة مقدمة على القياس.
بينما ذهبت الظاهرية والإمامية وأكثر الزيدية وأحمد في أحد قوليه والشافعي في الجديد من أقواله إلى عدم اعتبار مذهب الصحابي حجة().
وما نسب إلى الإمام الشافعي والإمام أحمد من عدم اعتبار قول الصحابي حجة لا يثبت أمام النقد كما ذكر الدكتور هاشم جميل إذ قال: ( لكني رأيت في كتاب الأم للشافعي وهو الحاوي على مذهبه الجديد أن الشافعي يحتج بمذهب الصحابي الذي لا يعرف له مخالف, وعند اختلاف أقوالهم يأخذ منها )
ثم يعمم المسألة على الأئمة الأربعة فيقول: ( فان الذي يبدو لي أن الغالب على الأئمة الأربعة هو عدم الخروج على أقوال الصحابة y, فهم لا يخرجون عنها إلا نادراً)().
أما ابن حزم فمع أنه(يعد الأخذ بقول الصحابي من غير حجة من السنة النبوية تقليداً غير جائز في دين الله تعالى... نجده كثير الذكر لأقوال الصحابة y بل إن كتبه الفقهية سواء كانت في الفروع أم كانت في الأصول تزخر بأقوال الصحابةy, وإذا قلنا إنها تشتمل على اكبر مجموعة تحوي أقوال الصحابة رضوان الله تبارك وتعالى عنهم لم نكن مبالغين)().
اذن فجمهور العلماء يرون أن أقوال الصحابة y سنة متبعة, وأن أقوالهم ليست كأقوال سواهم لقربهم من عهد التنزيل وتورعهم من التقول بالباطل في دين الله تعالى.


ثانياً: موقفهم من الاختلافات السياسية:
ولعلمائنا موقف نبيل تجاه الاختلافات السياسية التي وقعت بين الصحابة y والتي أدت إلى سفك دماء بعضهم بعضاً, فقد صرح كثير من أئمة العلم بأن المسلم الحق يتحتم عليه أن يكف يده ولسانه وخواطر قلبه عما وقع بينهم من الاختلافات.
قال ابن حجر الهيتمي: (صرح أئمتنا وغيرهم في الأصول بأنه يجب الإمساك عما جرى بين الصحابة)().
وليس معنى هذا أن نغفل كل اختلاف وقع بين الصحابة y, بل المقصود أن لا نتخذ تلك الخلافات سلماً يرتقي عليه من يريد أن يطعن في الصحابة y(). وقد ذكر عن الشافعي أنه قال: (أخذت أحكام البغاة والخوارج من مقاتلة على لأهل الجمل وصفين وللخوارج)().
فمن يذكر شيئاً مما وقع بينهم ليستخرج حكماً شرعياً ليس كمن يذكره ليستدل به على عيب من وقع له ذلك وصولاً إلى إسقاط ولايته وإغواء العوام على سبهم وثلبهم متوسلين إلى ذلك بما وجدوه من روايات مكذوبة أو مبالغ فيها.
فليس من مصلحتنا أن نبحث عن الهفوات والعورات في تأريخنا فنكون كالتي نكثت غزلها بعد أن أحكمته. بل إن مصلحتنا تقضي( أن نحاول استقصاء الحكم والعبر لا أن ننصب أنفسنا قضاة وسلاطين ونجرح هذا ونقدح هذا ولسنا خيراً منهم ولا مثلهم كما لسنا مسئولين عما كانوا يفعلون)().
قال الله تعالى: } تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ {() فالله حسبهم ومولاهم وهو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين.




الآثار الناجمة عن اختلاف الصحابة y :
لقد كان للاختلافات التي وقعت بين الصحابة y نتائج وآثار لمستها الأجيال اللاحقة ويمكن القول: إن الآثار الناجمة من الاختلافات الفقهية كانت آثاراً ايجابية جلبت الخير للمسلمين, وأما الآثار التي نجمت عن الخلافات السياسية فهي وإن لم تخل من جوانب ايجابية إلا أنها شكلت نواة وأساساً لانقسامات شهدتها الأمة الإسلامية ولا زالت. ويمكن إجمال هذه النتائج بما يلي:
أولاً: تمخض عنها شرح قانوني لنصوص الأحكام من الكتاب والسنة, فبحكم صحبتهم لرسول الله r ومعاصرتهم لعهد التنزيل وتمكنهم البارع في اللغة , استطاع الصحابة y أن يقدموا للأجيال اللاحقة نموذجاً لنصوص الكتاب والسنة وفي كيفية تطبيقها على مفردات حياتهم المستجدة, فكانت تفسيراتهم تلك تعد (أوثق مرجع لتفسيرها وبيان إجمالها ووجوه تطبيقها)().
ثانياً: نتج عنها ثروة فقهية كبيرة يستطيع الفقهاء من خلالها أن يتحركوا ضمن دائرة أوسع , لكي يواكبوا حركة الحياة, فيختار الفقيه منها ما يلائم مستجدات الحياة. وتتميز فتاوى الصحابة y هذه – لاسيما التي صدرت أبان الخلافة الراشدة- بكونها تستند إلى قاعدة جماهيرية كبيرة من الصحابة y.لأنهم كثيراً ما كانوا يجتمعون لتقرير حكم شرعي في مسألة ما. مما يعطي هذا الحكم الصادر قوة كبيرة, لأنه يمثل إجماع غالبية الصحابة .
وقد كان كثير من المحدثين ينظرون إلى آراء الصحابة y وفتاواهم على أنها جزء من السنة النبوية, فكانوا لا يتحرجون من (أن يدونوا فتاوى الصحابة y في مختلف أبواب الأحكام مع السنة)().
ثالثاً: والنتيجة الثالثة الناجمة عن اختلاف الصحابة y هي (انقسام الأمة انقساماً بدأ سياسياً بشأن الخلافة والخليفة, وانقلب دينياً ذا أثر خطير في التشريع, وذلك أنه بعد أن قتل عثمان بن عفان t وبويع بالخلافة لعلي بن أبي طالب t ونازعه() عليها معاوية بن أبي سفيان واشتعلت الحرب بين الفريقين وانتهت إلى تحكيم الحكمين الذي نتج عنه انقسام المسلمين إلى أحزاب ثلاثة, الخوارج والشيعة وأهل السنة والجماعة , وهم جمهور الأمة)().
وقد استفاد الفقهاء من هذه الخلافات والانقسامات فوائد عدة, ويأتي في طليعتها استنباط أحكام البغاة وقتال المرتدين والمخالفين وما إلى ذلك من أحكام.




الباب الثاني
مكانة الصحابة عند المسلمين

الفصل الأول

مكانة الصحابة عنـــد
الشيعة الإمامية



تعريف عام بالشيعة
الشيعة لغة : الأتباع والأنصار(), واصطلاحاً: هم الذين شايعوا عليا ًt على الخصوص وقالوا بإمامته وخلافته, نصاً ووصيةً أما جلياً أو خفياً واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من ولده وإن خرجت فبظلم يكون من غيره, أو تقيةً من عنده().
وقد نشأ ما يمكن أن يسمى بالبذور الأولى للشيعة بعد وفاة رسول الله r حيث رأى بعض الصحابةy أن علياً أولى بالخلافة من غيره بسبب قرابته من رسول الله r , ومن هؤلاء جابر بن عبدالله الأنصاري وحذيفة بن اليمان وسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري رضي الله عنهم.
غير إن هذه الفكرة كانت بسيطة للغاية (وتتلخص في انه لا نص على الخليفة, فترك الأمر لإعمال الرأي, فالأنصار كان رأيهم أنهم أولى بها, والمهاجرون كذلك وأصحاب علي() إلى أن الخلافة ميراث, ولم يرد من طريق صحيح أن علياً ذكر نصاً من آية أو حديث يفيد أن رسول الله r عينه للخلافة)().
ولم يستمر التشيع على هذا المنوال, فقد تطور إلى ما هو عليه الآن من القول بتعيين الإمام والقول بالرجعة وعصمة الأئمة والقول بالولاء لهم والبراءة من غيرهم وغير ذلك مما هم عليه اليوم.
ويمكن إرجاع هذا التطور المفاجئ في ظاهرة التشيع إلى سببين رئيسين:
أولهما: تعاطف الناس مع أهل البيت بسبب قرابتهم من رسول الله r وبسبب ما لحقهم من جراء مطالبتهم بالخلافة.
وثانيهما: تظاهر كثير من الساخطين على الإسلام بالدخول فيه بعدما زالت دولهم رغبة في التشكيك فيه والكيد لأهله. يقول المقريزي: (كان الفرس في سعة من الملك وعلو اليد, وكانوا يعدون العرب أقل الأمم خطراً فلما زالت دولة الفرس على يد العرب تعاظم لديهم الأمر وتضاعفت المصيبة وراموا الكيد للإسلام, فرأوا أن الكيد له بالحيلة أنجع فأظهر قوم منهم الإسلام واستمالوا أهل التشيع بإظهار محبة أهل البيت واستبشاع ظلم علي ثم سلكوا بهم مسالك شتى حتى أخرجوهم عن طريق الهدى().
ويرى بعض الباحثين أن لليهود نصيباً وافراً في نشر المبادئ الغالية في صفوف المسلمين وخاصة أهل التشيع, فادعوا أن عبدالله بن سبأ كان من اليهود ثم أسلم وأصبح من دعاة التشيع وأنه أشاع القول في زمانه : (إن الإمامة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة, ويتعين القائم بتعيينها, بل هي ركن الدين وقاعدة الإسلام, ولا يجوز لنبي إغفالها ولا تفويضها إلى الأمة بل يجب عليه تعيين الإمام لهم. ويكون معصوماً من الكبائر والصغائر, وأن علياً t هو الذي عينه صلوات الله وسلامه عليه)().
غير إن كثيراً من علماء الإمامية ســيما المعاصرين منهم يرون أن هذا محض ادعاء لا تؤيده البراهين. فقد ذهب مرتضى العسكري إلى أن ابن سبأ ما هو إلا أسطورة ابتدعها سيف بن عمر(). وأنه لم يكن له وجود في الحقيقة وإنما اختلق من أجل تشويه أصالة المذهب الإمامي().
ويمكن القول أن مما أدى إلى تطور التشيع كذلك هو أن الذين دخلوا في الإسلام من أصحاب الديانات السابقة حتى وإن كانوا مخلصين في إسلامهم لم يستطيعوا أن يتجردوا من معتقداتهم القديمة تماما, فنقلوا كثيراً من المفاهيم التي كانت سائدة لديهم إلى الإسلام, وبمرور الزمن اكتسبت تلك المفاهيم قداسة في نظر معتنقيها وأصبحت في نظرهم جزءاً لا يتجزأ من الإسلام , مثل نظرية الحق الآلهي التي كانت سائدة عند الفرس.
قال الأستاذ أحمد أمين: (ومما كان يتصل بعقائد الفرس وكان له أثر في بعض المسلمين, أنهم كانوا ينظرون إلى ملوكهم كأنهم كائنات آلهية, اصطفاهم الله للحكم بين الناس وخصهم بالسيادة وأيدهم بروح من عنده لفهم ظل الله في أرضه أقامهم على مصالح عباده وليس للناس قبلهم حقوق, وللملوك على الناس السمع والطاعة)().
وقال بروكلمان(): ( إن التشيع الذي بدأ أول ما بدأ حزباً سلالياً خالصاً انضوى تحت لوائه أكثر الذين دخلوا الإسلام بقصد المناضلة ضد السيادة العربية وكان في كثير من الأحيان يستخدمه الانتهازيون الذين لا ذمة فيهم ولا ذمام لتحقيق أهدافهم الأنانية الصرفة المناهضة للحومة)().

أهم فرق الشيعة
اختلف العلماء في تصنيف فرق الشيعة إلى مذاهب شتى, فقد ذكر الشهرستاني()أن الشيعة خمس فرق: الكيسانية والزيدية والإمامية والغلاة والإسماعيلية وتحت كل فرقة فرق عديدة يصل مجموعها زهاء الثمانين فرقة.
في حين عدهم أبو الحسن الأشعري() ثلاثة أصناف وهم : الغالية والرافضة والزيدية, بينما صنفهم محمود شكري الآلوسي() في مختصر التحفة إلى أربعة فرق وهم: الشيعة الأولى أو الشيعة المخلصون والشيعة التفضيلية والشيعة السبئية والشيعة الغلاة.
ويبدو لي أن هذه التقسيمات فيها كثير من المطاطية وعدم الانضباط لأنها لم تعتمد على أسس ثابتة, حيث أصبح أسم الشيعة فضفاضاً يدخل فيه الأتقياء من الصحابةy والتابعين فيسمون شيعة, ويدخل فيه المارقون عن الإسلام ويسمون شيعة أيضاً , وفي هذا حيف كبير للحقيقة وطلابها. لذا أرى أن يخرج من صفوف الشيعة الصحابةy الذين رأوا أن علياً أحق بالخلافة من غيره, لأنهم حينما رأوا رأيهم هذا لم يخطر بالهم شي مما أصبح فيا بعد من ضرورات التشيع.
وبهذا يمكن تقسيم الشيعة إلى ثلاث فرق رئيسة:-
الفرقة الأولى: الشيعة التفضيلية: وهم الذين يفضلون علياً tعلى سائر إخوانه من الصحابة الكرام y من دون أن ينتقصوا أحداً منهم كالزيدية ومن سار سيرتهم.
الفرقة الثانية: الشيعة التبرئية, وهم الذين يتولون علياً وبنيه من غير تأليه لهم ويتبرءون ممن سواهم وتمثلهم الإمامية الاثنا عشرية ومن وافقها.
الفرقة الثالثة: الشيعة الغلاة, وهم الذين ارتفعوا بالأئمة إلى مرتبة الألوهية وهم الاسماعيليون ومن سار على منوالهم من فرق الباطنية.
وتجتمع فرق الشيعة على نقاط معينة لا يحولون عنها يمكن إجمالها فيما يلي():
أولاً : القول بوجوب التعيين والتنصيص في الإمامة.
ثانياً: القول بعصمة الأنبياء والأئمة وجوباً عن الصغائر والكبائر ويخالفهم في هذا الزيدية.
ثالثاً: القول بالتولي والتبري قولاً وفعلاً وعقداً إلا في حال التقية وتخالفهم الزيدية في هذه الفقرة أيضاً.
وهذه النقاط التي ذكرناها تمثل الأصول المذهبية لدى الشيعة, فكل من لا يقول بإحدى هذه العقائد خارج من دائرة التشيع.
وعلى هذا الأساس سنتحدث عن مكانة الصحابة y لدى ثلاث من فرق الشيعة المعاصرة في ثلاثة فصل تمثل كل فرقة منها اتجاهاً معيناً.

مكانة الصحابة y عند الشيعة الإمامية
لابد لنا قبل أن نعرف نظرة الشيعة الإمامية إلى الصحابة y أن نلم إلمامة بسيطة بمصطلح "الشيعة الإمامية" .
يقول الشهرستاني في تعريف الشيعة الإمامية : (هم القائلون بإمامة علي t بعد النبي e نصًا ظاهراً وتعييناً صادقاً من غير تعريض بالوصف, بل أشار إليه بالعين )() وعلى هذا فكل من لم ير التعيين قد ثبت بالنص فهو ليس إمامياً.
وقد قسم أبو المظفر الاسفراييني() الشيعة الإمامية إلى خمس عشرة فرقة وهم:
الكاملية(), المحمدية() , الباقرية(), الناووسية(), الشمطية(), العمارية(), الاسماعيلية(), الموسوية(), المباركية(), القطعية(), الهشامية() أو الحكمية, الهشامية() (أو الجواليقية), الزرارية(), اليونسية(), الشيطانية().
بيد أن هذا المصطلح قد اقتصر بمرور الزمن على فرقتين بارزتين من تلك الفرق وهما الإمامية القطعية "الاثنا عشرية" والإمامية الإسماعيلية().
ثم أخذت الإسماعيلية تستقل شيئاً فشيئاً في عقائدها وتصوراتها فلم تعد شعبة من شعبتي الإمامية , وأصبحت الساحة خالية للشيعة الأثني عشرية وأصبح أسم الإمامية علماً عليها كما يقوله المرحوم محمود شكري الآلوسي في تعريفه للشيعة الاثني عشرية: (وهذه هي المتبادرة عند الاطلاق في لفظ الإمامية وهم القائلون بإمامة علي الرضا بعد أبيه موسى الكاظم, ثم بإمامة ابنه محمد التقي المعروف بالجواد ثم بإمامة ابنه على التقي المعروف بالهادي , ثم بإمامة ابنه الحسن العسكري ثم بإمامة محمد المهدي معتقدين المهدي المنتظر)().
لذا فإننا عندما نتحدث عن مكانة الصحابةy لدى الشيعة الإمامية فإننا نعني بهم الشيعة الاثني عشرية لأنهم يمثلون الأغلبية الساحقة من الشيعة الموجودين في العالم الإسلامي اليوم.
وسنحاول أن نكون موضوعيين قدر الاستطاعة في إبراز موقفهم إزاء الصحابةy غير متحاملين ولا مجاملين ودون أن نعطي الأمور أبعاداً أكبر من حقيقتها, وفي سبيل الوصول إلى الغاية النبيلة اجتهدت إلا أنقل أي نص يصور نظرتهم للصحابة إلا من خلال كتبهم المعتمدة لديهم مهما كانت ثقتي عالية في أمانة من يحاول أن يظهر لنا حقيقة اعتقادهم في الصحابة y, ذلك لأن علماءهم أدرى بحقيقة ما اشتمل عليه مذهبهم بهذا الخصوص ولأن شهادتهم على أنفسهم أبلغ من شهادة غيرهم عليهم.
وسيكون بحثنا دائراً حول محورين, أولهما إبراز حقيقة نظرتهم إلى الصحابةy. وثانيهما: إبراز مغالاتهم في علي وبنيه رضي الله عنهم لأنه حيثما كان إفراط في مسألة ما قابله تفريط في نفس الحدة والمستوى.

أولاً: نظرتهم إلى الصحابة y :
لقد ورد في كتابات بعض الإمامية عبارات فيها قدح كبير لصحابة رسول الله r وهذه الكتابات لا تمثل السواد الأعظم من الإمامية فهم إن لم يتولوا جميع الصحابة y فقد توقفوا في أمرهم وأوكلوهم إلى الله. لذا يجب التذكير إننا عندما نذكر تلك التهم التي كالها بعض المتطرفين من الإمامية لا نريد من ورائها التشنيع والحكم على المذهب الإمامي من خلال تلك الكتابات التي لا تمثل الخط العام الذي يسار عليه, وانما نذكرها من باب الحقيقة التاريخية ومن أجل أن ينقى المذهب الإمامي ليعود إلى صفائه لكي لا يحسب أصحاب الأهواء والضلال عليهم.
ويمكن إبراز التهم التي ذكرها المتطرفون كما يلي:
اتهامهم بالارتداد عن دين الله.
لم يتورع هؤلاء المتطرفون عن توجيه تهمة الارتداد عن دين الله إلى الرعيل الأول من المسلمين من أجل أن يقطعوا صلة الأمة بنبيها r ولكي تبقى الأمة الإسلامية معلقة بلا جذور تشدها وتربط جأشها. ومن أجل أن يعمقوا الهوة بين الإمامية وبقية أخوانهم من المسلمين, سجلوا تلك التهم في كتب المسلمين ونسبوها إلى أفذاذ الأمة من علي وبنيه رضي الله عنهم.
فقد ادعوا أن سليم بن قيس الهلالي وهو من أصحاب علي رضي الله عنه قد ألف كتاباً بخصوص ما دار بين علي وبقية الصحابة y ونسوا أنه لم يكن ثمة تأليف في ذلك الزمان, أو على الأقل لم يصل إلى الأمة شيء من كتابات ذلك العصر, ومن أجل أن لا يشك أحد في مضمون هذا الكتاب المزيف نسبوا إلى الإمام جعفر الصادق أنه قال فيه: (من لم يكن معه من شيعتنا ومحبينا كتاب سليم بن قيس الهلالي فليس عنده من أمرنا شيء ولا يعلم من أسبابنا شيئاً وهو أبجد الشيعة وهو سر من أسرار آل محمد r)().
وأنا أجزم أن الإمام جعفراً الصادق لم يطلع على هذا الكتاب ولو أطلع عليه لأحرقه بالنار, لأنه يصور صحابة رسول الله r ورضي الله عنهم وكأنهم وحوش في غاب يتقاتلون على الخلافة ويقذف بعضهم بعضاً بعبارات لا تخرج من أفواه العامة من الناس فكيف بتلامذة رسول الله r وهم الذين علموا الدنيا مكارم الأخلاق.
ذكر هؤلاء المدسوسون في هذا الكتاب: (أن الصحابة قد ارتدوا بعد رسول الله r غير أربعة(), وأن الناس صاروا بعد رسول الله r بمنزلة هارون ومن تبعه ومنزلة العجل ومن تبعه, فعلي في شبه هارون , وعتيق في شبه العجل وعمر في شبه السامري)() ثم عمدوا إلى آيات من القرآن نزلت في مشركي قريش وكفارها فادعوا أنها نزلت في كبار الصحابةy.
ففسروا قوله تعالى: } وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأََمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ { ()على النحو التالي:
(وقوله : (حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم) يعني أمير المؤمنين عليا. (وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان) الأول والثاني والثالث)() يعني أبا بكر وعمر وعثمان.
أما قوله تعالى: }إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً{() وقوله تعالى: }إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ { () قالوا في تفسيرها أن أبا عبدالله جعفراً قال- وهم كاذبون في ادعائهم هذا- نزلت في فلان وفلان وفلان ( يعني أبا بكر وعمر وعثمان) آمنوا بالنبي e في أول الأمر وفروا حين عرضت عليهم الولاية, حين قال رسول الله r : من كنت مولاه فهذا علي مولاه, ثم آمنوا بالبيعة لأمير المؤمنين عليه السلام ثم كفروا حين مضى رسول الله r فلم يقروا له بالبيعة ثم ازدادوا كفراً بأخذهم من بايعه بالبيعة لهم فهؤلاء لم يبق لهم من الإيمان شي)().
ولم يكتف المبطلون بهذا القدر من التهم بل ادعوا أن الصحابة y كان يكفر بعضهم بعضاً. فقد ورد في رجال الكشي: ( أن محمد بن أبي زكريا بايع عليا عليه السلام على البراءة من أبيه)().
وأنه قال لعلي رضي الله عنه: (أشهد أنك إمام مفترض وأن أبي في النار)().
ويقول في موضع آخر من كتابه آنف الذكر في حق أبي بكر وعمر رضي الله عنهما: (ما أهريق في الإسلام محجة من دم ولا اكتسب مال من غير حله ولا نح فرج حرام إلا ذلك في أعناقهما إلى يوم يقوم قائمنا ونحن معاشر بني هاشم نأمر صغارنا بسبهما والبراءة منهما)().
وقد رفض علماء الإمامية هذه التهمة الشنيعة فقال الشيخ عبدالحسين شرف الدين الموسويSad نعوذ بالله من تكفير المؤمنين, والله المستعان على كل معتدٍ أثيم, كيف يجوز على الشيعة أن تكفر أهل الشهادتين والصلاة والصوم والزكاة والحج والإيمان باليوم الآخر)().

2- اتهامهم بتحريق القرآن .
يدين عامة المسلمين بأن القرآن الكريم كتاب الله الأخير أنزله لهداية الناس – وإخراجهم من الظلمات إلى النور وأن هذا الكتاب لن يتغير ولن يتبدل مهما امتد به الأمد واشتدت الظروف وما ذلك إلا لأن الله تكفل بحفظه, قال تعالى: } إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ{() و قال تعالى: } إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَه = 17 فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ = 18 ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ{() و قال تعالى: } لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ{() فعدم الإيمان بحفظ القرآن وصيانته يجر إلى إنكار القرآن جملة وتفصيلاً لأن ما تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال. ولقد جرى عامة المسلمين على هذا الاعتقاد لأن الحياد عنه حياد عن الإسلام وقد فهم الذين يريدون الكيد لهذا الدين هذه الحقيقة جيداً فصور لهم الشيطان أنه لابد من تشكيك المسلمين بقرآنهم ودس ذلك في كتبهم واستطاعوا بالفعل أن يوصلوا بعض سمومهم إلى بعض كتب الإمامية موهمين الناس أن ذلك هو جوهر مذهب الإمامية من الشيعة وأنه عين ما كان عليه سلف الأمة من أهل البيت. وفي الحقيقة فان هذه السموم لاوجود لها في صفوف الأمة قديماً وحديثاً والحمد لله على ذلك.
وسنذكر شيئاً من هذه النصوص لا على أساس أنها تمثل عقيدة الإمامية بل هي سموم وردت إليهم ممن باعوا أنفسهم للشيطان وجنده. يقول الكليني: (عن هشام بن سالم عن أبي عبدالله() أنه قال: إن القرآن الذي جاء به جبرائيل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم سبعة عشر ألف آية)().
ومعنى هذا القول أن القرآن الكريم قد فقد ثلثاه ويدل على ذلك رواية الكافي أيضاً إذ يقول: (عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبدالله عليه السلام فقلت جعلت فداك إني أسالك عن مسألة, أههنا أحد يسمع كلامي؟ قال فرفع أبو عبدالله ستراً بينه وبين بيت آخر فاطلع فيه ثم قال: سل عما بدا لك, قال: قلت ان شيعتك يتحدثون أن رسول الله r علم عليا بابا يفتح منه الف باب؟ قال فقال: علم رسول الله r علياً ألف باب يفتح كل باب ألف باب, قال: قلت هذا والله العلم قال فنكت ساعة في الأرض ثم قال: انه لعلم وما هو بذاك, قال يا أبا محمد وان عندنا الجامعة, وما يدريهم ما الجامعة؟ قال: قلت جعلت فداك وما الجامعة؟ قال صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله r وإملائه من فلق فيه وخط علي بيمينه فيها كل حلال وحرام وكل شيء يحتاج إليه الناس حتى الارش في الخدش وضرب بيده الي, فقال لي: تأذن يا أبا محمد؟ قال: قلت جعلت فداك إنما إنا لك فاصنع ما شئت, قال: فغمزني بيده وقال: حتى أرش هذا, كأنه مغضب, قال قلت هذا والله العلم, قال: انه لعلم وليس بذاك, ثم سكت ساعة ثم قال: وان عندنا الجفر؟ وما يدريهم ما الجفر؟ قال: قلت ما الجفر؟ قال دعاء من ادم فيه علم النبيين والوصيين وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل, قال قلت إن هذا هو العلم قال انه لعلم وليس بذاك, ثم سكت ساعة ثم قال: وان عندنا لمصحف فاطمة عليها السلام وما يدريهم ما مصحف فاطمة؟ قال: قلت وما مصحف فاطمة؟ قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات والله ما فيه حرف واحد من قرآنكم)().
وقال محمد بن الحسن الصفار: ( حدثنا علي بن محمد عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داود عن يحيى بن اديم عن شريك عن جابر قال: قال أبو جعفر دعا رسول الله r أصحابه بمنى فقال: يا أيها الناس إني تارك فيكم حرمات كتاب الله وعترتي والكعبة البيت الحرام ثم قال أبو جعفر: أما كتاب الله فحرفوا وأما الكعبة فهدموا وأما العترة فقتلوا)().
ثم يأتي الطبرسي فينقل ما يسهم في تعميق الهوة بين المسلمين فيقول: (وفي رواية أبي ذر أنه لما توفي رسول الله r جمع عليّ القرآن وجاء به إلى المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم لما قد أمره بذلك رسول الله r فلما فتحه أبو بكر خرج من أول صفحة فتحها فضائح القوم فوثب عمر وقال يا علي اردده فلا حاجة لنا فيه فأخذه علي عليه السلام وانصرف ثم احضر زيد بن ثابت وكان قارئاً للقران فقال له عمر: إن علياً جاءنا بالقران وفيه فضائح المهاجرين والأنصار وقد رأينا أن نؤلف القرآن ونسقط منه ما كان فيه من فضيحة وهتك المهاجرين والأنصار فأجابه زيد إلى ذلك ثم قال فإن إنا فرغت من القرآن على ما سألتم وأظهر علي القرآن الذي ألفه أليس قد بطل كل مل عملتم؟ قال عمر: فما الحيلة ؟ قال زيد: أنت أعلم بالحيلة, فقال عمر: ما حيلة دون أن نقتله ونستريح منه فدبر في قتله على يد خالد بن الوليد فلم يقدر على ذلك- فلما استخلف عمر سألوا علياً عليه السلام أن يرفع إليهم القرآن فيحرفوه فيما بينهم, فقال عمر: يا أبا الحسن إن جئت بالقران الذي كنت جئت به إلى أبي بكر حتى نجتمع عليه, فقال: هيهات ليس إلى ذلك سبيل, إنما جئت به إلى أبي بكر لتقوم الحجة عليكم ولا تقولوا يوم القيامة (إنا كنا عن هذا غافلين) أو تقولوا ما جئتنا به إن القرآن الذي عندي لا يمسه إلا المطهرون والأوصياء من ولدي, فقال عمر: فهل وقت لإظهاره معلوم؟ فقال عليه السلام: نعم إذا قام القائم من ولدي يظهره ويحمل الناس عليه)().
ثم جاء النوري الطبرسي ليجمع كل جهود أولئك المبطلين في كتاب مستقل من أجل تحريف المذهب الشيعي فألف كتابه " فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب" واستقصى فيه البحث عن الروايات والنصوص الدالة على وقوع التحريف. فقال ناقلاً عن نعمة الله الجزائري: (إن الأخبار الدالة على ذلك- أي تحريف القرآن- تزيد على ألفي حديث وادعى استفاضتها جماعة كالمفيد والمحقق الدماد والمجلسي وغيرهم)().
وأخيراً جاء من يسمي نفسه الموجه الأعلى للثورة الإسلامية في إيران الخميني فردد نفس كلمات أولئك المتطرفين فقال: (إن تهمة التحريف التي يوجهها المسلمون إلى اليهود والنصارى إنما تثبت على الصحابة)().
وقال في موضع آخر: ( لقد كان سهلاً عليهم- أي الصحابة y- أن يخرجوا هذه الآيات من القرآن ويتناولوا الكتاب السماوي بتحريفه ويسدلوا الستار على القرآن ويغيبوه عن أعين العالمين)().
ولابد من الإشارة بعد ذكر تلك النصوص الدالة على وقوع التحريف إلى أن كثيراً من علماء الإمامية تصدوا لأولئك المغرضين فبينوا عقيدة الإمامية الحقة في القرآن الكريم, منهم على سبيل المثال لا الحصر الشيخ محمد رضا المظفر الذي ألف كتابه "عقائد الإمامية" بين فيه عقائدهم في القرآن وصحابة رسول الله r وكذلك فعل الشيخ عبدالحسين شرف الدين الموسوي في كتابه "الفصول المهمة في تأليف الأمة" وكتابه " أجوبة مسائل جار الله" فقال فيمن نسب التحريف إلى الشيعة: (نعوذ بالله من هذا القول ونبرأ إلى تعالى من هذا الجهل وكل من نسب هذا الرأي إلينا جاهل بمذهبنا أو مفترٍ علينا فان القرآن العظيم والذكر الحكيم متواتر من طرقنا بجميع آياته وكلماته وسائر حروفه وحركاته وسكناته تواتراً قطعياً عن أئمة الهدى من أهل البيت عليهم السلام لا يرتاب في ذلك إلا معتوه)().

أمثلة من التحريف المُدّعى
ما رواه أحمد بن علي الطبرسي في "الاحتجاج" أن رجلاً من الزنادقة سأل عن علي بن أبي طالب أسئلة فقال في جوابه مفسراً بعض الآيات: إنهم أثبتوا في الكتاب ما لم يقله الله ليلبسوا على الخليفة وأزادوا فيه ما ظهر تناكره وتنافره, ثم قال: وأما ظهورك على تناكر قوله(فان خفتم إلا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ...) فهو مما قدمت ذكره من إسقاط المنافقين من القرآن, وبين القول في اليتامى وبين نكاح النساء من الخطاب والقصص أكثر من ثلث القرآن)().
ذكر الكليني في الكافي:0عن أبي بصير عن أبي عبدالله عليه السلام في قول الله عز وجل(ومن يطع الله ورسوله في ولاية علي والأئمة من بعده فقد فاز فوزاً عظيماً) هكذا نزلت)().
ويذكر علي بن إبراهيم القمي في مقدمة تفسيره: (أنه طرأ على القرآن تغيير وتحريف ويقول:وأما ما كان خلاف ما أنزل الله فهو قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) فقال أبو عبدالله عليه السلام لقارئ الآية: خير أمة تقتلون أمير المؤمنين والحسين بن علي؟ فقيل له: فكيف نزلت يابن بنت رسول الله r ؟ فقال: نزلت كنتم خير أئمة خرجت للناس)().
أما النوري الطبرسي فقد عقد باباً كاملاً ضمن كتابه الموسوم" فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب" جمع فيه كل شاردة وواردة يستشهد بها على وقوع التحريف والتبديل. فقد جمع في هذا الباب- وهو الباب الحادي عشر الفاً واثنين ستين حديثاً كلها تشهد بوقوع التحريف وسنذكر بعضاً منها على سبيل الاستشهاد:-
ذكر الطبرسي: (عن علي بن إبراهيم في تفسيره قال: قال العالم لما نزل آل إبراهيم وآل عمران وآل محمد على العالمين فأسقطوا آل محمد من الكتاب)().
وأخرج الطبرسي ( عن جابر قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام يا جابر لو يعلم الجهال متى سمي أمير المؤمنين علي عليه السلام لم ينكروا حقه, قال: قلت جعلت فداك متى سمي فقال لي: قوله تعالى: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم واشهد على أنفسهم ألست بربكم وأن محمدا رسولي وأن عليا أمير المؤمنين قال ثم قال لي : يا جابر هكذا والله جاء بها محمد صلى الله عليه وآله)().
وفوق هذا يدعي المتطرفون أن هناك سوراً بكاملها تواطأ على حذفها صحابة رسول الله r مثل سورة الولاية أو سورة النورين, وقد أثبتهما الطبرسي في كتابه سالف الذكر وكذلك أثبتهما محسن فاني الكشميري في كتابه (دبستان مذاهب) واليك نص هذه السورة المزعومة من كتاب فصل الخطاب.
(بسم الله الرحمن الرحيم. يآيها الذين آمنوا آمنوا بالنورين الذين أنزلناهما يتلوان عليكم آياتي ويحذرانكم عذاب يوم الدين. نوران بعضهما من بعض وأنا السميع العليم. إن الذين يوفون بعهد الله ورسوله في آيات الله لهم جنات النعيم.والذين كفروا من بعد ما آمنوا بنقضهم ميثاقهم وما عاهدهم الرسول عليه يقذفون في الجحيم. ظلموا أنفسهم وعصوا الوصي الرسول أولئك يسقون من حميم. إن الله الذي نور السموات والأرض بما شاء واصطفى من الملائكة وجعل من المؤمنين أولئك في خلقه يفعل الله ما يشاء لا اله إلا هو الرحمن الرحيم. قد مكر الذين من قبلهم برسلهم فأخذناهم بمكرهم إن اخذي اليم شديد.إن الله أهلك عادا وثمود بما كسبوا وجعلهم لكم تذكرة أفلا تتقون وفرعون بما طغى على موسى وأخيه هارون وأغرقناه ومن تبعه أجمعين ليكون لكم آية وأن أكثركم فاسقون. إن الله يجمعهم يوم الحشر فلا يستطيعون الجواب حين يسئلون. إن الجحيم مأواهم وان الله عليم حكيم. يا أيها الرسول بلغ إنذاري فسوف يعلمون. قد خسر الذين كانوا من آياتي وحكمي معرضون. مثل الذين يوفون بعهدك إني جزيتهم جنات النعيم. ان الله لذو مغفرة وأجر عظيم. ان عليا لمن المتقين وإنا لنوفيه حقه يوم الدين. وما نحن عن ظلمه بغافلين. وكرمناه على أهلك أجمعين. فانه وذريته لصابرون. وان عدوهم إمام المجرمين. قل للذين كفروا بعدما آمنوا طلبتم زينة الحياة الدنيا واستعجلتم بها ونسيتم ما وعدكم الله ورسوله ونقضتم العهود من بعد توكيدها وقد ضربنا لكم الامثال لعلكم تهتدون. يا أيها الرسول قد أنزلنا إليك آيات بينات فيها من يوفاه مؤمناً ومن بتولية من بعدك يظهرون. فأعرض عنهم انهم معرضون. انا لهم لمحضرون في يوم لا يغني عنهم شيء ولا هم يرحمون.ان لهم في جهنم مقاماً عنه لا يعدلون. فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين. ولقد أرسلنا موسى وهارون بما استخلف فبغوا على هارون فصبر جميل. فجعلنا منهم القردة والخنازير ولعناهم إلى يوم يبعثون. فصبر فسف يبصرون. ولقد آتيناك الحكم كالذين من المرسلين وجعلنا لك منهم وصيا لعلهم يرجعون. ومن يتولى عن أمري فاني مرجعه فليتمتعوا بكفرهم قليلاً فلا تسأل عن الناكثين. يا أيها الرسول قد جعلنا لك في أعناق الذين آمنوا عهداً فخذه وكن من الشاكرين. ان عليا قانتاً بالليل ساجداً يحذر الآخرة ويرجو ثواب ربه قل هل يستوي الذين ظلموا وهم بعذابي يعلمون. سيجعل الأغلال في أعناقهم وهم على أعمالهم يندمون.انا بشرناك بذريته الصالحين وانهم لأمرنا لا يخلفون. فعليهم مني صلوات ورحمة احياءً وأمواتاً يوم يبعثون وعلى الذين يبغون عليهم من بعدك غضبي انهم قوم سوء خاسرون وعلى الذين سلكوا مسلكهم مني رحمة وهم في الغرفات آمنون. والحمد لله رب العالمين)().
ونقل السيد محب الدين الخطيب عن الاستاذ محمد علي سعودي -الذي كان كبير خبراء وزارة العدل بمصر- انه اطلع على مصحف ايراني مخطوط عند المستشرق براين فنقل عنه بالفوتوغراف سورة كاملة لا وجود لها في بقية المصاحف فيما يلي نصها:
(سورة الولايت سبع آيات
بسم الله الرحمن الرحيم
يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالنبي وبالولي الذين بعثناهما يهديناكم إلى صراط مستقيم نبي وولي بعضهما من بعض وانا العليم الخبير* ان الذين يوفون بعهد الله لهم جنات النعيم* والذين اذا تليت عليهم آياتنا كانوا بآياتنا مكذبين*ان لهم في جهمنم مقاما عظيما اذا نودي لهم يوم القيامة اين الظالمون المكذبون للمرسلين* ما خلفهم المرسلين الا بالحق وما كان الله ليظهرهم إلى أجل قريب وسبح بحمد ربك وعلي من الشاهدين)().
وبعد فهذه الأمثلة التي ذكرها أعداء المسلمين أعداء الإمامية والسنة الذين يريدون لأن يأتوا على ديننا من القواعد. ذكرناها من أجل أن نكون على بينة من أمرنا ومن أجل أن نبعدهم عن حظيرة الإسلام ويفوت عليهم فرصة التنكر باسم الإسلام والحرص عليه تحت شعار التشيع ومحبة أهل البيت رضي الله عنهم الذين خدموا الإسلام على مر حياتهم.

3- اتهامهم بالكذب على رسول الله r .
لم يكتف أعداء المسلمين بتلك التهم التي وجهوها إلى صحابة رسول الله r ورضي الله عنهم من ارتداد عن دين الله وتحريف لكتابه, بل أرادوا أن يأتوا على سنة الحبيب المصطفى r ويشككوا المسلمين فيها فلم يجدوا إلى ذلك سبيلاً إلا عن طريق اتهام الصحابة y بالكذب على رسول الله r لكي يبقى الناس يخبطون في ظلمات الجهالة بلا دين راسخ ثابت العقيدة واضح التعاليم.
والنتيجة الطبيعية لهذا الاتهام هي رد جميع ما جاء به الصحابةy عن رسول الله r فأصبح من شروط الذين شككوا في عدالة الصحابةy أن الحديث الصحيح هو (ما رواه الإمامي الثبت عن الإمامي وصولاً إلى المعصوم, شريطة أن لا دخل في سلسلة السند واحد من العامة سواء كان صحابيا أو لا إلا إذا عدل من قبلهم)().
قال عبدالحسين شرف الدين الموسوي: (والحق أن الصحبة بما هي فضيلة جليلة لكنها غير عاصمة والصحابة فيهم العدول وفيهم الأولياء والأصفياء والصديقون وهم علماؤهم وعظماؤهم وفيهم مجهول الحال, وفيهم المنافقون من أهل الجرائم والعظائم... فالوضــاعون لا نعفيهم من الجرح وان أطلق عليهم لفظ الصحابة)().
ويقول في موضع آخر: (فالسنة أرفع من أن تحتضن أعشاباً شائكة وخز بها أبو هريرة ضمائر الأذواق الفنية وأدمى بها تفكير المقاييس العلمية قبل أن يشوه بها السنة المنزهة ويسيء إلى النبي وأمته صلى الله عليه وآله.)().
ثم يقول متحدثاً عن الصحابة y على عهد معاوية رضي الله عنهSadوكثر الكذابة يومئذ على رسول الله كما أنذر به صلى الله عليه وسلم وتطوروا فيما اختلقوه من الحديث حسبما أوحى إليهم, وكان أبو هريرة في الرعيل الأول من هؤلاء فحدّث الناس في الفضائل أحاديث منكرة)().
ويكرر كاتب آخر من كتّاب القوم نفس التهمة للصحابة الكرامy فيقول: (قامت الأهواء بدورها , فغيرت مجرى التاريخ وأرادت أن تقلب الوضع القائم فسخرت الضمائر في ركابها, فوضعت الأحاديث لتساير رغبتها, حتى صار وضع الأحاديث واختلاقها سلعة رائجة السوق! ... وقد شجع التاجر معاوية هذه السوق وهي تعمل في صالحه فهي حجر الأساس في ملكه, فأنفق في ذلك حسبما شاء وقد رأى مقالته ناجحة, بعد ما ذلل منها كل صعب, فأسلمت له المقود, ولم تكن تلك الجموح. فالعقيدة على رجراج, والدين لعق على الألسنة, لم تتمثله هذه الروح الجاهلية تمثلاً عميقاً, والأهواء متحفزة في الصدور والأغراض تتوثب للانطلاق والذهب البراق- الذي يرين على القلب فيما هو يخطف الأبصار- يعمل عمله السيئ المشين)().
ويقول أيضاً: (دعا معاوية إليه سمرة بن جندب – وسمرة أحد تجار الحديث- فبذل معاوية إليه مائة ألف درهم, كي يروي أن هذه الآية نزلت في علي: " ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما قلبه وهو ألد الخصام, وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد"().
وأن هذه الآية نزلت في ابن ملجم وهي:
( ومن الناس من يشتري نفسه ابتغاء مرضات الله) ولعل سمرة رأى في هذا الثمن ما لا يفي بتفسير منحرف لآية واحدة فكيف بآيتين؟! وراح معاوية يساومه, فزاده مائة الف أخرى... وليست المئتا ألف سوى ثمن تحريف لتفسير آية واحدة ... فراحا يتساومان, حتى تمت الصفقة باربعمائة ألف درهم فروى سمرة ذلك)().

4- اتهامهم بمخالفة تعاليم النبي e :
والتهمة الرابعة التي يكيلها بعض المتطرفين لصحابة رسول الله r ورضي الله عنهم الذابين عن الدين الحنيف هي مخالفتهم لرسول الله r وخذلانه والابتداع في دين الله بعد موته e وإعانة الظالمين على تعطيل حدود الله.
ومن هذه المخالفات التي يفترونها, بيعة أبي بكر الصديق t حيث يقول النباطي البياضي:
( ومنها أنه – أي عمر t - أوجب على جميع الخلق إمامة أبي بكر, ودعا إليها, لا عن وحي من الله ولا خبر عن رسول الله r , أتراه كان اعلم منهما بمصالح العباد, أو استناباه في نصب أبي بكر إماماً على البلاد, أم الأمة حكمته بنفسها, حتى قضى بذلك عليها فلزمها فساد أمرها)().
( ومنها أنه – أي عمر t - عطّل حدود الله لما شهدوا على المغيرة بن شعبة بالزنا فلقن الرابع وهو زياد بن سمية فتركها فحد الثلاثة)().
ومن جملة ما يستدلون به على تخاذل الصحابةy عن أوامرهe ما ذكر محمد آصف المحسني عن أبي بكر أحمد بن عبدالله الجوهري في كتابه السقيفة فقال: (إن رسول الله r في مرض موته أمر أسامة ... فجعل يقول أنفذوا جيش أسامة, لعن الله من تخلف عنه وكرر ذلك ... وأما الأشخاص المتخلفون فكثيرون بينهم أكابر الأصحاب ولست أريد أن اذكرهم فإنهم معروفون! فيا أخي أين الملعون من العادل وأين المرتد من المسلم؟!)().
بل إن بعض متطرفي الشيعة يرى أن إصرار النبي e إنما هو احتيال لإخراج الصحابة y ليخلو له الجو وتتم البيعة لعلي t بهدوء, فاستمع إلى ما يقوله باقر شريف القريشي بهذا الصدد:
( والمتأمل في هذا الحادث الخطير يستنتج ما يلي:
إن اهتمام النبي e وآله بشأن إخراج القوم من يثرب ولعنه لمن تخلف من الالتحاق بجيش أسامة يدل بوضوح لا خفاء فيه على غايته المنشودة وهي إخلاء عاصمته من الحزب المعارض وتتم له الخلافة بهدوء وسلام.
إن تخلف القوم عن الجيش وطعنهم في تأمير أسامة ما كان المقصود منه إلا الظفر بالسلطة والحكم وإحكام قواعد سياستهم فأنهم إذا انصرفوا إلى الغزو ونزحوا عن عاصمة الرسول فان الخلافة لا محالة لا محالة تفوت من أيديهم, ولا مجال لهم حينئذ إلى التمرد والخلاف.
إن السبب في عدم تولية الرسول قيادة الجيش لذوي السن والموجهين من الصحابة إنما هو للاحتياط على مستقبل الأمة وصيانتها من الاضطراب والفتن من بعده , فأنه لو أسند القيادة إليهم لاتخذوها وسيلة إلى أحقيتهم بالخلافة ومطالبتهم بالحكم فسدّ رسول الله r عليهم هذه النافذة لئلا يتصدع شمل الأمة ويضطرب أمنها)().
ويعلق محمد باقر البهبودي على قضية البيعة لأبي بكر فيقول : (وفي روايات أصحابنا عند تفسير قوله تعالى: }أم أبرموا أمراً فإنا مبرمون{() أن ستة من المهاجرين والأنصار وهم أبو بكر وعمر ومعاذ بن جبل وسالم مولى حذيفة وأبو عبيدة بن الجراح عهدوا فيما بينهم وأبرموا عهدهم على أن يخرجوا سلطان محمد e عن أهل بيته)().
وأود أن أختم هذا المبحث بذكر نصين للمرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران وهو يتهم الصحابةy في أحدهما بعدم الانصياع لرسول الله r ويتهمهم في النص الآخر بأنهم أبعدوا القرآن عن الساحة وعملوا على إقامة حكومات معادية للإسلام.
فقد قال في خطابه الذي ألقاه صباح يوم السبت 28/3/1987 في حسينية جامران عند استقباله لوزير الصحة ومجموعة من الأطباء ورؤساء الجامعات: (إن النبي e لم يستطع أن يحقق ذلك(أي العدل) بالشكل الذي كان يريد وان كان بعض وعاظ السلاطين يقولون بأن فلاناً قال- يعني نفسه- أن النبي لم يستطع, نعم أنا أقول أن النبي لم يستطع وإن كان قد استطاع ذلك لما كان يوجد الآن وعاظ السلاطين, جميعنا يعرف أن الأوضاع كانت في عهد النبي بشكل كان فيه النبي أحياناً يمتنع عن قول الأحكام التي كان يريد قولها)().
أما النص الآخر فهو ما ذكره في وصيته , إذ قال:
( المسائل المؤسفة التي يجدر البكاء لها قد بدأت بعد استشهاد حضرة علي (ع) والأنانيون والطواغيت جعلوا من القرآن وسيلة لإقامة حكومات معادية للقران, ومع أن نداء (إني تارك فيكم الثقلين) كان يدوي في أسماعهم فقد عمدوا بحجج مختلفة ومؤامرات مدبرة إلى إقصاء المفسرين الحقيقيين للقرآن والمطلعين على الحقائق والآخذين جميع القرآن من النبي الأكرم e وأبعدوا القرآن من الساحة... وصادروا حكومة العدل الآلهي... ووضعوا أساس الانحراف عن دين الله وعن الكتاب والسنة الآلهية).
وأخيراً أود أن أقول بأني إذ أنقل هذه النصوص التي أعلم أنها لا تمثل حقيقة اعتقاد الإمامية , أهيب بعلمائهم المنصفين أن يعمدوا إلى هذه الشناعات فيخلصوا تراثهم منها لأنها دخيلة عليهم ليعود إلى التشيع صفاؤه ورونقه خاليا من الشوائب كالجدول الرقراق.

ثانياً: نظرتهم إلى علي وبنيه y.
لا شك أن لأهل بيت رسول الله r مكانة رفيعة في قلوب المسلمين وتتأتى هذه المكانة وهذا التقدير من حب المسلمين لرسول الله r وحب كل ما يمت إليه بصلة, هذا النوع من الحب لاشي فيه ولا غبار عليه بل هو من كمال الإيمان, غير أن بعض الشيع الإمامية لم يقفوا عند حدود العقل في حبهم بل أطلقوا لأنفسهم العنان فصوروا أهل بيت رسول الله r تصويراً يرتفع بهم عن مستوى البشر. حيث زعموا أن الأئمة منهم معصومون من الخطأ وأنهم يعلمون كل ما يريدون علمه من غير أن يتعبوا أنفسهم في تحصيل العلوم. فعلمهم حضوري متى ما أرادوه فهو حاصل لديهم إلى غير ذلك من المبالغات التي لم يكن لها وجود في الجيل الأول والثاني من المسلمين. وسنذكر فيما يلي بعض الروايات التي تعطي تصوراً واضحاً عن نظرة بعض الإمامية إلى علي وبنيه y.

1- ليس ثمة فرق بين علي والنبي e.
نسب بعض الإمامية أن علياً رضي t بمنزلة النبي e عند الله تبارك وتعالى, وإن لم يجهروا بذلك صراحة إلا أن المتفحص لرواياتهم يجد ذلك واضحاً فيها.
روى الكليني عن أبي عبدالله u قال: ما جاء به علي u أخذ به وما نهى عنه انتهى عنه, جرى له من الفضل مثل ما جرى لمحمد e ولمحمد e الفضل على جميع من خلق الله U, المتعقب عليه في شيء من أحكامه كالمتعقب على الله وعلى رسوله والراد عليه (أي على علي) في صغيرة أو كبيرة على حد الشرك بالله, كان أمير المؤمنين u باب الله الذي لا يؤتى إلا منه, وسبيله الذي من سلك بغيره هلك, كذلك يجري لأئمة الهدى واحداً بعد واحد, جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بأهلها وصحبة البالغة على من فوق الأرض ومن تحت الثرى, وكان أمير المؤمنين كثيراً ما يقول: أنا قسيم الله بين الجنة والنار وأنا الفاروق الأكبر وأنا صاحب العصا والميسم ولقد أقرت لي جميع الملائكة والروح والرسل بمثل ما أقروا به لمحمد e ولقد حملت مثل حمولته وهي حمولة الرب وان رسول الله r يدعى فيُكسى وأُدعى فأُكسى ويستنطق واستنطق على حد منطقه ولقد أعطيت خصالاً ما سبقني إليها أحد من قبلي علمت المنايا والبلايا والأنساب وفصل الخطاب, فلم يفتني ما سبقني ولم يعزب عني ما غاب عني, أبشر بأذن الله وأؤدي عنه كل ذلك من الله مكنني فيه بعلمه)().
بل إن بعض علماء الإمامية وصل بهم الحال إلى أن بدئوا يقارنون بين القرآن الذي هو كلام الله تعالى وبين كلام أمير المؤمنين علي t لكي لا يبقى هناك فرق بين النبي e وبين علي t:
يقول الشيخ عبدالمنعم الكاظمي( وهو من المعاصرين):
(وإن أمير المؤمنين أفضل الصلاة والسلام عليه الذي قد أعطاه الله تعالى الولاية الكبرى وكان نفس النبي e علماً وأخلاقاً وإيماناً حصل له ما حصل لابن عمه وشقيق نفسه محمد (ص) ... وقد قال السيد الشريف() في قصيدته الكرارية في حصول معجزة إيجاد الماء لأمير المؤمنين(ع) كما حصل للرسول الأعظم e :
لم يعط خير المرسلين كرامة الا وجدت نظيرها في حيدر
وفصاحة القرآن معجزة وفي نهج البلاغة حكمة لم تحصر
وكلاهما بظهور معجزة سقى جيش العدى عذباً لذيذاً سكرا
هذا-بي الرسول- بفيض الماء من كف غدت بسوى النضار بنائلها لم ينهمر
وعن القليب دعا علي صخرة فسقاه عذب زلالها المتفجر()

طاعة علي أولى من طاعة الله:
ويرى المتطرفون منهم أن طاعة علي بل مجرد محبته مما يوجب الجنة فقد قال سماحة حجة الإسلام والمســـلمين السيد عبدالرضا المرعشي الشهرستاني في الإجابة عن حال من لا يصوم ولا يصلي إذا كان محباً لعلي بن أبي طالب t فقال:
( قلنا إن الفاسق إذا مات وهو على عقيدته الأولية أعني مسلماً إمامياً جعفرياً اثني عشرياً ومات بلا توبة, فمقتضى الأخبار تزكيه بالمرض الذي توفي فيه وإلا فعلى المغتسل عند تقليبه وإلا فعند انحداره في القبر في البرزخ وإلا يشفعونه يوم الحساب)(). أي أن الشيعي يغفر له بما تلقاه من شدة في مرضه أو عند غسله أو وضعه في قبره أو يشف
Back to top Go down
سلمى العربيه
عربي مميز
عربي مميز


عدد المساهمات: 250
تاريخ التسجيل: 2010-01-18

PostSubject: Re: الصحابه رضوان الله عليهم   Tue Jan 19, 2010 7:41 am

الفصل الثاني
مكانة الصحابة عنـــد
الإســماعيليــة


تعريف الإسماعيلية ونشأتها
يشمل اسم الإسماعيلية كل الذين (يزعمون أن الإمامة صارت من جعفر الصادق إلى ابنه إسماعيل)().
غير إن جميع أصحاب التواريخ لم يوافقوهم على هذه الدعوى لما صح عندهم من موت إسماعيل في حياة أبيه جعفر.
ومن الإسماعيلية من يقول( بإمامة محمد بن إسماعيل وهذا مذهب الإسماعيلية من الباطنية)() وهم يدعون أن نسبهم يصل إلى محمد بن إسماعيل, غير أن محمداً هذا لم يعقب كما نص على ذلك النسابون الثقات() وقد سميت الإسماعيلية بأسماء كثيرة باختلاف البلدان التي انتشرت فيها, وأشهر هذه الأسماء الباطنية, لزعمهم أن لكل ظاهر باطناً ولكل تنزيل تأويلاً, ففي العراق يسمون القرامطة, جمع قرمطي نسبة إلى حمدان قرمط() وبالمزدكية أيضاً نسبة إلى مزدك المعروف بدعوته إلى الاشتراك في الأبضاع والأموال.
واشتهروا في خراسان باسم "التعليمية" و"الملاحدة" و "الميمونية" نسبة إلى ميمون أخي قرمط سابق الذكر دون ميمون بن ديصان, ويدعون في مصر بالعبيدية نسبة إلى عبيد المعروف(), وفي الشام بالنصيرية والدروز, وفي اليمن باليامية نسبة إلى القبيلة المشهورة هناك, وفي بلاد الأكراد بالعلوية حيث يقولون علي هو الله – تعالى الله عما يقولون- وفي بلاد الأتراك بالبكداشية والقزلباشية على اختلاف منازعهم, وفي بلاد العجم بالبابية ولهم فروع إلى يومنا هذا تلبس لكل قرن لبوسه, وتظهر لكل قوم بمظهر تقضي به البيئة, وقدماؤهم كانوا يسمون أنفسهم بالإسماعيلية باعتبار تميزهم عن فرق الشيعة (). والإسماعيلية أو الباطنية يصعب إرجاعها إلى شخص بعينه لأنها أشبه ما تكون بتراكمات كبيرة خلفتها الحضارة الإسلامية في نفوس أولئك الذي يحنون إلى أمجادهم الأولى, يوم كانت بلاد فارس تبسط أجنحتها في مشارق الأرض ومغاربها, وبمرور الزمن وجدت هذه الشراذم الفرص التي أظهرت فيها مكنون أنفسها المريضة, وكان من هؤلاء: ميمون بن ديصان المعروف بالقداح() وكان مولى لجعفر بن محمد الصادق وهو من الأهواز, ومحمد بن الحسين الملقب بدندان() وغيرهما من اجتمعوا في سجن والي العراق ثم ظهرت دعوتهم بعد خروجهم من السجن ثم ظهر عبدالله بن ميمون القداح في الكوفة وهو ابن ميمون بن ديصان وكان ظهوره سنة ست وسبعين ومائتين(), (فنصب للمسلمين الحبائل وبغى لهم الغوائل ولبس الحق بالباطل... وجعل لكل آية من كتاب الله تفسيراً وكل حديث عن رسول الله r تأويلاً , وزخرف الأقوال وضرب الأمثال وجعل لآي القرآن شكلاً يوازيه, ومثلاً يضاهيه... فجعل أصل دعوته التي دعاها, وأساس بنيته التي بناها الدعاء إلى الله والى رسوله, يحتج بكتاب الله ومعرفة مثله وممثوله والاختصاص لعلي بن أبي طالب t بالتقديم والإمامة والطعن على جميع الصحابة y بالسب والأذى).
فلاقت هذه الدعوة رواجاً عند غلاة الروافض والحلولية, وكانت الباطنية تتستر بستار العلم بدعوى معرفة الفلسفة وعلم النجوم لكي يسهل عليها أن تبث سمومها, ولكي تحجر على العقول من أن تنظر فيما يلقى إليها, أو يقدم لها من المعارف المضللة.



أصولها ومبادئها
الإسماعيلية في حقيقتها حركة هدامة تقوم على التحلل الكامل من جميع القيود الشرعية كما سنبين ذلك بعد قليل غير أنهم لا يعلنون عن حقيقة مبادئهم إلا لمن اطمأنوا له وأنسوا به, يقول الإمام الغزالي: (والمنقول عنهم الإباحة المطلقة ورفع الحجاب واستباحة المحظورات باستحلالها وإنكار الشرائع إلا أنهم ينكرون ذلك إذا نسب إليهم)() فهم عند الحقيقة ليسوا من الفرق الإسلامية, وإن اتخذوا حب أهل البيت وسيلة لكي يصلوا إلى أهدافهم الدنيئة.
بل إن الإمام عبدالقاهر البغدادي يرى إن الذين أسسوا هذه الفرقة الضالة كلهم تجمعهم أصول مجوسية يحنون إليها ويسعون إلى نشرها بين المسلمين, فيقول: (ذكر أصحاب التواريخ أن الذين وضعوا أساس دين الباطنية كانوا من أولاد المجوس وكانوا مائلين إلى دين أسلافهم ولم يجسروا على إظهاره خوفاً من سيوف المسلمين, فوضع الأغمار منهم أسساً من قبلها منهم صار في الباطن إلى تفضيل أديان المجوس... وذكر زعماء البانية في كتبهم أن الإله خلق النفس فالإله هو الأول والنفس هو الثاني وهما مدبرا هذا العالم وسموهما الأول والثاني وربما سموهما العقل والنفس, ثم قالوا: إنهما يدبران العالم بتدبير الكواكب السبعة والطبائع الأول, وقولهم أن الأول والثاني يدبران العالم هو بعينه قول بإضافة الحوادث لصانعين أحدهما قديم والآخر محدث, إلا أن الباطنية عبرت عن الصانعين بالأول والثاني وعبر المجوس عنهما بيزدان وأهرمن)().
بينما يرى فريق آخر من العلماء أن أصول الإسماعيلية الباطنية ترجع إلى اليهودية, ويستدلون على ذلك بروايتين:-
الأولى: تلك التي رواها محمد بن مالك() في رسالته : كشف أسرار الباطنية وأخبار القرامطة) ومؤداها أن عبدالله بن ميمون كان يهودياً وكان من أحبار اليهود وأهل الفلسفة الذين عرفوا جميع الأديان, وكان صانعاً يخدم شيعة إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد الباقر... وكان حريصاً على هدم الشريعة المحمدية لما ركب الله في اليهود من عداوة للإسلام وأهله... فلم يرَ وجهاً يدخل به على الناس حتى يردهم عن الإسلام ألطف من دعوته إلى أهل بيت رسول الله r .
والرواية الثانية: هي التي رواها ابن كثير() في (المختصر في أخبار البشر) كما ذكر ذلك الباحث مكي خليل الزبيدي() وفيما يلي نصها:
( إن احد أولاد القداح وهو الحسين أقدم إلى سليمة فجرى بحضرته حديث النساء فوصفوا له امرأة رجل يهودي حداد بسلمية مات عنها زوجها فتزوجها الحسين بن محمد المذكور.. وكان للمرأة ولد من اليهودي الحداد وهو المهدي عبيدالله وعرفه أسرار الدعوة وأعطاه الأموال والعلامات فدعا له الدعاة).
ثم دعم أصحاب هذا الرأي مذهبهم بحجج وبراهين من الواقع منها المكانة المتميزة التي حظي بها اليهود أيام الدولة الفاطمية (فقد التف حول المعز لدين الله الفاطمي جماعة منهم يؤيدون ادعاءاته ويناصرونه في أعماله مثل أبي الفرج يعقوب بن كلس وزير المعز والعزيز والأخوين ابني التستري اليهودي, وصدقة الفلاحي وآخرين)().
ثم إن كثيراً من أسس الدين اليهودي وأصوله ظهرت جلية عند هؤلاء الاسماعيليين. كالمهر المقدس وليلة إطفاء الشمع, حيث الإباحة واستحلال المحرمات, وعقيدة الموت الظاهري, والرجعة, وانتظار المخلص, فكل هذه المعتقدات كانت وما تزال لصيقة بالدين اليهودي.
أما مبادئها وعقيدتها فهي كغيرها من الفرق الباطنية التي وافقتها في الكثير من أصولها, وسنعرض فيما يلي لأهم مبادئ الإسماعيلية ومعتقداتها.
التشبيه
التشبيه نوعان: تشبيه تقصير وتشبيه غلو. تشبيه التقصير هو تشبيه ذات الباري بذات غيره من المخلوقين, أو تشبيه صفاته سبحانه وتعالى بصفات المخلوقين.وتشبيه الغلو هو تشبيه ذات أحد من المخلوقين بذات الله سبحانه, أو تشبيه صفات أحد المخلوقين بصفات الباري سبحانه() وفي كلا التشبيهين هدم للإلوهية الحقة وتقويض لمبادئ الإسلام وخروج صريح على تعاليمه.
والإسماعيلية وان لم تقل بتشبيه التقصير صراحة غلا أنها خاضت في تشبيه الغلو أيما خوض حيث شبهت أئمتها بالله سبحانه وتعالى, فقد كان أبو الفضل الباطني عامل اليمن أيام الدولة الفاطمية كان يصف نفسه بصفات الله تعالى في كتبه التي كان ينفذها. فقد جاء في أحد كتبه التي أنفذها إلى عامله أسعد بن جعفر ما نصه: (من باسط الأرض وداحيها ومزلزل الجبال ومرسيها علي بن الفضل إلى عبده أسعد...)().



الحلول:
وهو أن يحل الله سبحانه وتعالى بذاته أو بروحه في البشر ومذهب الغلاة يحكي قول النصارى في عيسى بن مريم u.
وقد ظهرت بدايات القول به على يد عبدالله بن سبأ اليهودي الذي زعم أن علياً نبي, ثم غلا فيه حتى زعم أنه اله بحلول روح الله فيه() وقد ذهبت إلى القول بالحلول أغلب الفرق الغالية إن لم نقل كلها حيث ادعت كل فرقة أن الإله سبحانه وتعالى قد حل في إمامهم.
وقد قالت الإسماعيلية بوقف الحلول على الأئمة, فقد كانوا ينظرون إلى خليفتهم نظرهم إلى الله, بل إنهم ربما بالغوا في ذلك فأنكروا أن يكون هناك اله سوى إمامهم, ولا أدل على ذلك من كتابات القوم أنفسهم.
فقد نقل لنا الدكتور حسن إبراهيم حسن عن مخطوط اسمه(رسائل الحاكم بأمر الله والقائمين بدعوته يحتوي على عشرين رسالة في أصول الإسماعيلية وهو موجود بدار الكتب الملكية بالقاهرة تحت رقم (عشرين) مخطوطات شيعية نقل عنه ما يدل دلالة قاطعة على اعتقادهم بإلوهية الحاكم بأمر الله واليك جانبا منه:
( ففي الرسالة الثانية (رسالة النساء) يؤكد الداعي خطر تعدد الآلهة ويدافع عن ضرورة الاعتقاد بوحدانية الحاكم الخالق الرزاق وعلام الغيوب)().
أما الرسالة الثانية عشرة وعنوانها المناجاة فهي تشتمل على الدعاء الذي يقوله المؤمنون في مجلس الحكمة() أما الداعي فإنه يبث الدعوة بين الناس مؤيداً ألوهية الحاكم وسرمديته, وغيرها من الصفات التي هي (فكان الحاكم في نظر الداعي هو رب العرش (فأنت صاحب العاجلة, أي الدنيا واليك حكم الآجلة أي الآخرة))().
(والرسالة الرابعة عشرة وعنوانها "الدعاء" ... وفيها يوضح الداعي الاصطلاحات التي كان يلقنها من يدين بمذهب الحاكم. وما جاء فيها الدعاء الآتي: " سبحانك يا مبدع الأشياء, يا مخترع العالمين, يا صفوة العالمين, سبحانك من تعزز بالكبرياء والجبروت, سبحانك من تعاظم أن يكون كمثله شيء, أو يلحقه وصف واصف, سبحانك يا من تعالى عن المساوئ! سبحانك يا من لا تلحقه صفة ولا صفة! شهدت وآمنت وأيقنت بأنك الله المبدع العزيز الواحد الأحد, وأنك بارئ لا بارئ لك, وخالق لا ضد لك, وقادر لا مقدور عليك , حاكم لا محكوم عليك, أسألك يا مولانا وسيدنا العظيم بعظيم جلال قدرتك ونور سلطانك أسألك يا مولانا بأول شيء ظهر من توحيدك وتنزيهك ونفي التشبيه عنك أن تمن علي بخالص معرفتك وحميد طاعتك والبلوغ إلى مرضاتك والثبات على أمرك, والتجنب لنهيك, والصبر على ما ينالني في عبادك من شدائد ومحن. يا أرحم الراحمين!! بحقك على من يصرف هويته عن تسبيحك وتمجيدك إلى سواك . لا أصرف ذاتي إلى غيرك , تائب إليك معترف بألوهيتك متبرئ من كل عدو لك, لا شريك لك, ولا دافع لأمرك, تجاوز عني واغفر ذنبي, واجعل معرفتك التي مننت بها علي في نفسي لا اله غيرك ولا معبود سواك)().
وبنفس الأسلوب وبنفس الروحية يخاطب ابن هانئ الأندلسي المعز لدين الله الفاطمي حيث يقول له:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار()
ولاشك أن القول بالحلول يؤدي إلى هدم الإلوهية ومبدأ النبو وينفي الحاجة إلى القول بها ويدعو إلى التسلط المطلق للإمام على البرايا وفي هذا الهدم كل الهدم للإسلام وتعاليمه.

3- التأويل
التأويل لغ مشتق من الأول بمعنى الرجوع() , واصطلاحاً: هو إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقة إلى الدلالة المجازية من دون أن يخل ذلك من عادة لسان العرب من تسمية الشيء بشبيهه أو سببه, أو مقارنه() والتأويل على صنفين مجازي وباطني, فالتأويل المجازي هو ما كان جارياً على شرطه وهو الأقرب إلى الصواب, كما صرح بذلك العز بن عبدالسلام بذلك(), والتأويل الباطني: هو إخراج اللفظ من دلالته الظاهرية إلى معانٍ باطلةٍ لا يقرها عرف لغوي ولا تستقيم مع قواعد اللغة العربية التي أنزل بها القرآن الكريم().
وهذا النوع من التأويل هو الذي توسعت به الإسماعيلية حتى وصل بهم الحال إلى التحلل الكامل من جميع الأوامر والنواهي التي جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
يقول الإمام الغزالي: ( وإنما الذي يصح من معتقدهم فيه أنهم يقولون لابد من الانقياد للشرع في تكاليفه على التفصيل الذي يفصله الإمام من غير متابعة للشافعي وأبي حنيفة وغيرهما. وأن ذلك واجب على الخلق والمستجيبين إلى أن ينالوا رتبة الكمال في العلوم فإذا أحاطوا من جهة الإمام بحقائق الأمور وأطلعوا على بواطن هذه الظواهر انحلت عنهم هذه القيود وانحطت عنهم هذه التكاليف العملية, فإن المقصود من أعمال الجوارح تنبيه القلب لينهض بطلب العلم فإذا ناله استعد للسعادة القصوى فيسقط عنه تكليف الجوارح وإنما تكليف الجوارح في حق من يجري جهله مجرى الحمر التي لا يمكن رياضتها إلا بالأعمال الشاقة وأما الأذكياء والمدركون للحقائق فدرجتهم أرفع من ذلك)() بل إن الإسماعيلية توغلت في التأويل إلى هوة سحيقة وهو ما يعرف بتأويل التأويل, وهذا النوع يعتبر من أعقد درجات التأويل.. فقد مهدت لذلك بجملة فرضيات من أجل قبول درجة تأويل التأويل هذه.
يقول الإمام الغزالي بهذا لخصوص: ( قالوا: كلما وردت ظواهر في التكاليف والحشر والنشر والأمور الإلهية فكلها أمثلة ورموز إلى بواطن! أما الشرعيات فمعنى الجنابة مبادرة المستجيب بإفشاء سر إليه قبل أن ينال مرتبة استحقاقه, ومعنى الغسل: تجديد العهد على صدقة النجوى.. والصيام هو الإمساك عن كشف السر, والكعبة هي النبي, والباب هو علي والصفا هو النبي والمروة هو علي والميقات هو الأساس والتلبية هي إجابة الداعي والطواف بالبيت سبعاً هو الطواف بمحمد إلى تمام الأئمة السبعة, والصلوات الخمس أدلة على الأصول الأربعة والإمام...
( وكذلك زعموا أن المحرمات عبارة عن ذوى السر عن الرجال وقد تعبدنا بإحسانهم كما إن العبادات عبارة عن الأخيار والأشرار, فأما المعاد فزعم بعضهم أن النار عبارة عن الانحلال والأوامر التي هي التكاليف فتنها موظفة على الجهال بعلم الباطن فإذا نالوا علة الباطن وضعت عنهم أغلال التكاليف وسعدوا بالخلاص منها)().
ونقل لنا جولدزيهر() تصوراتهم في آيات القرآن فقال: (إن آيات الكتاب سهلة يسيرة ولكنها على سهولتها تخفي وراء ظاهرها- أي حسب تصورات الإسماعيلية- معنى خفياً مستتراً ويتصل بهذا المعنى الخفي معنى ثالث يحير ذوي الأفهام الثابتة ويعييها, والمعنى الرابع ما من أحد يحيط به سوى الله واسع الكفاية من لا شبيه له وهكذا نصل إلى معان سبعة الواحد تلو الآخر ففي كل مرحلة أو درجة أعلى من سابقتها يصبح المعنى الباطني والرمزي المتعلق بالمرحلة السابقة أساساً للقيام بتأويلات أخرى أعظم دقة والتواءً إلى أن تبخر تبخراً تاماً موضوع التفسير الإسلامي الذي كان الأساس الأول منذ البداية)().
وقد كان لتأويلاتهم الفاسدة هذه الأثر الكبير في ذوي النفوس الضعيفة الذين يرون في التكاليف الشرعية أعباءً تنوء بها كواهلهم فأخذ الناس يتهافتون على دعوتهم إشباعاً لشهواتهم الدنيئة. وقد ذكر ابن مالك رحمه الله في كشف أسرار الباطنية الكثير من ضلالاتهم التي لسبوها على العوام باسم التأويل واليك جانيا منها:-


قال ابن مالك:-
( فأول ما أشهد به وأشرحه وأبينه للمسلمين أن له –أي الطليحي وهو كبير القرامطة في زمان المؤلف- نواباً يسميهم الدعاة المؤذونين وآخرين يلقبهم بالمكلبين تشبيهاً لهم بكلاب الصيد لأنهم ينصبون للناس الحبائل ويكيدونهم بالغوائل وينقضون على كل عاقل ويلبسون على كل جاهل بكلمة حق يراد بها باطل. يحضونه على شعائر الإسلام من الصلاة والزكاة والصيام كالذي ينثر الحب للطير ليقع في شركه فيقيم أكثر من سنة يمعنون به وينظرون صبره, ويتفحصون أمره ويخدعونه بروايات عن النبي e محرفة وأقوال مزخرفة ويتلون عليه القرآن على غير وجهه ويحرفون الكلم عن مواضعه فإذا رأوا منه الانهماك والقبول والإعجاب بجميع ما يعملونه والانقياد بما يأمرونه قالوا له حينئذ اكشف عن السرائر ولا ترض لنفسك ولا تقنع بما قنع به العوام من الظواهر وتدبر القرآن ورموزه واعرف مثله وممثوله واعرف معاني الصلاة والطهارة وما روي عن النبي e بالرموز والإشارة دون التصريح في ذلك بالعبارة فإن جميع ما عليه الناس أمثال مضروبة محجوبة)().
وهكذا يستدرجون السذج من الناس إلى مهاوي الضلالة والفساد. حتى إذا رأوا منهم استجابة وقبولاً كشفوا عن وجههم وأبانوا عن نواياهم التي بيتوها تجاه الإسلام وأهله. فيسقطون الصلاة والزكاة زاعمين أن معناهما ولاية محمد e وعلي t ثم يسقطون الصوم لأن معناه كتمان سر الدعوة فحسب, ويسقطون سائر أنواع العبادات ويحلون الخمر والميسر زاعمين أن معناهما بغض أبي بكر وعمر إلى غير ذلك من الترهات التي لا مجال ولا فائدة من الإطالة في ذكرها.()
وترى الإسماعيلية أن القرآن الكريم من حيث المعنى من وحي العقول الروحانية, ومن حيث العبارة هو من تأليف الرسول وليس منزلاً بلفظه ومعناه من الله تعالى, لأن العقول مجردة عن المادة واللفظ مركب من محدثات ولذلك فإن النبي e يوحى إليه بالمعاني مجردة فيضعها أو يعبر عنها الناطق- النبي e- باللغة التي يفهمها قومه ويتقنها هو. وترى كذلك أن تأويل الوصي أو الإمام للنص القرآني يقوم مقام ذلك النص لأنهم هم القائمون به, المعبرون عن حقائقه. لهذا قالوا: إن علياً هو القرآن الناطق في مقابل القرآن الصامت الذي يعنون به القرآن الكريم().
ويتبين من هذا أن القرآن الكريم المنزل على رسول الله r هو اقل شأناً عندهم من كلام الأئمة لأن القرآن في تصورهم عجز عن مواكبة أحداث الحياة مما جعله بحاجة إلى من يدفعه إلى الأمام بتأويله وتفسيره والأئمة هم الذين قاموا بهذه المهمة. (وان الأئمة أنسهم هم أعلى قدراً ومنزلة من الرسول لأنهم جاءوا بما هو أفضل وأشرف جاءوا بالحقائق بينما جاء الناطق بالقشور)().
ومن هذا المنطلق فقد القرآن الكريم عند الإسماعيلية أهميته ككتاب هداية وإيمان, وأصبح وجوده كعدمه لظهور ما يحل محله وهو كلام الأئمة, وكذلك فقدت السنة النبوية مكانتها التشريعية. فما قيمة القرآن والسنة إذا كان المعول عندهم على آراء بشرية لا مستند لها من دين ولا عقل. وفي هذا يقول أحد دعاة الإسماعيلية المعاصرين:
(ليس هناك كتاب لإهداء الإسماعيلية لأنهم يهتدون بنبراس الإمامة العظيم الموجود في كل الوجود)().


مكانة الصحابة y عند الإسماعيلية
بعد أن تعرفنا بشكل موجز على أصول الإسماعيلية وعقائدها, تبين لنا أنها تمثل حلقة من حلقات التآمر الشعوبي ضد الإسلام والمسلمين وجانباً من الأحقاد التي خلفتها الأمم البائدة التي كانت تحكم أهوائها في دماء الناس وأعراضهم.
وبعد أن عرفنا في بداية بحثنا منزلة الصحابة الكرام y عند علماء الأمة وسلفها الصالح وكيف استحق هؤلاء الصحابة الكرام كل ذلك التكريم بما أنفقوا من أموالهم وأنفسهم في سبيل الله, أقول بعد أن عرفنا كل هذا أصبح من الممكن أن نتعرف المنظار الذي تنظر به الإسماعيلية إلى الصحابة y .
تنظر الإسماعيلية إلى الصحابة y أنهم المتهم الأول في ضياع أملاكهم البائدة وإنهم السبيل الوحيدة إلى أعادة تلك الصروح إذا ما استطاعوا أن يشوهوا صورتهم في أعين المسلمين, لذا فإنهم لم يدخروا جهداً أو وسعاً من أجل نجاح تلك المهمة, إذ قاموا بنشر آرائهم الضالة بكل الوسائل عن طريق دعاتهم المأذونين بين العوام, وعن طريق التأليف والرسائل العديدة التي تطفح شتماً وسباباً وانتقاصاً لأصحاب رسول الله r .
وترى الإسماعيلية أن الصحابة y كفار كلهم لم يؤمنوا برسالة النبي محمد e وإنما تظاهروا بالإيمان. وفي هذا الصدد يقول شيخ الإسماعيلية محمد بن علي بن حسن الصوري في قصيدته الصورية:
(فأنزل الله على نبيــــه أن يظهر النص على وصيه
فخاف من أصحابه لعلمــه بكيدهم وما نووا من ظلـمه
وقيل لا تشرك فإن أشـركت ليحبطن الله كل ما عمــلت
فقم وبلغ ولا تخف فرحـمتي تنالك اليوم وكن في عصمتي
فقام في يوم غـديـر خـم وقال حكم الله غير حكــمي
من كنت مــولاه فذا مولاه فوالي يارب الـــذي والاه
فمن والــى فقــد والاك كذا ومن عاداه قــد عاداك
وأطلـع الله على ما قد نووا لعبده وما به من الحق طووا
وأنهم سينكثون عهــــده ويغدرون بالوصي بــعده
ويطلبون أهلــــه بالنار تباً لأهل الغدر والإضــرار
ثم قضى الله له ســـبحانه اختاره يســــكنه جنانه
وأن تعود نفســـه الزكية لسعيها راضـــية مرضية
فلم يقولوا مات حتى اجتمعوا وأبرموا وأتقنــوا ما صنعوا
وقدموا لهم وأخــــروا من رفع الله وغدراً ظهروا
ثم أدعوا بأنه ما وصــى وأنكـروا يوم غدير النصا
وعجلوا ظلم البتول الطاهرة لأنهم قد كــذبوا بالآخرة
واعتقدوا أن النبي e كاذب وأن ما سارت له الكواكب ()

وهكذا وبكل بساطة يخرج أصحاب رسول الله r صفر اليدين من كل جهادهم وكفاحهم في سبيل الدعوة الإسلامية بل إنها ترى أن أبا وعمر رضي الله عنهما كانا ساعدي أبي لهب في القضاء على رسول الله r وأن الآية الكريمة (تبت يدا أبي لهب وتب)() معناها تب أب بكر وعمر باعتبارهما يدا أبي لهب. وتب أبو لهب وأنهما تظاهرا بالإسلام كيداً لرسول الله r , فاستمع إلى قائلهم:
(فقال() لما أن رأى أبا لهب ما خصه الله به وما وهـب
يا قوم مالي كله أبـــذله في اللات والعزى لمن يقتله
وعاهد القوم على مرادهـم وأنه باق على اعتــقادهم
وأنه يعلم ما يــــبرمه من أمره عليــه ويحكمه
ثم أتى مذعناً مصـــدقا وعاجــــلاً به قد وافقا
لأجل ذا صار له في الغار مصاحباً بالليــل والنـهار
ليظهر ما يعلمه من شأنه ويطلع القــوم على مكانه
إلى أن قال:
فقال لما جلسوا في الأبطح أن عتيقاً قد مضى لا يفلح
فمن لها مبتدراً قال عمـر أنا الذي أكفيكم هذا الضرر
فقام يثني عطفه تمــردا وقد غدا بســـيفه مقلدا
ثم يقول:
وقال قلها أني أشــهد بأن رب العالمين أوحـد
وأنك الداعي إلى الرشاد رسوله الصادق في العباد
وعاد يبدي لعنـة وكفرا لا يعبد الله تعالى ســرا
لما رأى من قلة الأنصار وضعفــهم وكثرة الكفار
والسيف في يمينه مجرد وســار في أولهم يوحد
يؤمل القوم بأن يعجلوا حتى يقولوا() للنبي يقتلوا
فلم يقم وجهه منهم أحد وأنجز الله له ما قد وعد
فخافهم لما رآهم عادوا وخاف أن يعلم ما أرادوا
فأظهر الألفة والوفاقا وأضمر العدوان والنفاقا
وأنزلت تبت يدا أبي لهب بلعـن الله له تب وتب
أن بهما رام الوصول والظفر بخير خلق الله من نسل مضر()

وفي تاريخ الدولة الفاطمية الكثير من الوقائع التي تؤكد بالبرهان القاطع على زندقة هذه الفرقة المارقة. فكم حدثنا التاريخ عن رجال قتلوا أمام أعين الناس بسبب حبهم لصحابة رسول الله r . أجل لقد كان حب أبي بكر وعمر جريمة يستحق فاعلها العذاب والموت لأنهما طودا الإسلام ورايته الشامخة, ولأنهما كانا شوكة فقأت عيون أجدادهم من عبدة النار, واليك جانباً مما حدث أيام الحكم الفاطمي.
فقد عمل الفاطميون على لعن الخلفاء الثلاثة الأول (أبي بكر وعمر وعثمان) وغيرهم من الصحابة y إذ عدوهم أعداء لعلي().
وذكر المقري أن رجلاً من أهل دمشق حلت به العقوبة أيام حكم الحاكم بأمر الله الفاطمي بسبب محبته لأبي بكر وعمر حيث طافوا به في شوارع المدينة وهم ينادون عليه (هذا جزاء من يحب أبا بكر وعمر) ثم أمر به فضربت عنقه().
ويذكر المقريزي في خططه أن الحاكم قد عزم على نبش قبر أبي بكر وعمر بالمدينة, فرشا الرسل الذين أنفدهم لتأدية هذه المهمة رجلاً من العلويين كان يسكن في منزل قريب من مدفن الخليفتين, ومن ثم شرعا بمعاونته يحفران طريقاً يوصل إلى ما يريدون, إلا أن عاصفة شديدة ثارت وبلغ من ثورانها درجة أدخلت الخوف والهلع في قلوب الأهالي, فهرع الأهالي لاجئين إلى الحرم حيث ووري الجسد الشريف وأجساد الخلفاء الأول, ولما لم تهدأ العاصفة خشي ذلك العلوي وأبلغ الأمر لوالي المدينة, فأحل به عقوبته وحال دون إتمام ما كان يريده الحاكم)().
ويحدثنا ابن خلكان عن آخر خلفاء الدولة الفاطمية العاضد, أنه كان من غلاة الشيعة وكان له ولع خاص بلعن الصحابة y حتى انه كان لا يتردد في قتل أي سني تقع عليه عيناه().
وفي عهد المستنصر (427-428 هـ) ظهرت روح العداء والكراهية تجاه أهل السنة حيث أمر بنقش عبارات لعن الصحابة y رضي الله عنهم على الجدران().





جهود علماء المسلمين في كشف ضلالاتهم



كان لحركة الغلو الباطنية التي حاولت أن تطعن الإسلام في الصميم رد فعل عميق في الوسط الإسلامي وكان رد الفعل هذا يتناسب مع خطورة التحدي الذي تمثله الحركة الباطنية بشتى فصائلها.
وكان من جملة الذين برزوا للدفاع عن عقائد المسلمين والوقوف بوجه الغلاة من أجداد الاسماعيليين الأمام محمد الباقر وابنه جعفر الصادق , فحينما أظهر المغيرة بن سعيد بدعته ووجد نفسه بحاجة إلى من يحميه من آل البيت لجأ إلى محمد الباقر وقال له: (أقرر أنك تعلم الغيب اجبي لك العراق, فهزه وطرده) وتبرأ الأمام جعفر الصادق من أبي الخطاب الأسدي حينما وقف على غلوه().
وحين سئل الإمام على بن محمد العسكري عن تأويل الصلاة والزكاة بالرجال – وهو ما تقول به الباطنية عموماً ومنهم الإسماعيلية- نحو ذلك قال: ليس هذا ديننا ولعن الله من قال بنبوءة محمد بن نصير() النميري)().
وكذلك قام بقية الفقهاء أمثال أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل برد العقائد الباطلة وإفتاء الناس بخروج أولئك الغلاة عن حضيرة الإسلام.
ومن العلماء الذين ألفوا في الرد على مذاهبهم الباطلة وتبصير الناس بانحرافاتهم جابر بن حيان المتوفى سنة 161 هـ الذي ألف كتاباً سماه الخواص الكبير فيه الرد على المانوية وهو مطبوع ضمن (رسائل جابر بن حيان) بالقاهرة.
والجاحظ الذي رد على الزنادقة في الكثير من كتبه كالحيوان والتربيع والتنوير وحجج النبوة.
وعبدالرحيم بن محمد بن عثمان الذي ألف كتابه الانتصار في الرد على ابن الراوندي الملحد.
ثم جاء الأشعري والرازي والاسفراييني والشهرستاني وابن حزم والغزالي ومحمد بن مالك وغيرهم من الذين فضحوا الباطنية وكشفوا عوارها أمام المسلمين, ولم يدخروا وسعاً في الانتصار لدين الله وإيضاح الحجة لأتباعه السائرين في درب الهداية.
وكان لجهود هؤلاء العلماء الأجلاء وغيرهم ممن تلاهم الدور المشرف في فضح الزمر الباطنية وفي مقدمتها الإسماعيلية وفي حفظ العقيدة الإسلامية من الأدران التي كادوا يلصقونها بها حيث بقيت بفضل الله تعالى ثم بهذه الجهود النقية من كل شائبة والخالية من زيغ وانحراف.
Back to top Go down
سلمى العربيه
عربي مميز
عربي مميز


عدد المساهمات: 250
تاريخ التسجيل: 2010-01-18

PostSubject: Re: الصحابه رضوان الله عليهم   Tue Jan 19, 2010 7:41 am

الفصل الثاني
مكانة الصحابة عنـــد
الإســماعيليــة


تعريف الإسماعيلية ونشأتها
يشمل اسم الإسماعيلية كل الذين (يزعمون أن الإمامة صارت من جعفر الصادق إلى ابنه إسماعيل)().
غير إن جميع أصحاب التواريخ لم يوافقوهم على هذه الدعوى لما صح عندهم من موت إسماعيل في حياة أبيه جعفر.
ومن الإسماعيلية من يقول( بإمامة محمد بن إسماعيل وهذا مذهب الإسماعيلية من الباطنية)() وهم يدعون أن نسبهم يصل إلى محمد بن إسماعيل, غير أن محمداً هذا لم يعقب كما نص على ذلك النسابون الثقات() وقد سميت الإسماعيلية بأسماء كثيرة باختلاف البلدان التي انتشرت فيها, وأشهر هذه الأسماء الباطنية, لزعمهم أن لكل ظاهر باطناً ولكل تنزيل تأويلاً, ففي العراق يسمون القرامطة, جمع قرمطي نسبة إلى حمدان قرمط() وبالمزدكية أيضاً نسبة إلى مزدك المعروف بدعوته إلى الاشتراك في الأبضاع والأموال.
واشتهروا في خراسان باسم "التعليمية" و"الملاحدة" و "الميمونية" نسبة إلى ميمون أخي قرمط سابق الذكر دون ميمون بن ديصان, ويدعون في مصر بالعبيدية نسبة إلى عبيد المعروف(), وفي الشام بالنصيرية والدروز, وفي اليمن باليامية نسبة إلى القبيلة المشهورة هناك, وفي بلاد الأكراد بالعلوية حيث يقولون علي هو الله – تعالى الله عما يقولون- وفي بلاد الأتراك بالبكداشية والقزلباشية على اختلاف منازعهم, وفي بلاد العجم بالبابية ولهم فروع إلى يومنا هذا تلبس لكل قرن لبوسه, وتظهر لكل قوم بمظهر تقضي به البيئة, وقدماؤهم كانوا يسمون أنفسهم بالإسماعيلية باعتبار تميزهم عن فرق الشيعة (). والإسماعيلية أو الباطنية يصعب إرجاعها إلى شخص بعينه لأنها أشبه ما تكون بتراكمات كبيرة خلفتها الحضارة الإسلامية في نفوس أولئك الذي يحنون إلى أمجادهم الأولى, يوم كانت بلاد فارس تبسط أجنحتها في مشارق الأرض ومغاربها, وبمرور الزمن وجدت هذه الشراذم الفرص التي أظهرت فيها مكنون أنفسها المريضة, وكان من هؤلاء: ميمون بن ديصان المعروف بالقداح() وكان مولى لجعفر بن محمد الصادق وهو من الأهواز, ومحمد بن الحسين الملقب بدندان() وغيرهما من اجتمعوا في سجن والي العراق ثم ظهرت دعوتهم بعد خروجهم من السجن ثم ظهر عبدالله بن ميمون القداح في الكوفة وهو ابن ميمون بن ديصان وكان ظهوره سنة ست وسبعين ومائتين(), (فنصب للمسلمين الحبائل وبغى لهم الغوائل ولبس الحق بالباطل... وجعل لكل آية من كتاب الله تفسيراً وكل حديث عن رسول الله r تأويلاً , وزخرف الأقوال وضرب الأمثال وجعل لآي القرآن شكلاً يوازيه, ومثلاً يضاهيه... فجعل أصل دعوته التي دعاها, وأساس بنيته التي بناها الدعاء إلى الله والى رسوله, يحتج بكتاب الله ومعرفة مثله وممثوله والاختصاص لعلي بن أبي طالب t بالتقديم والإمامة والطعن على جميع الصحابة y بالسب والأذى).
فلاقت هذه الدعوة رواجاً عند غلاة الروافض والحلولية, وكانت الباطنية تتستر بستار العلم بدعوى معرفة الفلسفة وعلم النجوم لكي يسهل عليها أن تبث سمومها, ولكي تحجر على العقول من أن تنظر فيما يلقى إليها, أو يقدم لها من المعارف المضللة.



أصولها ومبادئها
الإسماعيلية في حقيقتها حركة هدامة تقوم على التحلل الكامل من جميع القيود الشرعية كما سنبين ذلك بعد قليل غير أنهم لا يعلنون عن حقيقة مبادئهم إلا لمن اطمأنوا له وأنسوا به, يقول الإمام الغزالي: (والمنقول عنهم الإباحة المطلقة ورفع الحجاب واستباحة المحظورات باستحلالها وإنكار الشرائع إلا أنهم ينكرون ذلك إذا نسب إليهم)() فهم عند الحقيقة ليسوا من الفرق الإسلامية, وإن اتخذوا حب أهل البيت وسيلة لكي يصلوا إلى أهدافهم الدنيئة.
بل إن الإمام عبدالقاهر البغدادي يرى إن الذين أسسوا هذه الفرقة الضالة كلهم تجمعهم أصول مجوسية يحنون إليها ويسعون إلى نشرها بين المسلمين, فيقول: (ذكر أصحاب التواريخ أن الذين وضعوا أساس دين الباطنية كانوا من أولاد المجوس وكانوا مائلين إلى دين أسلافهم ولم يجسروا على إظهاره خوفاً من سيوف المسلمين, فوضع الأغمار منهم أسساً من قبلها منهم صار في الباطن إلى تفضيل أديان المجوس... وذكر زعماء البانية في كتبهم أن الإله خلق النفس فالإله هو الأول والنفس هو الثاني وهما مدبرا هذا العالم وسموهما الأول والثاني وربما سموهما العقل والنفس, ثم قالوا: إنهما يدبران العالم بتدبير الكواكب السبعة والطبائع الأول, وقولهم أن الأول والثاني يدبران العالم هو بعينه قول بإضافة الحوادث لصانعين أحدهما قديم والآخر محدث, إلا أن الباطنية عبرت عن الصانعين بالأول والثاني وعبر المجوس عنهما بيزدان وأهرمن)().
بينما يرى فريق آخر من العلماء أن أصول الإسماعيلية الباطنية ترجع إلى اليهودية, ويستدلون على ذلك بروايتين:-
الأولى: تلك التي رواها محمد بن مالك() في رسالته : كشف أسرار الباطنية وأخبار القرامطة) ومؤداها أن عبدالله بن ميمون كان يهودياً وكان من أحبار اليهود وأهل الفلسفة الذين عرفوا جميع الأديان, وكان صانعاً يخدم شيعة إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد الباقر... وكان حريصاً على هدم الشريعة المحمدية لما ركب الله في اليهود من عداوة للإسلام وأهله... فلم يرَ وجهاً يدخل به على الناس حتى يردهم عن الإسلام ألطف من دعوته إلى أهل بيت رسول الله r .
والرواية الثانية: هي التي رواها ابن كثير() في (المختصر في أخبار البشر) كما ذكر ذلك الباحث مكي خليل الزبيدي() وفيما يلي نصها:
( إن احد أولاد القداح وهو الحسين أقدم إلى سليمة فجرى بحضرته حديث النساء فوصفوا له امرأة رجل يهودي حداد بسلمية مات عنها زوجها فتزوجها الحسين بن محمد المذكور.. وكان للمرأة ولد من اليهودي الحداد وهو المهدي عبيدالله وعرفه أسرار الدعوة وأعطاه الأموال والعلامات فدعا له الدعاة).
ثم دعم أصحاب هذا الرأي مذهبهم بحجج وبراهين من الواقع منها المكانة المتميزة التي حظي بها اليهود أيام الدولة الفاطمية (فقد التف حول المعز لدين الله الفاطمي جماعة منهم يؤيدون ادعاءاته ويناصرونه في أعماله مثل أبي الفرج يعقوب بن كلس وزير المعز والعزيز والأخوين ابني التستري اليهودي, وصدقة الفلاحي وآخرين)().
ثم إن كثيراً من أسس الدين اليهودي وأصوله ظهرت جلية عند هؤلاء الاسماعيليين. كالمهر المقدس وليلة إطفاء الشمع, حيث الإباحة واستحلال المحرمات, وعقيدة الموت الظاهري, والرجعة, وانتظار المخلص, فكل هذه المعتقدات كانت وما تزال لصيقة بالدين اليهودي.
أما مبادئها وعقيدتها فهي كغيرها من الفرق الباطنية التي وافقتها في الكثير من أصولها, وسنعرض فيما يلي لأهم مبادئ الإسماعيلية ومعتقداتها.
التشبيه
التشبيه نوعان: تشبيه تقصير وتشبيه غلو. تشبيه التقصير هو تشبيه ذات الباري بذات غيره من المخلوقين, أو تشبيه صفاته سبحانه وتعالى بصفات المخلوقين.وتشبيه الغلو هو تشبيه ذات أحد من المخلوقين بذات الله سبحانه, أو تشبيه صفات أحد المخلوقين بصفات الباري سبحانه() وفي كلا التشبيهين هدم للإلوهية الحقة وتقويض لمبادئ الإسلام وخروج صريح على تعاليمه.
والإسماعيلية وان لم تقل بتشبيه التقصير صراحة غلا أنها خاضت في تشبيه الغلو أيما خوض حيث شبهت أئمتها بالله سبحانه وتعالى, فقد كان أبو الفضل الباطني عامل اليمن أيام الدولة الفاطمية كان يصف نفسه بصفات الله تعالى في كتبه التي كان ينفذها. فقد جاء في أحد كتبه التي أنفذها إلى عامله أسعد بن جعفر ما نصه: (من باسط الأرض وداحيها ومزلزل الجبال ومرسيها علي بن الفضل إلى عبده أسعد...)().



الحلول:
وهو أن يحل الله سبحانه وتعالى بذاته أو بروحه في البشر ومذهب الغلاة يحكي قول النصارى في عيسى بن مريم u.
وقد ظهرت بدايات القول به على يد عبدالله بن سبأ اليهودي الذي زعم أن علياً نبي, ثم غلا فيه حتى زعم أنه اله بحلول روح الله فيه() وقد ذهبت إلى القول بالحلول أغلب الفرق الغالية إن لم نقل كلها حيث ادعت كل فرقة أن الإله سبحانه وتعالى قد حل في إمامهم.
وقد قالت الإسماعيلية بوقف الحلول على الأئمة, فقد كانوا ينظرون إلى خليفتهم نظرهم إلى الله, بل إنهم ربما بالغوا في ذلك فأنكروا أن يكون هناك اله سوى إمامهم, ولا أدل على ذلك من كتابات القوم أنفسهم.
فقد نقل لنا الدكتور حسن إبراهيم حسن عن مخطوط اسمه(رسائل الحاكم بأمر الله والقائمين بدعوته يحتوي على عشرين رسالة في أصول الإسماعيلية وهو موجود بدار الكتب الملكية بالقاهرة تحت رقم (عشرين) مخطوطات شيعية نقل عنه ما يدل دلالة قاطعة على اعتقادهم بإلوهية الحاكم بأمر الله واليك جانبا منه:
( ففي الرسالة الثانية (رسالة النساء) يؤكد الداعي خطر تعدد الآلهة ويدافع عن ضرورة الاعتقاد بوحدانية الحاكم الخالق الرزاق وعلام الغيوب)().
أما الرسالة الثانية عشرة وعنوانها المناجاة فهي تشتمل على الدعاء الذي يقوله المؤمنون في مجلس الحكمة() أما الداعي فإنه يبث الدعوة بين الناس مؤيداً ألوهية الحاكم وسرمديته, وغيرها من الصفات التي هي (فكان الحاكم في نظر الداعي هو رب العرش (فأنت صاحب العاجلة, أي الدنيا واليك حكم الآجلة أي الآخرة))().
(والرسالة الرابعة عشرة وعنوانها "الدعاء" ... وفيها يوضح الداعي الاصطلاحات التي كان يلقنها من يدين بمذهب الحاكم. وما جاء فيها الدعاء الآتي: " سبحانك يا مبدع الأشياء, يا مخترع العالمين, يا صفوة العالمين, سبحانك من تعزز بالكبرياء والجبروت, سبحانك من تعاظم أن يكون كمثله شيء, أو يلحقه وصف واصف, سبحانك يا من تعالى عن المساوئ! سبحانك يا من لا تلحقه صفة ولا صفة! شهدت وآمنت وأيقنت بأنك الله المبدع العزيز الواحد الأحد, وأنك بارئ لا بارئ لك, وخالق لا ضد لك, وقادر لا مقدور عليك , حاكم لا محكوم عليك, أسألك يا مولانا وسيدنا العظيم بعظيم جلال قدرتك ونور سلطانك أسألك يا مولانا بأول شيء ظهر من توحيدك وتنزيهك ونفي التشبيه عنك أن تمن علي بخالص معرفتك وحميد طاعتك والبلوغ إلى مرضاتك والثبات على أمرك, والتجنب لنهيك, والصبر على ما ينالني في عبادك من شدائد ومحن. يا أرحم الراحمين!! بحقك على من يصرف هويته عن تسبيحك وتمجيدك إلى سواك . لا أصرف ذاتي إلى غيرك , تائب إليك معترف بألوهيتك متبرئ من كل عدو لك, لا شريك لك, ولا دافع لأمرك, تجاوز عني واغفر ذنبي, واجعل معرفتك التي مننت بها علي في نفسي لا اله غيرك ولا معبود سواك)().
وبنفس الأسلوب وبنفس الروحية يخاطب ابن هانئ الأندلسي المعز لدين الله الفاطمي حيث يقول له:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار()
ولاشك أن القول بالحلول يؤدي إلى هدم الإلوهية ومبدأ النبو وينفي الحاجة إلى القول بها ويدعو إلى التسلط المطلق للإمام على البرايا وفي هذا الهدم كل الهدم للإسلام وتعاليمه.

3- التأويل
التأويل لغ مشتق من الأول بمعنى الرجوع() , واصطلاحاً: هو إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقة إلى الدلالة المجازية من دون أن يخل ذلك من عادة لسان العرب من تسمية الشيء بشبيهه أو سببه, أو مقارنه() والتأويل على صنفين مجازي وباطني, فالتأويل المجازي هو ما كان جارياً على شرطه وهو الأقرب إلى الصواب, كما صرح بذلك العز بن عبدالسلام بذلك(), والتأويل الباطني: هو إخراج اللفظ من دلالته الظاهرية إلى معانٍ باطلةٍ لا يقرها عرف لغوي ولا تستقيم مع قواعد اللغة العربية التي أنزل بها القرآن الكريم().
وهذا النوع من التأويل هو الذي توسعت به الإسماعيلية حتى وصل بهم الحال إلى التحلل الكامل من جميع الأوامر والنواهي التي جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
يقول الإمام الغزالي: ( وإنما الذي يصح من معتقدهم فيه أنهم يقولون لابد من الانقياد للشرع في تكاليفه على التفصيل الذي يفصله الإمام من غير متابعة للشافعي وأبي حنيفة وغيرهما. وأن ذلك واجب على الخلق والمستجيبين إلى أن ينالوا رتبة الكمال في العلوم فإذا أحاطوا من جهة الإمام بحقائق الأمور وأطلعوا على بواطن هذه الظواهر انحلت عنهم هذه القيود وانحطت عنهم هذه التكاليف العملية, فإن المقصود من أعمال الجوارح تنبيه القلب لينهض بطلب العلم فإذا ناله استعد للسعادة القصوى فيسقط عنه تكليف الجوارح وإنما تكليف الجوارح في حق من يجري جهله مجرى الحمر التي لا يمكن رياضتها إلا بالأعمال الشاقة وأما الأذكياء والمدركون للحقائق فدرجتهم أرفع من ذلك)() بل إن الإسماعيلية توغلت في التأويل إلى هوة سحيقة وهو ما يعرف بتأويل التأويل, وهذا النوع يعتبر من أعقد درجات التأويل.. فقد مهدت لذلك بجملة فرضيات من أجل قبول درجة تأويل التأويل هذه.
يقول الإمام الغزالي بهذا لخصوص: ( قالوا: كلما وردت ظواهر في التكاليف والحشر والنشر والأمور الإلهية فكلها أمثلة ورموز إلى بواطن! أما الشرعيات فمعنى الجنابة مبادرة المستجيب بإفشاء سر إليه قبل أن ينال مرتبة استحقاقه, ومعنى الغسل: تجديد العهد على صدقة النجوى.. والصيام هو الإمساك عن كشف السر, والكعبة هي النبي, والباب هو علي والصفا هو النبي والمروة هو علي والميقات هو الأساس والتلبية هي إجابة الداعي والطواف بالبيت سبعاً هو الطواف بمحمد إلى تمام الأئمة السبعة, والصلوات الخمس أدلة على الأصول الأربعة والإمام...
( وكذلك زعموا أن المحرمات عبارة عن ذوى السر عن الرجال وقد تعبدنا بإحسانهم كما إن العبادات عبارة عن الأخيار والأشرار, فأما المعاد فزعم بعضهم أن النار عبارة عن الانحلال والأوامر التي هي التكاليف فتنها موظفة على الجهال بعلم الباطن فإذا نالوا علة الباطن وضعت عنهم أغلال التكاليف وسعدوا بالخلاص منها)().
ونقل لنا جولدزيهر() تصوراتهم في آيات القرآن فقال: (إن آيات الكتاب سهلة يسيرة ولكنها على سهولتها تخفي وراء ظاهرها- أي حسب تصورات الإسماعيلية- معنى خفياً مستتراً ويتصل بهذا المعنى الخفي معنى ثالث يحير ذوي الأفهام الثابتة ويعييها, والمعنى الرابع ما من أحد يحيط به سوى الله واسع الكفاية من لا شبيه له وهكذا نصل إلى معان سبعة الواحد تلو الآخر ففي كل مرحلة أو درجة أعلى من سابقتها يصبح المعنى الباطني والرمزي المتعلق بالمرحلة السابقة أساساً للقيام بتأويلات أخرى أعظم دقة والتواءً إلى أن تبخر تبخراً تاماً موضوع التفسير الإسلامي الذي كان الأساس الأول منذ البداية)().
وقد كان لتأويلاتهم الفاسدة هذه الأثر الكبير في ذوي النفوس الضعيفة الذين يرون في التكاليف الشرعية أعباءً تنوء بها كواهلهم فأخذ الناس يتهافتون على دعوتهم إشباعاً لشهواتهم الدنيئة. وقد ذكر ابن مالك رحمه الله في كشف أسرار الباطنية الكثير من ضلالاتهم التي لسبوها على العوام باسم التأويل واليك جانيا منها:-


قال ابن مالك:-
( فأول ما أشهد به وأشرحه وأبينه للمسلمين أن له –أي الطليحي وهو كبير القرامطة في زمان المؤلف- نواباً يسميهم الدعاة المؤذونين وآخرين يلقبهم بالمكلبين تشبيهاً لهم بكلاب الصيد لأنهم ينصبون للناس الحبائل ويكيدونهم بالغوائل وينقضون على كل عاقل ويلبسون على كل جاهل بكلمة حق يراد بها باطل. يحضونه على شعائر الإسلام من الصلاة والزكاة والصيام كالذي ينثر الحب للطير ليقع في شركه فيقيم أكثر من سنة يمعنون به وينظرون صبره, ويتفحصون أمره ويخدعونه بروايات عن النبي e محرفة وأقوال مزخرفة ويتلون عليه القرآن على غير وجهه ويحرفون الكلم عن مواضعه فإذا رأوا منه الانهماك والقبول والإعجاب بجميع ما يعملونه والانقياد بما يأمرونه قالوا له حينئذ اكشف عن السرائر ولا ترض لنفسك ولا تقنع بما قنع به العوام من الظواهر وتدبر القرآن ورموزه واعرف مثله وممثوله واعرف معاني الصلاة والطهارة وما روي عن النبي e بالرموز والإشارة دون التصريح في ذلك بالعبارة فإن جميع ما عليه الناس أمثال مضروبة محجوبة)().
وهكذا يستدرجون السذج من الناس إلى مهاوي الضلالة والفساد. حتى إذا رأوا منهم استجابة وقبولاً كشفوا عن وجههم وأبانوا عن نواياهم التي بيتوها تجاه الإسلام وأهله. فيسقطون الصلاة والزكاة زاعمين أن معناهما ولاية محمد e وعلي t ثم يسقطون الصوم لأن معناه كتمان سر الدعوة فحسب, ويسقطون سائر أنواع العبادات ويحلون الخمر والميسر زاعمين أن معناهما بغض أبي بكر وعمر إلى غير ذلك من الترهات التي لا مجال ولا فائدة من الإطالة في ذكرها.()
وترى الإسماعيلية أن القرآن الكريم من حيث المعنى من وحي العقول الروحانية, ومن حيث العبارة هو من تأليف الرسول وليس منزلاً بلفظه ومعناه من الله تعالى, لأن العقول مجردة عن المادة واللفظ مركب من محدثات ولذلك فإن النبي e يوحى إليه بالمعاني مجردة فيضعها أو يعبر عنها الناطق- النبي e- باللغة التي يفهمها قومه ويتقنها هو. وترى كذلك أن تأويل الوصي أو الإمام للنص القرآني يقوم مقام ذلك النص لأنهم هم القائمون به, المعبرون عن حقائقه. لهذا قالوا: إن علياً هو القرآن الناطق في مقابل القرآن الصامت الذي يعنون به القرآن الكريم().
ويتبين من هذا أن القرآن الكريم المنزل على رسول الله r هو اقل شأناً عندهم من كلام الأئمة لأن القرآن في تصورهم عجز عن مواكبة أحداث الحياة مما جعله بحاجة إلى من يدفعه إلى الأمام بتأويله وتفسيره والأئمة هم الذين قاموا بهذه المهمة. (وان الأئمة أنسهم هم أعلى قدراً ومنزلة من الرسول لأنهم جاءوا بما هو أفضل وأشرف جاءوا بالحقائق بينما جاء الناطق بالقشور)().
ومن هذا المنطلق فقد القرآن الكريم عند الإسماعيلية أهميته ككتاب هداية وإيمان, وأصبح وجوده كعدمه لظهور ما يحل محله وهو كلام الأئمة, وكذلك فقدت السنة النبوية مكانتها التشريعية. فما قيمة القرآن والسنة إذا كان المعول عندهم على آراء بشرية لا مستند لها من دين ولا عقل. وفي هذا يقول أحد دعاة الإسماعيلية المعاصرين:
(ليس هناك كتاب لإهداء الإسماعيلية لأنهم يهتدون بنبراس الإمامة العظيم الموجود في كل الوجود)().


مكانة الصحابة y عند الإسماعيلية
بعد أن تعرفنا بشكل موجز على أصول الإسماعيلية وعقائدها, تبين لنا أنها تمثل حلقة من حلقات التآمر الشعوبي ضد الإسلام والمسلمين وجانباً من الأحقاد التي خلفتها الأمم البائدة التي كانت تحكم أهوائها في دماء الناس وأعراضهم.
وبعد أن عرفنا في بداية بحثنا منزلة الصحابة الكرام y عند علماء الأمة وسلفها الصالح وكيف استحق هؤلاء الصحابة الكرام كل ذلك التكريم بما أنفقوا من أموالهم وأنفسهم في سبيل الله, أقول بعد أن عرفنا كل هذا أصبح من الممكن أن نتعرف المنظار الذي تنظر به الإسماعيلية إلى الصحابة y .
تنظر الإسماعيلية إلى الصحابة y أنهم المتهم الأول في ضياع أملاكهم البائدة وإنهم السبيل الوحيدة إلى أعادة تلك الصروح إذا ما استطاعوا أن يشوهوا صورتهم في أعين المسلمين, لذا فإنهم لم يدخروا جهداً أو وسعاً من أجل نجاح تلك المهمة, إذ قاموا بنشر آرائهم الضالة بكل الوسائل عن طريق دعاتهم المأذونين بين العوام, وعن طريق التأليف والرسائل العديدة التي تطفح شتماً وسباباً وانتقاصاً لأصحاب رسول الله r .
وترى الإسماعيلية أن الصحابة y كفار كلهم لم يؤمنوا برسالة النبي محمد e وإنما تظاهروا بالإيمان. وفي هذا الصدد يقول شيخ الإسماعيلية محمد بن علي بن حسن الصوري في قصيدته الصورية:
(فأنزل الله على نبيــــه أن يظهر النص على وصيه
فخاف من أصحابه لعلمــه بكيدهم وما نووا من ظلـمه
وقيل لا تشرك فإن أشـركت ليحبطن الله كل ما عمــلت
فقم وبلغ ولا تخف فرحـمتي تنالك اليوم وكن في عصمتي
فقام في يوم غـديـر خـم وقال حكم الله غير حكــمي
من كنت مــولاه فذا مولاه فوالي يارب الـــذي والاه
فمن والــى فقــد والاك كذا ومن عاداه قــد عاداك
وأطلـع الله على ما قد نووا لعبده وما به من الحق طووا
وأنهم سينكثون عهــــده ويغدرون بالوصي بــعده
ويطلبون أهلــــه بالنار تباً لأهل الغدر والإضــرار
ثم قضى الله له ســـبحانه اختاره يســــكنه جنانه
وأن تعود نفســـه الزكية لسعيها راضـــية مرضية
فلم يقولوا مات حتى اجتمعوا وأبرموا وأتقنــوا ما صنعوا
وقدموا لهم وأخــــروا من رفع الله وغدراً ظهروا
ثم أدعوا بأنه ما وصــى وأنكـروا يوم غدير النصا
وعجلوا ظلم البتول الطاهرة لأنهم قد كــذبوا بالآخرة
واعتقدوا أن النبي e كاذب وأن ما سارت له الكواكب ()

وهكذا وبكل بساطة يخرج أصحاب رسول الله r صفر اليدين من كل جهادهم وكفاحهم في سبيل الدعوة الإسلامية بل إنها ترى أن أبا وعمر رضي الله عنهما كانا ساعدي أبي لهب في القضاء على رسول الله r وأن الآية الكريمة (تبت يدا أبي لهب وتب)() معناها تب أب بكر وعمر باعتبارهما يدا أبي لهب. وتب أبو لهب وأنهما تظاهرا بالإسلام كيداً لرسول الله r , فاستمع إلى قائلهم:
(فقال() لما أن رأى أبا لهب ما خصه الله به وما وهـب
يا قوم مالي كله أبـــذله في اللات والعزى لمن يقتله
وعاهد القوم على مرادهـم وأنه باق على اعتــقادهم
وأنه يعلم ما يــــبرمه من أمره عليــه ويحكمه
ثم أتى مذعناً مصـــدقا وعاجــــلاً به قد وافقا
لأجل ذا صار له في الغار مصاحباً بالليــل والنـهار
ليظهر ما يعلمه من شأنه ويطلع القــوم على مكانه
إلى أن قال:
فقال لما جلسوا في الأبطح أن عتيقاً قد مضى لا يفلح
فمن لها مبتدراً قال عمـر أنا الذي أكفيكم هذا الضرر
فقام يثني عطفه تمــردا وقد غدا بســـيفه مقلدا
ثم يقول:
وقال قلها أني أشــهد بأن رب العالمين أوحـد
وأنك الداعي إلى الرشاد رسوله الصادق في العباد
وعاد يبدي لعنـة وكفرا لا يعبد الله تعالى ســرا
لما رأى من قلة الأنصار وضعفــهم وكثرة الكفار
والسيف في يمينه مجرد وســار في أولهم يوحد
يؤمل القوم بأن يعجلوا حتى يقولوا() للنبي يقتلوا
فلم يقم وجهه منهم أحد وأنجز الله له ما قد وعد
فخافهم لما رآهم عادوا وخاف أن يعلم ما أرادوا
فأظهر الألفة والوفاقا وأضمر العدوان والنفاقا
وأنزلت تبت يدا أبي لهب بلعـن الله له تب وتب
أن بهما رام الوصول والظفر بخير خلق الله من نسل مضر()

وفي تاريخ الدولة الفاطمية الكثير من الوقائع التي تؤكد بالبرهان القاطع على زندقة هذه الفرقة المارقة. فكم حدثنا التاريخ عن رجال قتلوا أمام أعين الناس بسبب حبهم لصحابة رسول الله r . أجل لقد كان حب أبي بكر وعمر جريمة يستحق فاعلها العذاب والموت لأنهما طودا الإسلام ورايته الشامخة, ولأنهما كانا شوكة فقأت عيون أجدادهم من عبدة النار, واليك جانباً مما حدث أيام الحكم الفاطمي.
فقد عمل الفاطميون على لعن الخلفاء الثلاثة الأول (أبي بكر وعمر وعثمان) وغيرهم من الصحابة y إذ عدوهم أعداء لعلي().
وذكر المقري أن رجلاً من أهل دمشق حلت به العقوبة أيام حكم الحاكم بأمر الله الفاطمي بسبب محبته لأبي بكر وعمر حيث طافوا به في شوارع المدينة وهم ينادون عليه (هذا جزاء من يحب أبا بكر وعمر) ثم أمر به فضربت عنقه().
ويذكر المقريزي في خططه أن الحاكم قد عزم على نبش قبر أبي بكر وعمر بالمدينة, فرشا الرسل الذين أنفدهم لتأدية هذه المهمة رجلاً من العلويين كان يسكن في منزل قريب من مدفن الخليفتين, ومن ثم شرعا بمعاونته يحفران طريقاً يوصل إلى ما يريدون, إلا أن عاصفة شديدة ثارت وبلغ من ثورانها درجة أدخلت الخوف والهلع في قلوب الأهالي, فهرع الأهالي لاجئين إلى الحرم حيث ووري الجسد الشريف وأجساد الخلفاء الأول, ولما لم تهدأ العاصفة خشي ذلك العلوي وأبلغ الأمر لوالي المدينة, فأحل به عقوبته وحال دون إتمام ما كان يريده الحاكم)().
ويحدثنا ابن خلكان عن آخر خلفاء الدولة الفاطمية العاضد, أنه كان من غلاة الشيعة وكان له ولع خاص بلعن الصحابة y حتى انه كان لا يتردد في قتل أي سني تقع عليه عيناه().
وفي عهد المستنصر (427-428 هـ) ظهرت روح العداء والكراهية تجاه أهل السنة حيث أمر بنقش عبارات لعن الصحابة y رضي الله عنهم على الجدران().





جهود علماء المسلمين في كشف ضلالاتهم



كان لحركة الغلو الباطنية التي حاولت أن تطعن الإسلام في الصميم رد فعل عميق في الوسط الإسلامي وكان رد الفعل هذا يتناسب مع خطورة التحدي الذي تمثله الحركة الباطنية بشتى فصائلها.
وكان من جملة الذين برزوا للدفاع عن عقائد المسلمين والوقوف بوجه الغلاة من أجداد الاسماعيليين الأمام محمد الباقر وابنه جعفر الصادق , فحينما أظهر المغيرة بن سعيد بدعته ووجد نفسه بحاجة إلى من يحميه من آل البيت لجأ إلى محمد الباقر وقال له: (أقرر أنك تعلم الغيب اجبي لك العراق, فهزه وطرده) وتبرأ الأمام جعفر الصادق من أبي الخطاب الأسدي حينما وقف على غلوه().
وحين سئل الإمام على بن محمد العسكري عن تأويل الصلاة والزكاة بالرجال – وهو ما تقول به الباطنية عموماً ومنهم الإسماعيلية- نحو ذلك قال: ليس هذا ديننا ولعن الله من قال بنبوءة محمد بن نصير() النميري)().
وكذلك قام بقية الفقهاء أمثال أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل برد العقائد الباطلة وإفتاء الناس بخروج أولئك الغلاة عن حضيرة الإسلام.
ومن العلماء الذين ألفوا في الرد على مذاهبهم الباطلة وتبصير الناس بانحرافاتهم جابر بن حيان المتوفى سنة 161 هـ الذي ألف كتاباً سماه الخواص الكبير فيه الرد على المانوية وهو مطبوع ضمن (رسائل جابر بن حيان) بالقاهرة.
والجاحظ الذي رد على الزنادقة في الكثير من كتبه كالحيوان والتربيع والتنوير وحجج النبوة.
وعبدالرحيم بن محمد بن عثمان الذي ألف كتابه الانتصار في الرد على ابن الراوندي الملحد.
ثم جاء الأشعري والرازي والاسفراييني والشهرستاني وابن حزم والغزالي ومحمد بن مالك وغيرهم من الذين فضحوا الباطنية وكشفوا عوارها أمام المسلمين, ولم يدخروا وسعاً في الانتصار لدين الله وإيضاح الحجة لأتباعه السائرين في درب الهداية.
وكان لجهود هؤلاء العلماء الأجلاء وغيرهم ممن تلاهم الدور المشرف في فضح الزمر الباطنية وفي مقدمتها الإسماعيلية وفي حفظ العقيدة الإسلامية من الأدران التي كادوا يلصقونها بها حيث بقيت بفضل الله تعالى ثم بهذه الجهود النقية من كل شائبة والخالية من زيغ وانحراف.
Back to top Go down
سلمى العربيه
عربي مميز
عربي مميز


عدد المساهمات: 250
تاريخ التسجيل: 2010-01-18

PostSubject: Re: الصحابه رضوان الله عليهم   Tue Jan 19, 2010 7:46 am

الباب الثاني
الفصل الثالث

مكانة الصحابة عنـــد
الـزيــديـة



تعريف الزيدية ونشأتها
هم أتباع زيد بن علي بن الحسين بن أبي طالب t() ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة رضي الله عنها ولم يجوزوا ثبوت الإمامة في غيرهم().
والزيدية من فرق الشيعة إلا أنها تكاد تختلف تمتما عن جميعهم حتى إنهم رفضوا أن يعدوا من فرق الشيعة, حيث إنهم جوزوا أن يكون كل فاطمي عالم, زاهد, شجاع , سخي خرج مطالباً بالإمامة واجب الطاعة سواء كان من أولاد الحسن أم من أولاد الحسين رضي الله عنهما(). من غير نص من إمام سابق, وكذلك جوزت الزيدية خروج إمامين في قطرين, إذا استجمعا شروط الإمامة آنفة الذكر, ويكون كل منهما واجب الطاعة.
وقد كان زيد بن علي t عالماً بالأصول والفروع حيث تتلمذ في الأصول على رأس المعتزلة واصل بن عطاء() (فأقتبس منه الاعتزال, وصار أصحابه كلهم معتزلة)(). ولما عزم زيد على الخروج والمطالبة بالإمامة أو الخلافة لنفسه التف حوله خلق كثير لما عرفوا من نبل غرضه وكفاءته لما يريد. فبايعه أهل الكوفة أيام هشام بن عبدالملك, وكان أمير الكوفة يوسف بن عمر الثقفي(), وكان زيد بن علي يفضل علي بن أبي طالب على سائر الصحابة y ويتولى أبا بكر وعمر , فلما ظهر في الكوفة سمع من بعض أصحابه الطعن على أبي بكر وعمر, فأنكر ذلك على من سمعه منهم فتفرق عنه أصحابه فقال لهم (رفضتموني) فيقال أنهم سموا رافضة لقول زيد لهم (رفضتموني) ويذكر الرازي أنه لم يبق معه سوى مائتي فارس() سرعان ما قضى عليهم يوسف بن عمر , فقتل زيد وصلب رحمه الله.


وقال يحيى بن زيد في أبيه بعد مقتله:
خليلي عني بالمدينـــة بلغــا بني هاشم أهل النهى والتجارب
فحتى متـى مـروان يقتـل فيكم خياركم والـدهر جم العجائب
وحتى متى ترضون بالخسف منهم وكنتم أباة الضيم عند التجارب
لكل قتيل معشــر يطلبـــونه وليس لـزيد في العراقين طالب()
وتعتبر الزيدية حركة تصحيح في تاريخ الشيعة عموماً فحين اشتد على الذين ناصروا علياً ومن بعده الحسين وجدت أفكار جديدة نادى ببعضها أو بجلها المختار بن عبيد الثقفي بحجة مناصرته لولي دم الحسين محمد بن الحنفية. وقد تبلورت أفكار أولئك الذين يبثون أفكارهم في الظلام في الاجتماع على جملة عقائد:
أولها: أن الإمامة ثبتت بالوراثة لا بالاختيار, فعلي أوصي إليه بالذات من النبي e , وعلي أوصى بها إلى الحسن, والحسن أوصى بها إلى الحسين, إلى آخر السلسلة التي تقر بها كل نِحلة من نِحلهم.
وثانيها: أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما تجاوزا على علي t واغتصبا حقه بتقدمهم عليه وهم بهذا يستحقون اللعن والطعن.
ثالثها: أن الأوصياء معصومون عن الخطأ لأنهم في مقام تبليغ المعارف القدسية إلى الرعية.
رابعها: القول برجعة الأموات أو ما يسمى بالمهدي المنتظر في المذهب الشيعي حيث تدعي كل فرقة أن إمامهم لم يمت وأنه سيعود ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وهذه الفكرة ابتدعها عبدالله بن سبأ اليهودي حين قال في علي t : انه لم يمت وان الرعد صوته والبرق تبسمه().
وقالها المختار الثقفي في عودة محمد بن الحنفية الأبيات التالية:
ألا إن الأئمة من قريش ولاة الحـق أربعة سواء
علي والثـلاثة من بنيه هم الأسباط ليس بهم خفاء
فسبط سـبط إيمان وبر وسبط غيبته كربــــلاء
وسبط لا يذوق الموت حتى يقود الخيل يقدمها اللواء
تغيب لا يرى فيهم زماناً برضوى عنده عسل وماء()
هذه الأفكار هي التي اجتمعت عيها فرق الشيعة عامة ,مخالفة بذلك ما كان عليه أهل البيت رضي الله عنهم, مع أنه لا يصح أن يدعي أحد مناصرة أهل البيت وهو على خلاف ما يعتقدون , فكان لابد والحالة هذه من إمام يظهر من أهل البيت ليصحح هذا الانحراف الخطير, فكان المصحح هو الإمام زيد بن علي t , وسنعرض فيما يلي لأهم الأفكار التي أتجه إلى تصحيحها:

أولاً: ولاية المفضول:
أول ما أتجه الإمام زيد إلى تصحيحه هو ما كان سائداً بين الشيعة من أن الإمامة لابد أن يتولاها أفضل الناس في زمانه, وأنها جزء من ميراث النبوة فقال: لا يشترط في الإمام أن يكون أفضل أهل زمانه, على ألا تتعارض مصلحته مع مصلحة المسلمين.
فهو وإن كان يعتقد أن علياً t هو أفضل الناس بعد رسول الله r لكنه كان يعتقد أن خلافة الشيخين أبي بكر وعمر صحيحة مستكملة لشروط الصحة, وكان يكن لها الاحترام والإكبار في نفسه, يشهد لهذا ما رواه عنه الشهرستاني بهذا الخصوص فقال:
(كان علي t أفضل الصحابة y - والكلام لزيد t- إلا أن الخلافة فوضت إلى أبي بكر لمصلحة رأوها, وقاعدة دينية راعوها, من تسكين ثائرة الفتنة وتطييب قلوب العامة, فإن عهد الحروب التي جرت في أيام النبوة كان قريباً, وسيف أمير المؤمنين u عن دماء المشركين لم يجف بعد, والضغائن في صدور القوم في طلب الثأر كما هي, فما كانت القلوب تميل إليه كل الميل, ولا تنقاد إليه الرقاب كل الانقياد, وكانت المصلحة أن يكون القيام بهذا الشأن لمن عُرف باللين والتودد والتقدم بالسن والسبق في الإسلام, والقرب من رسول الله r , ألا ترى أنه لما أراد أبو بكر في مرضه الذي مات فيه بتقليد الأمر إلى عمر بن الخطاب صاح الناس وقالوا: لقد وليت علينا فظاً غليظاً, فما كانوا يرضون بأمير المؤمنين عمر لشدته وصلابته, غلظته بالدين وفضاضة على الأعداء حتى سكنهم أبو بكر e)().
ونحن وان كنا نشك في صحة هذا الكلام إلى زيد بن علي t بهذا اللفظ الذي اعتمده الشهرستاني وابن خلدون, لأن مضمونه غير متوافق مع ما كان يكنه الصحابة y رضي الله عنهم لأهل بيت رسول الله r من حب وإجلال, إذ كيف يصح القول بأن رغيتهم في الثأر من علي لم تهدأ وهو يصلون عليه في صلواتهم! وكيف لم ينسوا ثارات الجاهلية وهم الذين تربوا في مدرسة رسول الله r وقد كان أحدهم يدخل في دين الله فلا يبث يوما ًواحداً حتى يخرج مقاتلاً أهله وعشيرته في سبيل هذه العقيدة التي آمن بها؟
يستخلص من كلام زيد بن علي هذا أمور:
أولها: أن زيداً كان يرى أن علياً t أفضل من عامة الصحابة y وأنه أفضل الناس بعد رسول الله r .
ثانيها: أن أبا بكر t ولي الخلافة بناءً على اختيار المسلمين له من غير أن يكون هناك نص له أو لأحد غيره.
ثالثها: أنه كان يعتقد أن مصلحة المسلمين كانت في ولاية الشيخين رضي الله عنهما دون شواهما.
رابعها: أن اعترافه بخلافة الشيخين يدل على أن الإمام عنده يجوز أن يكون غير فاطمي وما نسب إليه من اشتراط النسب الفاطمي إنما هو شرط أفضلية لا شرط صحة, لعدم توفر هذا الشرط في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما مع اعترافه بصحة خلافتهما().

ثانياً: عدم عصمة الأئمة
إذا علمنا أن الإمام زيداً لا يفرض إمامة الأفضل دائماً وإنما ذلك منوط بمصلحة المسلمين, وأنه لا يدعي أن النبي e نص على واحد بعينه للقيام بمهام الخلافة, علمنا أنه لم يعد هناك مكان لادعاء عصمة الأئمة, لأنهم إنما يستمدون عصمتهم من تولية النبي e لهم, فلما لم يكون هناء ايصاء لم تكن هناك عصمة, ثم إن المعصوم إنما يعصم من أجل أن لا يخطئ فإذا لم يكن المعصوم قائماً بالإمامة فلا فائدة من خلق العصمة فيه. ولتوضيح هذا الكلام نقول: إذا أدعينا العصمة لعلي t في حياة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ولم يقع اختيار المسلمين عليه لم تكن هناك فائدة من عصمته, إذ المفروض فيها أن تعصمه من الزلل والخطأ في الحكم. لهذا لم يقل الإمام زيد بعصمة الأئمة فالإمام عنده قائم باختيار المسلمين لأمر مصلحي, ليس هو المرجع الديني للمسلمين كما هو الحال عند الشيعة حتى تكون عصمته واجبة().


ثالثاً : عدم القول بالأئمة المستورين
إن الدارس لفرق الشيعة يجدها لا تخلو من القول بوجود إمام قائم مستور يعولون عليه أن يعود إليهم ويظهر لهم فتكون لهم الدولة والسلطان, فالكيسانية ترى أن محمد بن الحنفية هو المهدي المنتظر- كما ذكرنا آنفاً- وتدين الإمامية بمهدوية إمامهم الثاني عشر وهكذا فعلت عامة فرق الشيعة فكلهم يؤمنون بعودة المهدي المنتظر مع اختلافهم في شخصه ومكان اختباءه وكيفية عودته, وأنه سوف يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً كل هذا قائم على أساس أن الإمامة جزء وميراث من النبوة.
أما الإمام زيد فقد انطلق من غير هذه الدائرة واعتبر أن الإمامة كما قلنا إقامة لمصلحة عامة وأن الإمام معروف بوصفه لا بشخصه لذا لم يكن هناك إمام مستور لأن من شروط الإمام عنده أن يخرج ويدعو لنفسه فان لم يخرج فليس بإمام.
هذه هي جملة الآراء التي جاء الإمام زيد من أجل أن يطبقها, ولقد اجتهد رحمه الله في إعادة التشيع إلى حالته الأولى, أيام علي t وفي سبيل هذه المبادئ قتل زيد t فقد رفض رحمه الله أن ينال من الشيخين ولو كلفه ذلك خذلان قومه له كما مر.

مكانة الصحابة y عند فرق الزيدية
ذكر عامة كتاب الفرق والمقالات الإسلامية أن الزيدية تنقسم إلى ثلاث فرق. هي: الجارودية والسليمانية والبترية().
في حين انفرد أبو الحسن الأشعري() في تقسيمه للزيدية فأصلهم إلى ست فرق هي: (الجارودية والسليمانية والبترية والنعيمية والفرقة الخامسة لم يسمها واكتفى بترقيمها وأخيرا اليعقوبية)
وسنجري في بحثنا على ما كتبه أبو الحسن الأشعري لأنه ذكر عقائد كل فرقة بشكل موجز دقيق, وخاصة الناحية التي نحن بصددها وهي موقف كل فرقة من الصحابة y .
وقب أن نفصل في مواقف هذه الفرق من الصحابة y نود أن نقول:
إن الزيدية في نشأتها الأولى أيام الإمام زيد وما بعده بقليل كانت على مذهب إمامها وهو تولي عامة الصحابة y وعدم الطعن في واحد منهم, ثم تغير الحال شيئاً فشيئاً وظهر الطعن في الصحابة y وتكفيرهم وتكفير من تولاهم().
قال الشهرستاني: (ومال أكثر الزيدية بع ذلك إلى القول بإمامة المفضول , وطعنوا في الصحابة طعن الإمامية)() واليك موقف أهم فرقهم من الصحابة y .
مكانة الصحابة y عند الجارودية:
وهم أتباع أبي الجارود() زياد بن أبي زياد , زعموا أن النبي e عين علياً بالوصف دون الشخص وهم يرون أن الصحابة y كفروا لأنهم بايعوا أبا بكر دون علي رضي الله عنهما().
مكانتهم عند السليمانية:
وهم أتباع سليمان بن جرير, وهم اقل انحرافاً عن آراء الإمام زيد من الجارودية وكان سليمان هذا يقول بصحة خلافة أبي بكر وعمر وان ينزه لسانه عن الطعن بهما, غير أنه كان ينال من عثمان t حتى أنه كفّره وكفّر معه عائشة والزبير وطلحة() لأنهم قاتلوا علياً , وخطّأ الصحابة y عموماً لمبايعتهم أبا بكر دون علي, لكن من غير أن يفسقهم أو يكفرهم, ثم إنهم مع موافقتهم للرافضة في طعنهم ببعض الصحابة y نراهم يطعنون في الرافضة من ناحيتين: أولاهما القول بالبداء وثانيهما القول بالتقية لأنهم – أي الإمامية- باعتمادهم على هذين المبدأين لا يتبين صدقهم من كذبهم().
مكانتهم عند البترية أو الصالحية:-
وهم أصحاب كثير النووي الملقب بالأبتر(), وأصحاب السحن بن صالح بن حي() وهم أكثر اعتدالاً من السليمانية فلم يحكموا بكفر عثمان t كما أنهم لم يحكموا بإيمانه لأنهم قالوا اذا نظرنا في حاله قبل الخلافة حمنا بإيمانه وبأنه من أهل الجنة, وإذا نظرنا في حاله بعد الخلافة رأيناه تقدم على أفعال غير صالحة حيث ولى الظالمين من بني أمية, فتحيرنا في أمره, ووكلنا أمره إلى أحكم الحاكمين.
مكانتهم عند النعيمية:
وهم أصحاب نعيم بن اليمان(), وهم يزعمون أن علياً مستحق للإمامة وأنه أفضل الناس بعد رسول الله r وأن الأمة أخطأت حيت تجاوزته, لكنه ليس خطأ أثم, وإنما هو من باب ترك الأولى.
وهم يتبرؤون من عثمان t ومن كل الذين حاربوا علياً وشهدوا عليهم بالكفر والعياذ بالله().
مكانتهم عند الفرقة الخامسة من فرق الزيدية
وهذه الفرقة لم يسمها لنا أبو الحسن الأشعري, ولا غيره ممن تكلموا في الزيدية وفرقها وهي تتبرأ من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لتقدمهما على علي t في الخلافة و لا ينكرون رجعة الأموات قبل يوم القيامة().
مكانتهم عند اليعقوبية:
وهم أتباع رجل يسمى يعقوب() وهم يتولون أبا بكر وعمر غير إنهم لا يتبرؤون ممن يتبرأ منهما, وهم ينكرون رجعة الأموات ويتبرؤون ممن يدين بها().
ومن الجدير بالذكر أن الخط العام للزيدية في القرون الأخيرة قد اقترب كثيراً من الزيدية الأولى أيام زيد بن علي فلم يعودوا ينتقصون أحداً من الصحابةy وغاية ما في الأمر أنهم يرون أن علياً t أفضل من بقية الصحابةy ,وأن الصحابةy تركوا الأولى حينما لم يبايعوه على الخلافة بعد وفاة رسول الله r وتعايشوا مع المسلمين وشاركوا في بناء الحضارة الإسلامية وأتحفوا المكتبة الإسلامية بتراث عظيم من العلوم التي خطتها أيادي جهابذة من علمائهم, كالإمام يحيى بن حمزة والصنعاني والشوكاني وغيرهم.





الباب الثاني
الفصل الرابع

مكانة الصحابة
عنــــــد
الخـــوارج



مكانة الصحابة y عند الخوارج
الخوارج : كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت عليه الجماعة يسمى خارجياً سواء كان ذلك الإمام أيام الصحابة y أم أيام من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
غير أن هذا الاسم اختصت به فرقة من فرق المسلمين وأصبح علماً على الذين خرجوا على علي بن أبي طالب t بعد موقعة صفين().
واختلف المؤرخون في تعيين بدء خروجهم فيرى بعضهم أن ذلك كان عند قبول علي t التحكيم. يقول ابن الجوزي: (... لما طالت الحرب بين معاوية وعلي رضي الله عنهما رفع أصحاب معاوية المصاحف ودعوا أصحاب علي إلى ما فيها, فقال الناس: قد رضينا... وأخر القضاء إلى رمضان فقال عروة بن أذينة تحكمون في أمر الله الرجال لا حكم إلا لله, ورجع من صفين فدخل الكوفة ولم تدخل معه الخوارج فأتوا حروراء فنزل بها منهم اثنا عشر ألفاً(). فغلى هذا يكون نشوء الخوارج وظهورهم قبل ظهور نتائج التحكيم.
بينما ذهب فريق آخر من المؤرخين إلى أن بداية ظهور الخوارج كانت على عهد رسول الله r فقد (كان مر على النبي e ذو الثدية() وهو –أي رسول الله r - يقسم غنائم بدر فقال له: اعدل يا محمد, فقال عليه الصلاة والسلام خبت وخسرت إن لم أعدل من يعدل, ثم قال: إنه يخرج من (ضئضي هذا قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)() وأصبح ذو الثدية فيما بعد المحرك الأساس لفرقة الخوارج, لكن من الجدير بالذكر أن ذا الثدية لم يسجل له التاريخ أي نشاط في عهد رسول الله r أو عهد الخلفاء الراشدين وبالتالي فلا يمكن الاعتماد على هذه الحادثة لربط تاريخ الخوارج بها().
بينما ذهب فريق ثالث إلى أن ظهور الخوارج كان بعد ظهور نتائج التحكيم إذ تجمعت أثناء ذلك فرقة من أصحاب علي t وقالوا لماذا نرضى بحكم الحكمين هذا ولماذا أعرض عن حكم الله لقد كفر بما فعل ولزم علينا أن نحاربه حتى يسلم مرة أخرى ويتوب عن هذا الإثم أو نقتله.
ولعل الصواب في هذا ما ذهب إليه بعض الباحثين وهو أن فريقاً من الخوارج قد خرجوا على علي أثناء قبوله التحكيم مدعين أن ذلك تحكيم لغير الله وأنه متضمن للشك في صحة موقفهم في حربهم لأهل الشام.
وإن فريقاً آخر خرجوا عليه t بعد أن رفض قبول نتائج التحكيم مدعين أنه قد رفض بهذا حكم الله سبحانه وتعالى. وبعد هذا الربط التاريخي بين حادثة التحكيم وظهور الخوارج فإن على الناقد البصير أن يلتمس أسباباً أخرى أبعد غوراً أدت إلى ظهور الخوارج. (إذ لا يمكن أن يكون هذا الحزب قد تكّون دفعة واحدة بل لابد أن فكرة هذا الحزب التي تكونت حولها مبادئه الأولى كانت منتشرة في فئة من المسلمين أو أنها تتفق مع أغراض أو أفكار أخرى كانت تشغل بال المسلمين قبل التحكيم)(). فما هذه الأسباب؟
أولاً: إن الخوارج كانوا – وخاصة في موقفهم من الإمامة وما يجب أن تكون عليه من عدل واختيار- يمثلون النزعة التي كانت تسود أتقياء الصحابة y الذين استفزهم الوضع القائم وعدم الاستقرار وسوء توزيع الثروة(). فكانوا يطمحون إلى إنشاء مجتمع تزول فيه الطبقية ويحكمه العدل المطلق ويصير الناس فيه إلى أخوة الإسلام وسماحته الكبيرة, حتى أنهم جوزوا أن لا يكون هناك إمام أصلاً إذا ما تحاكم الناس إلى كتاب الله وعرف كل فرد من الرعية ماله وما عليه (وإذ احتيج إليه فيجوز أن يكون عبداً أو حراً أو نبطياً أو قرشياً)() بل إنهم يرون إن الإمام إذا لم تكن قبيلة تحميه فإن نصبه أولى ليسهل خلعه إذا ما أنحرف عن الصراط القويم بيد أن مثاليتهم هذه انتهت إلى جمود فكري وتعصب عقدي أدى إلى ظهور النزعات المتطرفة والهدامة في صفوفهم.
ثانياً: من الأمور التي تتمثل في حركة الخوارج والتي يرى كثير من الباحثين أنها من أسباب ظهورهم إنها-أي حركة الخوارج- كانت تمثل الروح التقليدية للتمرد القبلي على المركزية والنزوع إلى الفردية التي تمثل أهم خصائص التكوين العقلي للإنسان العربي في جاهليته والتي جاهد الإسلام في تخفيف حدتها().
وقد أكثر الخوارج من القبائل الربعية التي كانت تشاطر القبائل المضرية في النفوذ والسلطان فليس من السهل على الربعيين أن يسلموا لقريش – وهي مضرية- بالسيادة والرئاسة.
قال محمد أبو زهرة: (ومن أعظم الأمور التي حفزته على الخروج أنهم كانوا يحسدون قريشاً على استيلائهم على الخلافة واستبدادهم دون الناس, ذلك أن أكثرهم من القبائل الربعية التي قامت بينها وبين القبائل المضرية الاحن الجاهلية التي خفف الإسلام من حدتها)().
بيد إن هذه العصبية لم تمت تماماً في النفوس وأخذت الحياة تدب في عروقها من جديد. فقد جاء في شرح نهج البلاغة لأبن أبي الحديد (أن علياً t كان لا يعدل بربيعة أحد من الناس فشق ذلك على مضر وأظهروا لهم القبيح)() فكان هذا التنافس سبباً في انشقاق الخوارج عن علي t.
ثالثاً: يرى بعض الباحثين أن الخوارج نبتوا من فرقة السبئية الغلاة, فقد كان كثير من الخوارج قبل أن يعرفوا بهذا الاسم ينقدون خلافة عثمانt إن لم نقل كلهم, وربما اشتركوا في قتله t لذلك كانوا لا يريدون للحرب أن تنتهي بين علي ومعاوية رضي الله عنهما ولا للصلح أن ينعقد مخافة أن يعاقبوا على جريمتهم في قتل عثمان t فكانوا يعملون دائماً على أن لا يتم الصلح أو النصر المبين لأحد الطرفين, فحين كانت المعركة وشيكة على الانتهاء لصالح علي t كان الخوارج لا يريدون له النصر وأجبروه على قبول التحكيم فلما قبل به خرجوا عليه من جديد وقالوا له تب كما تبنا وإلا خرجنا عليك.
ويرى الدكتور عرفان عبدالحميد أن مما يقوي هذا الرأي هو (أن بعضاً من آراء الغلاة وجدت لنفسها مكاناً عند بعض فرق الخوارج)().
فاليزيدية() وهم من فرق الخوارج يرون (أن الله عز وجل يبعث رسولاً من العجم وينزل عليه كتاباً من السماء وينسخ بشرعه شريعة محمد وزعم أتباع ذلك النبي e هم الصابئون المذكورون في القرآن)().
وكذلك الميمونية() من الخوارج فإنهم أباحوا نكاح بنات الأولاد من الأجداد وبنات أولاد الأخوة والأخوات.

صفات الخوارج
لقد تميز الخوارج بصفات قل أن توجد في سواهم, وسنرى من خلال دراستنا لصفاتهم أنهم تميزوا بالطابع العربي المحض, فقد كانت صفاتهم عربية بخيرها وشرها, عربية في البساطة وعدم العمق, عربية في الصراحة والوضوح, عربية في الشجاعة وحب الوغى, عربية في الفردية وضعف الروح الجماعية, عربية في الوفاء, عربية في عدم تقديس الزعماء.
فمن بساطة الخوارج وسطحيتهم فهمهم لنصوص القرآن على ظاهرها ببساطة شديدة على النقيض من فرق الشيعة التي كانت تتخبط في متاهات التأويل العميق. فقد استدل نافع بن الأزرق زعيم الأزارقة من الخوارج على جواز قتل أطفال مخالفيهم بقوله تعالى: } وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا = 26 إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا{ ()
واستدلوا على كفر علي t بقوله تعالى: } إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ{() بحجة أن علياً حكّم الرجال في كتاب الله فيكون قد حكم غير الله في أمر المسلمين().
ومن ملامح الخوارج الغالبة تشددهم في العبادة ومبالغتهم فيها, فقد روى ابن عباس حين ذهب إليهم رسولاً من قبل علي t رأى منهم جباهاً قرحة لطول السجود, وأيدياً كثفنات الإبل وهم مشمرون للعبادة().
ومما يروى أيضاً عن مبالغتهم في العبادة : ما روى عن زياد بن أبيه من أنه قتل أحد الخوارج ثم جاء بمولاه فقال له: صف لي أمره واصدق. قال المولى: أأطنب أن اختصر؟ فأجابه زياد: بل اختصر. قال المولى: ما أتيته بطعام في نهار قط ولا فرشت له فراشاً بليل قط.
ويصف أبو حمزة الشاري أصحابه خير وصف فيقول: (... وقد بلغني أنكم تنتقصون أصحابي! قلتم هو شباب وأحداث ,أعراب جفاة ويحكم , ما هم في الخير إلا شباباً أحداثاً؟ أما والله إني لعالم بتتابعكم فيما يضركم في معادكم... شباب والله مكتهلون في شبابهم, غضيضة عن الشر أعينهم, ثقيلة عن الباطل أرجلهم, أنضاء عبادة وأطلاح سهر باعوا أنفساً تموت غداً بأنفس لا تموت أبداً, قد نظر الله إليهم في جوف الليل, منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن, كلما مر أحدهم بآية من ذكر الجنة بكى شوقاً إليها وإذا مر بآية من ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه, وقد أكلت الأرض ركبهم وأيديهم وأنوفهم وجباههم, وصلوا كلال الليل بكلال النهار, مصفرة ألوانهم, ناحلة أجسامهم من طول القيام وكثرة الصيام مستقلون لذلك في جنب الله, موفون بعهد الله منجزون لوعد الله, حتى إذا رأوا سهام الأعداء قد فوقت ورماحهم قد أشرعت وسيوفهم وقد انتضيت, ورعدت الكتيبة بصواعق الموت, استخفوا بوعيد الكتيبة, ولقوا شبا الأسنة, وشائك السهام, وضباب السيوف بنحورهم ووجوههم وصدروهم, فمضى الشاب منهم مقتولاً وقد اختلفت رجلاه على عنق فرسه, واختضبت محاسن وجهه بالدماء, وعفر جبينه الثرى وانحطت عليه طير السماء وتمزقته سباع الأرض فطوبى لهم وحسن مآب فكم من عين في منقار طائر طالما بكى صاحبها في جوف الليل من خوف الله وكم من يد قد أبينت عن ساعدها طالما اعتمد عليها صاحبها راكعاً وساجدا, وكم من وجه رقيق وجبين عتيق قد فلق بعمد الحديد)().
ولا شك أن جماعة بهذا الورع وبهذا الإيمان لا يتهمون في دينهم وإخلاصهم فقد كانوا مخلصين لدين الله ساعين لخير الإسلام لكنهم قد ضلوا الطريق من حيث لا يعلمون وقد وصفهم عمر بن عبدالعزيز t أحسن وصف حين قال لهم: (إنكم أردتم الآخرة فأخطأتهم سبيلها)().
ومما تميز به الخوارج: شجاعتهم الفائقة في الذب عن معتقداتهم وأول ما يتبادر لنا من شجاعتهم ما أشتهر من أشعار قائدهم المغوار قطري بن الفجاءة الذي كان يناجي نفسه فيقول:
فصبراً في مجال الموت صبرا فما نيل الخلود بمــستطاع
سبيل الموت غاية كل حــي وداعيـه لأهل الأرض داعي
وما للمرء خيـــر من حياة إذا ما عدّ من سـقط المتاع()

وقد كان لقطري بن الفجاءة هذا زوجة من أشجع النساء وأكثرهم تمسكاً بتعاليم الدين وكانت تشارك في الحروب وتحمل على صفوف الأعداء وهو ترتجز:
أحمل رأساً قد سئمت حمله
وقد مللت دهنــه وغسله
ألا فتى يحمــل عني ثقله()
وقد قيل للمهلب بن أبي صفرة(): ما أعجب ما رأيت في حرب الأزارقة. فقال: فتى كان يخرج إلينا منهم في كل غداة فينشد:
وسائلة بالغيب عني ولو درت مقارعتي الأبطال طال نحيبها
إذا ما التقينا كنت أول فارس يجود بنفس أثقلتها ذنوبها
ثم يحمل فلا يقوم له شيء إلا أقعده فإذا كان من الغد عاد لمثل ذلك().
ونحن إذ نصف هذه الصفات للخوارج ونقرر أنهم لم يكونوا متهمين في دينهم ومقاصدهم وأنهم لم يكونوا أعداء مباشرين للإسلام والمسلمين بطريق مباشرة فإنهم بتمسكهم الشديد بآرائهم وسطحيتهم في فهم تعاليم الدين قد آل أمرهم ليصبحوا أعداء خطرين للإسلام والمسلمين إذ ابتدعوا في الدين ما ليس منه واستباحوا دماء المسلمين وأموالهم وأعاقوا نشاط الدولة الإسلامية ردحاً من الزمن() وتسببوا في هدر الكثير من الجهود والطاقات التي كان من الممكن الاستفادة منها في الجهد العام في بناء الدولة والمجتمع الإسلامي المنشود.





فرق الخوارج وآراءهم
قبل الكلام عن فرق الخوارج يجدر بنا أن نتعرف على ما يجمع فرقهم من عقائد وآراء.
لقد اجتمعت فرق الخوارج على عدة مسائل على الرغم من اختلافاتها فيما بينها() وهي:
إجماعهم على أن الخليفة لا يون إلا بالانتخاب الحر الصحيح يقوم به عامة المسلمين لا فريق منهم ويستمر الخليفة في منصبه ما دام قائماً بالعدل مقيماً للشرع فإن تنكب لذلك وجب عزله.
إن الخليفة لا يختص به بيت من بيوت المسلمين , فكل من توفرت فيه شروط الإمامة جاز له ذلك سواء أكان من قريش أو من سواها.
مما أجمعت عليه الخوارج أيضاً تكفير علي وعثمان والحكمين وأصحاب الجمل, عائشة وطلحة والزبير وكل من رضي بالتحكيم.
أجمعت الخوارج سوى الإباضية على اعتبار مرتكب الكبيرة كافراً مخلداً في نار جهنم.
قلنا فيما سبق عند الكلام على صفات الخوارج ( إنهم يتميزون بالفردية وضعف الروح الجماعية , ومن شأن هذه الصفة أن تبعث على التفرق والتمزق. من أجل هذا انقسم الخوارج إلى فرق عديدة(), وصارت إمكانية حصر فرقهم مسألة صعبة, مما أدى إلى اختلاف علماء الفرق في بيان فرقهم وبيان عددها. لكنهم اتفقوا على أنهم لا يقلون عن عشرين فرقة.
لذا فإنا سوف نذكر فرق الخوارج أصولاً وفروعاً ونحن مقتفين أثر الشهرستاني في ذلك لما له من سابقة في هذا المضمار لوضوح تقسيماته وبساطتها:
وعليه يمكن تقسيم فرق الخوارج كالاتي:
( المحكمة الأولى() والأزارقة() والنجدات() والبيهسية() ومن البيهسية فرقة تسمى العونية)() وهي فرقتان , ومنهم أصحاب التفسير() ومنهم أصحاب السؤال() والعجاردة(), وقد افترقت بدورها إلى : الصلتية() والحمزية() والخلفية() والميمونية() والأطرافية() والشعبية() والخارمية() والثعالبة(), وتنقسم الثعالبة إلى فرق وهي: الأخنسية() و والمعبدية() والرشدية() والشيبانية() والمكرمية())



الأزارقة
وهم أتباع راشد بن نافع بن الأزرق الحنفي , وهم من أكبر فرق الخوارج عدداً وأشدهم شوكة() وأعظمهم خطراً على المسلمين, خرجوا مع نافع من البصرة إلى الأهواز فغلبوا عليها وعلى فارس, وقد هزموا كثيراً من جيوش المسلمين, تصدى لهم البطل المغوار المهلب بن أبي صفرة اختاره أهل البصرة ليذود عنهم وعن حرمهم, ثم أقره ابن الزبير على حربهم وبعد ابن الزبير أقره عبدالملك بن مروان والحجاج. وقد استمرت الحروب بين الأزارقة والمهلب تسعة عشر عاماً. ولولا بطولة المهلب وانقسام الأزارقة على أنفسهم لما انقضت حربهم بالفترة التي انقضت فيها().
وقالوا (الدار دار كفر إلا من أظهر إيمانه ولا يحل ذبائحهم ومناكحتهم ومواريثهم وهم ككفار العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف ولا يحل القعود عن الجهاد . والقَعَدَة كفار)().
وذكر الشهرستاني عقائدهم فيقول: إن أهم بدعهم هي():-
تكفير سواهم من المسلمين.
تكفير القعدة.
إباحة قتل أطفال المخالفين ونساءهم.
إسقاط الرجم عن الزاني إذ ليس في القرآن ذكره.
الحكم بأن أطفال المشركين في النار مع آبائهم.
التقية غير جائزة قولاً وعملاً.
تكفير من ارتكب الكبيرة.
ويضيف الشهرستاني إلى بدعهم هذه بدعة جديدة , فيقول: ( واستحلوا كفر() الأمانة التي أمر الله تعالى بأدائها. وقالوا إن مخالفينا مشركين فلا يلزمنا أداء أماناتنا إليهم)().
Back to top Go down
سلمى العربيه
عربي مميز
عربي مميز


عدد المساهمات: 250
تاريخ التسجيل: 2010-01-18

PostSubject: Re: الصحابه رضوان الله عليهم   Tue Jan 19, 2010 7:48 am

النجدات:
وهم إتباع نجد بن عامر الحنفي الذي كان مع نافع بن الأزرق على عبدالله بن الزبير ثم اختلفا فيما بينهما بخصوص التقية حيث منعها نافع واقرها نجدة واختلفا كذلك في حكم القعدة , فقد قال نافع : القعود عن الجهاد كفر بينما عذر نجدة القاعدين عن الجهاد وأدى اختلافهم هذا إلى توجه نافع إلى البصرة بينما توجه نجدة بمن معه إلى اليمامة وبقي فيها فترة ثم خرج بمعسكره عازماً على اللحاق بنافع في البصرة لولا أن جاءه أبو فديك وعطية بن الأسود قافلين من البصرة فأخبراه بما أحدث نافع هناك فرجع مع هؤلاء بعسكره وقد أمروه عليهم.
ومن عقائد النجدات التي تميزهم عما سواهم من فرق الخوارج أنهم أكثر تساهلاً من الأزارقة. فهم لا يكفرون القعدة ويبيحون التقية ويعذرون بالجهالات ويرى نجدة أن الدين أمران: أحدهما معرفة الله ومعرفة رسوله والإقرار بما جاء من عند الله جملة وهذا واجب على كل مكلف, والأمر الثاني هو ما سوى ذلك والناس معذورون فيه إن جهلوه. فمن أداه اجتهاده إلى استحلال حرام وتحريم حلال فهو معذور , لهذا سموا بالعاذرية , ويرى أن من كذب كذبة وأصر عليها أشرك, ومن زنى وسرق وشرب الخمر دون إصرار لا يشرك().

العجـــــاردة
هم أتباع عبدالكريم بن عجرد وافق النجدات في بدعهم, وقد تفرد بقوله يجب التوقف في أطفال المسلمين حتى يبلغوا ويُدعوا إلى الإسلام , أما أطفال المشركين فهم مع آباءهم في النار. ويرون أن الهجرة فضيلة لا فريضة ولا يكفرون القعدة بقعودهم بل يتولونهم.
وفي العجاردة ميل إلى الانقسام , فقد ذكر البغدادي والشهرستاني وفخر الدين الرازي انقسامها إلى سبع فرق وهيSad الصلتية والميمونية والحمزية والخلفية والأطرافية والسبعية والحازمية)().

الصفـــرية
هم أتباع زياد بن الأصفر أو ابن الصفار , وقال قوم اصفرت وجوههم من العبادة فسموا بذلك, وقولهم في الجملة كقول الأزارقة في أن أصحاب الذنوب مشركون غير أن الصفرية لا يرون قتل أطفال مخالفيهم ونساءهم والأزارقة يرون ذلك , وقد زعمت الصفرية أن ما كان من الأعمال فيه حد واقع لا يسمى صاحبه إلا بالاسم الموضوع له كزانٍ وسارق وقاذف وليس صاحبه كافراً ولا مشركاً().

الأباضية
وهم أتباع عبدالله بن أباض, ويرون ان كفار هذه الأمة يعنون بذلك مخالفيهم من هذه الأمة براء من الشرك والإيمان وأنهم ليسوا مؤمنين ولا مشركين ولكنهم كفار() وهم يعنون به كفر نعمة وليس كفر شرك() ويرون صحة مناكحة المخالفين من المسلمين والتوارث معهم, وأن دار مخالفيهم من أهل الإسلام دار توحيد إلا معسكر السلطان فإنه دار بغي, ويقبلون شهادة مخالفيهم ولا يجيزون قتالهم إلا بعد دعوتهم .
وقد بادت جميع فرق الخوارج آنفة الذكر ولم يتبق منها سوى طائفة الإباضية تقيم في عمان وفي جهات أخرى من شمال أفريقية ويكره إباضية عمان أن يسموا خوارج(), حيث إنهم لم يعد يربطهم بالخوارج سوى اسمهم وهم الآن متعايشون مع المسلمين على أكمل وجه , وقد استطاع المذهب الإباضي أن يثبت أصالته خاصة في العصور المتأخرة في عمان حيث استطاع أن يعطي تطبيقات عملية حول سلطات الإمام وواجباته ومسؤولياته الإدارية والمالية والأمنية, يقول الدكتور فاروق عمر: ( وبعد أن نجح الإباضية في تأسيس كيانات سياسية في عمان والمغرب العربي فقد كان لابد لهم من أن يغيروا ويعدلوا في نظريتهم... وهنا لابد من القول بأن المذهب الإباضي أظهر مرونة واعتدالاً ونظرةً توفيقية بحيث يتلاءم مع الظروف السياسية والاجتماعية في عمان وفي ذلك يكمن سر نجاح الإباضية واستمرارها لأكثر من اثني عشر قرناً من الزمان)().
وكان الإباضيون في المغرب العربي سواء أكانوا حكاماً أم ثواراً على قدر كبير من العفة والنزاهة والأخلاق الحميدة التي تؤكد تمسكهم بأهداب الشريعة الغراء. يقول الدكتور محمود إسماعيل: (فحروب الإباضية في المغرب عموماً انطوت على مثالية مفرطة في معاملة الخصوم ونجد مصداقاً لذلك في حروب أبي يزيد() ... فحسبه وفاؤه بالعهود التي كان يقطعها على نفسه ببذل الأمان لسكان المدن المفتوحة, ولم يلجأ إلى أساليب القمع والبطش إلا حين تمردت هذه المدن وانضمت لخصومه)().


مكانة الصحابة y عند الخوارج
قلنا أثناء كلامنا على فرق الخوارج أنهم يجمعهم اكفار عثمان وعلي والحكمين وأصحاب الجمل رضي الله عنهم جميعاً , وهم – الخوارج- كانوا يأخذون الأمور بسطحية شديدة , فبنوا نتائجهم على مقدمات ساذجة, فهم حينما قالوا بأن مرتكب الكبيرة كافر وقعوا في ورطة كبيرة جرتهم إلى أن يقعوا في أخطاء أكبر, وكل خطأ كانوا يقعون فيه كان يؤدي بهم إلى واد سحيق من الضلال بسبب عنادهم وتماديهم في الباطل.
ولقد جاء طعنهم في الصحابة y نتيجة خطأ بسيط في فهم آية من كتاب الله } إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ {().
ففي قضية التحكيم رأوا أن اللجوء إلى التحاكم إلى كتاب الله عن طريق الناس هو حكم بغير ما أنزل الله, وهو مستلزم للكفر, لهذا كفروا علياً ومعاوية والحكمين: أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص رضي الله عنهم ولو أنابوا إلى رشدهم واستمعوا إلى صوت العقل لكان خيراً لهم ولأمتهم لكن تنطعهم الشديد كان له الأثر السيئ عليهم , فقد كان هذا التشدد معول هدم يفت في عضدهم فترى الفرقة منهم بعد أن تثار أي مسألة مهما تكن بسيطة قد انقسمت على نفسها وهكذا حتى ترى منهم فرقتين تعترف أحدهما للأخرى بالصواب والهداية.
وبعد أن أكفر عامة الخوارج قسماً من صحابة رسول الله r متهمين إياهم بالحكم بغير ما أنزل الله نرى قسماً منهم قد وجه تهمة أخرى إلى الصحابة y كلهم وهي تهمة تحريف القرآن الكريم. فالعجاردة الذين تحدثنا عنهم آنفاً قالوا: (ليست سورة يوسف من القرآن ولا حا ميم عين سين قاف)() وهذا الكلام لم يتناول الصحابة y مباشرة إلا أن فيه طعناً ضمنياً لهم لأنهم هم الذين تُرك القرآن بين أيديهم فأي تحرف يقع له يكون الصحابة y هم المتهمين به.
وقد أدرك الأوائل من علماء الأمة خطورة هذه الآراء فحكموا بكفر من قال منهم ذلك.
يقول أبو المظفر الاسفراييني: ( والكفر لا محالة لازم لهم لتكفيرهم أصحاب رسول الله r)(). ونحن لا نوافق البغدادي حين يدخل الخوارج جميعاً في حضيرة الإيمان سوى الزيدية من الإباضية الذين يزعمون أنه سوف يرسل الله تعالى نبياً من العجم في آخر الزمان , والميمونية من العجاردة الذين يزعمون أن سورة يوسف ليست من القرآن وأنه يحل نكاح بنات الأولاد وبنات أولاد الأخوة والأخوات() لأن مثل هذا التسامح يغري الناس في التطاول على نبراس الأمة ورمز شموخها صحابة رسول الله r ويوحي إليهم بأن تكفير المسلم شيء يسير لا يقدم و لا يؤخر في ميزان الله تعالى.
لذا فنحن نوافق أبا المظفر الاسفراييني فيما ذهب إليه من أن من كفر أحداً من صحابة رسول الله r فقد لزمه الكفر() لأن مسألة تكفير الصحابة y لا تقف عند حدودهم بل تصل إلى المساس بالقرآن الكريم الذي شهد لهم بصدق الإيمان وحسن الإسلام وكثرة البذل والتضحية في سبيل الله وبالسنة النبوية المطهرة التي أعلت شأنهم وقدرتهم حق قدرهم كما سنرى فيما بعد.



الباب الثاني
الفصل الخامس

مكانة الصحابة
عنــــــد
أهل السنة والجماعة


تعريف بأهل السنة والجماعة
السنة لغة: الطريقة()-سواء كانت حسنة أو قبيحة قال رسول الله r:(من سن في الإسلام سنة حسنة فعُمل بها بعده كُتب له مثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئا, ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب له مثل وزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيئا)().
ونقل الشوكاني عن الكسائي أن السنة الدوام() ولعله أراد به الأمر الذي يداوم عليه. وقال الطبري: (السنة المثال المتبع والإمام المؤتم به)() وجعل منه قول لبيد بن ربيعة:
من معشر سنت لهم آباؤهم ولكل قوم سنة وإمامها()

وتطلق السنة لغة أيضا على الطبيعة أي السجية , وبه فسر قول الأعشى:
كريم شمائله من بني معاوية الأكرمين السنن()

أما تعريف السنة اصطلاحاً فهي: (ما صدر عن سيدنا محمد رسول الله r -غير القرآن- من فعل أو قول أو تقرير)().

والجماعة اسم مأخوذ من الاجتماع والمجامعة على أمر واحد ورأي واحد, فيقال: فلان من أهل السنة والجماعة إذا كان متمسكاً بسنة رسول الله r تاركاً لما ابتدعه المبتدعون بعده, ثابتاً مع أهل السنة الذين اجتمعوا على إمام هاد جامع لهم)().
وأهل السنة أكبر الفرق الإسلامية ويمثلون جمهور المسلمين ويجمعهم القول بأن الإيمان قول وعمل ومعرفة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وأن خير الناس بعد رسول الله r أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي().


(وكانت بداية إطلاق اسم أهل السنة في العصر العباسي الأول على كل من تمسك بالكتاب والسنة ووقف تجاه المعتزلة , وظلت الحال كذلك حتى اضمحلت أكثر الفرق الإسلامية فلم يعد هناك سوى الشيعة والسنة)()().
ويذكر البغدادي أن أهل السنة أصناف عديدة(), فمنهم الذين أحاطوا العلم بأبواب التوحيد والنبوة وأحكام الوعد والوعيد والثواب والعقاب وشروط الاجتهاد والإمامة والزعامة وسلكوا في هذا النوع من العلم طرق الصفاتية من المتكلمين الذين تبرئوا من التشبيه والتعطيل ومن بدع الرافضة والخوارج والجهمية وسائر أهل الأهواء الضالة ومنهم أئمة الفقه من فريقي الرأي والحديث من الذين اعتقدوا في أصول الدين مذاهب الصفاتية في الله وفي صفاته, ومنهم الذين أحاطوا بوجوه القراءات ووجوه تأويلها على وفق مذاهب أهل السنة.
ومنهم الزهاد والصوفية الذين أبصروا فاقصروا واختبروا فاعتبروا ورضوا بالمقدور وقنعوا بالميسور... كلامهم في طرفي العبارة والإشارة على سمت أهل الحديث... لا يعملون الخير رياءً ولا يتركونه حياءً. ومنهم المرابطون في ثغور المسلمين في وجوه الكفرة... ويظهرون في ثغورهم مذاهب أهل السنة والجماعة...
ومنهم عامة البلدان التي غلبت فيها شعائر أهل السنة دون عامة البقاع التي ظهر فيها شعار أهل الأهواء الضالة...(وهم الذين) اعتقدوا تصويب علماء السنة والجماعة في أبواب العدل والتوحيد والوعد والوعيد ورجعوا إليهم في معالم دينهم وقلدوهم في فروع الحلال والحرام ولم يعتقدوا شيئاً من بدع أهل الأهواء الضالة. وهؤلاء هم الذين سمتهم الصوفية حشو الجنة(انتهى)().
وتميز أهل السنة ببعدهم عن الغلو وميلهم إلى الاقتداء الصحيح بما كان عليه سلف الأمة من وسطية واعتدال فهم لم يتشددوا تشدد الخوارج ولم يتنصلوا تنصل كثير من فرق الشيعة تحت غطاء التقية, واستطاعوا بوسطيتهم هذه أن يحفظوا لنا شعائر الدين الحنيف وأن ينقوها من الغلو المذموم.
وبوسعي أن أقول أن أهل السنة إذا ما قورنوا بغيرهم من فرق المسلمين فإنهم كانوا ولا يزالون يشكلون قوة كبرى تعمل على تثبيت كفة العقيدة الصحيحة إزاء التيارات المنحرفة.

مكانة الصحابة y عند أهل السنة
تميز موقف أهل السنة والجماعة عن مواقف جميع الفرق الإسلامية في نظرتهم إلى الصحابة y , فكل فرقة من تلك الفرق نراها قد نالت من الصحابة y بطريقة أو بأخرى على التفصيل الذي ذكرناه سابقاً. فمنهم من اتهمهم بالارتداد عن دين الله تعالى, ومنهم من اتهمهم بالمكر والخداع والنفاق ومنهم من اتهمهم بتحريف القرآن, أو بممالئة الظالمين إلى آخر تلك الاتهامات, بينما يرى أهل السنة والجماعة أن الصحابة y هم القدوة الحسنة وهم أشبه ما يكون بالمرآة التي تعكس للأجيال اللاحقة حياة رسول الله r, وضعوهم في مكانهم الذي ارتضاه الله تعالى لهم من غير إفراط ولا تفريط, فلم يبالغوا فيهم ولم يدعوا فيهم العصمة ولا تلقي العلم اللدني عن الله تعالى, ولم يعلنوا مسؤولية التشريع واقفة عند حدودهم , بل هم بشر كسائر الناس سوى أن الله تعالى قد كرمهم بصحبة نبيه e وشرفهم بحمل تعاليمه ونشر دعوته وتبليغها للعالمين, فهم حلقة الوصل فإذا انفصمت عن المصدر الرئيس للتشريع نكون قد فقدنا النبراس الذي نهتدي به.
لذا لم يفرط أهل السنة بحقهم ولم يتهموهم بالكفر والنفاق والإصرار على الكبائر, وفيما يلي تفصيل لهذا الإجمال.
يقول الإمام الطحاوي: ( ونحب أصحاب رسول الله r ولا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم, ولا نذكرهم إلا بخير وحبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان)().
(فأهل السنة يوالونهم كلهم, وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها, بالعدل والإنصاف, لا بالهوى والتعصب, فإن ذلك كله من البغي الذي هو مجاوزة الحد)().
(وأجمع أهل السنة على إيمان المهاجرين والأنصار من الصحابة y )()
(ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله r وأزواجه الطاهرات من كل دنس, وذرياته المقدسين من كل رجس فقد برئ من النفاق)().
وأهل السنة يرون أن أفضل الناس بعد رسول الله r أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة() ومن أكفر واحداً من الصحابة y فهو كافر لا شك في كفره.

حكم سب الصحابة y عند أهل السنة
أجمع أهل السنة – كما قلنا سابقاً- على عدالة الصحابة y , من لابس الفتن منهم ومن لم يلابسها . ولم يجعلوا من أنفسهم حكاماً عليهم بل التمسوا لهم الأعذار وأكنوا لهم المودة. يقول ابن كثير: ( وأما ما شجر بينهم بعده e فمنه ما وقع من غير قصد, كيوم الجمل, ومنه ما كان عن اجتهاد كيوم صفين, والاجتهاد يخطئ ويصيب ولكن صاحبه معذور إن أخطأ ومأجور أيضاً وأما المصيب فله أجران اثنان وكان علي وأصحابه أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين)().
لهذا كان موقف أهل السنة من الصحابةy موقفاً نبيلاً فقد ذبوا عنهم ودرؤوا أهل الأهواء وصرحوا بكفر من كفَّر أحداً من الصحابةy ومن سب واحداً منهم فهو فاسق.
يقول الإمام أحمد: إذا رأيت أحداً يذكر أصحاب رسول الله r بسوء فاتهمه على الإسلام)().
ويقول أبو زرعة الرازي: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب النبي e فأعلم أنه زنديق وذلك أن الرسول e حق والقرآن حق وما جاء به حق وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة y وهؤلاء الزنادقة يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة).
وقد فصل ابن تيمية رحمه الله أقوال علماء الأمة في حكم من سب الصحابة y فقال:
(من سب أحداً من أصحاب رسول الله r من أهل بيته وغيرهم فقد أطلق الإمام أحمد أنه يضرب نكالاً وتوقف عن قتله وكفره... وقال عبدالله(): سألت أبي عمن شتم أصحاب النبي e قال: أرى أن يضرب , قلت له حداً؟ فلم يقف على الحد إلا أنه قال: يضرب, وقال ما أراه على الإسلام)().
( وقال الميموني: سمعت أحمد يقول: مالهم ولمعاوية, نسأل الله العافية وقال لي يا أبا الحسن إذا رأيت أحداً يذكر أصحاب رسول الله r بسوء فاتهمه على الإسلام)().
وقال القاضي أبو يعلى: ( الذي عليه الفقهاء في سب الصحابة y إن كان مستحلاً كفر وان لم يكن مستحلاً فسق)().
وذهب فريق من أهل السنة إلى أن من سب الصحابة y فهو كافر ويجب قتله, يقول ابن تيمية موضحاً حجة هؤلاء:-
( وأما من قال يقتل السابّ أو يكفر فلهم دلالات احتجوا بها منها قوله تعالى: } مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً {()
فلا بد أن يغيظ بهم الكفار , وإذا كان الكفار يغاظون بهم – أي الصحابة y - فمن غيظ بهم فقد شارك الكفار فيما أ ذلهم الله بهم وأخزاهم وكبتهم على كفرهم ولا يشارك الكفار في غيظهم الذي كبتوا به جزاء لكفرهم إلا كافر لأن المؤمن لا يكبت جزاء الكفر... ومنها ما روى عن النبي e أنه قال: (من أبغضهم فقد أبغضني ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله)().
وأذى الله ورسوله كفر موجب للقتل وبهذا يظهر الفرق بين أذاهم قبل استقرار الصحبة وأذى سائر المسلمين وبين أذاهم بعد صحبتهم() له e.
وفي حاشية ابن عابدين أن (من سب الشيخين وطعن فيهما كفر ولا تقبل توبته)()
وبعد فهذه هي نظرة أهل السنة والجماعة إلى الصحابة y عرضناها بكل تجرد من غير إفراط ولا تفريط في حقهم , فهم رضي الله عنهم الأمة الوسط الذين اختارهم الله ليكونوا شهداء على الناس, نسأل الله تعالى أن يرزقنا حبهم وموالاتهم وأن يطهر قلوبنا من الغل والحسد} رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيم ٌ{().




الفصل السادس
الطعن
في الصحابة ونتائجه الضارة




الطعن في الصحابة y ونتائجه الضارة
بعد أن عرفنا في الفصول السابقة عدالة الصحابة y وأنها ثابتة عقلاً ونقلاً, وعرفنا مكانتهم عند الفرق الإسلامية البارزة, ووقفنا على أسباب اختلافاتهم وأنواعها, رأينا أن نعقد هذا الفصل للنظر في نتائج الطعن فيهم وبيان أن الطعن فيهم لا يقف عند حدودهم بل يتجاوز إلى أساسيات الدين, إذ ترى بعض الفرق الإسلامية أن الطعن في الصحابة y مسألة سهلة لا يجب على المسلمين أن يعيروا لها بالاً, وترى أنها ربما كانت من المسائل التي يثابون عليها إذا هم خاضوا فيها عن اجتهاد واعتقاد ويرون أن هذه المسألة لا توجد تصادماً بينهم وبين عامة المسلمين الذين يكنون للصحابة كل إكبار واحترام. ومن هؤلاء محمد حسين كاشف الغطاء الذي دعا المسلمين إلى نبذ خلافات الفرقة ولم الشمل وتناسي مثل هذا الأمر البسيط (يعني سب الصحابة y ) فقال: ( أما أولاً: فهذا ليس رأي جميع الشيعة, وإنما هو أمر فردي من بعضهم() وربما لا يوافق الأكثرون عليه, ... وثانياً: إن هذا على فرضه لا يكون موجباً للكفر والخروج من الإسلام بل أقصى ما هناك أن يكون معصية, وما أكثر العصاة في الطائفتين,... وثالثاً: قد لا يدخل هذا في المعصية أيضاً ولا يوجب فسقاً إن كان ناتجاً عن اعتقاد, وإن كان خطأَ فان من المتسالم عليه عند الجميع في باب الاجتهاد أن للمخطئ أجر وللمصيب أجرين)().
وليس هذا رأياً انفرد به محمد حسين كاشف الغطاء بل هو ما عليه جمهورهم إن لم أقل إنه من مستلزمات دينهم وأصوله الرئيسية.
وهكذا وبكل بساطة أصبح سب الصحابة y مثوبة يتقرب بها إلى الله Y. أنما رأيهم فيمن يسب علياً t والعياذ بالله من ذلك فهو عندهم ملحد كافر بالله العظيم فهم كما قال أحدهم: (ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا كما جعلت في قلوب المنافقين والملحدين فسبوا أول المؤمنين على متون المنابر علانية وجهرا وظلموا الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا ربنا إنك رؤوف رحيم)().
ونحن إذ ننقل هذا الكلام لا نريد أن نهون من مسألة سب علي t أبداً... إنما نريد أن نبين تناقضهم لأنهم يرون أن من سب علياً فهو ملحد منافق في قلبه غل ومن سب سواه من الصحابة y فهو مأجور على اجتهاده, علماً أن الجريمة واحدة, فالسباب حرام بكل صوره ورسول الله e يقول: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)(), ومن تجرد عن هواه, وأخلص قلبه لله, أدرك أن مسألة الطعن في الصحابة y مسألة كبيرة لها ما بعدها, وأنها تؤثر في إيمان المرء أيما تأثير, فماذا يبقى من إيمان رجل يدعي الإسلام إذا هو شك في نَقَلة الشريعة قرآنها وسنتها؟ ثم ما الذي يدعو المسلم إلى التحامل؟ وما الذي يجنيه من هذه التجارة؟! أهو الغيرة على أهل البيت والانتصاف لهم؟! أم هو الدفاع عن بيضة الدين؟! ولم أر في حياتي مظلوماً كف يده ولسانه ثم يأتي غيره لينتصف من ظالميه بعد أن تنازل صاحب الحق عن حقه, ولم أر ديناً تحمي حياضه بالشتم والسباب!.
لهذا فإن الطعن في الصحابة y له نتائج خطيرة ومساوئ كثيرة يمكن أن نجملها فيما يلي:
أولاً: الطعن في صحة نقل القرآن
لقد أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم على محمد e النبي الأمي وأمره بتبليغه للناس ولكي تكون المعجزة أكبر كانت البيئة التي عاش فيها رسول الله r بيئة أمية.
وتلقى رسول الله r هذا القرآن عن طريق الوحي فكان يحفظ ما يلقيه إليه الروح الأمين في قلبه, ثم يبلغ ما تلقاه e إلى الصحابة y فمنهم من كان يكتب ذلك ومنهم من كان يكتفي بالسماع , وهكذا استمرت الحال إلى أن اكتمل نزول القرآن وقبض رسول الله r والقران مكتوب في الألواح() والأكتاف() والعسب() واللخاف() ومحفوظ في صدور الرجال كلاً أو بعضاً, إذ كان منهم من يحفظه كله ومنهم من يحفظ بعضه(), ثم دارت حروب الردة في عهد أبي بكر الصديقt فذهب فيها كثير من حفظة القرآن, فخشي عمر t أن يضيع القرآن بموت هؤلاء الحفظة, وعرض الأمر على أبي بكر الصديق رضي الله عنهما فتردد في أول الأمر ولم يزل به حتى شرح الله صدره للذي شرح له صدر عمر وعلم أن فيه خيراً كثيراً, وأسندت هذه المهمة العظيمة إلى الصحابي الجليل زيد بن ثابتt , ويحدثنا زيد t عن هذا الأمر فيقول: (قال أبو بكر: إنك رجل شاب, عاقل لا نتهمك, وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله r فتتبع القرآن واجمعه, قال زيد: فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن... فقمت فتتبعت القرآن, أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال)(). فقام زيد بهذه المهمة خير قيام بما أوتي من عزيمة وصبر وبما لقي من عون من صحابة رسول الله r .
فإذا كان الصحابة y مطعوناً فيهم كما يروي البعض فكيف نطمئن إلى أن ما نقرأه من القرآن هو عين ما نزل على محمد e, إن المرء لا يستطيع إلا أن يشك في خبر من هو مطعون فيه, إن لم يردّه جملة وتفصيلاً.
والقران الكريم نفسه يحثنا على هذا المنهج القويم فيقول: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ {().
فيجب التأكد من خبر الفاسق, وكيف التأكد من خبر جميع رواته مطعون فيهم إلا قليلاً منهم, وليس لنا طريق لنقله سواهم, وعلى هذا يجب رد خبرهم جملة وتفصيلاً وإهمال ما جاء به من حكم وأحكام مهما كان شأنها في الدين وموقعها من الشريعة.
قد يقول قائل اننا لا نطعن في جميع الصحابة y , وإنما نطعن في بعضهم, فلا يلزم من كلامنا الطعن في صحة نقل القرآن. أقول: هذا كلام باطل, لأن القرآن نقل عن الصحابة y بمجموعهم لا عن أشخاص معينين منهم, فقد يكون من وقع عليه الطعن وافر الحظ في عملية جمع القرآن وتدوينه, أو ممن كان يكتب الوحي بين يدي رسول الله r .

ثانياً: الطعن في السنة المطهرة
إذن فالقران منقول عن عموم الصحابة y بغض النظر عن كونهم معدلين من قبلكم ايها الطاعنون أ غير معدلين, وفي هذه الحالة يكون القرآن الكريم مشكوكاً فيه, فيحتمل أن يكون صحيحاً ويحتمل أن يكون غير ذلك , وهذا الشك ليس بأهون من القطع في عدم صحته.
يقول الشيخ محمد أبو زهرة: ( ومن أنكر الاحتجاج بالسنة فلا يمكن أن يكون من المسلمين, لأن السنة تبليغ النبي e وهي المفسرة للقرآن الكريم وهي بابه النوراني الذي ندخل منه, من فصلها عن القرآن فقد فصل القرآن عن نبيه)().
وقد أمرنا تعالى بالعمل بها فقال: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً {() وقال سبحانه: } وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا{ () وقال أيضاً: } مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً{().
ويقول الدكتور خليل إبراهيم السامرائي: ( والسنة مع القرآن على جهتين: الأولى: بيان وتفسير ما جاء في القرآن, ففي القرآن آيات مجملة, أو مطلقة أو عامة فالسنة هي التي بينت المراد منها بتفصيل المجمل, وتقييد المطلق, وتخصيص العام... والثانية: إضافة أحكام جديدة لم يرد بها نص من القرآن, فقد حرمت السنة لبس الحرير والذهب على الرجال, وحرمت لحم الحمار الأهلية وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطيور)().
فإذا كان للسنة هذه المنزلة فكيف يسوغ لنا أن نطعن في نقلها ونحن نعلن أن الطعن فيهم( أي الصحابة) لا يبقى معه ذكر للسنة المشرفة, فهم وحدهم الذين تلقوها عن رسول الله r وهم وحدهم الشهود عليها, فإذا رفضناهم فإلى مَن نيمم وجوهنا؟! وعلى من نعتمد في معرفة هدي نبينا e؟
وفي أمثال هؤلاء يقول الشيخ محمد أبو زهرة: ( إن هؤلاء الذين يسمحون لأنفسهم بالنيل من صحابة رسول الله r إنما يريدون أن يهدموا السنة ويكذبوا على الأمة)().
وينقل ابن حجر عن الخطيب البغدادي قول أبي زرعة: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب النبي e فأعلم أنه زنديق وذلك أن الرسول e حق والقرآن حق وما جاء به حق وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة وهؤلاء الزنادقة يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة)().
وحينما سأل هارون الرشيد أحد الزنادقة قبل أن يضرب عنقه: لماذا كان الصحابة y أول ما تتجهون إلى تشويه صورتهم؟ أجابه قائلاً: لأننا إذا تمكنا من الطعن فيهم نكون قد أبطلنا نقلة الشريعة, فإذا بطل الناقل أوشك المنقول أن يبطل().
فهل يجوز بعدها أن نطلق ألسنتنا فيهم؟ إننا إن فعلنا هذا نكون قد حكمنا على ديننا بالهزال وعلى أنفسنا بالخسران.

ثالثاً: تكذيب نصوص كثيرة من الكتاب والسنة
إن الطعن في الصحابة y يؤدي صراحة إلى الطعن والتكذيب السافر في كثير من آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة التي تشهد بعدالة الصحابة y وحسن سريرتهم وسمو مكانتهم, وتصرح برضا الله تعالى عنهم, وحسن ثوابه لهم, وأنهم كانوا خير أصحاب لخير رسول, بل كانوا خير أمة أخرجت للناس.
وها هي بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تشهد بعدالتهم وفضلهم والتــي لا يسع أحد إغفالها أو تجاوزها.
فمن الآيات التي تشهد بذلك:
قوله تعالى: } وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ { ().
و قوله تعالى: } لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ{ ().
و قوله تعالى: } لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا { ()
فهذه الآيات وكثر غيرها تقطع بعدالة الصحابة y وتثبت أن بواطنهم كان يملؤها الإيمان فامتلأت سكينة وأمناً فهل نرد هذه الآيات من أجل أهواء ألقاها الشيطان في زوايا بعض العقول؟
إن التفوه بالنيل من الصحابة y هو تجريد لله عن العلم – تعالى الله عن ذلك- إذ كيف يرضى عن قوم امتلأت قلوبهم نفاقاً وأهواءً وحباً للجاه والسلطان. إذن فنحن بالخيار إما أن نصدق الله فيما أخبرنا به من أن الصحابة y قد نالوا رضاه بما امتلأت به قلوبهم من صادق الإيمان وكامل اليقين, وأما أن نرد هذه الآيات ونسمح لمن يريد أن يجتهد في سب الصحابة y طلباً للأجر كما تزعمون؟!!
وأما الأحاديث , فمنها قوله e : ( خير الناس قرني ثم ال1ين يلونهم ثم الذين يلونهم, ثم يجئ قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته)().
وقوله e : (لا تسبوا أصحابي فوالدي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)().
وقوله e: ( الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً بعدي فمن أحبهم فقد أحبني ومن أبغضهم فقد أبغضني ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه)().
فأما أن يكون رسول الله r قد قال هذه الأحاديث عن علم بما كان عليه أصحابه, فيكون حالهم كما وصفهم, وفي هذه الحالة لا يجوز رد هذه الأحاديث, لأن ردها تكذيب له e وهو عين الكفر والعياذ بالله, وإما أن يكون e قد قالها اعتباطاً وجزافاً وهؤلاء أعلم بأصحابه منه e فتكون هذه الأخبار كاذبة , وفي هذا نكون قد نسبنا الكذب إلى رسول الله r وهو كفر بواح لاحظ لقائله بحبة خردل من إيمان.

رابعاً : الطعن في شخص الرسول e
ومن مفاسد الطعن في الصحابة y الطعن في شخص الرسول الأعظم e فهم تلامذته الذين كانوا يحيطون به صلى الله عليه وسلم وكان يأنس بهم ويتحدث إليهم فكان يحبهم ويحبونه, وكانوا يجتهدون في أن تكون حياتهم بحركاتها وسكناتها مطابقة لحياته e, من أجل هذا كان e يقول: (من آذاهم فقد آذاني)() و يقول: (من أحبهم فقد أحبني ومن أبغضهم فقد أبغضني)().
وقديماً قالت العرب:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي
وفي هذا الخصوص يقول الإمام مالك: (إنما هؤلاء قوم أرادوا القدح في النبي e فلم يمكنهم ذلك فقدحوا في أصحابه حتى يقال رجل سوء ولو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحين أو كما قال)().

خامساً:- فشل الإسلام كدين صالح للتطبيق
والنتيجة الخامسة للطعن في الصحابة y هي أن الإسلام دين لم يطبق في يوم من الأيام وأنه غير صالح للتطبيق وأن تعاليمه إنما هي مُثُل تحلق في الفضاء. نعم, إذا آمنا بفسق الصحابة y وارتداهم والعياذ بالله وهم بحضرة رسول الله r وقد عاينوا معجزاته بأعينهم وسمعوا آيات الله وهي تتلى خلف صياصيهم على لسان نبيهم, ثم لا تلج هذه الآيات إلى قلوبهم فما معنى هذا؟ معناه أنهم قد طلب منهم ما لا طاقة لهم به أو أنهم ليسوا من البشر.
وإذا كان الصحابة y وقد عاشوا حياتهم كما نعرفها , جهاداً في سبيل الله بالمال والنفس والولد ومفارقة الأرض والأحباب في سبيل نشر دعوة الإسلام... إذا كان كل هذا يعد نفاقاً وفسقاً وارتداداً , فما هو معنى الإيمان الذي نريد أن نحققه والذي عجز الصحابة y من الوصول إليه؟ أهو الاجتهاد في الطعن والسباب وتحريف كتاب رب الأرباب ورد نصوص الكتاب والسنة؟! لست أدري ماذا يبقى من الإسلام أذا أصررنا على طعن الصحابة y وقد علمنا أن الطعن فيهم ينجم عنه سحب الثقة من القران والسنة, كما أنه ينجم عنه الطعن في شخص الرسول الكريم e وتصوير الإسلام ديناً بعيداً عن الواقع في إمكان تطبيقه, ثم كيف نستطيع أن نتصور الرسول e يقضي حياته بين ظهراني قوم منافقين يكلمهم ويجاملهم ويتعامل معهم ويتزوج منهم ويزوج بناته لهم, هل كان يخشاهم؟! هل كان يتظاهر بذلك وهو الذي علمنا الصدق في كل الأحوال؟!
وأخيراً أقول إن الإصرار على هذا الموقف لا يمكن المسلمين أن يجتمعوا في يوم من الأيام, ما دام فيهم من ينظر إلى الصحابة y هذه النظرة السوداء الحاقدة المارقة.
قوله تعالى: } رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ { ()




الخاتمة




الخاتمـــة

بعد أن تكلمنا عن الصحابة y وتعرفنا على مكانتهم عند المسلمين وبينا الآثار التي نجم عن الطعن فيهم , أرى من المناسب هنا أن أسجل في هذه الخاتمة النتائج التي توصلت اليها من خلال رسالتي هذه وهي:
أولاً: أن الصحابة y هم حلقة الوصل بين الأمة وبين نبيها الكريم e وأن قطع هذه الحلقة يعني قطع صلة الأمة بنبيها e.
ثانياً: إن على المؤمنين بالله ورسوله أن يسلموا بكل ما جاء في القرآن والسنة وبالتالي فلا يجوز له أن يناقش في عدالة الصحابة y بعد تعديل الله تعالى ورسوله الكريم e لهم.
ثالثاً: إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء من عباده, ومن فضله تعالى أن منّ على الصحابة y فأعطاهم فضيلة الصحبة, فلا يجوز لغيرهم أن يقيس نفسه بهم وأن يجعل من نفسه حكماً عليهم.
رابعاً: إن جميع الذين تطاولوا على مقام الصحابة y وقعوا في متاهاتٍ ومهاوٍ فاضطروا إلى القول بتحريف القرآن وبتأويل كثير من آياته تأويلاً باطنياً فاسداً لا يؤيده الظاهر ولا يتماشى مع قواعد اللغة ولا يقبله العقل.
خامساً: إن المستفيد من التطاول على السلف الصالح هم أعداء الإسلام من ملاحدة وزنادقة, لأن من شأن التطاول أن يفت في عضد الأمة ويقطع جذورها وصلتها بذلك السلف الذي شاد لها التاريخ الحافل بالأمجاد.
سادساً: إن التقريب بين المسلمين لا يكون بالسماح في التطاول على الصحابة y , وإنما يكون بإقلاع المخطئ عن خطئه, وإن أي تقريب على حساب سلف الأمة وجيلها الفذ هو ابتعاد عن الطريق الصحيح للتقريب بين المسلمين.
سابعاً: إن الأخوة الإسلامية هي الركن الأساس الذي يجب أن يلجأ إليه المسلمون في لمّ شعث الأمة , وإن أول ما يعتمد عليه في هذا هو احترام سلف الأمة رضي الله عنهم وأرضاهم.
ثامناً: أرى من الضرورة الوطنية والدينية أن تعنى الجامعات والمعاهد في الأقطار العربية والإسلامية بدراسة حياة سلفنا الصالح من الصحابة y والتابعين, لإطلاع الأجيال على فضلهم ومكانتهم وما قدموا لهذه الأمة من أعمال أعلوا بها قدرها ورفعوا بها ذكرها بين الأمم, ولقطع الطريق على من تسول له نفسه النيل منهم والطعن بهم خدمة لأعداء للأمة ومريدي الشر والهوان بها.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل وهو حسبنا ونعم الوكيل
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
Back to top Go down
سلمى العربيه
عربي مميز
عربي مميز


عدد المساهمات: 250
تاريخ التسجيل: 2010-01-18

PostSubject: Re: الصحابه رضوان الله عليهم   Tue Jan 19, 2010 7:52 am

صفة الصحابة في التوراة والانجيل

منير عرفه

( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) سورة الفتح آية 29

.......................

كما اختار الله سبحانه وتعلى واصطفى نبيه محمدًا – صلى الله عليه وآله وسلم – لرسالته، اصطفى له أصحابه الكرام. وكما جاء ذكره فى الكتب السابقة ، كذلك جاء ذكرهم فى الكتب السابقة وهى التوراة والانجيل .

وهذه الآية التى بين أيدينا تنطق بهذا ، أنهم أشداء على الكفار ، وأنهم رحماء بينهم ، وأنهم راكعون ساجدون لله تعالى وهذا ظاهرهم. أما باطنهم فقد زكاه الله تعالى فقال ( يبتغون فضلا من الله ورضوانا ) وهل أحد يعلم السرائر مثل الله تعالى ؟!

هذا هو وصفهم فى التوراة .

أما فى الانجيل ؛ فيصف فيه الله تعالى نبيه محمدًا كأنه زرع مبارك ، ثم نما هذا الزرع وأخرج بجانبه زرعًا آخرًا ، كذلك رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – كان هو المؤمن الأول والزرع الأول لهذا الدين ، ثم آمن بدعوته بقية أصحابه فاستغلظت دعوته وعظمت بهم جميعًا ، كما يشتد عود الزرع الأصلى ببقية الزرع من نفس نوعه .

فهل بعد هذا الفضل من فضل ؟! وهل بعد هذا المدح من مدح ؟!

ألا قاتل الله أصحاب الأهواء الذين ينالون من أصحاب رسول – صلى الله عليه وآله وسلم – ، وما أقبحهم والله ما فضحوا إلا أنفسهم ، فإنه لو تحول الناس جميعًا إلى كناسين ليهيلوا التراب على السماء لأهالوا التراب على أنفسهم ولظلت السماء هى السماء فى عظمتها وعلوها وصفائها !

* ومما يدل على كمال ذلك أن عمر بن الخطاب حين ذهب لاستلام بيت المقدس ، رفض البطريريك أن يسلمها إلا للخليفة الراشد عمر بن الخطاب ، قائلا أن وصف من سيستلم بيت المقدس قد جاء مسطرًا عندهم فى التوراة ، فلما جاء عمر وجدوا صفاته التى جاءت فى التوراة متحققة فسلم إليهم بيت المقدس ونزل على شروطهم .

وإن شاء الله نتابع فى مرة أخرى حول حديث القرآن عن أصحاب النبى – صلى الله عليه وآله وسلم – .
Back to top Go down
سلمى العربيه
عربي مميز
عربي مميز


عدد المساهمات: 250
تاريخ التسجيل: 2010-01-18

PostSubject: Re: الصحابه رضوان الله عليهم   Tue Jan 19, 2010 7:55 am

فضائل الصحابة رضي الله عنهم

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد : " فإن أولى ما نظر فيه الطالب ، وعني به العالم بعد كتاب الله -عز وجل- سنن رسوله -صلى لله عليه وآله وسلم- فهي المبيِّنة لمراد الله -عز وجل- من مجملات كتابه ، والدالة على حدوده ، والمفسرة له ، والهادية إلى الصراط المستقيم صراط الله مَن اتبعها اهتدى ،ومن سُلبها ضل وغوى وولاه الله ما تولى ، ومِن أَوكد آلات السنن المعينة عليها ، والمؤدية إلى حفظها معرفة الذين نقلوها عن نبيهم -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى الناس كافة ، وحفظوها عليه ،وبلغوها عنه ، وهم صحابته الحواريون الذين وعوها وأدوها ناصحين محسنين حتى أكمل بما نقلوه الدين ، وثبت بهم حجة الله -تعالى -على المسلمين فهم خير القرون ، وخير أمة أخرجت للناس ثبتت عدالة جميعهم بثناء الله عز وجل عليهم ، وثناء رسوله -عليه السلام- ، ولا أعدل ممن ارتضاه الله لصحبة نبيه ونصرته ، ولا تزكية أفضل من ذلك ، ولا تعديل أكمل منه قال الله تعالى ذكره ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُود)( الفتح: 29) " [1]

" والصحابة أبر هذه الأمة قلوبا ، وأعمقها علما ، وأقلها تكلفا ، وأقومها هديا ، وأحسنها حالا اختارهم الله لصحبة نبيه -صلى الله عليه وسلم- وإقامة دينه " . كما قاله ابن مسعود _رضي الله عنه_ [2] . "فحبهم سنة والدعاء لهم قربة والإقتداء بهم وسيلة والأخذ بآثارهم فضيلة "[3]

وهم صفوة خلق الله تعالى بعد النبيين -عليهم الصلاة والسلام- فعن ابن عباس _رضي الله عنهما_ في قول الله عز وجل ( قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ) (النمل:59) قال : أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- [4].

وقال سفيان في قوله عز وجل ( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ)(الرعد: 28) قال : هم أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- .[5]

وعن وهب بن منبه -رحمه الله -في قوله تعالى ( بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ) (عبس:16) قال هم أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم-[6].

وقال قتادة في قوله تعالى ( يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِه)(البقرة:121) هم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -آمنوا بكتاب الله وعملوا بما فيه [7].

وقال ابن مسعود _رضي الله عنه_ " إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد -صلى الله عليه وسلم- خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته ، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوبَ أصحابهِ خيرَ قلوبِ العبادِ فجعلهم وزراءَ نبيهِ يُقاتِلون على دينه " [8] والصحابي هنا هو مَن لقي النبي -صلى الله عليه وسلم - مؤمنا به ، ومات على ذلك . فقد جاء في حديث قيلة العنبرية -رضي الله عنها- : خرجت أبتغي الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم [9] .

وقد ورد في فضلهم آيات وأحاديث كثيرة منها : قوله تعالى ( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:100)

وقال تعالى ( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً) (الفتح:18)

وقال تعالى ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) (الفتح : 29)

وفي آيات عديدة ذكرهم الله تعالى وترضى عنهم .

ومما جاء في السنة :

عن أبي هريرة _رضي الله عنه_ قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ( لا تسبوا أصحابي لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه ) [10] " وسبب تفضيل نفقتهم أنها كانت في وقت الضرورة ، وضيق الحال بخلاف غيرهم ، ولأن إنفاقهم كان في نصرته -صلى الله عليه وسلم- ، وحمايته ، وذلك معدوم بعده ، وكذا جهادهم وسائر طاعتهم ، وقد قال تعالى ( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً )(الحديد:10) وهذا كله مع ما كان فيهم في أنفسهم من الشفقة ، والتودد ، والخشوع ، والتواضع ، والإيثار ، والجهاد في الله حق جهاده ، وفضيلة الصحبة ولو لحظة لا يوازيها عمل ، ولا ينال درجتها بشيء ، والفضائل لا تؤخذ بقياس ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء " ا.هـ [11]

وقال البيضاوي _رحمه الله تعالى_ : " معنى الحديث لا ينال أحدكم بإنفاق مثل أحد ذهبا من الفضل والأجر ما ينال أحدهم بإنفاق مد طعام أو نصيفه ، وسبب التفاوت ما يقارن الأفضل من مزيد الإخلاص ، وصدق النية ) ا.هـ [12] " مع ما كانوا من القلة ، وكثرة الحاجة والضرورة " [13] وقيل " السبب فيه أن تلك النفقة أثمرت في فتح الإسلام ، وإعلاء كلمة الله ما لا يثمر غيرها ، وكذلك الجهاد بالنفوس لا يصل المتأخرون فيه إلى فضل المتقدمين لقلة عدد المتقدمين ، وقلة أنصارهم فكان جهادهم أفضل ، ولأن بذل النفس مع النصرة ، ورجاء الحياة ليس كبذلها مع عدمها " ا.هـ [14] .

ومما جاء في فضلهم -رضي الله عنهم- حديث ابن مسعود _رضي الله عنه_ عن النبي -صلى الله عليه وسلم - قال : ( خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) [15] " وإنما صار أول هذه الأمة خير القرون ؛ لأنهم آمنوا به حين كفر الناس ، وصدقوه حين كذبه الناس ، وعزروه ، ونصروه ، وآووه ، وواسوه بأموالهم وأنفسهم ، وقاتلوا غيرهم على كفرهم حتى أدخلوهم في الإسلام " ا.هـ [16] .

ومما جاء في فضلهم ما رواه أبو بردة _رضي الله عنه_ قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - (النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد ، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون ، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون ) [17]" وهو إشارة إلى الفتن الحادثة بعد انقراض عصر الصحابة من طمس السنن وظهور البدع وفشو الفجور في أقطار الأرض " [18] .

وها هو أمير المؤمنين علي _رضي الله عنه_ يصف حال الصحابة فعن أبي راكة قال : صليت خلف علي صلاة الفجر فلما سلم انفلت عن يمينه ثم مكث كأن عليه الكآبة حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح قال : لقد رأيت أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- فما أرى اليوم شيئا يشبههم كانوا يصبحون ضمرا شعثا غبرا بين أعينهم أمثال ركب المعزى قد باتوا لله سجدا وقياما يتلون كتاب الله ويراوحون بين جباههم وأقدامهم فإذا أصبحوا ذكروا الله مادوا كما تميد الشجر في يوم الريح فهملت أعينهم حتى تبتل ثيابهم .[19]

الوعيد الشديد فيمن آذى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم

عن عبد الله بن مغفل المزني _رضي الله عنه_ قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ( الله الله في أصحابي الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله تبارك وتعالى ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه ) [20] قال المناوي _رحمه الله تعالى_ " ( الله الله في حق أصحابي ) أي اتقوا الله فيهم ، ولا تلمزوهم بسوء ، أو اذكروا الله فيهم وفي تعظيمهم وتوقيرهم ، وكرره إيذانا بمزيد الحث على الكف عن التعرض لهم بمنقص ( لا تتخذوهم غرضا ) هدفا ترموهم بقبيح الكلام كما يرمى الهدف بالسهام هو تشبيه بليغ ( بعدي ) أي بعد وفاتي " ا.هـ ( [21] .

وعن ابن عباس _رضي الله عنهما_ قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ( مَن سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ) [22] .

موقف السلف الصالح من الصحابة الكرام

لقد عرف السلف الصالح فضل الصحابة الكرام وبيَّنوا ذلك وردوا على كل من أراد انتقاصهم _رضي الله عنهم_ قال ابن عمر _رضي الله عنهما_ " لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عُمره " [23].

وجاء رجل إلى عبد الله بن المبارك وسأله أمعاوية أفضل أو عمر بن عبد العزيز فقال " لتراب في منخري معاوية مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خير وأفضل من عمر بن عبد العزيز " [24].

وجاء رجل إلى الإمام أبي زرعة الرازي -رحمه الله- فقال : يا أبا زرعة أنا أبغض معاوية . قال : لِمَ ؟ قال : لأنه قاتَل عليا . فقال أبو زرعة : إن ربَّ معاوية ربٌّ رحيم وخصمَ معاوية خصمٌ كريم فما دخولك أنت بينهما _رضي الله عنهم_ أجمعين [25] .

وقال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- " إذا رأيت رجلا يذكر أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسوء فاتهمه على الإسلام " [26] وقال –رحمه الله تعالى- " لا يجوز لأحد أن يذكر شيئا من مساويهم ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا نقص فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته ليس له أن يعفو عنه بل يعاقبه ويستتيبه فان تاب قبل منه وإن ثبت أعاد عليه العقوبة وخلده الحبس حتى يموت أو يراجع " [27]

وقال بشر بن الحارث _رحمه الله تعالى_ " مَن شتم أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو كافر وإن صام وصلى وزعم أنه من المسلمين " [28] . ولعل كثيرا من الكتاب ممن في قلوبهم مرض الذين ينتقصون أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم – في الصحف وغيرها يرون أن الوقت لم يحن بعد لانتقاص القرآن والسنة فرأوا أن تقليل شأن الصحابة الكرام عند الناس هو من أخصر الطرق لرد الكتاب والسنة كما قال أبو زرعة _رحمه الله تعالى_ " إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاعلم أنه زنديق وذلك أن الرسول حق والقرآن حق وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنة أصحابُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليُبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة " ا.هـ [29] .

وقال السرخسي _رحمه الله تعالى_ " فمن طعن فيهم فهو ملحد منابذ للإسلام دواؤه السيف إن لم يتب " ا.هـ [30] .

وقال الإمام محمد بن صُبيح بن السماك _رحمه الله تعالى_ لمن انتقص الصحابة " علمتَ أن اليهود لا يسبون أصحاب موسى -عليه السلام- وأن النصارى لا يسبون أصحاب عيسى -عليه السلام- فما بالك ياجاهل سببت أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- ؟ وقد علمتُ من أين أوتيتَ لم يشغلك ذنبك أما لو شغلك ذنبك لخفت ربك ، ولقد كان في ذنبك شغل عن المسيئين فكيف لم يشغلك عن المحسنين ؟ أما لو كنت من المحسنين لما تناولت المسيئين ، ولرجوت لهم أرحم الراحمين ، ولكنك من المسيئين فمن ثَمَّ عبت الشهداء والصالحين ، أيها العائب لأصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- لو نمتَ ليلك ، وأفطرت نهارك لكان خيرا لك من قيام ليلك ، وصوم نهارك مع سوء قولك في أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فويحك لا قيام ليل ، ولا صوم نهار ، وأنت تتناول الأخيار فأبشر بما ليس فيه البشرى إن لم تتب مما تسمع وترى .. وبم تحتج يا جاهل إلا بالجاهلين ، وشر الخلف خلف شتم السلف لواحد من السلف خير من ألف من الخلف " ا.هـ [31] .

وقال ابن الصلاح _رحمه الله تعالى_ " إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة , ومَن لابس الفتن منهم فكذلك بإجماع العلماء الذين يُعتد بهم في الإجماع " ا.هـ ( [32] .

ذكر فضلهم في كتب العقائد رفعا لشأنهم وعلوا لمنزلتهم :

قال الطحاوي _رحمه الله تعالى_ " ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم و لا نُفرط في حب أحد منهم ، ولا نتبرأ من أحد منهم ونبغض من يبغضهم ، وبغير الحق يذكرهم ، ولا نذكرهم إلا بخير ، وحبهم دين وإيمان وإحسان ، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان " ا.ه[33].

وذكر الحميدي _رحمه الله تعالى_ أن من السنة " الترحم على أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- كلهم فإن الله عز وجل قال ( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ )(الحشر:10) فلم نؤمر إلا بالاستغفار لهم ، فمن سبهم أو تنقصهم أو أحدا منهم فليس على السنة وليس له في الفيء حق ، أخبرنا غير واحد عن مالك بن أنس " ا.ه[34]

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية _رحمه الله تعالى_ " ويمسكون عما شجر من الصحابة ، ويقولون إن هذه الآثار المروية في مساوئهم منها ما هو كذب ، ومنها ما قد زيد فيه ، ونقص ، وغُيِّرَ عن وجهه ، والصحيح منه هم فيه معذورون ؛ إما مجتهدون مصيبون ، وإما مجتهدون مخطئون ... ، ولهم من السوابق ، والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر عنهم إن صدر حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم ؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات مما ليس لمن بعدهم ... ثم القَدْر الذي يُنكر من فعل بعضهم قليل نزر مغفور في جنب فضائل القوم ، ومحاسنهم من الإيمان بالله ، ورسوله ، والجهاد في سبيله ، والهجرة ، والنصرة ، والعلم النافع ، والعمل الصالح ، ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة ، وما منَّ الله عليهم به من الفضائل علم يقينا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء لا كان ولا يكون مثلهم ، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم ، وأكرمها على الله " ا.هـ [35]

وفي الختام لا نقول إلا كما قال الله تعالى (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ) اللهم ارض عن أصحاب نبيك أجمعين واحشرنا وإياهم في زمرة سيد المرسلين والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
Back to top Go down
سلمى العربيه
عربي مميز
عربي مميز


عدد المساهمات: 250
تاريخ التسجيل: 2010-01-18

PostSubject: Re: الصحابه رضوان الله عليهم   Tue Jan 19, 2010 7:58 am

قبسات من سيرة الصديق رضي الله عنه

• مكانته في الإسلام

1- حب الرسول صلى الله عليه وسلم الشديد له :
روى البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي مَا يُبْكِي هَذَا الشَّيْخَ إِنْ يَكُنْ اللَّهُ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْعَبْدَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا قَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ لَا تَبْكِ إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ إِلَّا بَابُ أَبِي بَكْرٍ .
وروى الترمذي وقوى سنده الألباني في المشكاة عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : "أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا وَخَيْرُنَا وَأَحَبُّنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "

2- صلاته بالناس نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :
روى أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قَالَ لَمَّا اسْتُعِزَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا عِنْدَهُ فِي نَفَرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ دَعَاهُ بِلَالٌ إِلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ مُرُوا مَنْ يُصَلِّي لِلنَّاسِ فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَمْعَةَ فَإِذَا عُمَرُ فِي النَّاسِ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ غَائِبًا فَقُلْتُ يَا عُمَرُ قُمْ فَصَلِّ بِالنَّاسِ فَتَقَدَّمَ فَكَبَّرَ فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْتَهُ وَكَانَ عُمَرُ رَجُلًا مُجْهِرًا قَالَ فَأَيْنَ أَبُو بَكْرٍ يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ فَبَعَثَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَجَاءَ بَعْدَ أَنْ صَلَّى عُمَرُ تِلْكَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ

2- غضب الرسول لغضبه :
روى البخاري عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ حَتَّى أَبْدَى عَنْ رُكْبَتِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا صَاحِبُكُمْ فَقَدْ غَامَرَ فَسَلَّمَ وَقَالَ إِنِّي كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ الْخَطَّابِ شَيْءٌ فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ ثُمَّ نَدِمْتُ فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَغْفِرَ لِي فَأَبَى عَلَيَّ فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكَ فَقَالَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ ثَلَاثًا ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ نَدِمَ فَأَتَى مَنْزِلَ أَبِي بَكْرٍ فَسَأَلَ : أَثَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالُوا لَا فَأَتَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمَ فَجَعَلَ وَجْهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَمَعَّرُ حَتَّى أَشْفَقَ أَبُو بَكْرٍ فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ أَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ مَرَّتَيْنِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقَ وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي مَرَّتَيْنِ فَمَا أُوذِيَ بَعْدَهَا
وروى الإمام أحمد عن ربيعة الأسلمي رضي الله عنه قال : كان بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ كَلَامٌ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ كَلِمَةً كَرِهَهَا وَنَدِمَ فَقَالَ لِي يَا رَبِيعَةُ رُدَّ عَلَيَّ مِثْلَهَا حَتَّى تَكُونَ قِصَاصًا قَالَ قُلْتُ لَا أَفْعَلُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لَتَقُولَنَّ أَوْ لَأَسْتَعْدِيَنَّ عَلَيْكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ مَا أَنَا بِفَاعِلٍ قَالَ وَرَفَضَ الْأَرْضَ وَانْطَلَقَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَانْطَلَقْتُ أَتْلُوهُ فَجَاءَ نَاسٌ مِنْ أَسْلَمَ فَقَالُوا لِي رَحِمَ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ فِي أَيِّ شَيْءٍ يَسْتَعْدِي عَلَيْكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَالَ لَكَ مَا قَالَ فَقُلْتُ أَتَدْرُونَ مَا هَذَا ؟ هَذَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ هَذَا ثَانِيَ اثْنَيْنِ وَهَذَا ذُو شَيْبَةِ الْمُسْلِمِينَ إِيَّاكُمْ لَا يَلْتَفِتُ فَيَرَاكُمْ تَنْصُرُونِي عَلَيْهِ فَيَغْضَبَ فَيَأْتِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَغْضَبَ لِغَضَبِهِ فَيَغْضَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِغَضَبِهِمَا فَيُهْلِكَ رَبِيعَةَ . قَالُوا مَا تَأْمُرُنَا قَالَ ارْجِعُوا قَالَ فَانْطَلَقَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَبِعْتُهُ وَحْدِي حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَدَّثَهُ الْحَدِيثَ كَمَا كَانَ فَرَفَعَ إِلَيَّ رَأْسَهُ فَقَالَ يَا رَبِيعَةُ مَا لَكَ وَلِلصِّدِّيقِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَ كَذَا كَانَ كَذَا قَالَ لِي كَلِمَةً كَرِهَهَا فَقَالَ لِي قُلْ كَمَا قُلْتُ حَتَّى يَكُونَ قِصَاصًا فَأَبَيْتُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَلْ فَلَا تَرُدَّ عَلَيْهِ وَلَكِنْ قُلْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ قَالَ الْحَسَنُ فَوَلَّى أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ يَبْكِي

من صفات أبي بكر رضي الله عنه
1- ورعه وخوفه الشديد من ربه تبارك وتعالى :
== روى مالك في الموطأ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَهُوَ يَجْبِذُ لِسَانَهُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ مَهْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّ هَذَا أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ .
== وروى البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ غُلَامٌ يُخْرِجُ لَهُ الْخَرَاجَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ الْغُلَامُ أَتَدْرِي مَا هَذَا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَمَا هُوَ قَالَ كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لِإِنْسَانٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَمَا أُحْسِنُ الْكِهَانَةَ إِلَّا أَنِّي خَدَعْتُهُ فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ فَهَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ ) وجاء في بعض الروايات أنه قال ( والله لو لم تخرج إلا مع روحي لأخرجتها إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به ) .
روى الحاكم في المستدرك وصححه عن زيد بن أرقم قال كنا مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه فدعا بشراب فأتي بماء وعسل فلما أدناه من فيه بكى وبكى حتى أبكى أصحابه فسكتوا وما سكت ثم عاد فبكى حتى ظنوا أنهم لن يقدروا على مسألته قال ثم مسح عينيه فقالوا يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أبكاك قال كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته يدفع عن نفسه شيئا ولم أر معه أحدا فقلت يا رسول الله ما الذي تدفع عن نفسك قال هذه الدنيا مثلت لي فقلت لها إليك عني ثم رجعت فقالت إن أفلت مني فلن ينفلت مني مَنْ بَعْدَك .
وجاء عند ابن أبي شيبة في المصنف عن الضحاك بن مزاحم قال رأى أبو بكر الصديق طيرا واقعا على شجرة فقال طوبى لك يا طير والله لوددت أني كنت مثلك تقع على الشجرة وتأكل من الثمر ثم تطير وليس عليك حساب ولا عذاب والله لوددت أني كنت شجرة إلى جانب الطريق مر علي جمل فأخذني فأدخلني فاه فلاكني ثم ازدردني ثم أخرجني بعرا ولم أكن بشرا )

2- تحمل الأذى في سبيل الدعوة والدفاع عنها :
جاء في مسند البزار عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : " أيها الناس أخبروني بأشجع الناس قالوا أو قال قلنا أنت يا أمير المؤمنين قال أما أني ما بارزت أحدا إلا انتصفت منه ولكن أخبروني بأشجع الناس قالوا لا نعلم فمن ؟ قال أبو بكر رضي الله عنه أنه لما كان يوم بدر جعلنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشا فقلنا من يكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا يهوى إليه أحد من المشركين فوالله ما دنا منه إلا أبو بكر شاهرا بالسيف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يهوي إليه أحد إلا أهوى إليه فهذا أشجع الناس فقال علي ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذته قريش فهذا يجأه وهذا يتلتله وهم يقولون أنت الذي جعلت الآلهة إلها واحدا قال فو الله ما دنا منه أحد إلا أبو بكر يضرب هذا ويجاء هذا ويتلتل هذا وهو يقول ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ؟ ثم رفع عليٌّ بردة كانت عليه فبكى حتى اخضلّت لحيتُه ، ثم قال أنشدكم بالله أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر فسكت القوم فقال ألا تجيبوني فوالله لساعة من أبي بكر خير من ملء الأرض من مؤمن آل فرعون ذاك رجل كتم إيمانه وهذا رجل أعلن إيمانه " .
ذكر ابن كثير في البداية والنهاية عن عائشة قالت : " لما اجتمع أصحاب النبي وكانوا ثمانية وثلاثين رجلا ألح أبو بكر على رسول الله في الظهور فقال يا أبا بكر إنا قليل فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته وقام أبو بكر في الناس خطيبا ورسول الله جالس فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين فضربوا في نواحي المسجد ضربا شديدا ووطئ أبو بكر وضرب ضربا شديدا ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويحرفهما لوجهه ونزا على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه وجاء بنو تيم يتعادون فاجلت المشركين عن أبي بكر وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله ولا يشكون في موته ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد وقالوا والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة فرجعوا إلى أبي بكر فجعل أبو قحافة وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب فتكلم آخر النهار فقال ما فعل رسول الله فمسوا منه بالسنتهم وعذلوه ثم قاموا وقالوا لامه أم الخير أنظري أن تطعميه شيئا أو تسقيه إياه فلما خلت به الحت عليه وجعل يقول ما فعل رسول الله فقالت والله مالي علم بصاحبك فقال اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه فخرجت حتى جاءت أم جميل فقالت إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله فقالت ما أعرف ابا بكر ولا محمد بن عبد الله وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك قالت نعم فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعا دنفا فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح وقالت والله إن قوما نالوا هذا منك لاهل فسق وكفر وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم قال فما فعل رسول الله قالت هذه أمك تسمع قال فلا شيء عليك منها قالت سالم صالح قال أين هو قالت في دار ابن الأرقم قال فان لله علي أن لا أذوق طعاما ولا أشرب شرابا أو آتي رسول الله فامهلتا حتى إذا هدأت الرجل وسكن الناس خرجتا به يتكئ عليهما حتى أدخلتاه على رسول الله قال فأكب عليه رسول الله فقبله وأكب عليه المسلمون ورق له رسول الله رقة شديدة فقال أبو بكر بأبي وأمي يا رسول الله ليس بي بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي وهذه أمي برة بولدها وأنت مبارك فادعها إلى الله وادع الله لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار قال فدعا لها رسول الله ودعاها إلى الله فأسلمت " .

3- اليقين والتصديق بما قال الله ورسوله :
روى الحاكم في المستدرك عن عائشة قالت : " لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى أصبح يحدث الناس بذلك فارتد ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه وسعوا بذلك إلى أبي بكر فقالوا هل لك في صاحبك يزعم أنه أسرى به الليلة إلى بيت المقدس فقال أو قال ذلك قالوا نعم قال لئن كان قال ذلك لقد صدق قالوا فتصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح قال نعم إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك أصدقه في خبر السماء في غدوة أو روحة ، فلذلك سمي أبو بكر الصديق"
ومن يقينه بما قال الله ورسوله تصديقه بالمغيبات وكأنه يراها ، فقد روى الإمام أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْكَوْثَرِ فَقَالَ هُوَ نَهَرٌ أَعْطَانِيهِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْجَنَّةِ تُرَابُهُ الْمِسْكُ مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنْ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ تَرِدُهُ طَيْرٌ أَعْنَاقُهَا مِثْلُ أَعْنَاقِ الْجُزُرِ قَالَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا لَنَاعِمَةٌ فَقَالَ أَكَلَتُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا )

4- حبه الشديد للرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن ذلك :
فرحه بصحبة الرسول عليه الصلاة والسلام في الهجرة :
أخرج البخاري في الصحيح عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ لَقَلَّ يَوْمٌ كَانَ يَأْتِي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا يَأْتِي فِيهِ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ أَحَدَ طَرَفَيْ النَّهَارِ فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ لَمْ يَرُعْنَا إِلَّا وَقَدْ أَتَانَا ظُهْرًا فَخُبِّرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ مَا جَاءَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا لِأَمْرٍ حَدَثَ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ يَعْنِي عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ قَالَ أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ قَالَ الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الصُّحْبَةَ ( زَادَ اِبْن إِسْحَاق فِي رِوَايَته " قَالَتْ عَائِشَة : فَرَأَيْت أَبَا بَكْر يَبْكِي , وَمَا كُنْت أَحْسَب أَنَّ أَحَدًا يَبْكِي مِنْ الْفَرَح ) "

خوفه على أن يصاب الرسول بأذى :
فقد ذكر الحاكم في المستدرك وصحح إسناده عن محمد بن سيرين قال ذُكر رجال على عهد عمر رضي الله عنه فكأنهم فضلوا عمر على أبي بكر رضي الله عنهما قال فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فقال والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر وليوم من أبي بكر خير من آل عمر لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لينطلق إلى الغار ومعه أبو بكر فجعل يمشي ساعة بين يديه وساعة خلفه حتى فطن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا بكر مالك تمشي ساعة بين يدي وساعة خلفي فقال يا رسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك فقال يا أبا بكر لو كان شيء أحببت أن يكون بك دوني قال نعم والذي بعثك بالحق ما كانت لتكون من ملمة إلا أن تكون بي دونك فلما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر مكانك يا رسول الله حتى أستبرى ء لك الغار فدخل واستبرأه حتى إذا كان في أعلاه ذكر أنه لم يستبرئ الحجرة فقال مكانك يا رسول الله حتى أستبرى ء الحجرة فدخل واستبرى ء ثم قال انزل يا رسول الله فنزل فقال عمر والذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر ).

5- حرصه على الطاعات بشتى صنوفها :
قال علي رضي الله عنه كما في مجمع الزوائد :" والذي نفسي بيده ما استبقنا إلى خير قط إلا سبقنا أبو بكر إليه "
وروى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ صَائِمًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَا قَالَ فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ جَنَازَةً قَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَنَا قَالَ فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مِسْكِينًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَنَا قَالَ فَمَنْ عَادَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مَرِيضًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ "
وقال عمر رضي الله عنه كما عند أبي داود وحسنه الألباني : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق فوافق ذلك عندي مالا فقلت اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما . قال فجئت بنصف مالي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أبقيت لأهلك قلت مثله ، وأتى أبو بكر بكل ما عنده فقال يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك قال أبقيت لهم الله ورسوله . قلت والله لا أسبقه إلى شيء أبدا .
وفي صحيح ابن خزيمة عن عمر رضي الله عنه قال :" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال يسمر عند أبي بكر في الأمر من أمر المسلمين وإنه سمر عنده ذات ليلة وأنا معه فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وخرجنا معه فإذا رجل قائم يصلي في المسجد فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع قراءته فلما كدنا أن نعرف الرجل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سره أن يقرأ القرآن رطبا كما أنزل فليقرأه على قراءة بن أم عبد قال ثم جلس الرجل يدعو فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سل تعطه مرتين قال فقال عمر فقلت والله لأغدون إليه فلأبشرنه قال فغدوت إليه لأبشره فوجدت أبا بكر قد سبقني إليه فبشره ولا والله ما سابقته إلى خير قط إلا سبقني "
وجاء في صحيح البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا قَالَ نَعَمْ وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ "
وروى البيهقي في سننه : ( أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أنه شيع يزيد بن أبي سفيان حين بعثه إلى الشام ويزيد راكب وأبوبكر رضي الله عنه يمشي فقال له يزيد يا خليفة رسول الله إما أن تركب وإما أن أنزل أنا فأمشي معك قال لا أركب ولا تنزل إنني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله ) .

6- ثباته في المحن والشدائد ، ومن ذلك :
في موت الرسول صلى الله عليه وسلم :
روى البخاري عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلَمْ يُكَلِّمْ النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَتَيَمَّمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُسَجًّى بِبُرْدِ حِبَرَةٍ فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ ثُمَّ بَكَى فَقَالَ بِأَبِي أَنْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا قَالَ أَبُو سَلَمَةَ فَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُكَلِّمُ النَّاسَ فَقَالَ اجْلِسْ فَأَبَى فَقَالَ اجْلِسْ فَأَبَى فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَمَالَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَتَرَكُوا عُمَرَ فَقَالَ أَمَّا بَعْدُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ إِلَى الشَّاكِرِينَ ) قال ونشج الناس يبكون . وَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهَا حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ فَمَا يُسْمَعُ بَشَرٌ إِلَّا يَتْلُوهَا قال عمر : وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ تَلَاهَا فَعَقِرْتُ حَتَّى مَا تُقِلُّنِي رِجْلَايَ وَحَتَّى أَهْوَيْتُ إِلَى الْأَرْضِ حِينَ سَمِعْتُهُ تَلَاهَا عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ ) .
موقفه يوم السقيفة :
روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : اجْتَمَعَتْ الْأَنْصَارُ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ فَقَالُوا مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ فَذَهَبَ إِلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فَذَهَبَ عُمَرُ يَتَكَلَّمُ فَأَسْكَتَهُ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ بِذَلِكَ إِلَّا أَنِّي قَدْ هَيَّأْتُ كَلَامًا قَدْ أَعْجَبَنِي خَشِيتُ أَنْ لَا يَبْلُغَهُ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَتَكَلَّمَ أَبْلَغَ النَّاسِ فَقَالَ فِي كَلَامِهِ نَحْنُ الْأُمَرَاءُ وَأَنْتُمْ الْوُزَرَاءُ فَقَالَ حُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ لَا وَاللَّهِ لَا نَفْعَلُ مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لَا وَلَكِنَّا الْأُمَرَاءُ وَأَنْتُمْ الْوُزَرَاءُ هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ دَارًا وَأَعْرَبُهُمْ أَحْسَابًا ( وفي رواية في غير البخاري مما قال في خطبته تلك : " وَكُنَّا مَعْشَر الْمُهَاجِرِينَ أَوَّل النَّاس إِسْلَامًا وَنَحْنُ عَشِيرَته وَأَقَارِبه وَذَوُو رَحِمه , وَلَنْ تَصْلُح الْعَرَب إِلَّا بِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْش , فَالنَّاس لِقُرَيْشٍ تَبَع , وَأَنْتُمْ إِخْوَاننَا فِي كِتَاب اللَّه , وَشُرَكَاؤُنَا فِي دِين اللَّه , وَأَحَبّ النَّاس إِلَيْنَا , وَأَنْتُمْ أَحَقّ النَّاس بِالرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّه , وَالتَّسْلِيم لِفَضِيلَةِ إِخْوَانكُمْ , وَأَنْ لَا تَحْسُدُوهُمْ عَلَى خَيْر " فَبَايِعُوا عُمَرَ أَوْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ فَقَالَ عُمَرُ بَلْ نُبَايِعُكَ أَنْتَ فَأَنْتَ سَيِّدُنَا وَخَيْرُنَا وَأَحَبُّنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ عُمَرُ بِيَدِهِ فَبَايَعَهُ وَبَايَعَهُ النَّاسُ )
في حرب الردة :
روى البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنْ الْعَرَبِ قَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ ( جاء في بعض الروايات أن أبا بكر قال لعمر : يا ابن الخطاب أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام ؟ ) وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ . فَقَالَ عُمَرُ فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ .

إذا تذكرتَ شجوا من أخي ثقة *** فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
التاليَ الثانيَ المحمود مشهدُه *** وأولَ الناس طُرّا صدّق الرسلا
والثاني اثنين في الغار المُنِيفِ وقد *** طافَ العدو به إذ صعّد الجبلا
وكان حِبَّ رسول الله قد علموا *** من البريّة لم يعدِل به رجلا
خيرُ البرية أتقاها وأرأفُها *** بعد النبي وأوفاها بما حملا

والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم ،،،
Back to top Go down
سلمى العربيه
عربي مميز
عربي مميز


عدد المساهمات: 250
تاريخ التسجيل: 2010-01-18

PostSubject: Re: الصحابه رضوان الله عليهم   Tue Jan 19, 2010 7:58 am

عدالة الصحابة ومكانتهم في الإسلام

روى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود، قال: " إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئاً فهو عند الله سيئ "
إن عدالتهم عند أهل السنة من مسائل العقيدة القطعية ، ومما هو معلوم من الدين بالضرورة ويستدلون لذلك بأدلة لا تحصى من الكتاب والسنة .
ففي القرآن يقول عزوجل : (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) وقال سبحانه :
{ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً } .
قال جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - : " كنا ألفا وأربعمائة " .
(ومن رضي عنه تعالى لا يمكن موته على الكفر ، لأن العبرة بالوفاء على الإسلام ، فلا يقع الرضا منه تعالى إلا على من علم موته على الإسلام ، وأما من علم موته على الكفر فلا يمكن أن يخبر الله تعالى بأنه رضي عنه. ومما يؤكد هذا ما ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله يقول : أخبرتني أمُّ مبشر أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند حفصة : لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها "
وروى الشيخان عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم:" لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " .
وروى الإمام أحمد في الفضائل وصححه الألباني عن عبد الله بن عمر :"لا تسبوا أصحاب محمد،فلمقام أحدهم ساعةً خير من عمل أحدكم عمرَه " ، وفى رواية: " خير من عبادة أحدكم أربعين سنة " .
وقال ابن حزم : " فمن أخبرنا الله عز وجل أنه علم ما في قلوبهم ، و-رضي الله عنهم ، وأنزل السكينة عليهم ، فلا يحل لأحد التوقف في أمرهم ، أو الشك فيهم ألبتة " .
وفي مسند البزار رجاله موثوقون من حديث سعيد بن المسيب عن جابر قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم » إن الله اختار أصحابي على الثقلين سوى النبيين والمرسلين «
وقال الإمام أحمد : " فأدناهم صحبة هو أفضل من القرن الذين لم يروه ولو لقوا الله بجميع الأعمال "
وإلى وصف دقيق لحالهم من أحدهم بل ومن خيارهم وهو صهر رسول الله عليه السلام علي بن أبي طالب حيث يروي لنا ابن أبي الدنيا والحافظ ابن كثير عن أبي أراكة قال : " صليت مع علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه صلاة الفجر فلما انتفل عن يمينه مكث كأن عليه كآبة،حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح صلى ركعتين ثم قلب يده فقال : والله لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فما أرى اليوم شيئا يشبههم لقد كانوا يصبحون صفرا شعثا غبرا ، بين أعينهم كأمثال ركب المعزى قد باتوا لله سجدا وقياما يتلون كتاب الله يتراوحون بين جباههم وأقدامهم ،فإذا أصبحوا فذكروا الله مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح ، وهملت أعينهم حتى تبل ثيابهم ، والله لكأن القوم باتوا غافلين . ثم نهض فما رئي بعد ذلك مفترا يضحك حتى قتل رضي الله عنه "
ولقد كان بينهم من المحبة والوئام والألفة قدر كبير وجليل مع ما حدث بين بعضهم من القتال إلا أن المحبة في قلوبهم لبعضهم كالجبال الرواسي ، وهذا من أعجب العجب ، ولكنه يزول حين نعلم أن أولئك هم تلاميذ محمد بن عبدالله ، يأتي أحدهم إلى علي بن أبي طالب فيقول ما تقول فيمن قاتلوك ( يعني معاوية وطلحة والزبير ومن كان معهم من الصحابة ) فيقول : إخواننا بغوا علينا .
ويروي لنا أبو نعيم في الحلية عن أبي صالح قال: " دخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية فقال له :صف لي عليا ؟ فقال : أو تعفني يا أمير المؤمنين ؟ قال :لا أعفيك قال :أما إذا ولا بد فإنه كان والله بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلا ويحكم عدلا ، يتفجر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه ، يستوحش الدنيا وزهرتها ، ويستأنس بالليل وظلمته ، كان والله غزير العبرة ، طويل الفكرة ، يقلب كفه ويخاطب نفسه ، يعجبه من اللباس ما قصر ، ومن الطعام ما جشب ، كان والله كأحدنا يدنينا إذا أتيناه ، ويجيبنا إذا سألناه ، وكان مع تقربه إلينا وقربه منا لا نكلمه هيبة له ، فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم ، يعظم أهل الدين ، ويحب المساكين ، لا يطمع القوي في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله ، فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه ، وقد أرخى الليل سدوله ، وغارة نجومه ، يميل في محرابه قابضا على لحيته ، يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ، فكأني أسمعه الآن وهو يقول : يا ربنا يا ربنا يتضرع إليه ، ثم يقول للدنيا إلي تغررت ؟ إلي تشوفت ؟ هيهات هيهات ، غري غيري ، قد بتتك ثلاثا ، فعمرك قصير ، ومجلسك حقير ، وخطرك يسير ، آه آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق ، فوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها وجعل ينشفها بكمه وقد اختنق القوم بالبكاء فقال معاوية رضي الله عنه : كذا كان أبو الحسن رحمه الله ، كيف وجدك عليه يا ضرار ؟ قال : وجد من ذبح واحدها في حجرها لا ترقأ دمعتها ولا يسكن حزنها ثم قام فخرج " .

هكذا كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، فحق لأمة أن تفخر بهم وتباهي سائر الأمم :

أولئك أصحاب النبي وحزبُه *** ولولاهم ما كان في الأرض مسلم
ولولاهم كادت تميد بأهلها *** ولكن رواسيها وأوتادُها هم
ولولاهم كانت ظلاما بأهلها *** ولكن هم فيها بدور وأنجم[1]


اللهم اجمعنا بهم في أعالي الجنان واغفر لنا ولهم أجمعين والحمد لله رب العالمين،،،
Back to top Go down
سلمى العربيه
عربي مميز
عربي مميز


عدد المساهمات: 250
تاريخ التسجيل: 2010-01-18

PostSubject: Re: الصحابه رضوان الله عليهم   Tue Jan 19, 2010 8:00 am

أبوبكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره

الفصل الأول
ابو بكر الصديق رضي الله عنه في مكة

المبحث الأول
إسمه ونسبه وكنيته وألقابه وصفته
وأسرته وحياته في الجاهلية



أولاً: أسمه ونسبه وكنيته وألقابه:
هو عبدالله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة ابن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي( )، ويلتقي مع النبي ? في النسب في الجد السادس مرة بن كعب( ) ويكنى بأبي بكر، وهي من البكر وهو الفتى من الإبل، والجمع بكارة وأبكر وقد سمَّت العرب بكراً، وهو أبو قبيلة عظيمة( ) ولُقب أبوبكر ?، بألقاب عديدة كلها تدل على سمو المكانة، وعلو المنزلة وشرف الحسب منها:
1- العتيق:
لقبّه به النبي ?؛ فقد قال له ?: (أنت عتيقُ الله من النار) فسُمِّيَ عتيقاً( ) وفي رواية عائشة قالت: دخل أبو بكر الصديق على رسول الله ?، فقال له رسول الله ?: (أبشر فأنت عتيق الله من النار)( )، فمن يؤمئذ سُمي عتيقاً( )، وقد ذكر المؤرخون أسباباً كثيرة لهذا اللقب، فقد قيل: إنما سمي عتيقاً لجمال وجهه( )، وقيل لأنه كان قديماً في الخير( )، وقيل سمي عتيقاً لعتاقة وجهه( )، وقيل إن أم أبي بكر كان لايعيش لها ولد، فلما ولدته استقبلت به الكعبة وقالت: اللهم إن هذا عتيقك من الموت فهبه لي( )، ولا مانع للجمع بين بعض هذه الأقوال، فأبي بكر جميل الوجه، حسن النسب، صاحب يد سابقة الى الخير، وهو عتيق الله من النار بفضل بشارة النبي ? له( ).
2- الصديق:
لقبه به النبي ? ففي حديث أنس ? أنه قال: أن النبي ? صعد أحداً، وأبوبكر، وعمر، وعثمان، فوجف بهم فقال: اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان( ).
وقد لقب بالصديق لكثرة تصديقه للنبي ?، وفي هذا تروي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فتقول: لما أسري بالنبي ? الى المسجد الاقصى، أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتد ناسُ، كانوا آمنوا به وصدقوه وسعى رجال الى أبي بكر، فقالوا: هل لك الى صاحبك؟ يزعم أن أسري به الليله الى بيت المقدس! قال: وقد قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن قال ذلك فقد صدق. قالوا: أو تصدقه أنه ذهب الليلة الى بيت المقدس، وجاء قبل أن يصبح؟!! قال نعم ، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة، فلذلك سمي أبوبكر الصديق( ).
وقد أجمعت الأمة على تسميته بالصديق لأنه بادر الى تصديق الرسول ? ولازمه الصدق فلم تقع منه هناة أبداً( )، فقد اتصف بهذا اللقب ومدحه الشعراء:
قال ابو محجن الثقفي:
وسُمِّيت صديقاً وكل مهاجر
سواك يُسَمَّى باسمه غير منكر
سبقت الى الاسلام والله شاهد
وكنت جليساً في العريش المشهر( )
وأنشد الأصمعي( )، فقال:
ولكني أحبّ بكل قلبي
وأعلم أن ذاك من الصواب
رسول الله والصدِّيق حبَّاً
به أرجو غداً حسن الثواب( )
3- الصاحب:
لقبه به الله عز وجل في القرآن الكريم: {إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة، الآية:40) وقد أجمع العلماء على أن الصاحب المقصود هنا هو أبوبكر ?( )، فعن أنس أن أبا بكر حدثه فقال: قلت للنبي ? وهو في الغار: لو أن أحدهم نظر الى قدميه لأبصرنا تحت قدميه!! فقال النبي ?: (ياأبابكر ماظنك باثنين الله ثالثهما)( ).
قال الحافظ رحمه الله: ومن أعظم مناقبه قول الله تعالى: {إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا......... إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}فإن المراد بصاحبه هنا أبوبكر بلا منازع( )، والاحاديث في كونه كان معه في الغار كثيرة شهيرة ولم يشركه في المنقبة غيره( ).
4- الأتقى:
لقبه به الله عز وجل في القرآن العظيم في قوله تعالى: {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى} (سورة الليل، الآية: 17). وسيأتي بيان ذلك في حديثنا عن المعذبين في الله الذين أعتقهم أبوبكر ?.
5- الأواه:
لقب أبو بكر بالأواه وهو لقب يدل على الخوف والوجل والخشية من الله تعالى، فعن ابراهيم النخعي قال: كان أبوبكر يسمى بالأواه لرأفته ورحمته( ).
ثانياً: مولده وصفته الخَلْقية:
لم يختلف العلماء في أنه ولد بعد عام الفيل، وإنما اختلفوا في المدة التي كانت بعد عام الفيل، فبعضهم قال بثلاث سنين، وبعضهم ذكر بأنه ولد بعد عام الفيل بسنتين وستة أشهر، وآخرون قالوا بسنتين وأشهر ولم يحددوا عدد الأشهر( )، وقد نشأ نشأة كريمة طيبة في حضن أبوين لهما الكرامة والعز في قومهما مما جعل أبا بكر ينشأ كريم النفس، عزيز المكانة في قومه( ).
وأما صفته الخِلقية، فقد كان يوصف بالبياض في اللون، والنحافة في البدن، وفي هذا يقول قيس بن أبي حازم: دخلت على أبي بكر، وكان رجلاً نحيفاً، خفيف اللحم أبيض( )، وقد وصفه أصحاب السير من افواه الرواة فقالوا: أن أبا بكر ? اتصف بأنه: كان أبيض تخالطه صُفرة، حسن القامة، نحيفاً خفيف العارضين، أجنأ( )، لايستمسك إزاره يسترخي عن حقويه( ) رقيقاً معروق الوجه( )، غائر العينين( )، اقنى( )، حمش الساقين( )، ممحوص الفخذين( )، وكان ناتئ الجبهة، عاري الأشجاع( ) ويخضب لحيته، وشيبه بالحناء والكتم( ).
ثالثاً: أسرته:
أما والده، فهو عثمان بن عامر بن عمرو يكنى أبا قحافة أسلم يوم الفتح، وأقبل به الصديق على رسول الله ? فقال: ياأبا بكر هلا تركته، حتى نأتيه، فقال أبوبكر: هوأولى أن يأتيك يارسول الله، فأسلم أبو قحافة وبايع رسول الله ?( )، ويروى أن رسول الله ? هنأ أبا بكر بإسلام أبيه( )، وقال لأبي بكر غيروا هذا من شعره، فقد كان رأس أبي قحافة مثل الثغامة( ).
وفي هذا الخبر منهج نبوي كريم سنَّهُ النبي ? في توقير كبار السن واحترامهم ويؤكد ذلك قوله ? (ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا)( ).
وأما والدة الصديق، فهي سلمى بن صخر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم وكنيتها أم الخير أسلمت مبكراً وسيأتي تفصيل ذلك في واقعة إلحاح أبي بكر على النبي ? على الظهور بمكة( ).
وأما زوجاته؛ فقد تزوج ? من أربع نسوة أنجبن له ثلاثة ذكور وثلاث إناث وهنّ على التوالي:
1- قتيلة بنت عبدالعزى بن أسعد بن جابر ابن مالك:
اختلف في إسلامها( )، وهي والدة عبدالله وأسماء وكان أبوبكر طلقها في الجاهلية- وقد جاءت بهدايا فيها أقط وسمن الى إبنتها أسماء بنت أبي بكر بالمدينة، فابت أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها فأرسلت الى عائشة تسأل النبي ? فقال النبي ?: (لِتُدْخِلها ولتقبل هديتها)، وأنزل الله عز وجل {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (سورة المتحنة، الآية:Cool أي لايمنعكم الله من البر والإحسان وفعل الخير الى الكفار الذين سالموكم ولم يقاتلوكم في الدين كالنساء، والضعفة منهم كصلة الرحم، ونفع الجار، والضيافة، ولم يخرجوكم من دياركم، ولايمنعكم أيضاً من أن تعدلوا فيما بينكم وبينهم، بأداء مالهم من الحق، كالوفاء لهم بالوعود، وأداء الأمانة، وإيفاء أثمان المشتريات كاملة غير منقوصة، إن الله يحب العادلين، ويرضى عنهم، ويمقت الظالمين ويعاقبهم( ).
2- أم رومان بنت عامر بن عويمر:
من بني كنانة بن خزيمة، مات عنها زوجها الحارث بن سخبرة بمكة، فتزوجها أبوبكر، وأسلمت قديماً، وبايعت، وهاجرت الى المدينة وهي والدة عبدالرحمن وعائشة رضي الله عنهم، وتوفيت في عهد النبي ? بالمدينة سنة ست من الهجرة( ).
3- أسماء بن عُمَيس بن معبد بن الحارث:
أم عبدالله، من المهاجرات الأوائل، أسلمت قديماً قبل دخول دار الأرقم، وبايعت الرسول ?، وهاجر بها زوجها جعفر بن أبي طالب ? الى الحبشة، ثم هاجرت معه الى المدينة فاستشهد يوم مؤتة، وتزوجها الصديق فولدت له محمداً روى عنها من الصحابة : عمر، وأبو موسى، وعبدالله بن عباس، وأم الفضل امرأة العباس، فكانت أكرم الناس أصهاراً فمن أصهارها: رسول الله وحمزة، والعباس وغيرهم( ).
4- حبيبة بنت خارجة بن زيد بن أبي زهير:
الانصارية، الخزرجية وهي التي ولدت لأبي بكر أم كلثوم بعد وفاته وقد أقام عندها الصديق بالسُّنح( ).
وأما أولاد أبي بكر رضي الله عنهم فهم:
1- عبدالرحمن بن أبي بكر:
أسن ولد أبي بكر: أسلم يوم الحديبية، وحسن إسلامه وصحب رسول الله وقد إشتهر بالشجاعة وله مواقف محمودة ومشهودة بعد إسلامه( ).
2- عبدالله بن أبي بكر:
صاحب الدور العظيم في الهجرة، فقد كان يبقى في النهار بين أهل مكة يسمع أخبارهم ثم يتسلل في الليل الى الغار لينقل هذه الأخبار لرسول الله وأبيه، فإذا جاء الصبح عاد الى مكة، وقد أصيب بسهم يوم الطائف، فماطله حتى مات شهيداً بالمدينة في خلافة الصديق( ).
3- محمد بن أبي بكر:
أمه أسماء بنت عميس، ولد عام حجة الوداع وكان من فتيان قريش، عاش في حجر علي بن أبي طالب، وولاه مصر وبها قتل( ).
4- أسماء بنت أبي بكر:
ذات النطاقين أسن من عائشة، سماها رسول الله ? ذات النطاقين لأنها صنعت لرسول الله ? ولأبيها سفرة لما هاجرا فلم تجد ماتشدها به فشقت نطاقها، وشدت به السفرة فسماها النبي ? بذلك، وهي زوجة الزبير بن العوام وهاجرت الى المدينة وهي حامل بعبدالله بن الزبير فولدته بعد الهجرة فكان أول مولود في الاسلام بعدالهجرة، بلغت مائة سنة ولم ينكر من عقلها شيء، ولم يسقط لها سن، روى لها عن الرسول ? ستة وخمسون حديثاً، روى عنها عبدالله بن عباس، وأبناؤها عبدالله وعروة، وعبدالله بن أبي مُلَيْكة وغيرهم وكانت جوادة منفقة توفيت بمكة سنة 73هـ( ).
5- عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها:
الصديقة بنت الصديق تزوجها رسول الله ? وهي بنت ست سنين، ودخل بها وهي بنت تسع سنين، وأعرس بها في شوال، وهي أعلم النساء، كناها رسول الله ? أم عبدالله، وكان حبه لها مثالاً للزوجية الصالحة( ).
كان الشعبي يحدث عن مسروق أنه إذا تحدث عن أم المؤمنين عائشة يقول: حدثتني الصديقة بنت الصديق المبرأة حبيبة حبيب الله ?، ومسندها يبلغ ألفين ومائتين وعشرة أحاديث (2210) اتفق البخاري ومسلم على مائة وأربعة وسبعين حديثاً، وانفرد البخاري باربعة وخمسين، وانفرد مسلم بتسعة وستين( )، وعاشت ثلاثاً وستين سنة وأشهراً، وتوفيت سنة 57هـ، ولا ذرية لها( ).
6- أم كلثوم بنت أبي بكر:
أمها حبيبة بنت خارجة. قال أبوبكر لأم المؤمنين عائشة حين حضرته الوفاة: إنما هما أخواك وأختاك فقالت: هذه أسماء قد عرفتها فمن الاخرى قال: ذو بطن بنت خارجة، قد ألقي في خلدي أنها جارية فكانت كما قال: وولدت بعد موته( )، تزوجها طلحة بن عبيدالله وقتل عنها يوم الجمل، وحجت بها عائشة في عدتها فأخرجتها الى مكة( ).
هذه هي أسرة الصديق المباركة التي أكرمها الله بالاسلام وقد اختص بهذا الفضل أبو بكر ? من بين الصحابة وقد قال العلماء: لايعرف أربعة متناسلون بعضهم من بعض صحبوا رسول الله ?، إلا آل أبي بكر الصديق وهم: عبدالله بن الزبير، أمه أسماء بنت أبي بكر بن ابي قحافة، فهؤلاء الأربعة صحابة متناسلون، وأيضاً محمد بن عبدالرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة ?( ).
وليس من الصحابة من أسلم أبوه وأمه وأولاده، وأدركوا النبي ? وأدركه أيضاً بنو أولاده: إلا أبوبكر من جهة الرجال والنساء -وقد بينت ذلك- فكلهم آمنوا بالنبي وصحبوه، فهذا بيت الصديق، فأهله أهل إيمان، ليس فيهم منافق ولايعرف في الصحابة مثل هذا لغير بيت أبي بكر رضي الله عنهم.
وكان يقال: للإيمان بيوت وللنفاق بيوت؛ فبيت أبي بكر من بيوت الإيمان من المهاجرين، وبني النجار من بيوت الإيمان من الانصار( ).
رابعاً: الرصيد الخُلقي للصديق في المجتمع الجاهلي:
كان أبو بكر الصديق في الجاهلية من وجهاء قريش وأشرافهم وأحد رؤسائهم، وذلك أن الشرف في قريش قد انتهى قبل ظهور الاسلام الى عشرة رهط من عشرة أبطن، فالعباس ابن عبدالمطلب من بني هاشم، وكان يسقي الحجيج في الجاهلية، وبقي له ذلك في الاسلام وابو سفيان بن حرب من بني أمية، وكان عنده العقاب راية قريش، فإذا لم تجتمع قريش على واحد رأسوه هو وقدموه، والحارث بن عامر بن بني نوفل، وكانت إليه الرفادة، وهي ماتخرجه قريش من أموالها، وترفد به منقطع السبيل، وعثمان بن طلحة بن زمعة بن الاسود من بني أسد، وكانت إليه المشورة فلا يُجمع على أمر حتى يعرضوه عليه، فإن وافق ولاهم عليه، وإلا تخيّر وكانو له أعواناً، وأبو بكر الصديق من بني تيم وكانت إليه الأشناق وهي الديات والمغارم، فكان إذا حمل شيئاً فسأل فيه قريشاً صدقوه، وامضوا حمالة من نهض معه، وإن احتملها غيره خذلوه، وخالد بن الوليد من بني مخزوم، وكانت إليه القبة والأعنة، أما القبة فإنهم كانوا يضربونها ثم يجمعون إليها مايجهزون به الجيش، وأما الأعنة فإنه كان على خيل قريش في الحرب. وعمر بن الخطاب من بني عدي، وكانت إليه السفارة في الجاهلية، وصفوان بن أمية من بني جمح، وكانت إليه الأزلام. والحارث بن قيس من بني سهم، وكانت إليه الحكومة وأموال آلهتهم( ).
لقد كان الصديق في المجتمع الجاهلي شريفاً من أشراف قريش وكان من خيارهم، ويستعينون به فيما نابهم وكانت له بمكة ضيافات لايفعلها أحد( ).
وقد اشتهر بعدة أمور منها:
1- العلم بالأنساب:
فهو عالم من علماء الأنساب وأخبار العرب، وله في ذلك باع طويل جعله أستاذ الكثير من النسابين كعقيل بن أبي طالب وغيره، وكانت له مزية حببته إلى قلوب العرب وهي: أنه لم يكن يعيب الأنساب، ولايذكر المثالب بخلاف غيره( )، فقد كان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها، وبما فيها من خير وشر( )، وفي هذا تروي عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله ? قال: إن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها( ).
2-تجارته:
كان في الجاهلية تاجراً، ودخل بُصرى من أرض الشام للتجارة وارتحل بين البلدان وكان رأس ماله اربعين ألف درهم وكان ينفق من ماله بسخاء وكرم عُرف به في الجاهلية( ).
3-موضع الألفة بين قومه وميل القلوب إليه:
فقد ذكر ابن اسحاق في السيرة أنهم كانوا يحبونه، ويألفونه، ويعترفون له بالفضل العظيم، والخلق الكريم، وكانوا يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر لعلمه وتجارته وحسن مجالسته( )، وقد قال له ابن الدغنه حين لقيه مهاجراً، إنك لتزين العشيرة، وتعين على النوائب، وتكسب المعدوم وتفعل المعروف( )، وقد علَّق ابن حجر على قول ابن الدغنه فقال: ومن أعظم مناقبه أن ابن الدغنه سيد القارة لما رد عليه جواره بمكة وصفه بنظير ماوصفت به خديجة النبي ? لما بعث، فتواردا فيها نعت واحد من غير أن يتواطأ على ذلك، وهذه غاية في مدحه لأن صفات النبي ? منذ نشأ كانت أكمل الصفات( ).
4-لم يشرب الخمر في الجاهلية:
فقد كان أعف الناس في الجاهلية( )، حتى إنه حرّم على نفسه الخمر قبل الإسلام، فقد قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: حرم أبو بكر الخمر على نفسه، فلم يشربها في جاهلية ولا في إسلام، وذلك أنه مرّ برجل سكران يضع يده في العذرة، ويدنيها من فيه، فإذا وجد ريحها صرفها عنه. فقال أبو بكر: إن هذا لايدري ما يصنع، وهو يجد ريحها فحماها( )، وفي رواية لعائشة ... ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية( ).
وقد أجاب الصديق من سأله هل شربت الخمر في الجاهلية؟ بقوله: أعوذ بالله، فقيل: ولم؟ قال: كنت أصون عرضي، وأحفظ مروءتي، فإن من شرب الخمر كان مضيّعاً لعرضه ومروءته( ).
5-ولم يسجد لصنم:
ولم يسجد الصديق رضي الله عنه لصنم قط، قال أبو بكر رضي الله عنه في مجمع من أصحاب رسول الله ?، ما سجدت لصنم قط، وذلك أني لما ناهزت الحلم أخذني أبو قحافة بيدي فانطلق بي إلى مخدع فيه الأصنام، فقال لي: هذه آلهتك الشّمُ العوالي، وخلاني وذهب، فدنوت من الصنم وقلت: إني جائع فأطعمني فلم يُجبني فقلت: إني عار فأكسني، فلم يجبني، فألقيت عليه صخرة فخرَّ لوجهه() وهكذا حمله خلقه الحميد وعقله النير، وفطرته السليمة على الترفع عن كل شيء يخدش المروءة وينقص الكرامة من أفعال الجاهليين، وأخلاقهم التي تجانب الفطرة السليمة، وتتنافى مع العقل الراجح، والرجولة الصادقة( )، فلا عجب على من كانت هذه أخلاقه أن ينضم لموكب دعوة الحق ويحتل فيها الصدارة ويكون بعد إسلامه أفضل رجل بعد رسول الله ?، فقد قال ?: خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا( )، وقد علق الأستاذ رفيق العظم عن حياة الصديق في الجاهلية فقال: اللهم إن امرأً نشأ بين الأوثان حيث لادين زاجر، ولاشرع للنفوس قائد، وهذا مكانه من الفضيلة، واستمساكه بعرى العفة والمروءة ... لجدير بأن يتلقى الإسلام بملء الفؤاد، ويكون أول مؤمن بهادي العباد، مبادر بإسلامه لإرغام أنوف أهل الكبر والعناد، ممهد سبيل الاهتداء بدين الله القويم، الذي يجتث أصول الرذائل من نفوس المهتدين بهديه، المستمسكين بمتين سببه( ).
لله در الصديق رضي الله عنه فقد كان يحمل رصيداً ضخماً من القيم الرفيعة، والأخلاق الحميدة والسجايا الكريمة في المجتمع القرشي قبل الإسلام وقد شهد له أهل مكة بتقدمه على غيره في عالم الأخلاق والقيم والمثل ولم يُعلمْ أحد من قريش عاب أبا بكر بعيب ولانقصه ولا استرذله كما كانوا يفعلون بضعفاء المؤمنين ولم يكن له عندهم عيب إلا الإيمان بالله ورسوله( ).
















المبحث الثاني
إسلامه ودعوته وابتلاؤه وهجرته الأولى



أولاً: إسلامه:
كان إسلام أبي بكر رضي الله عنه وليد رحلة إيمانية طويلة في البحث عن الدين الحق الذي ينسجم مع الفطر السليمة ويلبي رغباتها، ويتفق مع العقول الراجحة، والبصائر النافذة، فقد كان بحكم عمله التجاري كثير الأسفار، قَطَعَ الفيافي، والصحاري، والمدن والقرى في الجزيرة العربية وتنقل من شمالها إلى جنوبها، وشرقها إلى غربها، واتصل اتصالاً وثيقاً، بأصحاب الديانات المختلفة وبخاصة النصرانية، وكان كثير الإنصات لكلمات النفر الذين حملوا راية التوحيد، راية البحث عن الدين القويم( )، فقد حدّث عن نفسه فقال: كنت جالساً بفناء الكعبة، وكان زيد بن عمرو بن نُفيْل قاعداً، فمرّ ابن أبي الصَّلْتِ، فقال: كيف أصبحت يا باغي الخير؟ قال: بخير، قال: وهل وجدت؟ قال: لا، فقال:
كل دين يوم القيامة إلا
ما مضَى في الحنيفية بُور( )
أما إنّ هذا النبي الذي ينتظر منا أو منكم، قال: ولم أكن سمعت قبل ذلك بنبي يُنتظر ويُبعث، قال: فخرجت أريد ورقة بن نوفل -وكان كثير النظر إلى السماء، كثير همهمة الصّدر- فاستوقفته، ثم قصصت عليه الحديث، فقال: نعم يا ابن أخي، إنّا أهل الكتب والعلوم، ألا إن هذا النبي الذي يُنتظر من أوسط العرب نسباً -ولي علم بالنسب- وقومك أوسط العرب نسباً. قلت: ياعمّ ومايقول النبي؟ قال: يقول ماقيل له؟ إلا إنّه لايظلم، ولايُظلم ولا يُظالم، فلما بُعث رسول الله ? آمنت به وصدّقته( )، وكان يسمع مايقوله أمية بن أبي الصلت:
في مثل قوله: ألا نبي لنا منا فيخبرنا
مابعد غايتنا من رأس مجرانا
إني أعوذ بمن حج الحجيج له
والرافعون لدين الله أركانا
لقد عايش أبو بكر هذه الفترة، ببصيرة نافذة، وعقل نير، و فكر متألق، وذهن وقاد، وذكاء حاد، وتأمل رزين ملأ عليه أقطار نفسه، ولذلك حفظ الكثير من هذه الأشعار، ومن تلك الأخبار، فعندما سأل الرسول الكريم ? أصحابه يوماً -وفيهم أبو بكر الصديق قائلاً: من منكم يحفظ كلام -قيس بن ساعدة- في سوق عكاظ؟ فسكت الصحابة، ونطق الصديق قائلاً: إني أحفظها يارسول الله،
كنت حاضراً يومها في سوق عكاظ، ومن فوق جمله الأورق وقف قيس- يقول: أيها الناس: اسمعوا وَعُوا، وإذا وعيتم فانتفعوا إن من عاش مات ومن مات فات، وكل ماهو آتٍ، آت، إن في السماء لخبراً، وإنَّ في الأرض لعبراً، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تمور، وبحار لن تغور، ليل داج، وسماء ذات أبراج!!
يُقسم قيس، إن لله ديناً هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه. مالي أرى الناس يذهبون، ولايرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا فناموا ثم أنشد قائلاً:
في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصــــائر
لمــــــا رأيت موارداً للموت ليس لهــا مصائر
ورأيت قومي نحوها يسعى الأكابر والأصاغر
أيقنت أني لامحالـــة حيث صــار القوم صائر( )
وبهذا الترتيب الممتاز، وبهذه الذاكرة الحديدية، وهي ذاكرة استوعبت هذه المعاني يقص الصديق ماقاله قس بن ساعدة على رسول الله وأصحابه( ).
وقد رأى رؤيا لما كان في الشام فقصّها على بحيرا الراهب( )، فقال له: من أين أنت؟ قال: من مكة، قال: من أيها؟ قال: من قريش، قال: فأي شيء أنت؟ قال: تاجر، قال: إن صدق الله رؤياك، فإنه يبعث بنبي من قومك، تكون وزيره في حياته، وخليفته بعد موته، فأسر ذلك أبو بكر في نفسه( ).
لقد كان إسلام الصديق بعد بحث وتنقيب وانتظار وقد ساعده على تلبية دعوة الإسلام معرفته العميقة وصلته القوية بالنبي ? في الجاهلية، فعندما نزل الوحي على النبي ? أخذ يدعو الأفراد إلى الله وقع أول اختياره على الصديق رضي الله عنه، فهو صاحبه الذي يعرفه قبل البعثة بدماثة خلقه، وكريم سجاياه، كما يعرف أبو بكر النبي بصدقه وأمانته، وأخلاقه التي تمنعه من الكذب على الناس فكيف يكذب على الله( )؟
فعندما فاتحه رسول الله ? بدعوة الله وقال له: .. إني رسول الله ونبيه، بعثني إلى الله وحده لاشريك له، ولاتعبد غيره، والموالاة على طاعته( )، فأسلم الصديق ولم يتلعثم وتقدم ولم يتأخر، وعاهد رسول الله على نصرته فقام بما تعهد ولهذا قال رسول الله ? في حقه: إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدق، وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ مرتين( ).
وبذلك كان الصديق رضي الله عنه أول من أسلم من الرجال الأحرار، قال إبراهيم النخعي، وحسان بن ثابت وابن عباس وأسماء بنت أبي بكر: أول من أسلم أبو بكر. وقال يوسف بن يعقوب الماجشون: أدركت أبي ومشيختنا: محمد بن المنكدر، وربيعة بن عبدالرحمن، وصالح بن كيسان وسعد بن ابراهيم وعثمان بن محمد الأخنس وهم لايشكون أن أول القوم إسلاماً أبو بكر( )، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أول من صلى أبو بكر ثم تمثل بأبيات حسان:
إذا تذكرت شجواً من أخي ثقة
فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أتقاها وأعدلها
إلا النبي وأوفاها بما حملا
الثاني التالي المحمود مشهده
وأول الناس صدق الرسلا( )
وثاني أثنين في الغار المنيف وقد
طاف العدو به إذ صعد الجبلا
وعاش حميداً لأمر الله متبعاً
بهدى صاحبه الماضي وما انتقلا
وكان حب رسول الله قد علموا
من البرية لم يعدل به رجلا( )
هذا وقد ناقش العلماء قضية إسلام الصديق، وهل كان رضي الله عنه أول من أسلم، فمنهم من جزم بذلك، ومنهم من جزم بأن علياً أول من أسلم، ومنهم من جعل زيد بن حارثة أول من أسلم، وقد جمع الامام ابن كثير رحمه الله بين الأقوال جمعاً طيباً فقال: (والجمع بين الأقوال كلها : أن خديجة أول من أسلم من النساء
-وقيل الرجال أيضاً- وأول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة، وأول من أسلم من الغلمان علي بن أبي طالب -فإنه كان صغيراً دون البلوغ على المشهور- وهؤلاء كانوا آنذاك أهل بيته ?، وأول من أسلم من الرجال الأحرار أبوبكر الصديق، وإسلامه كان أنفع من اسلام من تقدم ذكرهم إذ كان صدراً معظماً، ورئيساً في قريش مكرماً، وصاحب المال وداعية الى الاسلام وكان محبباً متآلفاً يبذل المال في طاعة الله ورسوله) ثم قال: (وقد أجاب أبو حنيفة ? بالجمع بين هذه الأقوال فإن أول من أسلم من الرجال الأحرار أبوبكر، ومن النساء خديجة ومن الموالي زيد بن حارثة ومن الغلمان علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين( ).
وبإسلام أبي بكر عم السرور قلب النبي ? حيث تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: فلما فرغ من كلامه -أي النبي ?- أسلم أبوبكر فانطلق رسول الله ? من عنده، ومابين الأخشبين أحد أكثر سروراً منه بإسلام أبي بكر( ). لقد كان ابوبكر كنزاً من الكنوز ادخره الله تعالى لنبيه وكان من أحب قريش لقريش، فذلك الخلق السمح الذي وهبه الله تعالى إياه جعله من الموطئين أكنافاً، من الذين يألفون ويؤلفون، والخلق السمح وحده عنصر كافٍ لإلفة القوم وهو الذي قال فيه عليه الصلاة والسلام: أرحم أمتي بأمتي ابوبكر( )، وعلم الأنساب عند العرب، وعلم التاريخ هما أهم العلوم عندهم، ولدى أبي بكر الصديق ? النصيب الأوفر منهما، وقريش تعترف للصديق بأنه أ علمها بأنسابها وأعلمها بتاريخها، ومافيه من خير وشر، فالطبقة المثقفة ترتاد مجلس أبي بكر لتنهل منه علماً لاتجده عند غيره غزارة ووفرة وسعة، ومن أجل هذا كان الشباب النابهون والفتيان الأذكياء يرتادون مجلسه دائماً، إنهم الصفوة الفكرية المثقفة التي تود أن تلقى عنده هذه العلوم، وهذا جانب آخر من جوانب عظمته، وطبقة رجال الأعمال، ورجال المال في مكة، هي كذلك من رواد مجلس الصديق، فهو إن لم يكن التاجر الأول في مكة، فهو من أشهر تجارها، فأرباب المصالح هم كذلك قصاده، ولطيبته وحسن خلقه تجد عوام الناس يرتادون بيته، فهو المضياف الدمث الخلق، الذي يفرح بضيوفه، ويأنس بهم، فكل طبقات المجتمع المكي تجد حظها عند الصديق رضوان الله عليه( )، كان رصيده الأدبي والعلمي والاجتماعي في المجتمع المكي عظيماً، ولذلك عندما تحرك في دعوته للاسلام استجاب له صفوة من خيرة الخلق( ).
ثانياً: دعوته:
أسلم الصديق ? وحمل الدعوة مع رسول الله ?، وتعلم من رسول الله ? أن الاسلام دين العمل والدعوة والجهاد، وأن الايمان لايكمل حتى يهب المسلم نفسه ومايملك لله رب العالمين( )، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ?لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ?} (سورة الأنعام، الآيتان: 162،163) وقد كان الصديق كثير الحركة للدعوة الجديدة، وكثير البركة اينما تحرك أثر وحقق مكاسب عظيمة للاسلام، وقد كان نموذجاً حياً في تطبيقه لقول الله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (سورة النحل، الآية: 125).
كان تحرك الصديق ? في الدعوة الى الله يوضح صورة من صور الايمان بهذا الدين والاستجابة لله ورسوله صورة المؤمن الذي لايقر له قرار، ولا يهدأ له بال، حتى يحقق في دنيا الناس ماآمن به، دون أن تكون انطلاقته دفعة عاطفية مؤقتة سرعان ماتخمد وتذبل وتزول، وقد بقي نشاط أبي بكر وحماسه للاسلام الى أن توفاه الله عز وجل لم يفتر أو يضعف أويمّل أو يعجز( ).
كانت أول ثمار الصديق الدعوية دخول صفوة من خيرة الخلق في الاسلام وهم: الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيدالله، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن مضعون، وأبو عبيدة بن الجراح، وعبدالرحمن بن عوف، وأبوسلمة بن عبدالأسد، والأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنهم، وجاء بهؤلاء الصحابة الكرام فرادى فأسلموا بين يدى رسول الله?، فكانوا الدعامات الاولى التي قام عليها صرح الدعوة، وكانوا العدة الأولى في تقوية جانب رسول الله ? وبهم أعزه الله و أيده وتتابع الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، رجالاً ونساءً، وكان كل من هؤلاء الطلائع داعية الى الاسلام، وأقبل معهم رعيل السابقين، الواحد والإثنان، والجماعة القليلة، فكانوا على قلة عددهم كتيبة الدعوة، وحصن الرسالة لم يسبقهم سابق ولا يلحق بهم لاحق في تاريخ الاسلام( ).
وإهتم الصديق بأسرته فأسلمت أسماء وعائشة وعبدالله وزوجته أم رومان وخادمه عامر بن فهيرة، لقد كانت الصفات الحميدة والخلال العظيمة والأخلاق الكريمة التي تجسدت في شخصية الصديق عاملاً مؤثراً في الناس عند دعوتهم للاسلام، فقد كان رصيده الخلقي ضخماً في قومه وكبيراً في عشيرته، فقد كان رجلاً، مؤلفاً لقومه، محبباً لهم، سهلاً، أنسب قريش لقريش بل كان فرد زمانه في هذا الفن، وكان رئيساً مكرماً سخياً يبذل المال، وكانت له بمكة ضيافات لايفعلها أحد، وكان رجلاً بليغاً( ).
إن هذه الأخلاق والصفات الحميدة لابد منها للدعاة إلى الله وإلا أصبحت دعوتهم للناس صيحة في واد، ونفخة في رماد، وسيرة الصديق وهي تفسر لنا فهمه للإسلام وكيف عاش به في حياته حريٌّ بالدعاة أن يتأسوا بها في دعوة الأفراد إلى الله تعالى.
ثالثاً: ابتلاؤه:
إن سنة الابتلاء ماضية في الأفراد والجماعات والشعوب والأمم والدول، وقد مضت هذه السنة في الصحابة الكرام وتحملوا رضوان الله عليهم من البلاء ماتنوء به الرواسي الشامخات وبذلوا أموالهم ودماءهم في سبيل الله، وبلغ بهم الجهد ماشاء الله أن يبلغ، ولم يسلم أشراف المسلمين من هذا الابتلاء، فلقد أوذي أبو بكر ? وحُثي على رأسه التراب، وضرب في المسجد الحرام بالنعال، حتى مايعرف وجهه من أنفه، وحمل الى بيته في ثوبه وهو مابين الحياة والموت( )، فقد روت عائشة رضي الله تعالى عنها أنه لمّا اجتمع أصحاب النبي ? وكانوا ثمانية وثلاثين رجلاً الحّ أبو بكر ? على رسول الله ? في الظهور، فقال: يا أبا بكر إنَّا قليل. فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله ?، وتفرق المسلمين في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته، وقام أبو بكر في الناس خطيباً ورسول الله ? جالس، فكان أوّل خطيب دعا إلى الله تعالى وإلى رسوله ?، وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين، فضربوه في نواحي المسجد ضرباً شديداً، ووطئ أبو بكر وضرب ضرباً شديداً، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويُحرِّفهما لوجهه، ونزا على بطن أبي بكر ?، حتى مايعرف وجهه من أنفه، وجاءت بنو تميم يتعادون فأجلت المشركين عن أبي بكر، وحَمَلت بنو تميم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله، ولايشكون في موته، ثم رجعت بنو تميم فدخلوا المسجد وقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة فرجعوا إلى أبي بكر فجعل أبو قحافة (والده) وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب، فتكلم آخر النهار فقال: مافعل رسول الله ?؟ فمسّوا منه بألسنتهم وعذلوه، وقالوا لأمه أم الخير: انظري أن تطعميه شيئاً أو تسقيه إياه. فلما خلت به ألحت عليه، وجعل يقول: مافعل رسول الله ?؟ فقالت: والله مالي علم بصاحبك. فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أم جميل، فقالت: إن أبا بكر سألك عن محمد بن عبدالله. فقالت: ما أعرف أبا بكر ولامحمد بن عبدالله، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك. قالت: نعم، فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعاً دَنِفاً، فدنت أم جميل، وأعلنت بالصياح، وقالت: والله إن قوماً نالوا منك لأهل فسق وكفر إنني لأرجوا أن ينتقم الله لك منهم، قال: فما فعل رسول الله ?؟ قالت: هذه أمك تسمع، قال: فلاشيء عليك منها، قالت: سالم صالح، قال: أين هو؟ قالت: في دار الأرقم. قال: فإن لله علي أن لا أذوق طعاماً ولا أشرب شراباً أو آتي رسول الله ?، فأمهلتا حتى إذا هدأت الرِّجل وسكن الناس، خرجتا به يتكئ عليهما، حتى أدخلتاه على رسول الله ?، فقال: فأكب عليه رسول الله فقبله، وأكب عليه المسلمون، ورقّ له رسول الله ? رقة شديدة فقال أبو بكر : بأبي وأمي يارسول الله، ليس بي بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي، وهذه أمي برة بولدها وأنت مبارك فادعها إلى الله، وأدع الله لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار. قال: فدعا لها رسول الله ? ودعاها إلى الله فأسلمت( ).
إن هذا الحدث العظيم في طياته دروس وعبر لكل مسلم حريص على الاقتداء بهؤلاء الصحب الكرام ونحاول أن نستخرج بعض هذه الدروس التي منها:
1-حرص الصديق على إعلان الإسلام واظهاره أمام الكفار وهذا يدل على قوة إيمانه وشجاعته وقد تحمل الأذى العظيم حتى أن قومه كانوا لايشكون في موته، لقد أشرب قلبه حب الله ورسوله أكثر من نفسه، ولم يعد يهمه -بعد إسلامه- إلا أن تعلوا راية التوحيد، ويرتفع النداء لا إله إلا الله محمد رسول الله في أرجاء مكة حتى لو كان الثمن حياته، وكاد أبو بكر فعلاً أن يدفع حياته ثمناً لعقيدته وإسلامه.
2-إصرار أبي بكر على الظهور بدعوة الإسلام وسط الطغيان الجاهلي، رغبة في إعلام الناس بذلك الدين الذي خالطت بشاشته القلوب، رغم علمه بالأذى الذي قد يتعرض له وصحبه وماكان ذلك إلا لأنه قد خرج من حظ نفسه.
3-حب الله ورسوله تغلغل في قلب أبي بكر على حبه لنفسه، بدليل أنه رغم ما ألم به، كان أول ما سأل عنه: مافعل رسول الله ?، قبل أن يطعم أو يشرب، وأقسم أنه لن يفعل حتى يأتي رسول الله ?، وهكذا يجب أن يكون حب الله ورسوله ? عند كل مسلم أحب إليه مما سواهما حتى لو كلفه ذ لك نفسه وماله( ).
4-إن العصبية القبلية كان لها في ذلك الحين دور في توجيه الأحداث والتعامل مع الأفراد حتى مع اختلاف العقيدة، فهذه قبيلة أبي بكر تهدد بقتل عتبة إن مات أبو بكر( ).
5-تظهر مواقف رائعة لأم جميل بنت الخطاب، توضح لنا كيف تربت على حُبَّ الدعوة والحرص عليها، وعلى الحركة لهذا الدين، فحينما سألتها أم أبي بكر عن رسول الله قالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبدالله، فهذا تصرف حذر سليم، لأن أم الخير لم تكن ساعتئذ مسلمة وأم جميل كانت تخفي إسلامها، ولاتود أن تعلم به أم الخير، وفي ذات الوقت أخفت عنها مكان الرسول ? مخافة أن تكون عيناً لقريش( )، وفي نفس الوقت حرصت أم جميل أن تطمئن على سلامة الصديق ولذلك عرضت على أم الخير أن تصحبها إلى ابنها وعندما وصلت للصديق كانت أم جميل في غاية الحيطة والحذر من أن تتسرب منها أي معلومة عن مكان رسول الله وأبلغت الصديق بأن رسول الله سالم صالح( )، ويتجلى الموقف الحذر من الجاهلية التي تفتن الناس عن دينهم في خروج الثلاثة عندما: هدأت الرجل وسكت الناس( ).
6-يظهر بر الصديق بأمه وحرصه على هدايتها في قوله لرسول الله ?: هذه أمي برة بولدها وأنت مبارك فادعها إلى الله وادع الله لها عسى أن يستنقذها بك من النار. إنه الخوف من عذاب الله والرغبة في رضاه وجنته، ولقد دعا رسول الله ? لأم أبي بكر بالهداية فاستجاب الله له، وأسلمت أم أبي بكر وأصبحت من ضمن الجماعة المؤمنة المباركة التي تسعى لنشر دين الله تعالى، ونلمس رحمة الله بعباده ونلحظ من خلال الحدث قانون المنحة بعد المحنة.
7-إن من أكثر الصحابة الذين تعرضوا لمحنة الأذى والفتنة بعد رسول الله ? أبا بكر الصديق ? نظراً لصحبته الخاصة له، والتصاقه به في المواطن التي كان يتعرض فيها للأذى من قومه فينبري الصديق مدافعاً عنه وفادياً إياه بنفسه، فيصيبه من أذى القوم وسفههم، هذا مع أن الصديق يعتبر من كبار رجال قريش المعروفين بالعقل والإحسان( ).
رابعاً: دفاعه عن النبي ?:
من صفات الصديق التي تميز بها: الجرأة والشجاعة، فقد كان لايهاب أحداً في الحق، ولاتأخذه لومة لائم في نصرة دين الله والعمل له والدفاع عن رسوله ? فعن عروة بن الزبير قال سألت ابن عمرو بن العاص بأن يخبرني بأشد شئ صنعه المشركون بالنبي ? فقال: بينما النبي ? يصلي في حجر الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبيه ودفعه عن النبي ?( ) وقال: (أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله) (غافر، آية:28). وفي رواية أنس رضي الله عنه أنه قال: لقد ضربوا رسول الله ? مرة حتى غشي عليه فقام أبو بكر ? فجعل ينادي ويلكم ( أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله)( ). وفي حديث أسماء: فأتى الصريخ إلى أبي بكر، فقال: أدرك صاحبك. قالت فخرج من عندنا وله غدائر أربع وهو يقول: ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله. فلهوا عنه وأقبلوا على أبي بكر، فرجع إلينا أبو بكر فجعل لايمس شيئاً من غدائره إلا رجع معه( )، وأما في حديث علي بن أبي طالب ? فقد قام خطيباً وقال: يا أيها الناس من أشجع الناس؟ فقالوا: أنت يا أمير المؤمنين فقال: أما إني مابارزني أحد إلا انتصفت منه، ولكن هو أبو بكر، إنا جعلنا لرسول الله ? عريشاً فقلنا من يكون مع رسول الله ? لئلا يهوي عليه أحد من المشركين، فوالله مادنا منه أحد إلا أبو بكر شاهراً بالسيف على رأس رسول الله ?، لايهوي إليه أحد إلاّ أهوى إليه فهذا أشجع الناس. قال ولقد رأيت رسول الله وأخذته قريش فهذا يُحادُه، وهذا يتلتله ويقولون أنت جعلت الآلهة إلهاً واحداً فوالله مادنا منه أحد إلا أبو بكر يضرب ويجاهد هذا ويتلتل هذا، وهو يقول: ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله ثم رفع على بردة كانت عليه فبكى حتى اخضلت لحيته، ثم قال: أنشدكم الله أمؤمن آل فرعون خير أم هو؟ فبكت القوم، فقال عليّ: فوالله لساعة من أبي بكر خير من ملء الأرض من مؤمن آل فرعون، ذاك رجل يكتم إيمانه وهذا رجل أعلن إيمانه( ).
هذه صورة مشرقة تبين طبيعة الصراع بين الحق والباطل والهدى والضلال، والإيمان والكفر، وتوضح ماتحمله الصديق من الألم والعذاب في سبيل الله تعالى كما تعطي ملامح واضحة عن شخصيته الفذة، وشجاعته النادرة التي شهد له بها الإمام علي ? في خلافته أي بعد عقود من الزمن، وقد تأثر علي ? حتى بكى وأبكى.
إن الصديق ? أول من أوذي في سبيل الله بعد رسول الله، وأول من دافع عن رسول الله، وأول من دعا الى الله( )، وكانت الذراع اليمنى لرسول الله ?، وتفرغ للدعوة وملازمة رسول الله وإعانته على من يدخلون الدعوة في تربيتهم وتعليمهم وإكرامهم، فهذا ابوذر ? يقص لنا حديثه عن إسلامه ففيه: (...فقال أبوبكر: ائذن لي يارسول الله في طعامه الليلة - وأنه أطعمه من زبيب الطائف( )، وهكذا كان الصديق في وقوفه مع رسول الله يستهين بالخطر على نفسه، ولا يستهين بخطر يصيب النبي ? قل أو كثر حيثما رآه واستطاع أن يذود عنه العادين عليه، وانه ليراهم آخذين بتلابيبه فيدخل بينهم وبينه وهو يصيح بهم: (ويلكم أتقتلون رجلاً ان يقول ربي الله؟) فينصرفون عن النبي وينحون عليه يضربونه، ويجذبونه من شعره فلا يدعونه إلا وهو صديع)( ).
خامساً: انفاقه الأموال لتحرير المعذبين في الله:
تضاعف اذى المشركين لرسول الله ? ولأصحابه مع انتشار الدعوة في المجتمع المكي الجاهلي حتى وصل الى ذروة العنف وخاصة في معاملة المستضعفين من المسلمين، فنكلت بهم لتفتنهم عن عقيدتهم وإسلامهم، ولتجعلهم عبرة لغيرهم، ولتنفس عن حقدها وغضبها بما تصبه عليهم من العذاب وقد تعرض بلال ? لعذاب عظيم ولم يكن لبلال ? ظهر يسنده، ولا عشيرة تحميه، ولا سيوف تذود عنه، ومثل هذا الانسان في المجتمع الجاهلي المكي يعادل رقماً من الأرقام، فليس له دور في الحياة إلا أن يخدم ويطيع ويباع ويشترى كالسائمة، أما أن يكون له رأي أو يكون صاحب فكر، أو صاحب دعوة أو صاحب قضية، فهذه جريمة شنعاء في المجتمع الجاهلي المكي تهز أركانه، وتزلزل أقدامه، ولكن الدعوة الجديدة التي سارع لها الفتيان وهم يتحدون تقاليد وأعراف آبائهم الكبار لامست قلب هذا العبد المرمي المنسي، فأخرجته إنساناً جديد في الحياة( )، قد تفجرت معاني الايمان في إعماقه بعد أن آمن بهذا الدين وانضم الى محمد ? وإخوانه في موكب الايمان العظيم وعندما علم سيده أميةبن خلف، راح يهدده تارة ويغريه اطوراً فما وجد عند بلال غير العزيمة وعدم الاستعداد للعودة الى الوراء الى الكفر والجاهلية والضلال، وفحنق عليه أمية وقرر أن يعذبه عذاباً شديداً، فأخرجه الى شمس الظهيرة في الصحراء بعد أن منع عنه الطعام والشراب يوماً وليلة، ثم ألقاه على ظهره فوق الرمال المحرقة الملتهبة ثم أمر غلمانه فحملوا صخرة عظيمة وضعوها فوق صدر بلال وهو مقيد اليدين، ثم قال له: لاتزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى) وأجاب بلال بكل صبر وثبات: أحد أحد. وبقي أمية بن خلف مدة وهو يعذب بلالاً بتلك الطريقة البشعة( )، فقصد وزير رسول الله ? الصديق موقع التعذيب وفاوض أمية بن خلف وقال له: (ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ حتى متى! قال: أنت أفسدته فأنقذه مما ترى، فقال أبوبكر: أفعل، عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى على دينك أعطيكه به، قال: قد قبلت؛ فقال: هو لك فأعطاه أبوبكر الصديق ? غلامه ذلك وأخذه فأعتقه)( )، وفي رواية اشتراه بسبع أواق أو بأربعين أوقية ذهباً( )، ماأصبر بلال وماأصلبه ?! فقد كان صادق الاسلام، طاهر القلب، ولذلك صَلُب ولم تلين قناته أمام التحديات وأمام صنوف العذاب، وكان صبره، وثباته مما يغيظهم ويزيد حنقهم، خاصة أن كان الرجل الوحيد من ضعفاء المسلمين الذي ثبت على الاسلام فلم يوات الكفار فيما يريدون مردداً كلمة التوحيد بتحد صارخ، وهانت عليه نفسه في الله وهان على قومه( ).
وبعد كل محنة منحة فقد تخلص بلال من العذاب والنكال، وتخلص من أسر العبودية، وعاش مع رسول الله بقية حياته ملازماً له، ومات راضياً عنه.
واستمر الصديق في سياسة فك رقاب المسلمين المعذبين واصبح هذا المنهج من ضمن الخطة التي تبنتها القيادة الاسلامية لمقاومة التعذيب الذي نزل بالمستضعفين فدّعم الدعوة بالمال والرجال والأفراد فراح يشتري العبيد والإماء المملوكين من المؤمنين والمؤمنات منهم عامر بن فهيرة شهد بدراً وأحداً، وقتل يوم بئر معونة شهيداً، وأم عبيس، و زنِّيرة وأصيب بصرها حين أعتقها فقالت قريش: ماأذهب بصرها إلا اللات والعزى، فقالت: كذبوا وبيت الله ماتضر اللات والعزى وماتنفعان، فرد الله بصرها( )، وأعتق النهدية وبنتها وكانتا لامرأة من بني عبدالدار مرّ بهما وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها وهي تقول: والله لا أعتقكما أبداً: فقال ابو بكر ? حِلُّ( ) يأم فلان فقالت: حل أنت، أفسدتهما فأعتقهما؛ قال: فبكم هما؟ قالت: بكذا وكذا. وقال: قد أخذتهما وهما حرتان ألينها طحينها. قالتا: أو نفرغ منه ياأبابكر ثم نرده إليها؟ قال: وذلك إن شئتما( ).
وهنا وقفة تأمل ترينا كيف سوى الاسلام بين الصديق والجاريتين حتى خطابتاه خطاب الند للند، لاخطاب المسود للسيد، وتقبل الصديق على شرفه وجلالته في الجاهلية والاسلام - منهما ذلك، مع أنه له يداً عليهما بالتعق، وكيف صقل الاسلام الجاريتين حتى تخلقتا بهذا الخلق الكريم، وكان يمكنهما وقد أعتقتا وتحررتا من الظلم أن تدعا لهما طحينها يذهب أدراج الرياح، أو يأكله الحيوان والطير، ولكنهما ابتا - تفضلاً، إلا أن تفرغا منه، وترداه إليها( ).
ومر الصديق بجارية بني مؤمل حي من بني عدي بن كعب وكانت مسلمة، وعمر بن الخطاب يعذبها لتترك الاسلام، وهو يومئذ مشركاً يضربها، حتى إذا ملَّ قال: إني أعتذر إليك إني لم أتركك إلا عن ملالة فتقول: كذلك فعل الله بك فابتاعها أبوبكر فأعتقها( ).
هكذا كان واهب الحريات، ومحرر العبيد، شيخ الاسلام الوقور، الذي عرف بين قومه، بأنه يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، ولم ينغمس في إثم في جاهليته، أليف مألوف يسيل قلبه رقة ورحمة على الضعفاء والأرقاء، أنفق جزءً كبيراً من ماله في شراء العبيد، وعتقهم لله، وفي الله، قبل أن تنزل التشريعات الاسلامية المحببة في العتق، والواعدة عليه أجزل الثواب( ).
كان المجتمع المكي يتندر بأبي بكر ? الذي يبذل هذا المال كله لهؤلاء المستضعفين، أما في نظر الصديق، فهؤلاء إخوانه في الدين الجديد فكل واحد من هؤلاء لايساوي عنده مشركي الأرض وطغاتها، وبهذه العناصر وغيرها تبنى دولة التوحيد، وتصنع حضارة الاسلام الرائعة( ) ولم يكن الصديق يقصد بعمله هذا محمدة، ولا جاهاً، ولا ديناً، وإنما كان يريد وجه الله ذا الجلال والإكرام لقد قال له أبوه ذات يوم: يابني إني أراك تعتق رقاباً ضعافاً، فلو أنك إذ فعلت أعتقت رجالاً جلد يمنعوك، ويقومون دونك؟ فقال أبوبكر ?: ياأبت إني إنما أريد ماأريد لله عز وجل، فلا عجب إذا كان الله سبحانه أنزل في شأن الصديق قرآناً يتلى الى يوم القيامة قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى?وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى?فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى?وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى?وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى?فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى?وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى?إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى?وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى?فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى?لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى?الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى?وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى?الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى?وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى?إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى?وَلَسَوْفَ يَرْضَى?}( ) (سورة الليل، الآيات: 5-21).
لقد كان الصديق من أعظم الناس إنفاقاً لماله فيما يرضي الله ورسوله.
كان هذا التكافل بين أفراد الجماعة الاسلامية الأولى قمة من قمم الخير والعطاء، وأصبح هؤلاء العبيد بالاسلام، أصحاب عقيدة وفكرة يناقشون بها وينافحون عنها، ويجاهدون في سبيلها، وكان إقدام إبي بكر ? على شرائهم ثم عتقهم دليلاً على عظمة هذا الدين ومدى تغلغله في نفسية الصديق ?، وما أحوج المسلمين اليوم أن يحيوا هذا المثل الرفيع، والمشاعر السامية ليتم التلاحم والتعايش، والتعاضد بين أبناء الأمة التي يتعرض ابناءها للابادة الشاملة من قبل أعداء العقيدة والدين.
سادساً: هجرته الاولى وموقف ابن الدغنة منها:
قالت عائشة رضي الله عنها: قالت: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ? طرفي النهار: بكرة وعشية فلما ابتلى المس
Back to top Go down
سلمى العربيه
عربي مميز
عربي مميز


عدد المساهمات: 250
تاريخ التسجيل: 2010-01-18

PostSubject: Re: الصحابه رضوان الله عليهم   Tue Jan 19, 2010 8:01 am

المبحث الثالث
هجرته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة


اشتدت قريش في أذى المسلمين، والنيل منهم فمنهم من هاجر الى الحبشة مرة أو مرتين فراراً بدينه...ثم كانت الهجرة الى المدينة ومن المعلوم أن أبا بكر استأذن النبي ? في الهجرة فقال له: (لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحباً)( ) فكان أبوبكر يطمع أن يكون في صحبة النبي ? وهذه السيدة عائشة رضي الله عنها تحدثنا عن هجرة رسول الله ? وأبيها ? حيث قالت: (كان لايخطئ رسول الله ? أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة، وإما عشية، حتى إذا كان اليوم الذي أذن فيه لرسول الله ? في الهجرة، والخروج من مكة من بين ظهري قومه، أتانا رسول الله ? بالهاجرة( )، في ساعة كان لايأتي فيها قالت: فلما رآه أبوبكر، قال: ماجاء رسول الله ? هذه الساعة إلا لأمر حدث. قالت: فلما دخل، تأخر له أبوبكر عن سريره فجلس رسول الله ?، وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر، فقال رسول الله ? أخرج عني من عندك. فقال: يارسول الله، إنما هما إبنتاي، وماذاك فداك أبي وأمي! فقال: إنه قد أذن بي في الخروج والهجرة. قالت: فقال أبوبكر: الصحبة يارسول الله؟ قال: الصحبة. قالت: فوالله ماشعرت قط قبل ذلك اليوم أحد يبكي من الفرح، حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ، ثم قال: يانبي الله، إن هاتين راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا فاستأجرا عبدالله بن أرقط رجلاً من بني الديل بن بكر، وكانت أمه امرأة من بني سهم بن عمرو، وكان مشركاً -يدلهما على الطريق، فدفعا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما( ).
وجاء في رواية البخاري عن عائشة في حديث طويل تفاصيل مهمة وفي ذلك الحديث : (......قالت عائشة: فبينما نحن يوماً جلوساً في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر هذا رسول الله ? متقنعاً( )، في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال رسول الله ? لأبي بكر: أخرج من عندك، فقال أبوبكر: إنما هم أهلك. فقال: فإني قد أذن لي في الخروج فقال أبوبكر: الصحبة بأبي أنت يارسول الله قال رسول الله ? : نعم، قال ابوبكر: فخذ بأبي أنت يارسول الله إحد راحلتي هاتين، قال رسول الله ?: بالثمن، قالت عائشة: فجهزناهما أحسن الجهاز، ووضعنا لهم سفرة في جراب، فقطمت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين، ثم لحق رسول الله ? وأبوبكر بغار في جبل ثور، فكمنا( ) فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبدالله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف( )، لقن( )، فيدلج( ) من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمراً يكتادان( ) به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما حيث تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل -وهو لبن منحهما ورضيفهما( ) ينعق( ) بها عامر بن فهيرة بغلس( ) يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله ? وأبوبكر رجلاً من بني الديل وهو من بني عبد ابن عدي -هادياً خريتا- والخريت الماهر- قد غمس حلفاً( ) في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش، فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما، وواعده غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم طريق السواحل( ).
لم يعلم بخروج رسول الله ? أحد حين خرج إلا علي بن أبي طالب، وأبوبكر الصديق، وآل أبي بكر، وجاء وقت الميعاد بين رسول الله ? ابي بكر ?، فخرجا من خوخة( )، لأبي بكر في ظهر بيته، وذلك للإمعان في الاستخفاء حتى لاتتبعهما قريش، وتمنعهما من تلك الرحلة المباركة، وقد اتعدا مع الليل على أن يلقاهما عبدالله بن أريقط في غار ثور بعد ثلاث ليال( )، وقد دعا النبي ? عند خروجه من مكة الى المدينة( )، ووقف عند خروجه بالحزورة في سوق مكة وقال: (والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله الى الله، ولولا أني أخرجت منك ماخرجت)( ).
ثم أنطلق رسول الله وأبوبكر والمشركون يحاولون أن يقتفوا آثارهم حتى بلغوا الجبل -جبل ثور- اختلط عليهم، فصعدوا الجبل فمروا بالغار، فرآوا على بابه نسيج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هاهنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه( )، وهذه من جنود الله عز وجل: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} (سورة المدثر، الآية:31).
وبالرغم من كل الأسباب التي اتخذها رسول الله ? فإنه لم يرتكن إليها مطلقاً، وإنما كان كامل الثقة في الله، عظيم الرجاء في نصره وتأييده، دائم الدعاء بالصيغة التي علمه الله إياها( )، قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} (سورة الاسراء، الآية:80).
وفي هذه الآية الكريمة دعاء يُعلّمه الله عز وجل لنبيه ? ليدعوه به، ولتتعلم أمته كيف تدعو الله وكيف تتجه إليه؟ دعاء بصدق المدخل وصدق المخرج، كناية عن صدق الرحلة كلها، بدئها وختامها، أولها وآخرها ومابين الأول والآخر، وللصدق هنا قيمته بمناسبة ماحاوله المشركون من فتنته عما أنزله الله عليه ليفترى على الله غيره، وللصدق كذلك ظلاله: ظلال الثبات، والاطمئنان والنظافة الاخلاص {وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} قوة وهيبة استعلى بهما على سلطان الأرض وقوة المشركين، وكلمة {مِنْ لَدُنْك} تصور القرب والاتصال بالله والاستمداد من عونه مباشرة واللجوء الى حماه.
وصاحب الدعوة لايمكن أن يستمد السلطان إلا من الله، ولا يمكن أن يهاب إلا بسلطان الله، لايمكن أن يستظل بحاكم أو ذى جاه فينصره ويمتعه مالم يكن أتجاهه قبل ذلك الى الله والدعوة قد تغزو قلوب ذوي السلطان والجاه، فيصبحون لها جنداً وخدماً فيفلحون، ولكنها هي لاتفلح إن كانت من جند السلطان وخدمه، فهي من أمر الله، وهي أعلى من ذوي السلطان والجاه( ).
وعندما أحاط المشركون بالغار، أصبح منهم رأي العين طمأن الرسول ? الصديق بمعية الله لهما: فعن ابي بكر الصديق ? قال: قلت للنبي ? وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا. فقال: ماظنك ياأبابكر باثنين الله ثالثهما( )؟
وسجل الحق عز وجل ذلك في قوله تعالى: {إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (سورة التوبة، الآية:40).
وبعد ثلاث ليال من دخول النبي ? في الغار خرج رسول الله ? وصاحبه من الغار، وقد هدأ الطلب، ويئس المشركون من الوصول الى رسول الله، وقد قلنا أن رسول الله ? وأبا بكر قد استأجرا رجلاً من بني الديل يسمى عبدالله بن أريقط وكان مشركاً وقد أمِناهُ فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما وقد جاءها فعلاً في الموعد المحدد وسلك بهما طريقاً غير معهودة ليخفي أمرهما عمن يلحق بهم من كفار قريش( )، وفي أثناء الطريق الى المدينة مرّ النبي ? بأم معبد( )، في قديد( )، حيث مساكن خزاعة، وهي أخت حبيش بن خالد الخزاعي الذي روى قصتها، وهي قصة تناقلها الرواة وأصحاب السير، وقال عنها ابن كثر: (وقصتها مشهورة مروية من طرق يشد بعضها بعضاً)( ).
وقد أعلنت قريش في نوادي مكة بأنه من يأتي بالنبي ? حياً أو ميتاً فله مائة ناقة وانتشر هذا الخبر عند قبائل العرب الذين في ضواحي مكة وطمع سراقة بن مالك بن جعشم في نيل الكسب الذي أعدته قريش لمن يأتي برسول الله ? فأجهد نفسه لينال ذلك، ولكن الله بقدرته التي لايغلبها غالب، جعله يرجع مدافعاً عن رسول الله ? بعد أن كان جاهداً عليه( ).
ولما سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله ? من مكة، كانوا يفدون كل غداة الى الحرة، فينتظرون حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يوماً بعد ماأطالوا انتظارهم فلما أووا الى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم( ) من آطامهم لأمر ينظر إليه فبصر رسول الله ?، وأصحابه مبيضين( )، يزول بهم السراب( )، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته، يامعشر العرب هذا جدكم( )، الذي تنتظرون، فثار المسلمون الى السلاح فتلقوا رسول الله ? بظهر الحرة فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عوف، وذلك يوم الخميس الأثنين( ) من شهر ربيع الأول( )، فقام أبابكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله ? عند ذلك( ).
كان يوم وصول الرسول ? وأبي بكر الى المدينة يوم فرح وابتهاج لم تر المدينة يوماً مثله، ولبس الناس أحسن ملابسهم كأنهم في يوم عيد، ولقد كان حقاً يوم عيد، لأنه اليوم الذي انتقل فيه الاسلام من ذلك الحيز الضيق في مكة الى رحابة الانطلاق والانتشار بهذه البقعة المباركة المدينة، ومنها الى سائر بقائع الأرض لقد أحس أهل المدينة بالفضل الذي حباهم الله به، وبالشرف الذي اختصهم الله به، فقد صارت بلدتهم موطناً لإيواء رسول الله وصحابته المهاجرين ثم لنصرة الاسلام كما أصبحت موطناً للنظام الاسلامي العام التفصيلي بكل مقوماته ولذلك خرج أهل المدينة يهللون في فرح وابتهاج ويقولون يارسول الله يامحمد يارسول الله( )، وبعد هذا الاستقبال الجماهيري العظيم الذي لم يرد مثله في تاريخ الانسانية سار رسول الله ? حتى نزل في دار أبي أيوب الانصاري ?( )، ونزل الصديق على خارجة بن زيد الخزرجي الأنصاري.
وبدأت رحلة المتاعب والمصاعب والتحديات، فتغلب عليها رسول الله ? للوصول للمستقبل الباهر للأمة والدولة الاسلامية التي استطاعت أن تصنع حضارة إنسانية رائعة على أسس من الإيمان والتقوى والإحسان والعدل بعد أن تغلبت على اقوى دولتين كانتا تحكمان في العالم، وهما الفرس والروم( )، وكان الصديق ? الساعد الأيمن لرسول الله ? منذ بزوغ الدعوة حتى وفاته ?، وكان ابوبكر ? ينهل بصمت وعمق من ينابيع النبوة: حكمة وإيماناً، يقيناً وعزيمة، تقوى وإخلاصاً، فإذا هذه الصحبة تثمر: صلاحاً وصدِّيقية، ذكراً ويقظة، حُباً وصفاء، عزيمة وتصميماً، إخلاصاً وفهماً، فوقف مواقفه المشهودة بعد وفاة رسول الله ?، في سقيفة بني ساعدة وغيرها من المواقف وبعث جيش أسامة وحروب الردة، فأصلح مافسد، وبنى ماهُدم، وجمع ماتفرق، وقوّم ماانحرف( )، إن حداثة هجرة الصديق مع رسول الله فيها دروس وعبر وفوائد منها:
أولاً: قال تعالى: {إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (سورة التوبة، الآية40).
ففي هذه الآية الكريمة دلالة على أفضلية الصديق من سبعة أوجه ففي الآية الكريمة من فضائل أبي بكر ?:
1- أن الكفار أخرجوه:
الكفار أخرجوا الرسول (ثاني أثنين) فلزم أن يكونوا أخرجوهما، وهذا هو الواقع.
2- أنه صاحبه الوحيد:
الذي كان معه حين نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا هو أبوبكر، وكان ثاني أثنين الله ثالثهما. قوله {ثَانِيَ اثْنَيْنِ} ففي المواضع التي لايكون مع النبي ? من أكابر الصحابة إلا و احد يكون هو ذلك الواحد مثل سفره في الهجرة ومقامه يوم بدر في العريش لم يكن معه فيه إلا أبوبكر، ومثل خروجه الى قبائل العرب يدعوهم الى الاسلام كان يكون معه من أكابر الصحابة أبوبكر، وهذا اختصاص في الصحبة لم يكن لغيره باتفاق أهل المعرفة بأحوال النبي ?.
3- أنه صاحبه في الغار:
الفضيلة في الغار ظاهرة بنص القرآن وقد أخرجا في الصحيحين من حديث أنس، عن أبي بكر الصديق ?، قال: نظرت الى أقدام المشركين على رؤسنا ونحن في الغار، فقلت: يارسول الله لو أن أحدهم نظر الى قدميه لأبصرنا. فقال: ياأبابكر ماظنك باثنين الله ثالثهما( ). وهذا الحديث مع كونه مما اتفق أهل العلم على صحته وتلقيه بالقبول فلم يختلف في ذلك اثنان منهم فهو مما دل القرآن على معناه( ).
4- أنه صاحبه المطلق:
قوله: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ} لايختص بمصحابته في الغار، بل هو صاحبه المطلق الذي عمل في الصحبة كما لم يشركه فيه غيره -فصار مختصاً بالأكملية من الصحبة، وهذا مما لانزاع فيه بين أهل العلم باحوال النبي ? ولهذا قال من قال من العلماء: إن فضائل الصديق خصائص لم يشركه فيها غيره( ).
5- أنه المشفق عليه:
قوله {لا تَحْزَنْ} يدل على أن صاحبه كان مشفقاً عليه محباً له ناصراً له حيث حزن، وإنما بحزن الإنسان حال الخوف على من يحبه، وكان حزنه على النبي ? لئلا يقتل ويذهب الاسلام، ولهذا لما كان معه في سفر الهجرة كان يمشي امامه تارة، ووراءه تارة، فسأله النبي ? عن ذلك، فقال: أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون وراءك( )، وفي رواية أحمد في كتاب فضائل الصحابة: ...فجعل أبوبكر يمشي خلفه ويمشي أمامه فقال له النبي ? مالك؟ قال: يارسول الله أخاف أن تؤتى من أمامك فأتقدم، قال: فلما انتهينا الى الغار قال أبوبكر: يارسول الله كما أنت حتى أيمه...فلما رأى أبوبكر حجراً في الغار فألقمها قدمه، وقال يارسول الله إن كانت لسعة أو لدغة كانت بي( ). فلم يكن يرضى بمساواة النبي؛ بل كان لايرضى بأن يقتل رسول الله ? وهو يعيش؛ بل كان يختار أن يفديه بنفسه وأهله وماله. وهذا واجب على كل مؤمن، والصديق أقوم المؤمنين بذلك( ).
6- المشارك له في معية الاختصاص:
قوله: {إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} صريح في مشاركة الصديق للنبي ? في هذه المعية التي اختص بها الصديق لم يشركه فيها أحد من الخلق... وهي تدل على أنه معهم بالنصر والتأييد والإعانة على عدوهم - فيكون النبي ? قد أخبر أن الله ينصرني وينصرك ياأبابكر، ويعيننا عليهم، نصر إكرام ومحبة كما قال الله تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} (سورة غافر، الآية 51). وهذا غاية المدح لأبي بكر؛ إذ دل على أنه ممن شهد له الرسول بالايمان المقتضي نصر الله له مع رسوله في مثل هذه الحال التي يخذل فيها عامة الخلق إلا من نصره الله( ).
وقال الدكتور عبدالكريم زيدان عن المعية في هذه الآية الكريمة وهذه المعية الربانية المستفادة من قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} أعلى من معيته للمتقين والمحسنين في قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} لأن المعية هنا لذات الرسول وذات صاحبه، غير مقيدة بوصف هو عمل لهما، كوصف التقوى والإحسان بل هي خاصة برسوله وصاحبه مكفولة هذه المعية بالتأييد بالآيات وخوارق العادات( ).
7- أنه صاحبه في حال إنزال السكينة والنصر:
قال تعالى {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا...} (سورة التوبة، الآية 40) فإن من كان صاحبه في حال الخوف الشديد فلأن يكون صاحبه في حضور النصر والتأييد أولى وأحرى، فلم يحتج أن يذكر صحبته له في هذه الحال لدلالة الكلام والحال عليها. وإذا علم أنه صاحبه في هذه الحال علم أنما حصل للرسول من إنزال السكينة والتأييد بالجنود التي لم يرها الناس لصاحبه فيها أعظم مما لسائر الناس. وهذا من بلاغة القرآن وحسن بيانه( ).
ثانياً: فقه النبي ? والصديق في التخطيط والأخذ بالأسباب:
إن من تأمل حادثة الهجرة رأى دقة التخطيط فيها ودقة الأخذ بالأسباب من ابتدائها ومن مقدماتها إلى ماجرى بعدها يدرك أن التخطيط المسدد بالوحي في حياة رسول الله ? كان قائماً وأن التخطيط جزء من السنة النبوية وهو جزء من التكليف الإلهي في كل ماطولب به المسلم وأن الذين يميلون إلى العفوية بحجة أن التخطيط وإحكام الأمور ليسا من السُّنة أمثال هؤلاء مخطئون ويجنون على أنفسهم وعلى المسلمين( ).
فعندما حان وقت الهجرة للنبي ? في التنفيذ نلاحظ الآتي:
أ-وجود التنظيم الدقيق للهجرة حتى نجحت رغم ماكان يكتنفها من صعاب وعقبات، وذلك أن كل أمر من أمور الهجرة كان مدروساً دراسة وافية، فمثلاً،
1-جاء ? إلى بيت أبي بكر في وقت شدة الحر -الوقت الذي لايخرج فيه أحد بل من عادته لم يكن يأتي له لماذا؟ حتى لايراه أحد.
2-إخفاء شخصيته ? أثناء مجيئة للصديق وجاء إلى بيت الصديق متلثماً، لأن التلثم يقلل من إمكانية التعرف على معالم الوجه المتلثم( ).
3-أمر ? أبا بكر أن يخرج من عنده، ولما تكلم لم يبين إلا الأمر بالهجرة دون تحديد الإتجاه .
4-وكان الخروج ليلاً ومن باب خلفي في بيت أبي بكر( ).
5-بلغ الاحتياط مداه، باتخاذ طرق غير مألوفة للقوم، والاستعانة بذلك بخبير يعرف مسالك البادية، ومسارب الصحراء، وكان ذلك الخبير مشركاً مادام على خلق ورزانة وفيه دليل على أن الرسول ? كان لايحجم عن الاستعانة بالخبرات مهما يكن مصدرها( )، وقد بين الشيخ عبدالكريم زيدان أن القاعدة والأصل عدم الاستعانة بغير المسلم في الأمور العامة، ولهذه القاعدة استثناء وهو جواز الاستعانة بغير المسلم بشروط معينة وهي: تحقق المصلحة أو رجحانها بهذه الاستعانة، وأن لايكون ذلك على حساب الدعوة ومعانيها، وأن يتحقق الوثوق الكافي بمن يستعان به، وأن لاتكون هذه الاستعانة مثار شبهة لأفراد المسلمين، وأن تكون هناك حاجة حقيقية لهذه الاستعانة على وجه الاستثناء، وإذا لم تتحقق لم تجز الاستعانة( )، وقد كان الصديق ? قد دعا أولاده للإسلام ونجح بفضل الله في هذا الدور الكبير والخطير، وقام بتوظيف أسرته لخدمة الإسلام ونجاح هجرة رسول الله ?، فوزع بين أولاده المهام الخطيرة في مجال التنفيذ العملي لخطة الهجرة المباركة:
1-دور عبدالله بن أبي بكر-رضي الله عنهما-:
فقد قام بدور صاحب المخابرات الصادق وكشف تحركات العدو، لقد ربى عبدالله على حب دينه، والعمل لنصرته ببصيرة نافذة وفطنة كاملة وذكاء متوقد، يدل على العناية الفائقة التي اتبعها سيدنا أبو بكر في تربيته وقد رسم له أبوه دوره في الهجرة فقام به خير قيام، وكان يمتثل في التنقل بين مجالس أهل مكة يستمع أخبارهم، ومايقولونه في نهارهم ثم يأتي الغار إذا أمسى فيحكي للنبي ? ولأبيه الصديق ? مايدور بعقول أهل مكة ومايدبرونه، وقد أتقن عبدالله هذا الواجب بطريقة رائعة فلم تأخذ واحداً من أهل مكة ريبة فيه، وكان يبيت عند الغار حارساً حتى إذا اقترب النهار عاد إلى مكة فما شعر به أحد( ).
2-دور عائشة وأسماء رضي الله عنهما:
كان لأسماء وعائشة دور عظيم أظهر فوائد التربية الصحيحة حيث قامتا عند قدوم النبي ? إلى بيت أبي بكر ليلة الهجرة بتجهيز طعام للنبي ? ولأبيهما: تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فجهزناهما -تقصد رسول الله ? وأباها- أحسن الجهاز فصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب فلذلك سميت ذات النطاقين( ).
3-دور أسماء في تحمل الأذى وإخفاء أسرار المسلمين:
أظهرت أسماء رضي الله عنها دور المسلمة الفاهمة لدينها، المحافظة على أسرار الدعوة المتحملة لتوابع ذلك من الأذى والتعنت فهذه أسماء تحدثنا بنفسها حيث تقول: لما خرج رسول الله ? وأبو بكر ? أتانا نفر من قريش، فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك يابنت أبي بكر؟ قلت: لا أدري والله أين أبي؟ قالت: فرفع أبو جهل يده -وكان فاحشاً خبيثاً- فلطم خدِّي لطمة طرح منها قرطي قالت: ثم انصرفوا...)( ).
فهذا درس من أسماء رضي الله عنها تعلمه لنساء المسلمين جيلاً بعد جيل كيف تخفي أسرار المسلمين عن الأعداء وكيف تقف صامدة شامخة أمام قوى البغي والظلم؟
4-دور أسماء رضي الله عنها في بث الأمان والطمأنينة في البيت:
خرج أبو بكر ? مع رسول الله ? ومعه ماله كله وهو ماتبقى من رأسماله -وكان خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم- وجاء أبو قحافة ليتفقد بيت ابنه، ويطمئن على أولاده وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه، قالت: كلا يا أبتِ، ضع يدك على هذا المال. قالت: فوضع يده عليه، فقال: لابأس، إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم. لاوالله ماترك لنا شيئاً، ولكني أردت أن أسكّن الشيخ بذلك( ).
وبهذه الفطنة والحكمة سترت أسماء أباها، وسكنّت قلب جدها الضرير، من غير أن تكذب، فإن أباها قد ترك لهم حقاً هذه الأحجار التي كوّمتها لتطمئن لها نفس الشيخ إلا أنه قد ترك لهم معها إيماناً بالله لاتزلزله الجبال، ولاتحركه العواصف الهوج، ولايتأثر بقلة أو كثرة في المال، وورثهم يقيناً وثقة به لاحد لها، وغرس فيهم همة تتعلق بمعالي الأمور، ولاتلتفت إلى سفاسفها، فضرب بهم للبيت المسلم مثالاً عزّ أن يتكرر،وقلّ أن يوجد نظيره.
لقد ضربت أسماء رضي الله عنها بهذه المواقف لنساء وبنات المسلمين مثلاً هُنَّ في أمس الحاجة إلى الإقتداء به، والنسج على منواله وظلت أسماء مع أخواتها في مكة، لاتشكو ضيقاً، ولاتظهر حاجة، حتى بعث النبي ? زيد بن حارثة وأبا رافع مولاه، وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم إلى مكة فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه، وسودة بنت زمعة زوجه وأسامة بن زيد، وأمه بركة المكناة بأم أيمن، وخرج معهما عبدالله بن أبي بكر بعيال أبي بكر، حتى قدموا المدينة مصطحبين( ).
5-دور عامر بن فهيرة-مولى أبي بكر ?- :
من العادة عند كثير من الناس إهمال الخادم، وقلة الاكتراث بأمره، لكن الدعاة الربانيين لايفعلون ذلك، إنهم يبذلون جهدهم لهداية من يلاقوه لذا أدب الصديق ? عامر بن فهيرة مولاه وعلمه، فأضحى عامر جاهزاً لفداء الإسلام وخدمة الدين.
وقد رسم له سيدنا أبو بكر ? دوراً هاماً في الهجرة، فكان يرعى الغنم مع رعيان مكة لكن لايلفت الأنظار لشيء، حتى إذا أمسى أراح بغنم سيدنا أبي بكر على النبي ? فاحتلبا وذبحا ثم يكمل عامر دور عبدالله بن أبي بكر حين يغدو من عند رسول الله ? وصاحبه عائداً إلى مكة فيتتبع آثار عبدالله ليعض عليها مما يعد ذكاء، وفطنة في الإعداد لنجاح الهجرة( ).
وإن لدرس عظيم يستفاد من الصديق لكي يهتم المسلمون بالخدم الذين يأتونهم من مشارق الدنيا ومغاربها ويعاملونهم على كونهم بشراً أولاً ثم يعلمونهم الإسلام، فلعل الله يجعل منهم من يحمل هذا الدين كما ينبغي.
إن ماقام به الصديق من تجنيد أسرته لخدمة صاحب الدعوة عليه الصلاة والسلام في هجرته يدل على تدبير للأمور على نحو رائع دقيق، واحتياط للظروف بأسلوب حكيم، ووضع لكل شخص من أشخاص الهجرة في مكانه المناسب، وسد لجميع الثغرات، وتغطية بديعة لكل مطالب الرحلة، واقتصار على العدد اللازم من الأشخاص من غير زيادة ولا إسراف لقد أخذ الرسول ? بالأسباب المعقولة أخذاً قوياً حسب استطاعته وقدرته ... ومن ثم باتت عناية الله متوقعة( ).
إن اتخاذ الأسباب أمر ضروري وواجب، ولكن لايعني ذلك دائماً حصول النتيجة، ذلك لأن هذا أمر يتعلق بأمر الله، ومشيئته ومن هنا كان التوكل أمراً ضرورياً وهو من باب استكمال اتخاذ الأسباب.
إن رسول الله ? أعد كل الأسباب واتخذ كل الوسائل ولكنه في الوقت نفسه مع الله يدعوه ويستنصره أن يكلل سعيه بالنجاح وهنا يستجاب الدعاء، ويكلل العمل بالنجاح( ).
ثالثاً: جندية الصديق الرفيعة وبكائه من الفرح:
تظهر أثر التربية النبوية في جندية أبي بكر الصديق ?، فأبو بكر ? عندما أراد أن يهاجر إلى المدينة وقال له رسول الله ?: (لاتعجل لعل الله يجعل لك صاحباً) فقد بدأ في الإعداد والتخطيط للهجرة (فابتاع راحلتين واحتبسهما في داره يعلفهما إعداداً لذلك) وفي رواية البخاري، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر-وهو الخبط- أربعة أشهر). لقد كان يدرك بثاقب بصره ? وهو الذي تربى ليكون قائداً، أن لحظة الهجرة صعبة قد تأتي فجأة ولذلك هيأ وسيلة الهجرة، ورتب تموينها، وسخر أسرته لخدمة النبي ?، وعندما جاء رسول الله ? وأخبره إن الله قد أذن له في الخروج والهجرة، بكا من شدة الفرح وتقول عائشة رضي الله عنها في هذا الشأن: فوالله ماشعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ، إنها قمة الفرح البشري، أن يتحول الفرح إلى بكاء مما قال الشاعر عن هذا:
ورد الكتاب من الحبيب بأنه
سيزورني فاستعبرت اجفاني
غلب السرور عليّ حتى إنني
من فرط ماقد سرني أبكاني
ياعين صار الدمع عندك عادة
تبكين من فرح ومن أحزاني
فالصديق ? يعلم أن معنى هذه الصحبة أنه سيكون وحده برفقة رسول رب العالمين بضعة عشرة يوماً على الأقل وهو الذي سيقدم حياته لسيده وقائده وحبيبه المصطفى ? فأي فوز في هذا الوجود يفوق هذا الفوز: أن يتفرد الصديق وحده من دون أهل الأرض ومن دون الصحب جميعاً برفقة سيد الخلق وصحبته كل هذه المدة( )، وتظهر معاني الحب في الله في خوف أبي بكر وهو في الغار من أن يراهما المشركون ليكون الصديق مثلاً لما ينبغي أن يكون عليه جندي الدعوة الصادق مع قائده الأمين حين يحدق به الخطر من خوف وإشفاق على حياته، فما كان أبو بكر ساعتئذ بالذي يخشى على نفسه الموت، ولو كان كذلك لما رافق رسول الله ? في هذه الهجرة الخطيرة وهو يعلم أن أقل جزائه القتل إن أمسكه المشركون مع رسول الله ?، ولكنه كان يخشى على حياة الرسول الكريم ?، وعلى مستقبل الإسلام إن وقع الرسول ? في قبضة المشركين( )، ويظهر الحس الأمني الرفيع للصديق في هجرته مع النبي ? في مواقف كثيرة منها، حين أجاب السائل: من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فقال: هذا هادٍ يهديني السبيل، فظن السائل بأن الصديق يقصد الطريق، وإنما كان يقصد سبيل الخير وهذا يدل على حسن استخدام أبي بكر للمعاريض فراراً من الحرج أو الكذب( )، وفي إجابته للسائل تورية وتنفيذاً للتربية الأمنية التي تلقاها من رسول الله ?، لأن الهجرة كانت سراً وقد أقره الرسول ? على ذلك( ).
رابعاً: فن قيادة الأرواح وفن التعامل مع النفوس:
يظهر الحب العميق الذي سيطر على قلب ابي بكر لرسول الله ? في الهجرة، كما يظهر حب سائر الصحابة أجمعين في سيرة الحبيب المصطفى ? وهذا الحب الرباني كان نابعاً من القلب، وبإخلاص، لم يكن حب نفاق أو نابعاً من مصلحة دنيوية، أو رغبة في منفعة أو رهبة لمكروه قد يقع ومن أسباب هذا الحب لرسول الله ? صفاته القيادية الرشيدة، فهو يسهر ليناموا، ويتعب ليستريحوا، ويجوع ليشبعوا، كان يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم، فمن سلك سنن الرسول ? مع صحابته، في حياته الخاصة والعامة، وشارك الناس في أفراحهم وأتراحهم وكان عمله لوجه الله أصابه هذا الحب إن كان من الزعماء أو القادة أو المسؤولين في أمة الإسلام( ).
وصدق الشاعر الليبي أحمد رفيق المهدوي عندما قال:
فإذا أحب الله باطن عبده
ظهرت عليه مواهب الفتاح
وإذا صفت لله نية مصلح
مال العباد عليه بالأرواح( )
إن القيادة الصحيحة هي التي تستطيع أن تقود الأرواح قبل كل شيء وتستطيع أن تتعامل مع النفوس قبل غيرها، وعلى قدر إحسان القيادة يكون إحسان الجنود وعلى قدر البذل من القيادة يكون الحب من الجنود، فقد كان ? رحيماً، وشفوقاً بجنوده وأتباعه، فهو لم يهاجر إلا بعد أن هاجر معظم أصحابه، ولم يبقى إلا المستضعفين والمفتونين ومن كانت له مهمات خاصة بالهجرة( ).
والجدير بالذكر أن حب الصديق لرسول الله ? كان لله ومما يبين الحب لله والحب لغير الله: أن ابا بكر كان يحب النبي ? مخلصاً لله، وأبوطالب عمه كان يحبه وينصره لهواه لا لله، فتقبل الله عمل أبي بكر وأنزل فيه قوله : {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى?الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى?وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى?إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى?وَلَسَوْفَ يَرْضَى?} (سورة الليل، الآيات:17-21)، وأما أبوطالب فلم يتقبل عمله، بل أدخله النار، لأنه كان مشركاً عاملاً لغير الله. وأبوبكر لم يطلب أجره من الخلق، لا من النبي ? ولا من غيره، بل آمن به وأحبه وكلأه وأعانه من الله، متقرباً بذلك الى الله وطالباً الأجر من الله ويبلغ عن الله أمره ونهيه ووعده ووعيده( ).
خامساً: مرض أبي بكر الصديق بالمدينة في بداية الهجرة:
كانت هجرة النبي ? وأصحابه عن البلد الأمين تضحية عظيمة عبّر عنها النبي ? بقوله: (والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله الى الله، ولولا أني أخرجت منك ماخرجت)( ).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما تقدم رسول الله ? المدينة قدمها وهي أوبأ ارض الله من الحمى، وكان واديها يجري نجلاً -يعني ماءً آجناً- فأصاب أصحابه منها بلاءً وسقم وصرف الله ذلك عن نبيه. قالت: فكان أبوبكر، وعامر بن فهيرة وبلال في بيت واحد، فأصابتهم الحمى، فاستأذنت رسول الله ? في عيادتهم فأذن، فدخلت إليهم أعودهم وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب وبهم مالا يعلمه إلا الله من شدة الوعك( )، فدنوت من أبي بكر فقلت:
ياأبت كيف تجدك؟ فقال:
كل امرئ مصبح في أهله
والموت أدنى من شراك نعله
قالت: فقلت والله مايدري أبي مايقول.ثم دنوت من عامر بن فهيرة فقلت: كيف تجدك ياعامر؟ فقال:
لقد وجدت الموت قبل ذوقه
إن الجبان حتفه من فوقه
كل امرئ مجاهد بطوقه( )
كالثور يحمى جلده بروقه( )
قالت: قلت: والله مايدري عامر مايقول. قالت: وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى اضطجع بفناء البيت ثم يرفع عقيرته( )، ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
بواد وحولي إذخر( ) وجليل
وهل أُرِدَن يوماً مياه مَجِنَة
وهل يبدون لي شامة وطفيل( )
قالت: فأخبرت رسول الله ? بذلك فقال: (اللهم حبِّب إلينا المدينة كحبنا مكة، أو أشد، اللهم وصحّحها وبارك لنا في مدها وصاعها وانقل حمّاها وأجعلها بالجحفة)( ).
وقد استجاب الله دعاء نبيه ? وعوفي المسلمون بعدها من هذه الحمى، وغدت المدينة موطناً ممتازاً لكل الوافدين والمهاجرين إليها من المسلمين على تنوع بيئاتهم ومواطنهم( ).
شرع رسول الله ? بعد استقراره بالمدينة في تثبيت دعائم الدولة الاسلامية، فآخى بين المهاجرين والانصار، ثم أقام المسجد، وأبرم المعاهدة مع اليهود وبدأت حركة السرايا، واهتم بالبناء الاقتصادي والتعليمي والتربوي في المجتمع الجديد، وكان أبوبكر ? وزير صدق لرسول الله ? ولازمه في كل أحواله ولم يغيب عن مشهد من المشاهد ولم يبخل بمشورة أو مال أو رأي( ).





























المبحث الرابع
الصدِّيق في ميادين الجهاد



ذكر أهل العلم بالتواريخ والسير أن أبابكر شهد مع النبي ? بدراً والمشاهد كلها، ولم يفته منها مشهد، وثبت مع رسول الله ? يوم أحد حين انهزم الناس ودفع إليه النبي ? رايته العظمى يوم تبوك وكانت سوداء( ).
وقال ابن كثير: ولم يختلف أهل السير في أن أبابكر الصديق ? لم يتخلف عن رسول الله ? في مشهد من مشاهده كلها( ).
وقال الزمخشري: إنه -يعني أبابكر ?- كان مضافاً لرسول الله ? الى الأبد، فإنه صحبه صغيراً وأنفق ماله كبيراً، وحمله الى المدينة براحلته وزاده، ولم يزل ينفق عليه ماله في حياته، وزوجه ابنته، ولم يزل ملازماً له سفراً وحضراً ، فلما توفي دفنه في حجرة عائشة أحب النساء إليه ?( ).
وعن سلمة بن الأكوع: غزوت مع النبي ? سبع غزوات، وخرجت فيما يبعث من البعوث تسع غزوات مرة علينا أبوبكر ومرة علينا أسامة( ).
ومن خلال هذا المبحث سنحاول أن نتتبع حياة الصديق ? الجهادية مع النبي ? لنرى كيف جاهد الصديق بنفسه وماله ورأيه في نصرة دين الله تعالى.
أولاً: أبوبكر ? في بدر الكبرى:
شارك الصديق في غزوة بدر وكانت في العام الثاني من الهجرة وكانت له فيها مواقف مشهورة من أهمها:
1- مشورة الحرب:
لما بلغ النبي ? نجاة القافلة وإصرار زعماء مكة على قتال النبي ? استشار رسول الله ? اصحابه في الأمر( )، فقام أبوبكر فقال وأحسن ثم قام عمر فقال وأحسن( ).
2- دوره في الاستطلاع مع النبي ?:
قام النبي ? ومعه أبوبكر يستكشف أحوال جيش المشركين وبينما هما يتجولان في تلك المنطقة لقيا شيخاً من العرب، فسأله رسول الله ? عن جيش قريش، وعن محمد وأصحابه، ومابلغه ? من أخبارهم: فقال الشيخ لا أخبركما حتى تخبراني مما أنتما. فقال له رسول الله ?: إذا أخبرتنا أخبرناك فقال: أو ذاك بذاك؟ قال: نعم. فقال الشيخ: فإنه بلغني أن محمداً واصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا -للمكان الذي به جيش المسلمين- وبلغني أن قريشاً خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا -للمكان الذي فيه جيش المشركين فعلاً- ثم قال الشيخ: لقد اخبرتكما عما أردتما، فأخبراني: ممن أنتما؟ فقال رسول الله ?: نحن من ماء. ثم انصرف النبي ? وأبوبكر عن الشيخ، وبقي هذا الشيخ يقول: مامن ماء؟ أمن ماء العراق( ).
وفي هذا الموقف يتضح قرب الصديق من النبي ? وقد تعلم أبوبكر من رسول الله ? دروساً كثيرة.
3- في حراسة النبي ? في عريشه:
عندما رتب ? الصفوف للقتال رجع الى مقر القيادة وكان عبارة عن عريش على تلِّ مشرف على ساحة القتال وكان معه فيه أبوبكر ? وكانت ثلة من شباب الأنصار بقيادة سعد بن معاذ يحرسون عريش رسول الله ?( )، وقد تحدث علي بن أبي طالب ? عن هذا الموقف فقال: ياأيها الناس من أشجع الناس؟ فقالوا: أنت ياأمير المؤمنين، فقال: أما إني مابارزني أحد إلا انتصفت منه، ولكن هو أبوبكر: إنا جعلنا لرسول الله ? عريشاً فقلنا من يكون مع رسول الله ? لئلا يهوي إليه أحد من المشركين؟ فوالله مادنا منه أحد إلا أبابكر شاهراً بالسيف على رأس رسول الله ? لا يهوي إليه أحد من المشركين إلا أهوى إليه فهذا اشجع الناس( ).
4- الصديق يتلقى البشارة بالنصر، ويقاتل بجانب رسول الله?:
بعد الشروع في الأخذ بالأسباب اتجه رسول الله ? الى ربه يدعوه ويناشده النصر الذي وعده ويقول في دعائه: (اللهم أنجز لي ماوعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الاسلام فلا تعبد في الأرض أبداً) ومازال ? يدعو ويستغيث حتى سقط رداوه، فأخذه أبوبكر ورده على منكبيه وهو يقول: يارسول الله كفاك مناشدتك ربك فإنه منجر لك ماوعدك)( )، وأنزل الله عز وجل: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} وفي رواية ابن عباس قال: قال النبي ? يوم بدر: (الله انشدك عهد ووعدك، الله إن شئت لم تعبد) فأخذ ابوبكر بيده، فقال: حسبك الله، فخرج ? وهو يقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ}( )، وقد خفق النبي ? خفقة وهو في العريش ثم انتبه فقال: ابشر ياأبابكر أتاك نصر الله هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع) يعني الغبار، قال: ثم خرج رسول الله ? الى الناس فحرضهم( ).
وقد تعلم الصديق من هذا الموقف درساً ربانياً مهماً في التجرد النفسي وحظها والخلوص واللجوء لله وحده والسجود والجثي بين يدي الله سبحانه لكي ينزل نصره وبقى هذا المشهد راسخاً في ذاكرة الصديق وقلبه ووجدانه يقتدي برسول الله ? في تنفيذه في مثل هذه الساعات، وفي مثل هذه المواطن ويبقى هذا المشهد درساً لكل قائد أو حاكم أو زعيم أو فرد يريد أن يقتدي بالنبي ? وصحابته الكرام.
ولما اشتد أوار المعركة وحمى وطيسها نزل رسول الله ? وحرض على القتال والناس على مصافهم يذكرون الله تعالى، وقد قاتل ? بنفسه قتالاً شديد وكان بجانبه الصديق( )، وقد ظهرت منه شجاعة وبسالة منقطعة النظير، وكان على استعداد لمقاتلة كل كافر عنيد ولو كان أبنه، وقد شارك ابنه عبدالرحمن في هذه المعركة مع المشركين، وكان من أشجع الشجعان بين العرب، ومن أنفذ الرماة سهماً في قريش، فلما أسلم قال لأبيه: لقد أهدفت لي (أي ظهرت أمامي كهدف واضح) يوم بدر، فملت عنك ولم اقتلك. فقال له أبوبكر: ولكنك لو أهدفت لي لم أمِلْ عنك( ).
5- الصديق والأسرى:
قال ابن عباس ?: ...فلما أسروا الأسارى قال رسول الله ? لأبي بكر وعمر: (ماترون في هؤلاء الأسارى؟) فقال أبوبكر: يانبي الله هم بنو العم والعشيرة: أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم الى الاسلام. فقال رسول الله ? : ماترى يابن الخطاب؟ قال: لا والله يارسول، ماأرى الذي يراه أبوبكر، ولكني أرى أن تمكننا منهم، فنضرب أعناقهم، فتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان (نسيباً لعمر) فأضرب عنقه فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها فهوى رسول الله ? الى ماقال أبوبكر ولم يهو ماقلت: فلما كان الغد جئت فإذا رسول الله ? وأبوبكر قاعدين يبكيان، قلت يارسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله ?: أبكي للذي عرض عليّ أصحابك من أخذهم الفداء ولقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة -شجرة قريبة من النبي ?- وأنزل الله عز وجل: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى.....} الى قوله {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا.....} فأحل الله لهم الغنيمة( ) وفي رواية عن عبدالله بن مسعود ? قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله ?: (ماتقولون في هؤلاء الأسرى؟) فقال ابوبكر: يارسول الله قومك وأهلك استبقهم واستأن بهم لعل الله أن يتوب عليهم. وقال عمر: يارسول الله أخرجوك وكذبوك قربهم فاضرب أعناقهم. وقال عبدالله بن رواحة: يارسول الله انظر وادياً كثير الحطب، فادخلهم فيه ثم اضرم عليهم ناراً. فقال العباس: قطعت رحمك، فدخل رسول الله ? ولم يرد عليهم شيئاً. فقال ناس: يأخذ بقول ابي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول عبدالله بن رواحة، فخرج عليهم رسول الله ? فقال: (إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن وإن الله ليشد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك ياأبابكر كمثل عيسى عليه السلام إذ قال: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (سورة المائدة، الآية:118) وإن مثلك ياعمر كمثل نوح إذ قال: {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} (سورة نوح، الآية 26).
وإن مثلك كمثل موسى إذ قال: {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ} (سورة يونس، الآية 88)( ). كان النبي ? إذ استشار أصحابه أول من يتكلم أبوبكر في الشورى، وربما تلكم غيره، وربما لمن يتكلم غيره، فيعمل برأيه وحده، فإذا خالفه غيره ابتع رأيه دون رأي من يخالفه( ).
ثانياً: في أحد وحمراء الأسد:
في يوم أحد تلقى المسلمون درساً صعباً، فقد تفرقوا من حول النبي ?، وتبعثر الصحابة في أرجاء الميدان، وشاع أن الرسول ? قتل وكان رد الفعل على الصحابة متبايناً، وكان الميدان فسيحاً وكل مشغول بنفسه، وشق الصديق الصفوف وكان اول من وصل الى رسول الله ?، واجتمع الى رسول الله أبوبكر، وأبوعبيدة بن الجراح، وعلي، وطلحة والزبير، وعمر بن الخطاب والحارث بن الصمة، وأبودجانة، وسعد بن ابي وقاص، وغيرهم.... رضي الله عنهم وقصدوا مع رسول الله ? الشعب من جبل أحد في محاولة لاسترداد قوتهم المادية والمعنوية( ).
وكان الصديق إذا ذكر أحد قال: ذلك يوم كله لطلحة ثم أنشأ يحدث قال: كنت أول من فاء يوم أحد، فرأيت رجلاً يقاتل في سبيل الله دونه، قال قلت: كن طلحة حيث فاتني مافاتني، وكان بيني وبين المشركين رجل لا أعرفه، وأنا أقرب الى رسول الله ? منه، وهو يخطلف المشي خطفاً لا أخطفه فإذا هو أبوعبيدة، فانتهينا الى رسول الله ? وقد كسرت رباعيته وشج وجهه، وقد دخل في وجنتيه حلقتان من حلق المغفر، قال رسول الله ?: عليكما صاحبكما: يريد طلحة وقد نزف فلم نلتفت الى قوله، قال: ذهبت لأنزع من وجهه، فقال أبوعبيدة أقسم عليك بحقي لما تركتني فتركته فكره تناولها فيؤذي رسول الله ? فأرزم عليه بفيه فاستخرج إحدى الحلقتين ووقعت ثنيته الأخرى مع الحلقة فكان أبوعبيدة من أحسن الناس هتماً...فأصلحنا من شأن رسول الله ? ثم أتينا طلحة في بعض تلك الحفار فإذا به بضع وسبعون من بين طعنة ورمية، وضربة، وإذا قد قطعت إصبعه فأصلحنا من شأنه( ).
وتتضح منزلة الصديق في هذه الغزوة من موقف أبي سفيان عندما سأل وقال: أفي القوم محمد؟ ثلاث مرات. فنهاهم النبي ? أن يجيبوه. ثم قال: أفي القوم أبن أبي قحافة؟ ثلاث مرات. ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب؟ ثلاث مرات ثم رجع الى أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا( )... فهذا يدل على ظن أبي سفيان زعيم المشركين حينئذ بأن أعمدة الاسلام، وأساسه رسول الله ? وابوبكر وعمر( ).
وعندما حاول المشركون أن يقبضوا على المسلمين ويستأصلوا شفأتهم، كان التخطيط النبوي الكريم قد سبقهم وأبطل كيدهم، وأمر رسول الله ? المسلمين مع مابهم من جراحات وقرح شديد للخروج في إثر المشركين، فأستجابوا لله ولرسوله مع مابهم من البلاء وانطلقوا فعن عائشة رضي الله عنها قالت لعروة بن الزبير في قوله تعالى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} (سورة آل عمران، الآية: 172): ياأبن أختي كان أبواك منهم: الزبير وأبوبكر لما أصاب رسول الله ? ماأصاب يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا قال: من يذهب في إثرهم؟) فانتدب منهم سبعون رجلاً: كان فيهم أبوبكر والزبير( ).
ثالثاً: في غزوة بني النضير، وبني المصطلق وفي الخندق وبني قريظة:
أ- خرج النبي ? الى بني النضير يستعينهم في دية القتيلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية من بني عامر على وجه الخطأ لأن عمراً لم يعلم بالعهد الذي بين بني عامر وبين النبي ?، وكان بين بني النضير وبني عامر حلف وعهد، فلما آتاهم النبي ? قالوا: نعم ياأبا القاسم نعينك على ماأحببت، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه، ورسول الله الى جنب جدار من بيوتهم قاعد. قالوا: فمن يعلوا على هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال، ورسول الله ? في نفر من أصحابه فيهم أبوبكر وعمر وعلي فأتى رسول الله ? الخبر من السماء بما أراد القوم فقام وخرج الى المدينة، فلما استلبت النبي ? أصحابه قالوا في طلبه فرأوا رجلاً مقبلاً من المدينة فسألوه عنه فقال: رأيته داخلاً المدينة. فأقبل أصحاب النبي ? حتى انتهوا إليه فأخبرهم الخبر بما كانت اليهود أرادت من الغدر به.
فبعث النبي ? محمد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من جواره وبلده، فبعث إليهم أهل النفاق يحرضونهم على المقام ويعدونهم بالنصر، فقويت نفوسهم وحمى حيي بن أخطب وبعثوا الى رسول الله ? أنه لايخرجون، ونابذوه بنقض العهد فعند ذلك أمر رسول الله ? الناس بالخروج إليهم فحاصروهم خمس عشرة ليلة فتحصنوا في الحصون فأمر رسول الله ? بقطع النخيل والتحريق، ثم أجلاهم على أن لهم ماحملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة فنزلت سورة الحشر( ).
ب-بني المصطلق:
أراد بنو المصطلق أن يغزو المدينة، فخرج لهم رسول الله في أصحابه فلما انتهى إليهم دفع راية المهاجرين إلى أبي بكر الصديق، ويقال إلى عمار بن ياسر وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة. ثم أمر عمر بن الخطاب فنادى في الناس أن قولوا لا إله إلا الله تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم فأبوا، فتراموا بالنبل ثم أمر رسول الله ? المسلمين فحملوا حملة رجل واحد فما أفلت منهم رجل واحد، وقتل منهم عشرة وأسر سائرهم، ولم يقتل من المسلمين سوى رجل واحد( ).
جـ-في الخندق وبني قريظة:
كان الصديق في الغزوتين مرافقاً للنبي ?، وكان يوم الخندق يحمل التراب في ثيابه وساهم مع الصحابة للإسراع في انجاز حفر الخندق في زمن قياسي مما جعل فكرة الخندق تصيب هدفها في مواجهة المشركين( ).
رابعاً: في الحديبية:
خرج رسول الله ? في ذي القعدة سنة ست من الهجرة يريد زيارة البيت الحرام في كوكبة من الصحابة عددها أربع عشرة مائة وساق معه الهدي وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه، وليعلم الناس أنه إنما خرج زائر لتعظيم بيت الله الحرام فبعث النبي ? عيناً له من خزاعة فعاد بالخبر أن أهل مكة جمعوا جموعهم لصده عن الكعبة فقال: أشيروا عليَّ أيها الناس، فقال أبو بكر ? يارسول الله خرجت عامداً لهذا البيت لاتريد حربه أو قتل أحد، فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه، قال امضوا على اسم الله، وقد ثارت ثائرة قريش وحلفوا أن لايدخل الرسول ? مكة عنوة ثم قامت المفاوضات بين أهل مكة ورسول الله ? وقد عزم النبي ? على إجابة أهل مكة على طلبهم إن أرادوا شيئاً فيه صلة رحم( ).
أ-في المفاوضات:
جاءت وفود قريش لمفاوضة النبي ? وكان أول من أتى بديل بن ورقاء من خزاعة فلما علم بمقصد النبي ? والمسلمين رجع إلى أهل مكة ثم جاء مكرز بن حفص ثم بالحليس بن علقمة ثم عروة بن مسعود الثقفي فدار هذا الحوار بين النبي ? وعروة بن مسعود الثقفي واشترك في هذا الحوار أبو بكر ? وبعض أصحابه( ).
قال عروة: يامحمد أجمعت أوباش الناس ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم؟ إنها قريش قد خرجت معها (العوذ المطافيل)- أي خرجت رجالاً ونساءً صغاراً وكباراً- قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله ألا تدخلها عليهم عنوة وايم الله لكأني بهؤلاء يقصد أصحاب النبي ? قد انكشفوا عنك!!
فقال أبو بكر: أمصص بظر( ) اللات -وهي صنم ثقيف- أنحن نفرُّعنه وندعه؟( ) فقال من ذا؟ قالوا أبو بكر. قال:
Back to top Go down
سلمى العربيه
عربي مميز
عربي مميز


عدد المساهمات: 250
تاريخ التسجيل: 2010-01-18

PostSubject: Re: الصحابه رضوان الله عليهم   Tue Jan 19, 2010 8:02 am

كانت نهابا تلافيتها
بكرِّي على المُهرِ في الأجْرَع
وإيقاظي القوم أن يرقدوا
إذا هجع الناس لم أهجع
فأصبح نهبي ونهب العبيد
بين عيينة والأقرع( )
وقد كنت في الحرب ذا تُدْراء
فلم أُعطَ شيئاً ولم أُمْنَع
إلا أفائل أعطيتها
عديد قوائمها الأربع( )
وما كان حصن ولاحابس
يفوقان شيخي في المجمع
وماكنت دون امرئ منهما
ومن تضع اليوم لايُرْفعِ( )
فقال رسول الله ?: اذهبوا به، فأقطعوا عني لسانه، فأعطوه حتى رَضي، فكان ذلك قطع لسانه الذي أمر به رسول الله ?( ).
وأتى العباس رسول الله ?، فقال له رسول الله ?: أنت القائل: فأصبح نهبي ونهبُ العبيد بين الأقرع وعيينة؟ فقال ابوبكر الصديق: بين عيينة والأقرع؛ فقال رسول الله ?: (هما واحد)، فقال أبوبكر: أشهد أنك كما قال الله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُبِينٌ} (سورة يس، الآية 69)( ).
ج- في الطائف:
في حصار الطائف وقعت جراحات في اصحاب النبي ? وشهادة، ورفع رسول الله ? عن أهل الطائف الحصار ورجع الى المدينة وممن استشهد من المسلمين في هذه الغزوة عبدالله بن أبي بكر رضي الله عنهما رمي بسم فتوفي منه بالمدينة بعد وفاة النبي ?( ).
وعندما قدم وفد ثقيف للمدينة ليعلنوا إسلامهم فما إن ظهر الوفد قرب المدينة حتى تنافس كل من أبي بكر والمغيرة على أن يكون هو البشير بقدوم الوفد للرسول ?، وفاز الصديق بتلك البشارة( )، وبعد أن أعلنوا إسلامهم وكتب لهم رسول الله ? كتابهم وأراد أن يؤمّر عليهم أشار أبوبكر بعثمان بن أبي العاص بن أبي العاص -وكان أحدثهم سناً فقال الصديق: يارسول الله إني رأيت هذا الغلام من أحرصهم على التفقه في الاسلام وتعلم القرآن( )، فقد كان عثمان بن أبي العاص كلما نام قومه بالهاجرة، عمد الى رسول الله ? فساله في الدين واستقرأه القرآن حتى فقه في الدين وعلم، وكان إذا وجد رسول الله ? نائماً عمد الى أبي بكر وكان يكتم ذلك عن أصحابه فأعجب ذلك رسول الله ? وعجب منه وأحبه( ).
وعندما علم الصديق بصاحب السهم الذي أصاب أبنه كانت له مقوله تدل على عظمة إيمانه فعن القاسم بن محمد قال: رُمِيَ عبدالله بن أبي بكر رضي الله عنهما بسهم يوم الطائف، فانتفضت به بعد وفاة رسول الله ? بأربعين ليلة، فمات فقدم عليه وفد ثقيف ولم يزل ذلك السهم عنده، فأخرجه إليهم فقال: هل يعرف هذا السَّهمَ منكم أحد؟ فقال سعيد بن عبيد، أخو بني عجلان: هذا سهم أنا بَرِيْتُهُ ورشته( )، عقبته( )، وأنا رميت به. فقال أبوبكر ?: فإن هذا السهم الذي قتل عبدالله بن أبي بكر، فالحمدلله الذي أكرمه بيدك، ولم يُهِنك بيده، فإنه أوسع لكما( ).
ثامناً: في غزوة تبوك، وإمارة الحج، وفي حجة الوداع:
أ- في تبوك:
خرج رسول الله ? بجيش عظيم في غزوة تبوك بلغ عدده ثلاثين ألفاً وكان يريد قتال الروم بالشام، وعندما تجمع المسلمون عند ثنية الوداع بقيادة رسول الله ?، اختار الأمراء والقادة وعقد الألوية والرايات لهم، فأعطى لواءه الأعظم الى أبي بكر الصديق ?( )، وفي هذه الغزوة ظهرت بعض المواقف للصديق منها:
1- موقفه من وفاة الصحابي عبدالله ذو البجادين رضي الله عنه:
قال عبدالله بن مسعود ?: قمت في جوف الليل وأنا مع رسول الله ? في غزوة تبوك، قال: فرأيت شعلة من نار من ناحية العسكر، قال: فاتبعتها، أنظر إليها فإذا رسول الله ? وأبوبكر وعمر، وإذا عبدالله ذو البجادين المزني قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله في حضرته، وأبوبكر وعمر يدليانه إليه، وهو يقول: أدنيا الى أخاكما، فدلياه إليه، فلما هيأه بشقه قال: اللهم إني أمسيت راضياَ عنه فارض عنه. قال (الراوي عبدالله ابن مسعود): قال عبدالله بن مسعود: ياليتني كنت صاحب الحفرة( ).
وكان الصديق ? إذا دخل الميت اللحد قال: بسم الله وعلى ملة رسول الله ?، وباليقين وبالبعث بعد الموت( ).
2- طلب الصديق من رسول الله ? الدعاء للمسلمين:
قال عمر بن الخطاب: خرجنا الى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلاً وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستقطع حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه، ثم يجعل مابقي على كبده، فقال أبوبكر الصديق، يارسول الله إن الله قد عوّدك في الدعاء خيراً، فأدع الله، قال: أتحب ذلك؟ قال: نعم، فرفع يديه فلم يردهما حتى قالت السماء -أي تهيئت لإنزال مائها- فأظلت -أي أنزلت مطراً خفيفاً- ثم سكبت فملأوا مامعهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر( ).
3- نفقة الصديق في تبوك:
حث رسول الله ? الصحابة في غزوة تبوك على الإنفاق بسبب بعدها، وكثرة المشركين فيها، ووعد المنفقين بالأجر العظيم من الله، فأنفق كل حسب مقدرته وكان عثمان ? صاحب القدح المعلى في الإنفاق في هذه الغزوة( ).
وتصدق عمر بن الخطاب بنصف ماله وظن أنه سيسبق أبابكر بذلك ونترك الفاروق يحدثنا بنفسه عن ذلك حيث قال: أمرنا رسول الله ? يوماً أن نتصدق، فوافق ذلك مالا عندي، فقلت اليوم أسبق أبابكر إن سبقته يوماً، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله ?، ماأبقيت لأهلك؟ قلت: مثله، قال: وأتى أبوبكر ? بكل ماعنده، فقال له رسول الله ?: ماأبقيت لأهلك؟ قال أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لاأسابقك الى شيء أبداً( ).
كان فعل عمر فيما فعله من المنافسة والغبطة مباحاً ولكن حال الصديق ? أفضل منه لانه خال من المنافسة مطلقاً ولا ينظر الى غيره( ).
ب- الصديق أمير الحج سنة 9هـ:
كانت تربية المجتمع وبناء الدولة في عصر النبي ? مستمرة على كافة الأصعدة والمجالات العقائدية والاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية والعسكرية والتعبدية وكانت فريضة الحج لم تمارس في السنوات الماضية، وحجة عام 8هـ بعد الفتح كُلِّف بها عتّاب بن أسيد، ولم تكن قد تميزت حجة المسلمين عن حجة المشركين( )، فلما حل موسم الحج أراد الحج ? ولكنه قال: (إنه يحضر البيت عراة مشركون يطوفون بالبيت، فلا أحب أن أ حج حتى لايكون ذلك) فأرسل النبي ? الصديق أميراً على الحج سنة تسعة هجرية، فخرج أبوبكر الصديق بركب الحجيج نزلت سورة براءة فدعا النبي ? علياً ? وأمره أن يلحق بأبي بكر الصديق، فخرج على ناقة رسول الله ?: العضباء حتى أدرك الصديق ابابكر بذي حليفة، فلما رآه الصديق قال له: أمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور، ثم سار، فأقام أبوبكر للناس الحج على منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية، وكان الحج في هذا العام في ذي الحجة كما دلت على ذلك الروايات الصحيحة لا في شهر ذي القعدة كما قيل، وقد خطب الصديق قبل التروية، ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم النفر الأول فكان يعرّف الناس مناسكهم: في وقوفهم وإفاضتهم، ونحرهم، ونفرهم، ورميهم للجمرات..الخ وعلي بن أبي طالب يخلفه في كل موقف من هذه المواقف فيقرأ على الناس صدر سورة براءة ثم ينادي في الناس بهذه الأمور الأربعة: لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولايطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده الى مدته، ولايحج بعد العام مشرك( ).
وقد أمر الصديق ابا هريرة في رهط آخر من الصحابة لمساعدة علي بن أبي طالب في إنجاز مهمته( ).
وقد كلف النبي ? علياً بإعلان نقض العهود على مسامع المشركين في موسم الحج مراعاة لما تعارف عليه العرب فيما بينهم من عقد العهود ونقضها أن لايتولى ذلك إلا سيد القبيلة أو رجل من رهطه، وهذا العرف ليس فيه منافاة للاسلام فلذلك تدارك النبي ? الأمر وأرسل علياً بذلك فهذا هو السبب في تكليف علياً ? بتبليغ صدر سورة براءة لا مازعمته الرافضة من أن ذلك للإشارة الى أن علياً ? أحق بالخلافة من أبي بكر وقد علق على ذلك الدكتور محمد ابو شهبة فقال: ولا أدري كيف غفلوا عن قول الصديق له: أمير أم مأمور( )؟ وكيف يكون المأمور أحق بالخلافة من الأمير( ).
وقد كانت هذه الحجة بمثابة التوطئة للحجة الكبرى وهي حجة الوداع( )، لقد أعلن في حجة أبي بكر أن عهد الأصنام قد انقضى، وأن مرحلة جديدة قد بدأت، وماعلى الناس إلا أن يستجيبوا لشرع الله تعالى، فبعد هذا الإعلان الذي انتشر بين قبائل العرب في الجزيرة، ايقنت تلك القبائل أن الأمر جد، وأن عهد الوثنية قد انقضى فعلاً فأخذت ترسل وفودها معلنة إسلامها ودخولها في التوحيد( ).
ج- في حجة الوداع:
روى الامام أحمد ? بسنده الى عبدالله بن الزبير عن أبيه أن أسماء بنت أبي بكر قالت: خرجنا مع رسول الله ? حجاجاً حتى أدركنا (العرج)( ) نزل رسول الله ?، فجلست عائشة جنب النبي ?، وزمالة أبي بكر واحدة مع غلام لأبي بكر فجلس أبوبكر ينتظر أن يطلع عليه، فطلع وليس معه بعيره!! فقال: أين بعيرك؟ فقال: أظللته البارحة! فقال أبوبكر: بعير واحد تضله!! فطفق يضربه ورسول الله يبتسم ويقول: انظروا الى هذا المحرم ومايصنع( ).








المبحث الخامس
الصديق في المجتمع المدني وبعض صفاته وشيء من فضائله



كانت حياة الصديق في المجتمع المدني مليئة بالدروس والعبر وتركت لنا نموذجاً حياً لفهم الاسلام وتطبيقه في دنيا الناس وقد تميزت شخصية الصديق بصفات عظيمة ومدحه رسول الله في أحاديث كثيرة وبين فضله وتقدمه على كثير من الصحابة رضي الله عنهم أجمين.
أولاً: من مواقفه في المجتع المدني:
1- موقفه من فنحاص الحبر اليهودي:
ذكر غير واحد من كتّاب السيّر والمفسرين أن أبابكر ? دخل بيت المدارس( )، على يهود، فوجد منهم ناساً قد اجتمعوا الى رجل منهم، يقال له فنحاص، وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر من أحبارهم، يقال له أشيع( )، فقال أبوبكر لفنحاص: ويحك! اتق الله وأسلم، فوالله إنك تعلم أن محمداً لرسول الله، قد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والانجيل، فقال فنحاص لأبي بكر: ولله ياأبابكر، مابنا الى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير، ومانتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء وماهو عنا بغني، ولو كان عنا غنياً ماستقرضنا أموالنا، كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطيناه، ولو كان غنياً ماأعطانا الربا فغضب أبوبكر، فضرب وجه فنحاص ضرباً شديداً، وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت رأسك، أي عدو الله، فذهب فنحاص الى رسول الله ?، فقال: يامحمد انظر ماصنع بي صاحبك. فقال رسول الله ? لأبي بكر: ماحملك على ماصنعت؟ فقال أبوبكر: يارسول الله، إن عدو الله قال قولاً عظيماً، إنه يزعم أن الله فقير وأنهم أغنياء فلما قال ذلك غضبت لله مما قال، وضربت وجهه، فجحد ذلك فنحاص وقال: ماقلت ذلك، فأنزل الله تعالى فيما قال فنحاص رداً عليه، وتصديقاً لأبي بكر: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} (سورة آل عمران، الآية: 181).
ونزل في ابي بكر الصديق ?، ومابلغه في ذلك من الغضب( ) قوله تعالى {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} (سورة آل عمران، الآية:186).
2- حفظ سر النبي ?:
قال عمر بن الخطاب: تأيمت حفصة من خنيس بن حذافة، وكان مما شهد بدراً، فلقيت عثمان بن عفان فقلت: إن شئت انكحتك حفصة، فقال: أنظر ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، فلقيت أبابكر فعرضتها عليه فصمت فكنت عليه أوجد مني على عثمان، فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله ? فأنكحتها إياه، ثم لقيني أبوبكر فقال: لعلك وجدت عليّ حين لم أرجع إليك، فقلت: أجل فقال: إنه لم يمنعني أن أرجع إليك إلا أني علمت أن رسول الله ? قد ذكرها فلم أكن لأفشي سر رسول الله ? ولو تركها لنكحتها( ).
3- الصديق وآية صلاة الجمعة:
قال جابر بن عبدالله بينما النبي ? يخطب يوم الجمعة، وقدمت عيُر المدينة، فابتدرها أصحاب رسول الله ? حتى لم يبق معه ? إلا اثنا عشر رجلاً، فنزلت هذه الآية: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} (سورة الجمعة، الآية 11) وقال: في الاثنىعشر الذين ثبتوا مع رسول الله ? أبوبكر وعمر( ).
4- رسول الله ? ينفي الخيلاء عن أبي بكر:
قال عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: قال رسول الله ?: (من جر ثوبه خُيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)، فقال أبوبكر: إن أحد شِقيَّ يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه. فقال رسول الله ?: (إنك لست تصنع ذلك خُيلاء)( ).
5- الصديق وتحريه للحلال:
عن قيس بن أبي حازم قال: كان لأبي بكر غلام فكان إذا جاء بغلتَّه لم يأكل من غلته حتى يسأل، فإن كان شيئاً مما يحب أكل، وإن كان شيئاً يكره لم يأكل، قال: فنسي ليلة فأكل ولم يسأله، ثم سأله فأخبره أنه من شيء كرهه، فأدخل يده فتقيأ حتى لم يترك شيئاً( ).
فهذا مثال على ورع أبي بكر ? حيث كان يتحرى الحلال في مطعمه ومشربه، ويتجنب الشبهات، وهذه الخصلة تدل على بلوغه درجات عُليا في التقوى، ولا يَخفَى أهمية طيب المطعم والمشرب والملبس في الدين، وعلاقة ذلك بإجابة الدعاء( )، كما في حديث الأشعث الأغبر وفيه: (يمد يديه الى السماء: يارب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنى يُستجاب لذلك)( ).
6- أدخلاني في السلم، كما أدخلتماني في الحرب:
دخل أبوبكر الصديق ? على النبي ? فسمع صوت ابنته عائشة عالياً فلما اقترب منها تناولها ليلطمها وقال: اراك ترفعين صوتك على رسول الله، فجعل رسول الله بحجزه، وخرج أبوبكر مغضباً فقال النبي ? لعائشة حين خرج أبوبكر: أرايت كيف أنقذتك من الرجل؟ فمكث أبوبكر أياماً، ثم أستأذن على رسول الله فوجدهما قد اصطلحا. فقال لهما: (أدخلاني في سلمكما، كما أدخلتماني في حربكما) فقال النبي ?: (قد فعلنا)( ).
7-أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر:
دخل أبوبكر على عائشة رضي الله عنهم في أيام العيد، وعندها جاريتان من الأنصار تغنيان فقال أبوبكر ?: أبمزمار الشيطان في بيت رسول الله ?؟ وكان رسول الله ? معرضاً بوجهه عنهما، مقبلاً بوجهه الكريم الى الحائط. فقال: دعهما ياأبابكر، فإن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا أهل الاسلام( )، ففي الحديث بيان : أن هذا لم يكن من عادة النبي ? وأصحابه الاجتماع عليه، ولهذا سماه الصديق مزمار الشيطان، والنبي ? أقر الجواري عليه معللاً ذلك بأنه يوم عيد، والصغار يرخص لهم في اللعب في الأعياد، كما جاء في الحديث: ليعلم المشركون أن في ديننا فسحة( ). وكان لعائشة لُعَب تلعب بهن ويجئن صواحباتها من صغار النسوة يلعبن معها، وليس في حديث الجاريتين أن النبي ? استمع الى ذلك، والأمر والنهي إنما يتعلق بالاستماع لابمجرد السماع( ). ومن هذا نفهم أنه يرخص لمن يصلح له اللعب أن يلعب في الأعياد، كالجاريتين الصغيرتين من الأنصار اللتين تغنيان في العيد في بيت عائشة( ).
8- أكرامه للضيوف:
قال عبدالرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما: أن أصحاب الصفة كانوا أناساً فقراء، وأن رسول الله ? قال مرة: من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس، وإن أبابكر جاء بثلاث... وإن أبابكر تعشى عند رسول الله ? فجاء بعد أن مضى من الليل ماشاء الله تعالى فقالت له امرأته: ماحبسك عن أضيافك؟ أو قالت عن ضيفك، قال وماعشيتهم؟ قالت: أبوا حتى تجيء، وقد عرضوا عليهم فغلبوهم قال: فذهبت أنا فاختبأت، فقال: ياعنثر( ) - فجدع وسب، وقال: كلوا هنيئاً وقال: والله لاأطعم أبداً، وحلف الضيف أن لايطعمه حتى يطعم أبوبكر، فقال أبوبكر: هذه من الشيطان، قال فدعا بالطعام فأكل، فقال: وأيم الله ماكنا نأخذ لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها، فقال حتى شبعوا وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك، فنظر إليها فإذا هي كما هي وأكثر فقال لأمرأته: ياأخت بني فراس ماهذا؟ قالت: لا وقرة عيني هي الآن لأكثر منها قبل ذلك بثلاث مرات، فأكل أبوبكر وقال: إنما كان ذلك من الشيطان -يعني يمينه- ثم أكل منها لقمة ثم حملها الى رسول الله ? فأصبحت عنده، وكان بيننا وبين القوم عقد فمضى الأجل فتفرقنا اثنى عشر رجلاً مع كل واحد منهم أناس الله أعلم كم مع كل رجل منهم فأكلوا منها أجمعين( ).
وفي هذه القصة دروس وعبر منها:
أ- حرص الصديق على تطبيق الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحث على إكرام الضيف مثل قوله تعالى: {فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ} (سورة الذاريات، الآية 27).
وقوله ?: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فيلكرم ضيفه)( ).
ب- وفي هذه القصة كرامة للصديق حيث جعل لايأكل لقمة إلا ربي من أسفلها أكثر منها فشبعوا، وصارت أكثر مما هي قبل ذلك، فنظر إليها أبوبكر وامرأته فإذا هي أكثر مما كانت، فرفعها الى رسول الله ?، وجاء إليه أقوام كثيرون فأكلوا منها وشبعوا( ) وهذه الكرامة حصلت ببركة اتباع الصديق لرسول الله ? في كافة أحواله وهي تدل على مقام الولاية للصديق فأولياء الله هم المقتدون بمحمد ? فيفعلون ماأمر به وينتهون عما عنه زجر، ويقتدون به فيما بين لهم أن يتبعوه فيه، فيؤيدهم بملائكته وروح منه ويقذف الله في قلوبهم من أنواره، ولهم الكرامات التي يكرم الله بها أولياؤه المتقين( ).
ج- تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: إن أبابكر لم يحنث في يمين قط حتى أنزل الله كفارة اليمين، فقال: لا أحلف على يمين فرأيت غيرها خير منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني( )، فكان إذا حلف على شيء ورأى غيره خيراً منه كفر وأتى الذي هو خير( )، وفي هذه القصة مايدل على ذلك حيث ترك يمينه الاولى أكراماً لضيوفه وأكل معهم( ).
9- ماهي بأول بركتكم ياآل أبي بكر:
قالت عائشة رضي الله عنها: خرجنا مع رسول الله ? في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء - أو بذات الجيش- انقطع عقد لي فأقام رسول الله ? على التماسه، وأقام الناس معه، وليس على ماء وليس معهم ماء فأتى الناس أبابكر فقالوا: ألاترى ماصنعت عائشة؟ أقامت برسول الله ? وبالناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء فجاء أبوبكر ورسول الله ? واضع رأسه على فَخِذِي قد نام فقال: حِبَستٍ رسول الله ? والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء قلت: فعاتبين وقال ماشاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ? على فخذي فنام رسول الله ? حتى أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم:{....فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} (سورة النساء، الآية43). فقال أسيد بن حضير: ماهي بأول بركتكم ياآل أبي بكر فقالت عائشة: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته)( ).
وفي هذه القصة يظهر حرص الصديق على التأدب مع رسوله، وحساسيته الشديدة على أن يضايقه شيئاً ولا يقبل ذلك ولو كان من أقرب الناس وأحبهم الى رسول الله ?، كعائشة رضي الله عنهم، فقد كان ? قدوة للدعاة في الأدب الجم مع النبي ? ومع نفسه ومع المسلمين( ).
10- انتصار النبي للصديق رضي الله عنه:
لقد ثبت من الأحاديث الصحيحة مايدل على أن النبي ? كان ينتصر لأبي بكر وينهى الناس عن معارضته، فعن أبي الدرداء ? قال: كنت جالساً مع النبي ? إذ أقبل ابوبكر آخذاً بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي ?: (أما صاحبكم فقد غامر)( )، فسلم، وقال: يارسول الله إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إلي ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبي علي، فأقبلت إليك. فقال: يغفر الله لك ياأبابكر ثلاثاً. ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل : أثم أبوبكر؟ قالوا: لا. فأتى النبي ? فسلم عليه، فجعل وجه رسول الله ? يتمعر( )، حتى أشفق أبوبكر( ) فجثى على ركبتيه فقال يارسول الله: والله أنا كنت أظلم مرتين( )، فقال النبي ?: إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال ابوبكر: صدق، وواساني بنفسه وماله( )، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي مرتين. فما أوذي بعدها( ).
وفي هذه القصة دروس وعبر كثيرة منها؛ الطبيعة البشرية للصحابة ومايحدث بينهم من خلاف، وسرعة رجوع المخطئ وطلب المغفرة والصفح من أخيه، تواد الصحابة فيما بينهم، مكانة الصديق الرفيعة عند رسول الله ? ثم أصحابه.......الخ.
11- قل: غفر الله لك ياأبابكر:
قال ربيعة الأسلمي ?: كنت أخدم النبي ? ...وذكر حديثاً ثم قال: إن رسول الله ? أعطاني بعد ذلك ارضاً وأعطى أبوبكر أرضاً وجاءت الدنيا فاختلفنا في عذق نخلة، فقلت أنا: هي في حدِّي، وقال أبوبكر، هي في حدي، فكان بيني وبين أبي بكر كلام، فقال ابوبكر كلمة كرهها وندم فقال لي: ياربيعة رد عليها مثلها حتى تكون قصاصاً، قال: قلت: لا أفعل، فقال أبوبكر: لتقولن أو لاستعدين عليك رسول الله ?، فقلت: ماأنا بفاعل، قال: ورفض الأرض( )، وأنطلق أبوبكر ? الى النبي ?، وانطلقت أتلوه، فجاء ناس من أسلم فقالوا لي: رحم الله أبابكر، في أي شيء يستعدي عليك رسول الله ? وهو قد قال لك ماقال، قلت: اتدرون من هذا؟ هذا أبوبكر الصديق، هذا ثاني أثنين، وهذا ذو شيبة المسلمين، إياكم لا يلتفت فيراكم تنصروني عليه فيغضب، فيأتي رسول الله ? فيغضب لغضبه فيغضب الله عز وجل لغضبهما فيهلك ربيعة، قال: ماتأمرنا؟ قال: ارجعوا، قال: فانطلق أبوبكر ? الى رسول الله ? فتبعته وحدي حتى أتى النبي ? فحدثه الحديث كما كان، فرفع إليّ رأسه فقال: ياربيعة مالك وللصديق؟ قلت: يارسول الله كان كذا كان كذا، قال لي كلمة كرهها فقال: قل لي كما قلت حتى يكون قصاصاً فابيت، فقال رسول الله ?: أجل فلا ترد عليه، ولكن قل: غفر الله لك ياأبابكر، فقلت: غفر الله لك ياأبابكر. قال الحسن (البصري): فولىَّ ابوبكر ? وهو يبكي( ).
(لله أي وجدان هذا الوجدان، وأي نفس تلك النفس، بادرة بدرت منها لمسلم فلم ترض إلا قتصاصه منها، وصفحه عنها، تناهيا بالفضيلة، واستمسكا بالأدب وشعوراً تمكن من الجوانح، وأخذ بمجامع القلوب، فكانت عنده زلة اللسان ولو صغيرة ألما يتململ منه الضمير فلا يستريح إلا بالقصاص منه، ورضا ذلك المسلم عنه)( ).
كانت كلمة هينة، ولكنها أصابت من ربيعة مَوجعاً..فإذا أبوبكر يُزَلزلُ من أجلها، ويأبى إلا القصاص عليها، مع أنه يومئذ كان الرجل الثاني في الاسلام بعد رسول الله ?، وهي كلمة لايمكن أن تكون من فُحش القول أبداً: لأن أخلاقه لم تسمع بهذا، ولم يؤثر عنه حتى في الجاهلية شيء من هذا( ).
لقد خشي الصديق مغبة تلك الكلمة، ولهذا اشتكى لرسول الله ، وهذا أمر عجيب فإن أبابكر قد نسى أرضه ونسى قضية الخلاف، وشغل باله أمر تلك الكلمة لأن حقوق العباد لابد فيها من عفو صاحب الحق( )، وفي هذا درس للشيوخ والعلماء والحكام والدعاة في كيفية معالجة الأخطاء ومراعاة حقوق الناس وعدم الدوس عليها بالأرجل.
وقد استنكر قوم ربيعة أن يذهب أبوبكر يشتكي الى رسول الله ? وهو الذي قال ماقال، ولم يعلموا ماعلمه أبوبكر من لزوم إنهاء قضايا الخصومات، وإزالة ماقد يعلق في القلوب من الوجدة في الدنيا قبل أن يكتب ذلك في الصحف ويترتب عليه الحساب يوم القيامة.
وبالرغم مما ظهر من رضى ربيعة وتوجيه النبي ? الى عدم الرد على أبي بكر فإن أبابكر قد بكى من خشية الله تعالى، وهذا دليل على قوة إيمانه، ورسوخ يقينه.
وأخيراً موقف يذكر لربيعة بن كعب الأسلمي ?، حيث قام بإجلال أبي بكر ?، وأبى أن يرد عليه بالمثل، وهذا من تقدير أهل الفضل والتقدم والمعرفة بحقهم، وهو دليل على قوة الدين ورجاحة العقل( ).
12- مسابقته في الخيرات:
اتصف الصديق ? بالأخلاق الحميدة، والصفات الرفيعة ومسابقته في الخيرات حتى صار في الخير قدوة، وفي مكارم الأخلاق أسوة، وكان حريصاً أشد الحرص على الخيرات، فقد أيقن أن مايمكن أن يقوم به المرء اليوم، قد يكون غير ممكن في الغد، فاليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل ولذلك كان من المسارعين في الخيرات، فعن أبي هريرة ? قال رسول الله ?: من أصبح منكم صائماً؟ قال أبوبكر: أنا. قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبوبكر: أنا. قال: فمن أطعم منكم مسكيناً؟ قال أبوبكر: أنا. قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبوبكر: أنا.
فقال رسول الله ?: مااجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة( ).
13- كظمه للغيظ:
قال ابوهريرة ?: إن رجلاً شتم أبابكر، ورسول الله ? جالس، فجعل النبي ? يعجب ويبتسم، فلما أكثر الرجل، رد عليه أبوبكر بعض قوله، فغضب النبي ?، وقام فلحقه أبوبكر، وقال: يارسول الله، كان يشتمني وأنت جالس، فلما أكثر رددت عليه بعض قوله، غضبت وقمت!! فقال عليه الصلاة والسلام: إنه كان معك ملك يرد عنك، فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان ثم قال: ياأبابكر ثلاث كلهنّ حق: مامن عبد ظلم بمظلمة، فيغضي عنها لله عز وجل إلا أعز الله بها نصره، ومافتح رجل باب عطية، يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة، ومافتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قلة( ).
إن الصديق ? اتصف بكظم الغيظ ولكنه رد ماظن أنه به يسكت هذا الرجل، فرغبه النبي ? في الحلم والإناة، وأرشده الى ضرورة تحليه بالصبر في مواطن الغيظ فإن الحلم وكظم الغيظ مما يزيد المرء ويحمله في أعين الناس، ويرفع قدره عند الله تعالى.
ويتبين لنا كذلك من هذا الموقف حرص الصديق ? على عدم إغضاب النبي ? والمسارعة الى إرضائه وفي الحديث ذم الغضب للنفس، والنهي عنه، والتحذير منه، واعتزال الانبياء للمجالس التي يحضرها الشيطان، وبيان الفضل للمظلوم، الصابر، المحتسب للأجر والثواب، وفيه حث على العطايا، وصلة الأرحام، وذم للمسألة وأهلها.
وظل الصديق متمسكاً بالحلم، وكظم الغيظ، حتى عُرف بالحلم والأناة، ولين الجانب، والرفق، وهذا لايعني أن أبابكر لم يكن يغضب، وإنما كان غضبه لله تعالى، فإذا رأى محارم الله قد انتهكت غضب لذلك غضباً شديداً( ).
لقد عاش رسول الله ? متأملاً ومتفكراً وعاملاً بقوله تعالى {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ?الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ?} (سورة آل عمران، الآيتين 133،134).
14- بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي:
كان أبوبكر ? يَعُول مِسْطَحَ ابن أُثَاثَة، فلما قال في عائشة رضي الله عنها ماقال، في حديث الأفك المشهور - أقسم بالله أبوبكر ألا ينفعه أبداً، فلما أنزل الله عز وجل: {وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (سورة النور، الآية22). قال ابوبكر : والله إني أحب أن يغفر الله لي فرجع الى النفقة التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبداً( ). لقد فهم الصديق من الآية بأن على المؤمن التخلق بأخلاق الله، فيعفو عن الهفوات والزلات والمزالق، فإن فعل، فالله يعفو عنه ويستر ذنوبه، وكما تدين تدان، والله سبحانه قال:{ أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} أي كما تحبون عفو الله عن ذنوبكم فكذلك اغفروا لمن دونكم( ) وكما أن في الآية من حلف على شيء ألا يفعله، فرأى أن فعله أولى من تركه، أتاه وكفّر عن يمينه، وقال بعض العلماء: هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى، من حيث لطف الله بالقذفة العصاة بهذا اللفظ( ).
لقد دلت هذه الآية على أن أبا بكر أفضل الناس بعد النبي ?، لأن الله وصفه بصفات عجيبة في هذه الآية، دالة على علو شأنه في الدين، أورد الرازي في تفسيره أربع عشرة صفة مستنبطة من هذه الآية: {وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ} منها أنه وصفه بأنه صاحب الفضل على الإطلاق من غير تقييد لذلك بشخص دون شخص، والفضل يدخل فيه الإفضال، وذلك يدل على أنه ?، كان فاضلاً على الإطلاق كان مفضلاً على الإطلاق.ومنها أنه لما وصفه تعالى بأنه أولوا الفضل والسعة بالجمع لا بالواحد وبالعموم لابالخصوص على سبيل المدح، وجب أن يقال: إنه كان خالياً عن المعصية لأن الممدوح إلى هذا الحد لايكون من أهل النار( ).
15-خروجه للتجارة من المدينة إلى الشام:
خرج أبو بكر الصديق ? للتجارة إلى بصرى ببلاد الشام في عهد النبي ? مامنعه حبه لملازمة النبي من الذهاب للتجارة، ولامنع النبي ? الصديق من ذلك مع شدة حبه له( ). وفي هذا أهمية أن يكون للمسلم مصدر رزق يستغني به عن سؤال الناس، بل ويساهم بهذا الرزق في إغاثة الملهوف، وفك العاني ويسارع في ابواب الانفاق التي يحبها الله.
16-غيرة الصديق ? وتزكية النبي ? لزوجه:
قال عبدالله بن عمرو بن العاص: أن نفراً من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس فدخل أبو بكر الصديق وهي تحته يومئذ فرآهم، فكره ذلك، فذكر ذلك لرسول الله، فقال:إن الله تعالى قد برأها من ذلك ثم قام رسول الله ? على المنبر فقال: لايدخل رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان( ).
17-خوفه من الله تعالى:
إن الخوف من الله عزوجل فضيلة تدفع العبد إلى الحذر من المعاصي، ومراقبة الله في السر والعلن، فتزكو أفعاله، وتجمل أعماله وقد أمر المؤمنين بالخوف منه فقال: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}(سورة البقرة، آية:40). وقال: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (سورة هود، آية:112). وجعل للعبد الخائف منه أجراً عظيماً فقال: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} (سورة الرحمن، آية:46).
وعن أنس ? قال: خطبنا رسول الله ? خطبة ماسمعت مثلها قط فقال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، فغطى أصحاب رسول الله ? وجوههم ولهم خنين( ).
وقد كان الصديق ? على جانب من الخوف والرجاء عظيم جعله قدوة عملية لكل مسلم سواء حاكماً أو محكوماً قائداً أو جندياً، يريد النجاح والفلاح في الآخرة( )، فعن محمد بن سيرين قال: لم يكن أحد أهيب لما يعلم بعد النبي ? من أبي بكر. وعن قيس قال: رأيت أبا بكر آخذ بطرف لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد( )، وقد قال أبو بكر ?: ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا( ) وعن ميمون بن مهران قال: أتى أبو بكر بغراب وافر الجناحين فقلبه ثم قال: ماصيد من صيد ولاعضدت من شجرة إلا بما ضيعت من التسبيح( )، وعن الحسن قال: قال أبو بكر: والله لوددت أني كنت هذه الشجرة تؤكل وتعضد( )، وقال أبو بكر: لوددت أني كنت شعرة في جنب عبد مؤمن( )، وكان رضي الله عنه يتمثل بهذا البيت من الشعر:
لاتزال تنعي حبيباً حتى تكونه
وقد يرجوا الرجا يموت دونه( )
ثانياً: من أهم صفات الصديق وشيء من فضائله:
إن شخصية الصديق ? تعتبر شخصية قيادية وقد اتصف ? بصفات القائد الرباني، ونجملها في أمور ونركز على بعضها بالتفصيل، فمن أهم هذه الصفات: سلامة المعتقد، والعلم الشرعي، والثقة بالله، والقدوة، والصدق، والكفاءة والشجاعة، والمروءة، والزهد، وحب التضحية، وحسن اختياره لمعاونيه والتواضع وقبول التضحية، والحلم، والصبر، وعلو الهمة والحزم والإرادة القوية، والعدل، والقدرة على حل المشكلات والقدرة على التعليم وإعداد القادة، وغير ذلك من الصفات التي ظهرت للباحث في الفترة المكية في صحبته للنبي ? وفي العهد المدني في غزواته مع رسول الله وحياته في المجتمع وظهر البعض الآخر لما تسلم قيادة الدولة وأصبح خليفة رسول الله ?، فقد استطاع بتوفيق الله تعالى وبسبب ما أودع الله فيه من صفات القيادة الربانية أن يحافظ على الدولة ويقمع حركة الردة، وينتقل بفضل الله وتوفيقه بالأمة نحو أهدافها المرسومة بخطوات ثابتة، ومن أهم تلك الصفات التي نحاول تسليط الأضواء عليها في هذا المبحث، إيمانه بالله العظيم، وعلمه الراسخ، وكثرة دعاؤه وتضرعه لله تعالى.
1-عظمة إيمانه بالله تعالى:
كان إيمان الصديق بالله عظيماً، فقد فهم حقيقة الإيمان وتغلغلة كلمة التوحيد في نفسه وقلبه وانعكست آثارها على جوارحه وعاش بتلك الآثار في حياته، فتحلى بالأخلاق الرفيعة، وتطهر من الأخلاق الوضيعة وحرص على التمسك بشرع الله والاقتداء بهديه ? وكان إيمانه بالله تعالى باعثاً له على الحركة والهمة والنشاط والسعي، والجهد والمجاهدة، والجهاد والتربية، والاستعلاء والعزة، وكان في قلبه من اليقين والإيمان شيء عظيم لايساويه فيه أحد من الصحابة قال أبو بكر بن عياش: ماسبقهم أبو بكر بكثرة صلاة ولاصيام ولكن بشيء وقر في قلبه( )، ولهذا قيل: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح، كما في السنن عن أبي بكرة عن النبي ? قال: هل رأى أحد منكم رؤيا؟ فقال رجل أنا رأيت كأن ميزاناً نزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت بأبي بكر، ثم وزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر، ثم وزن عمر وعثمان فرجح عمر، ثم رفع الميزان -فاستاء لها رسول الله ? فقال: خلافة نبوة ثم يؤتى الله الملك من يشاء( ).
وعن أبي هريرة ? قال: صلى رسول الله صلاة الصبح ثم أقبل على الناس فقال: بينا رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها، فقالت: إنا لم نخلق لهذا، إنما خلقنا للحرث. فقال الناس: سبحان الله بقرة تتكلم؟ فقال: إني أؤمن بهذا أنا وأبو بكر وعمر. وماهما ثم. وبينما رجل في غنمه إذ عدا الذئب فذهب منها بشاة، فطلب حتى كأنه استنقذها منه، فقال له الذئب: هذا استنقذتها مني، فمن لها يوم السبع، يو لاراعي لها غيري؟ فقال الناس: سبحان الله، ذئب يتكلم؟ قال: فإني أؤمن بهذا أنا وأبو بكر وعمر. وماهما ثم( ). ومن شدة إيمانه والتزامه بشرع الله تعالى وصدقه وإخلاصه للإسلام أحبه النبي ?، وأصبحت تلك المحبة مقدمة عند النبي ? على غيره من الصحابة، فعن عمرو بن العاص ?: أن النبي ? بعثه على جيش ذات السلاسل، قال: فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. فقلت من الرجال؟ قال: أبوها. قلت ثم من؟ قال عمر بن الخطاب فعد رجالاً( ). وبسبب هذا الإيمان العظيم والتزامه بشرع الله القويم ولجهوده التي بذلها لنصرة دين رب العالمين استحق بشارة رسول الله بالجنة وأنه يدعى من جميع أبوابها، فعن أبي موسى الأشعري أنه توضأ في بيته ثم خرج فقلت: لألزمن رسول الله ولأكونن معه يومي هذا. قال فجاء المسجد فسأل عن النبي ? فقالوا: خرج ووجه هنا، فخرجت على أثره أسأل عنه حتى دخل بئر أريس، فجلست عند الباب وباب من جريد حتى قضى رسول الله حاجته فتوضأ، فقمت إليه، فإذا هو جالس على بئر أريس وتوسط قفها وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر، فسلمت عليه ثم انصرفت فجلست عند الباب فقلت: لأكونن بواب رسول الله اليوم، فجاء أبو بكر فدفع الباب، فقلت: من هذا فقال: أبو بكر. فقلت: على رسلك، ثم ذهبت فقلت: يارسول الله هذا أبو بكر يستأذن، فقال: ائذن له وبشره بالجنة، فأقبلت حتى قلت لأبي بكر: ادخل ورسول الله يبشرك بالجنة. فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله ? معه في القف ودلى رجليه في البئر كما صنع النبي ? وكشف عن ساقيه...( ) وعن أبي هريرة ? أن رسول الله ? قال: من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب الجنة: ياعبدالله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة. فقال أبو بكر ? ماعلى هذا يُدعى من تلك الأبواب من ضرورة، وقال: فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر( ).
2-علمه ?:
كان الصديق من أعلم الناس بالله وأخوفهم له( )، وقد اتفق أهل السنة على أن أبا بكر أعلم الأمة، وحكى الإجماع على ذلك غير واحد( )، وسبب تقدمه على كل الصحابة في العلم والفضل ملازمته للنبي ?، فقد كان أدوم اجتماعاً به ليلاً ونهاراً، وسفراً وحضراً، وكان يسمر عند النبي ? بعد العشاء، يتحدث معه في أمور المسلمين، دون غيره من أصحابه، وكان إذا استشار أصحابه أول من يتكلم أبو بكر في الشورى، وربما تكلم غيره، وربما لم يتكلم غيره، فيعمل برأيه وحده، فإذا خالفه غيره اتبع رأيه دون رأي من يخالفه( )، وقد استعمله النبي ? على أول حجة حجت من مدينة النبي ? وعلم المناسك أدق مافي العبادات، ولولا سعة علمه لم يستعمله، وكذلك الصلاة استخلفه عليها ولولا علمه لم يستخلفه ولم يستخلف غيره لا في حج ولا في صلاة، وكتاب الصدقة التي فرضها رسول الله أخذه أنس من أبي بكر وهو أصح ماروى فيها( ) وعليه اعتمد الفقهاء وغيرهم في كتابة ماهو متقدم منسوخ، فدل على أنه أعلم بالسنة الناسخة، ولم يحفظ له قول يخالف فيه نصاً، وهذا يدل على غاية البراعة والعلم، وفي الجملة لايعرف لأبي بكر مسألة في الشريعة غلط فيها، وقد عرف لغيرة مسائل كثيرة( )، وكان ? يقضي ويفتي بحضرة النبي ? ويقره، ولم تكن هذه المرتبة لغيرة وقد بينت ذلك في سلب أبي قتادة بحنين( )، وقد ظهر فضل علمه وتقدمه على غيره بعد وفاة الرسول ?، فإن الأمة لم تختلف في ولايته في مسألة إلا فصلها هو بعلم يبينه لهم وحجة يذكرها لهم من الكتاب والسنة، وذلك لكمال علم الصديق وعدله، ومعرفته بالأدلة التي تزيل النزاع، وكان إذا أمرهم أطاعوه. كما بين لهم موت النبي ? وتثبيتهم على الإيمان ثم بين لهم موضع دفنه، وبين لهم ميراثه، وبين لهم قتال مانعي الزكاة لما استراب فيه عمر، وبين لهم أن الخلافة في قريش، وتجهيز جيش أسامة، وبين لهم أن عبداً خيره الله بين الدنيا والآخرة هو رسول الله ?( ) وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه بإذن الله تعالى.
ولقد رأى رسول الله ? له رؤيا تدل على علمه، فعن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله ?: رأيت كأني أعطيت عُسّاً مملوءاً لبناً، فشربت منه حتى تملأت، فرأيتها تجري في عروقي بين الجلد واللحم، ففضلت منها فضلة، فأعطيتها أبا بكر. قالوا: يارسول الله، هذا علم أعطاكه الله حتى إذا تملأت منه، فضلت فضلة، فأعطيتها أبا بكر، فقال ?: قد أصبتم( ).
وكان الصديق ? يرى أن الرؤيا حق، وكان يجيد تأويلها وكان يقول إذا أصبح(من رأى رؤيا صالحة فليحدِّثنا بها وكان يقول لأن يرى رجل مسلم مسبغ الوضوء رؤيا صالحة أحب إلى من كذا وكذا( )، ومما عبره ? من الرؤى مايلي: عن ابن عباس ? أن رجلاً أتى رسول الله فقال: إني رأيت الليلة في المنام ظلَّة تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها، فالمستكثر والمستقِلُّ، وإذا سبب واصل من الأرض إلى السماء، فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع، ثم وُصِلَ، فقال أبو بكر: يارسول الله، بأبي أنت، والله لتدَعنِّي فأعبُرَها. فقال النبي ?: اعْبُرْ. قال: أما الظُّلَّة فالإسلام، وأما الذي ينطف من العسل والسمن فالقرآن، حلاوته تنطف فالمستكثر من القرآن، والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه، تأخذ به فيُعليك الله، ثم يأخذ به رجل من بعدك فيعلو به، ثم يأخذ رجل آخر فيعلو به، فأخبرني يارسول الله، بأبي أنت، أصبت أم أخطأت؟ قال النبي ?: أصبت بعضا وأخطأت بعضا قال: فوالله لتحَدَثَنِّي بالذي أخطأت. قال: لاتُقسم( ) وعن عائشة رضي الله عنها أنها رأت كأنه وقع في بيتها ثلاثة أقمار، فقصتها على أبي بكر- وكان من أعبر الناس فقال: إن صدقت رؤياك ليُدْفَنَنَّ في بيتك من خير أهل الأرض ثلاثة. فلما قبض النبي ? قال ياعائشة هذا خيرُ أقمارك( )، فقد كان الصديق ? أعبر هذه الأمة بعد نبيها( ).
ومع كونه ? من أعلم الصحابة إلا أنه من أبعد الناس عن التكلف، فعن ابراهيم النخعي قال: قرأ أبو بكر الصديق {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} (سورة عبس: آية31) فقيل ماالأب: فقيل كذا وكذا فقال أبو بكر: إن هذا لهو التكلف، أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله مالا أعلم( ).
3-دعاؤه وشدة تضرعه ? :
إن الدعاء باب عظيم، فإذا فتح للعبد تتابعت عليه الخيرات وانهالت عليه البركات، ولذلك حرص الصديق على حسن الصلة بالله وكثرة الدعاء، كما أن الدعاء من أعظم وأقوى عوامل النصر على الأعداء قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (سورة غافر، آية:60) . وقال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (سورة البقرة، آية:186).
ولقد لازم الصديق رسول الله ? ورأى كيف كان رسول الله يستغيث بالله ويستنصره ويطلب المدد منه وقد حرص الصديق على أن يتعلم هذه العبادة من رسول الله، وأن يكون دعاؤه وتسبيحه على الصيغة التي يأمر بها رسول الله ? ويرتضيها، إذ ليس للمسلم أن يفضل على الصيغة المأثورة في الدعاء والتسبيح والصلاة على النبي صيغاً أخرى، مهما كانت في ظاهرها حسنة اللفظ، جيدة المعنى، لأن رسول الله ? هو معلم الخير، والهادي إلى الصراط المستقيم، وهو أعرف بالأفضل والأكمل( )، وقد جاء في الصحيحين: أن أبا بكر الصديق ? قال: يارسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولايغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم( ).
ففي هذا الدعاء وصف العبد لنفسه المقتضى حاجته إلى المغفرة، وفيه وصف ربه الذي يوجب، أنه لايقدر على هذا المطلوب غيره، وفيه التصريح بسؤال العبد لمطلوبه، وفيه بيان المقتضى للإجابة، وهو وصف الرب بالمغفرة، والرحمة، فهذا ونحوه أكمل أنواع الطلب( ) وجاء في السنن عن أبي بكر ? قال: يارسول الله، علمني دعاء أدعو به إذا أصبحت وإذا أمسيت، فقال: قل: اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشركه، وأن اقترف على نفسي سوءاً أو أجره إلى مسلم. قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك( ).
فقد تعلم الصديق من رسول الله ? أنه ليس لأحد أن يظن استغناءه عن التوبة إلى الله والإستغفار من الذنوب، بل كل أحد محتاج إلى ذلك دائماً قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا?لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا?} (سورة الأحزاب، آية:72-73) فالإنسان ظالم جاهل وغاية المؤمنين والمؤمنات التوبة، وقد أخبر الله تعالى في كتابه بتوبة عباده الصالحين ومغفرته لهم. وثبت في الصحيحين عن النبي ? أنه قالSadلن يدخل الجنة أحد بعلمه) قالوا: ولا أنت يارسول الله؟ قال: (ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته)( ) وهذا لاينافي قوله تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} (سورة الحاقة، آية:24) فإن الرسول نفيى باء المقابلة والمعادلة والقرآن أثبت باء السبب، وقول من قال: إذا أحب الله عبداً لم تضره الذنوب، معناه: أنه إذا أحب عبداً ألهمه التوبة والاستغفار فلم يصر على الذنوب، ومن ظن أن الذنوب لاتضر من أصر عليها فهو ضال مخالف للكتاب والسنة، وإجماع السلف والأئمة، فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره( ).
كان أبو بكر دائم الذكر لله تعالى شديد التضرع كثير التوجه لله، لاينفك عن الدعاء في كل أحيانه وقد نقل إلينا بعض أدعيته وتضرعاته ومنها:
أ-أسألك تمام النعمة في الأشياء كلها، والشكر لك عليها حتى ترضى، وبعد الرضى، والخيرة في جميع ماتكون إليه الخَيَرةُ، بجميع ميسور الأمور كلها، لابمعسورها ياكريم( ).
ب- وكان يقول في دعائه: اللهم إني أسألك الذي هو خير لي في عاقبة الخير،اللهم اجعل آخر ماتعطيني من الخير رضوانك والدرجات العلا من جنات النعيم( ) .
جـ-وكان يقول في دعائه: اللهم اجعل خير عمري آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيامي يوم ألقاك( ).
د-وكان إذا سمع أحداً يمدحه من الناس يقولSadاللهم أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم أجعلني خيراً مما يظنون، واغفر لي مالايعلمون، ولاتؤاخذني بما يقولون)( ).
هذه بعض أهم صفاته وشيء من فضائله مررنا عليها بالإيجاز وسوف نرى أثر التربية النبوية على الصديق بعد وفاته، وكيف قام مقاماً لم يقمه غيره بفضل الله وتوفيقه ثم تربيته العميقة وإيمانه العظيم وعلمه الراسخ وتتلمذه على يدي رسول الله ? فقد أحسن الجندية وقطع مراحلها وأشواطها برفقة قائده العظيم عليه أفضل الصلاة والسلام، فلما أصبح خليفة للأمة استطاع أن يقود سفينة الإسلام إلى شاطئ الأمان، رغم العواصف الشديدة، والأمواج المتلاطمة، والفتن المظلمة.








الفصل الثاني
وفاة الرسول، وسقيفة بني ساعدة، وجيش أسامة


المبحث الأول
وفاة الرسول وسقيفة بني ساعدة


أولاً: وفاة الرسول:
إن الأرواح الشفافة الصافية لتدرك بعض مايكون مخبوءاً وراء حجب الغيب بقدرة الله تعالى، والقلوب الطاهرة المطمئنة لتحدِّث صاحبها بما عسى أن يحدث له فيما يستقبل من الزمان، والعقول الذكية المستنيرة بنور الإيمان لتدرك ماوراء الألفاظ والأحداث من إشارات وتلميحات ولنبينا محمد ? من هذه الصفات الحظ ا
Back to top Go down
سلمى العربيه
عربي مميز
عربي مميز


عدد المساهمات: 250
تاريخ التسجيل: 2010-01-18

PostSubject: Re: الصحابه رضوان الله عليهم   Tue Jan 19, 2010 8:09 am

5-حديث الأئمة من قريش وموقف الأنصار منه:
ورد حديث الأئمة من قريش في الصحيحين، وكتب الحديث الأخرى، بألفاظ متعددة، ففي صحيح البخاري عن معاوية قال: قال رسول الله ?: إن هذا الأمر في قريش لايعاديهم أحد إلا أكبه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين( ) وفي صحيح مسلم لايزال الإسلام عزيزاً بخلفاء كلهم من قريش( ) وعن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله ?: لايزال هذا الأمر في قريش مابقي منهم اثنان( )، وقال رسول الله ?: الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم( ) وعن بكير بن وهب الجزري قال: قال لي أنس بن مالك الأنصاري: أحدثك حديثاً ما أحدثه كل أحد، كنا في بيت من الأنصار فجاء النبي ? حتى وقف فأخذ بعضادتي الباب( )، فقال: الأئمة من قريش إن لهم عليكم حقاً، ولكم عليهم حقا مثل ذلك، ما إن استرحموا فرحموا وإن عاهدوا أوفوا وإن حكموا عدلوا( ) وفي فتح الباري أورد ابن حجر أحاديث كثيرة تحت باب الأمراء من قريش أسندها إلى كتب السنن والمسانيد والمصنفات( )، فالأحاديث في هذا الباب كثيرة لايكاد يخلوا منها كتاب من كتب الحديث، وقد رويت بألفاظ متعددة، إلا أنها متقاربة تؤكد جميعها أن الإمرة المشروعة في قريش، ويقصد بالإمرة الخلافة فقط أما ماسوى ذلك فتساوى فيه جميع المسلمين( )، وبمثل ما أوضحت الأحاديث النبوية الشريفة أن أمر الخلافة في قريش فإنها حذرت من الإنقياد الأعمى لهم، وأن هذا الأمر فيهم ما أقاموا الدين كما سلف في حديث معاوية وكما جاء في حديث أنس: إن استرحموا فرحموا، وإن عاهدوا أوفوا، وإن حكموا عدلوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين( )، وبهذا حذرت الأحاديث من اتباع قريش إن زاغوا عن الحكم بما أنزل الله فإن لم يمتثلوا ويطبقوا مثل هذه الشروط، فإنهم سيصبحون خطراً على الأمة وحذرت الأحاديث الشريفة من اتباعهم على غير ما أنزل الله ودعت إلى اجتنابهم والبعد عنهم واعتزالهم، لما سيترتب على مؤازرتهم آنذاك من مخاطر على مصير الأمة قال ?: إن هلاك أمتي أو فساد أمتي رؤوس أغيلمة سفهاء من قريش( )، وعندما سئل ?: فما تأمرنا قال ?: لو أن الناس اعتزلوهم( ).
ومن هذه النصوص تتضح الصورة لمسألة الأئمة من قريش، وأن الأنصار انقادوا لقريش ضمن هذه الضوابط وعلى هذه الأسس، وهذا ما أكدوه في بيعاتهم لرسول الله على السمع والطاعة، والصبر على الأثرة، وأن لاينازعوا الأمر أهله، إلا أن يروا كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان( )، فقد كان للأنصار تصور تام عن مسألة الخلافة، وأنها لم تكن مجهولة عندهم، وأن حديث الأئمة من قريش كان يرويه كثير منهم، وأن الذين لايعلمونه سكتوا عندما رواه لهم أبو بكر الصديق ولهذا لم يراجعه أحد من الأنصار عندما استشهد به، فأمر الخلافة تم بالتشاور والاحتكام إلى النصوص الشرعية والعقلية التي أثبتت أحقية قريش بها، ولم يسمع عن أحد من الأنصار بعد بيعة السقيفة أنه دعا نفسه بالخلافة، مما يؤكد اقتناع الأنصار وتصديقهم لما تمّ التوصل إليه من نتائج( )، وبهذا يتهافت ويسقط قول من قال أن حديث الأئمة من قريش شعار رفعته قريش لاستلاب الخلافة من الأنصار أو أنه: رأي لأبي بكر وليس حديثاً رواه عن الرسول، وإنما كان فكراً سياسياً قرشياً، كان شائعاً في ذلك العصر يعكس ثقل قريش في المجتمع العربي في ذلك الحين، وعلى هذا فإن نسبة هذه الأحاديث إلى أبي بكر وأنها شعار لقريش، ماهي إلا صورة من صورة التشويه التي يتعرض لها تاريخ العصر الراشدي وصدر الإسلام الذي قام أساساً على جهود المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان، وعلى روابط الأخوة المتينة بين المهاجرين والأنصار حتى قال فيهم أبو بكر نحن والأنصار كما قال القائل:
أبو أن يملونا ولو أن أمنا
تلاقي الذين يلقون منا لملت( )
6-الآيات القرآنية التي فيها إشارة إلى خلافة الصديق:
وردت آيات في كتاب الله عزوجل فيها الإشارة إلى أن أبا بكر الصديق ? أحق الناس في هذه الأمة بخلافة سيد الأولين والآخرين وتلك الآيات هي:
أ-قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ?صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ?} (سورة الفاتحة، آية:6-7). ووجه الدلالة أن أبا بكر ? فيمن أمر الله -جلاوعلا- عباده أن يسألوه أن يهديهم طريقهم وأن يسلك بهم سبيلهم وهم الذين أنعم الله عليهم وذكر منهم الصديقين في قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} (سورة النساء، آية:69). وقد أخبر المصطفى ? أن أبا بكر ? من الصديقين، فدل ذلك على أنه واحد منهم بل هو المقدم فيهم ولما كان أبو بكر ? ممن طريقهم هو الصراط المستقيم فلا يبقى أي شك لدى العاقل في أنه أحق خلق الله في هذه الأمة بخلافة المصطفى ?( ). قال محمد بن عمر الرازي: قوله:{ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ?صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ?} يدل على إمامة أبي بكر ? لأنا ذكرنا أن تقدير الآية: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم والله تعالى قد بين في آية أخرى أن الذين أنعم الله عليهم من هم؟ فقال: {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ} الآية ولاشك أن رأس الصديقين ورئيسهم أبو بكر الصديق ? فكان معنى الآية أن الله أمرنا أن نطلب الهداية التي كان عليها أبو بكر الصديق وسائر الصديقين ولو كان أبو بكر ظالاً لما جاز الاقتداء به فثبت بما ذكرناه دلالة هذه الآية على إمامة أبي بكر ?( ).
وقال محمد الأمين الشنقيطي: يؤخذ من هذه الآية الكريمة صحة إمامة أبي بكر الصديق ? لأنه داخل فيمن أمرنا الله في السبع المثاني والقرآن العظيم
-أعني الفاتحة- بأن نسأله أن يهدينا صراطهم فدل على أن صراطهم هو الصراط المستقيم وذلك في قوله تعالى{اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم} وقد بين الذين أنعم عليهم فعد منهم الصديقين وقد بين ? أن أبا بكر ? من الصديقين فاتضح أنه داخل في الذين أنعم الله عليهم الذين أمرنا الله أن نسأله الهداية إلى صراطهم فلم يبق لبس في أن أبا بكر الصديق ? على الصراط المستقيم وإن إمامته حق( ).
ب-قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (سورة المائدة، آية:54).
هذه الصفات المذكورة في هذه الآية الكريمة أول من تنطبق عليه أبو بكر الصديق ? وجيوشه من الصحابة الذين قاتلوا المرتدين فقد مدحهم الله بأكمل الصفات ووجه دلالة الآية على خلافة الصديق أنه (كان في علم الله سبحانه وتعالى مايكون بعد وفاة رسول الله ? من ارتداد قوم فوعد سبحانه -ووعده صدق- أنه يأتي بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولايخافون لومة لائم، فلما وجد ماكان في علمه من ارتداد من ارتد بعد وفاة رسول الله وجد تصديق وعده بقيام أبي بكر الصديق ? بقتالهم فجاهد بمن أطاعه من الصحابة من عصاه من الأعراب، ولم يخف في الله لومة لائم حتى ظهر الحق وزهق الباطل وصار تصديق وعده بعد وفاة رسوله ? آية للعالمين ودلالة على صحة خلافة الصديق ?( ).
جـ-قال تعالى: {إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (سورة التوبة، آية:40).
قال أبو عبدالله القرطبي: قال بعض العلماء في قوله تعالى:{ثاني اثنين إذ هما في الغار} مايدل على أن الخليفة بعد النبي ? أبو بكر الصديق ? لأن الخليفة لايكون أبداً إلا ثانياً وسمعت شيخنا أبا العباس أحمد بن عمر يقول: إنما استحق أن يقال ثاني اثنين لقيامه بعد النبي ? بالأمر كقيام النبي ? به أولاً، وذلك أن النبي ? لما مات ارتدت العرب كلها ولم يبقى الإسلام إلا بالمدينة وجواثا( )، فقام أبو بكر يدعو الناس إلى الإسلام ويقاتلهم على الدخول في الدين كما فعل النبي ? فاستحق من هذه الجهة أن يقال في حقه ثاني اثنين( ).
ح- قال تعالى : {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (سورة التوبة، آية:100) الآية ووجه دلالة الآية على أحقية الصديق بالإمامة بعد النبي ? أن الهجرة فعل شاق على النفس ومخالف للطبع فمن أقدم عليه أولاً صار قدوة لغيره في هذه الطاعة وكان ذلك مقوياً لقلب الرسول عليه الصلاة والسلام وسبباً لزوال الوحشة عن خاطره وكذلك السبق في النصرة فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة فلاشك أن الذين سبقوا إلى النصرة والخدمة فازوا بمنصب عظيم وإذا ثبت هذا فإن أسبق الناس إلى الهجرة أبو بكر الصديق فإنه كان في خدمة المصطفى عليه الصلاة والسلام وكان مصاحباً له في كل مسكن وموضع فكان نصيبه من هذا المنصب أعلى من نصيب غيره وإذا ثبت هذا صار محكوماً عليه بأنه رضي الله عنه ورضي هو عن الله وذلك في أعلى الدرجات من الفضل، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون إماماً حقاً بعد رسول الله ? فصارت هذه الآية من أدل الدلائل على فضل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وعلى صحة إمامتهما( ).
خ- قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (سورة النور، آية:55).
هذه الآية منطبقة على خلافة الصديق ? وعلى خلافة الثلاثة بعده فلما وجدت هذه الصفة من الاستخلاف والتمكين في أمر أبي بكر وعمر وعثمان وعلي دل ذلك على أن خلافتهم حق( )، وقال الحافظ بن كثير: وقال بعض السلف خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما حق في كتاب الله ثم تلا هذه الآية( ).
د-قال تعالى: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (سورة الفتح، آية:16) قال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالىSadوقد دل على إمامة أبي بكر في سورة براءة فقال للقاعدين عن نصرة نبيه عليه السلام والمتخلفين عن الخروج معه : {فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ} (سورة التوبة، آية:83). وقال في سورة أخرى: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ} يعني الى قوله: {لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا} ثم قال الله تعالى {كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلا قَلِيلا} وقال تعالى: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا} -يعني تعرضوا عن إجابة الداعي لكم الى قتالكم- كما {تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (سورة الفتح، آيتان:
15-16). والداعي لهم إلى ذلك غير النبي ? قال الله -عزوجل- له {فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا} وقال في سورة الفتح: {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ} فمنعهم عن الخروج مع نبيه عليه السلام وجعل خروجهم معه تبديلاً لكلامه فوجب بذلك أن الداعي الذي يدعوهم إلى القتال داع يدعوهم بعد نبيه ?( )، وقد قال مجاهد في قوله: {أُولِي بَأْسٍ شَدِيد}. هم فارس والروم وبه قال الحسن البصري. قال عطاء: هم فارس وهو أحد قولي ابن عباس ?، وفي رواية أخرى عنه أنهم بنو حنيفة يوم اليمامة فإن كانوا أهل اليمامة فقد قوتلوا في أيام أبي بكر: وهو الداعي إلى قتال مسيلمة وبني حنيفة من أهل اليمامة، وإن كانوا أهل فارس والروم( )، فقد قوتلوا في أيام أبي بكر وقاتلهم عمر من بعده وفرغ منهم وإذا وجبت إمامة عمر وجبت إمامة أبي بكر كما وجبت إمامة عمر لأنه العاقد له الإمامة فقد دل القرآن على إمامة الصديق والفاروق رضي الله عنهما، وإذا وجبت إمامة أبي بكر بعد رسول الله ? وجب أنه أفضل المسلمين ?( ).
هـ- قال تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} (سورة الحشر، الآية: Cool.
وجه دلالة هذه الآية على خلافته ? أن الله عز وجل سماهم (صادقين) ومن شهد له الرب - جل وعلا- بالصدق فإنه لايقع في الكذب ولا يتخذه خلقاً بحال وقد أطبق هؤلاء الموصوفون بالصدق على تسمية الصديق ? (خليفة رسول الله)( ) ? ومن هنا كانت الآية دالة على ثبوت خلافته ?( ).
7- الأحاديث التي أشارت الى خلافة أبي بكر ?:
وأما الأحاديث النبوية التي جاء التنبيه فيها على خلافة أبي بكر ? فكثيرة شهيرة متواترة ظاهرة الدلالة إما على وجه التصريح أو الإشارة ولاشتهارها وتواترها صارت معلومة من الدين بالضرورة بحيث لايسع أهل البدعة إنكارها( ) ومن تلك الأحاديث.
أ- عن جبير بن مطعم قال: أتت امرأة النبي ? فأمرها أن ترجع إليه قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك - كأنها تقول الموت- قال ? إن لم تجديني فأتي أبابكر( ).
قال ابن حجر: وفي الحديث أن مواعيد النبي ? كانت على من يتولى الخلافة بعده تنجيزها وفيه رد على الشيعة في زعمهم أنه نص على استخلاف علي والعباس( ).
ب- عن حذيفة قال: كنا عند النبي ? جلوساً فقال: إني لا أدري ماقدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي وأشار الى أبي بكر وعمر (وتمسكوا بعهد عمار وماحدثكم ابن مسعود فصدقوه)( ).
فقوله ?: (اقتدوا باللذين من بعدي) أي: بالخيلفتين اللذين يقومان من بعدي وهما أبوبكر وعمر وحث على الاقتداء بهما لحسن سيرتهما وصدق سريرتهما، وفي الحديث إشارة لأمر الخلافة( ).
ت- عن أبي هريرة ? عن رسول الله قال: بينما أنا نائم أريت أني أنزع على حوضي أسقي الناس فجاءني أبوبكر فأخذ الدلو من يدي ليروحني فنزع الدلوين وفي نزعه ضعف والله يغفر له فجاء ابن الخطاب فأخذ منه فلم أر نزع رجل قط أقوى منه حتى تولى الناس والحوض ملآن يتفجر( ).
قال الشافعي رحمه الله: رؤيا الأنبياء وحي وقوله: وفي نزعه ضعف قصر مدته وعجلة موته وشعله بالحرب لأهل الردة عن الافتتاح والتزيد الذي بلغه عمر في طول مدته( ).
ث- قالت عائشة: قال لي رسول الله ? في مرضه: (ادعي لي أبابكر، وأخاك حتى أكتب كتاباً فإني أخاف أن يتمى متمن ويقول قائل: أنا أولى. ويأبى الله والمؤمنون إلا أبابكر)( ).
دل هذا الحديث دلالة واضحة على فضل الصديق ? حيث أخبر النبي ? بما سيقع في المستقبل بعد التحاقه بالرفيق الأعلى وأن المسلمين يأبون عقد الخلافة لغيره ? وفي الحديث إشارة أنه سيحصل نزاع ووقع كل ذلك كما أخبر عليه الصلاة والسلام ثم اجتمعوا على أبي بكر ?( ).
ج- عن عبيد الله بن عبدالله قال: دخلت على عائشة فقلت لها: ألا تحديثيني عن مرض رسول الله ? قالت: بلى ثقل النبي ? فقال: أصلى بالناس. قلنا: لا وهم ينتظرونك يارسول الله. قال: ضعوا لي ماء في المخضب( ). ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء( )، فأغمى عليه ثم أفاق فقال: أصلى الناس. قلنا: لا وهم ينتظرونك يارسول الله فقال: ضعوا لي ماء في المخضب ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمى عليه ثم أفاق فقال: أصلى الناس. قلنا: لا وهم ينتظرونك يارسول الله؟ قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله ? لصلاة العشاء الآخرة قالت: فأرسل رسول الله ? الى أبي بكر أن يصلي بالناس فأتان الرسول فقال: إن رسول الله ? يأمرك أن تصلي بالناس فقال: أبوبكر، وكان رجلاً رقيقاً: ياعمر صلِ بالناس قال: فقال: عمر أنت أحق بذلك قالت: فصلى بهم أبوبكر تلك الأيام ثم إن رسول الله ? وجد في نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر وأبوبكر يصلي بالناس فلما رآه أبوبكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه النبي ? أن لا يتأخر وقال لهما: أجلساني الى جنبه. فأجلساه الى جنب أبي بكر وكان أبوبكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي ? والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي ? قاعد. قال عبيدالله: فدخلت على عبدالله بن عباس فقلت له: ألا أعرض عليك ماحدثتني عائشة عن مرض رسول الله ? قال: هات فعرضت حديثها عليه فما أنكر منه شيئاً غير أنه قال: أسمت لك الرجل الذي كان مع العباس قلت: لا قال: هو علي( ).
هذا الحديث اشتمل على فوائد عظيمة منها: فضيلة أبي بكر الصديق ? وترجيحه على جميع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وتفضيله، وتنبيه على أنه أحق بخلافة رسول الله ? من غيره ومنها أن الإمام إذا عرض له عذر عن حضور الجماعة استخلف من يصلي بهم وأنه لا يستخلف إلا أفضلهم، ومنها فضيلة عمر بعد أبي بكر ? لأن أبابكر ? لم يعدل الى غيره( ).
د- قال عبدالله بن مسعود ?: لما قبض رسول الله ? قالت الأنصار:منا أمير ومنكم أمير قال: فأتاهم عمر ? فقال: يامعشر الأنصار، ألستم تعلمون أن رسول الله ? قد أمر أبابكر يؤم الناس فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبابكر ? فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبابكر( ).
هـ- روى ابن سعد بإسناده الى الحسن قال: قال علي: لما قبض النبي ? نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي ? قد قدم أبابكر في الصلاة فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله ? لديننا فقدمنا أبابكر( ).
وقد علق أبو الحسن الأشعري على تقديم رسول الله ? لأبي بكر في الصلاة فقال: وتقديمه له أمر معلوم بالضرورة من دين الاسلام قال: وتقديمه له دليل على أنه أعلم الصحابة وأقرؤهم لما ثبت في الخبر المتفق على صحته بين العلماء: أن رسول الله ? قال: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنّة، فإن كانوا في السنّة سواء فأكبرهم سناً، فإن كانوا في السن سواء فأقدمهم إسلاماً) - قال ابن كثير- وهذا من كلام الأشعري رحمه الله مما ينبغي أن يكتب بماء الذهب ثم قد اجتمعت هذه الصفات كلها في الصديق ? وأرضاه( ).
هذا ولأهل السنّة قولان في إمامة أبي بكر ? من حيث الإشارة إليها بالنص الخفي أو الجلي، فمنهم من قال: إن إمامة أبي بكر ? ثابتة بالنص الخفي والإشارة وهذا القول ينسب الى الحسن البصري رحمه الله تعالى وجماعة من أهل الحديث( )، وهو رواية عن الامام أحمد بن حنبل( )، رحمة الله عليه واستدل أصحاب هذا القول بتقديم النبي ? له في الصلاة وبأمره ? بسد الأبواب إلا باب أبي بكر، ومنهم من قال: إن خلافة أبي بكر ? ثابتة بالنص الجلي وهذا قول طائفة من أهل الحديث( )، وبه قال أبومحمد بن حزم الظاهري( )، واستدل هذا الفريق بحديث المرأة التي قال لها: إن لم تجديني فأتي أبابكر( )، وبقوله لعائشة رضي الله عنها: ادعي لي أبابكر وأخاك حتى أكتب كتاباً فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبابكر( )، وحديث رؤياه ?: أنه على حوض يسقى الناس فجاء أبوبكر فنزع الدلو من يده ليروحه)( ).
والذي أميل إليه ويظهر لي من خلال البحث: أن المصطفى ? يأمر المسلمين بأن يكون الخليفة عليهم من بعده أبابكر ? وإنما دلهم عليها لإعلام الله سبحانه وتعالى له بان المسلمين سيختارونه لما له من الفضائل العالية التي ورد بها القرآن والسنّة وفاق بها غيره من جميع الأمة المحمدية ? وأرضاه( ).
قال ابن تيمية رحمه الله: والتحقيق أن النبي ? دل المسلمين على استخلاف أبي بكر وأرشدهم إليه بأمور متعددة من أقوله وأفعاله وأخبر بخلافته إخبار رضي بذلك حامد له وعزم على أن يكتب بذلك عهداً ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه فترك الكتاب اكتفاء بذلك... فلو كان التعيين مما يشتبه على الأمة لبينه رسول الله ? بياناً قاطعاً للعذر ولكن لما دلهم دلالات متعددة على أن أبابكر هو المتعين وفهموا ذلك حصل المقصورد ولهذا قال عمر بن الخطاب في خطبته التي خطبها بمحضر من المهاجرين والأنصار: وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر...) الى أن قال: (فخلافة أبي بكر الصديق دلت النصوص الصحيحة على صحتها وثبوتها ورضا الله ورسوله ? له بها وانعقدت بمبايعة المسلمين له واختيارهم إياه اختياراً استندوا فيه الى ماعملوه من تفضيل الله ورسوله فصارت ثابتة بالنص والإجماع جميعاً لكن النص دل على رضا الله ورسوله بها وأنها حق وأن الله أمر بها وقدرها وأن المؤمنين يختارونها وكان هذا أبلغ من مجرد العهد بها لأنه حينئذ كان يكون طريق ثبوتها مجرد العهد، وأما إذا كان المسلمون قد اختاروه من غير عهد ودلت النصوص على صوابهم فيما فعلوه ورضا الله ورسوله بذلك كان ذلك دليلاً على أن الصديق كان فيه من الفضائل التي بان بها عن غيره ماعلم المسلمون به أنه أحقهم بالخلافة فإن ذلك لايحتاج فيه الى عهد خاص( ).
8- انعقاد الإجماع على خلافة الصديق ?:
أجمع أهل السنّة والجماعة سلفاً وخلفاً على أن أحق الناس بالخلافة بعد النبي ? أبوبكر الصديق ? لفضله وسابقته ولتقديم النبي ? إياه في الصلوات على جميع الصحابة وقد فهم أصحاب النبي ? مراد المصطفى عليه الصلاة والسلام من تقديمه في الصلاة فأجمعوا على تقديمه في الخلافة ومتابعته ولم يتخلف منهم أحد ولم يكن الرب جل وعلا ليجمعهم على ضلالة فبايعوه طائعين وكان لأوامره ممتثلين ولم يعارض أحد في تقديمه( )، فعندما سئل سعيد بن زيد متى بويع أبوبكر؟ قال: يوم مات رسول الله ?: كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة( )، وقد نقل جماعة من أهل العلم المعتبرين إجماع الصحابة ومن جاء بعدهم من أهل السنّة والجماعة على أن أبابكر ? أولى بالخلافة من كل أحد( ) وهذه بعض أقوال أهل العلم:
أ- قال الخطيب البغدادي -رحمه الله- أجمع المهاجرون والأنصار على خلافة أبي بكر قالوا له: ياخليفة رسول الله ولم يسم أحد بعده خليفة، وقيل: إنه قبض النبي ? عن ثلاثين ألف مسلم كل قال لأبي بكر: ياخليفة رسول الله ورضوا به من بعده رضي الله عنهم( ).
ب- وقال ابو الحسن الأشعري: أثنى الله -عز وجل- على المهاجرين والأنصار والسابقين الى الاسلام، ونطق القرآن بمدح المهاجرين والأنصار في مواضع كثيرة وأثنى على أهل بيعة الرضوان فقال عز وجل: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} (سورة الفتح، الآية 18). قد أجمع هؤلاء الذين أثنى الله عليهم ومدحهم على إمامة أبي بكر الصديق ? وسموه خليفة رسول الله وبايعوه وانقادوا له وأقروا له بالفضل وكان أفضل الجماعة في جميع الخصال التي يستحق بها الإمامة من العلم والزهد وقوة الرأي وسياسة الأمة وغير ذلك( ).
جـ-وقال عبدالملك الجويني: أما إمامة أبي بكر ? فقد ثبتت بإجماع الصحابة فإنهم أطبقوا على بذل الطاعة والإنقياد لحكمه ... وماتخرص به الروافض من إبداء علي شراساً( )، وشماساً( ) في عقد البيعة له كذب صريح، نعم لم يكن ? في السقيفة وكان مستخلياً بنفسه قد استفزه الحزن على رسول الله ? ثم دخل فيما دخل الناس فيه وبايع أبا بكر على ملأ من الأشهاد( ).
د-وقال أبو بكر الباقلاني في معرض ذكره للإجماع على خلافة الصديق ?: وكان ? مفروض الطاعة لإجماع المسلمين على طاعته وإمامته وانقيادهم له حتى قال أمير المؤمنين علي عليه السلام مجيبا لقوله ? لما قال: أقيلوني فلست بخيركم، فقال: لانقيلك ولانستلقيلك قدمك رسول الله ? لديننا ألا نرضاك لدنيانا يعني بذلك حين قدمه للإمامة في الصلاة مع حضوره وإستنابته في إمارة الحج فأمرك علينا وكان ? أفضل الأمة وأرجحهم إيماناً وأكملهم فهماً وأوفرهم علماً( ).
9-منصب الخلافة والخليفة:
الخلافة الإسلامية هي المنهج الذي اختارته الأمة الإسلامية وأجمعت عليه طريقةً وأسلوباً للحكم تنظم من خلاله أمورها وترعى مصالحها، وقد ارتبطت نشأة الخلافة بحاجة الأمة لها واقتناعها بها، ومن ثم كان إسراع المسلمين في اختيار خليفة لرسول الله ?، يقول الإمام أبو الحسن الماوردي: إن الله جلت قدرته ندب للأمة زعيماً خلف به النبوة وحاط به الملة، وفوض إليه السياسة ليصدر التدبير عن دين مشروع، وتجتمع الكلمة على رأي متبوع، فكانت الإمامة أصلاً عليه استقرت قواعد الملة وانتظمت به مصالح العامة حتى استثبتت به الأمور العامة، وصدرت عنه الولايات الخاصة( ).
لقد كان على الأمة الإسلامية أن تواجه الموقف الصعب الذي نشأ عن انتقال الرسول ? إلى الرفيق الأعلى، وأن تحسم أمورها بسرعة وحكمة وألا تدع مجالاً لانقسام قد يتسرب منه الشك إلى نفوس أفرادها أو للضعف أن يتسلل إلى أركان البناء الذي شيده رسول الله ?( ).
ولما كانت الخلافة هي نظام حكم المسلمين فقد استمدت أصولها من دستور المسلمين، من القرآن الكريم ومن سنّة النبي ?( )، وقد تحدث الفقهاء عن أسس الخلافة الاسلامية فقالوا بالشورى والبيعة وهما أصلاً قد أشير إليهما في القرآن الكريم( )، ومنصب الخلافة أحياناً يطلق عليه لفظ الامامة أو الإمارة وقد أجمع المسلمون على وجوب الخلافة، وأن تعيين الخليفة فرض على المسلمين يرعى شؤون الأمة ويقيم الحدود ويعمل على نشر الدعوة الاسلامية وعلى حماية الدين والأمة بالجهاد وعلى تطبيق الشريعة وحماية حقوق الناس ورفع المظالم وتوفير الحاجات الضرورية لكل فرد. وهذا ثابت بالقرآن والسنّة والإجماع( ).
وقد قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} (سورة النساء، الآية: 59).
وقال تعالى: {يَادَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} (سورة ص، الآية: 26).
وقال ?: من خلع يداً من طاعة لقى الله يوم القيامة لاحجة له( ) ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية( ).
وأما الاجماع فالصحابة رضوان الله عليهم لم ينتظروا حتى يتم دفن الرسول ? وتوافدوا للاتفاق على إمام أو خليفة وعلل أبوبكر قبول هذه الأمانة وهو خوفه أن تكون فتنة أي من عدم تعيين خليفة للمسلمين( ) قال الشهرستاني في ذلك: (مادار في قلبه ولا في قلب أحد أنه يجوز خلو الأرض من إمام) فدل ذلك كله على أن الصحابة وهم الصدر الأول كانوا على بكرة أبيهم متفقين على أنه لابد من إمام، فذلك الإجماع على هذا الوجه دليل قاطع على وجوب الامام( ).
هذا وليس صحيحاً مايروجه الحاقدون أن الطمع في الرئاسة سبب الانشغال بالخلافة عن دفن النبي ?( ).
هذا وقد عرّف ابن خلدون الخلافة: (هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع الى اعتبارها بمصالح الآخرة فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة هذا الدين وسياسة الدنيا به)( ).
وقد تحدث العلامة ابوالحسن الندوي عن شروط خلافة النبي ومتطلباتها، وقد أثبت بالأدلة والحجج من خلال سيرة الصديق بأن أبابكر كانت شروط خلافة النبي متحققة فيه ونذكر هذه الشروط بإيجاز وبدون ذكر الشواهد التي ذكرها الندوي وقد بينتها في هذا الكتاب متناثرة، فأهم هذه الشروط:
أ- يمتاز بأنه ظل طول حياته بعد الاسلام متمتعاً بثقة رسول الله ? به وشهادته له، واستخلافه إياه في القيام ببعض أركان الدين الأساسية، وفي مهمات الأمور، والصحبة في مناسبات خطرة دقيقة لايستصحب فيها الإنسان إلا من يثق به كل الثقة، ويعتمد عليه كل الاعتماد.
ب- يمتاز هذا الفرد بالتماسك والصمود في وجه الاعاصير والعواصف التي تكاد تعصف بجوهر الدين ولبه، وتحبط مساعي صاحب رسالته، وتنخلع لها قلوب كثير ممن قوى إيمانهم وطالت صحبتهم، ولكن يثبت هذا لفرد في وجهها ثبوت الجبال الراسيات، ويمثل دور خلفاء الأنبياء الصادقين الراسخين، ويكشف الغطاء عن العيون، وينفض الغبار عن جوهرة الدين وعقيدته الصحيحة.
ج- يمتاز هذا الفرد في فهمه الدقيق الاسلام، ومعايشته له في حياة النبي ? على اختلاف أطواره وألوانه من سلم وحرب، وخوف وأمن، ووحدة وإجتماع، وشدة ورخاء.
د- يمتاز بشدة غيرته على أصالة هذا الدين وبقائه على ماكان عليه في عهد نبيِّه، غيرة أشد من غيرة الرجال على الأعراض والكرامات، والأزواج والأمهات، والبنين والبنات، لايحوله عن ذلك خوف أو طمع أو تأويل أو عدم موافقة من أقرب الناس وأحبهم إليه.
س- يكون دقيقاً كل الدقة وحريصاً أشد الحرص في تنفيذ رغبات الرسول الذي يخلفه في أمته بعد وفاته، لايحيد عن ذلك قيد شعرة، ولا يساوم فيه أحداً، ولايخاف لومة لائم.
و- يمتاز بالزهد في متاع الدنيا والتمتُّع به، زهداً لا يُتصُّور فوقه إلا عند إمامه وهاديه سيد الانبياء عليه الصلاة والسلام، وأن لايخطر بباله تأسيس الملك والدولة وتوسيعهما لصالح عشيرته وورَثَته، كما اعتادت ذلك الأسر الملوكية الحاكمة في أقرب الدول والحكومات من جزيرة العرب، كالروم والفرس( ).
وقد اجتمعت هذه الصفات والشروط كلها في سيدنا أبي بكر ?، كما تمثلت في حياته وسيرته في حياة الرسول ? قبل الخلافة وبعد الخلافة الى أن توفاه الله تعالى، بحيث لايسع منكراً أن ينكره أو مشكِّكا يشكك في صحته، فقد تحقق بطريق البداهة والتواتر( ).
هذا وقد قام أهل الحل والعقد في سقيفة بني ساعدة ببيعة الصديق بيعة، خاصة ثم رشحوه للناس في اليوم الثاني وبايعته الأمة في المسجد البيعة العامة( ).
وقد افرز مادار في سقيفة بني ساعدة مجموعة من المبادئ منها: أن قيادة الأمة لاتقام إلا بالاختيار، وأن البيعة هي أصل من أصول الاختيار وشرعية القيادة، وأن الخلافة لا يتولاها إلا الأصلب ديناً والأكفأ إدارة، فاختيار الخليفة يكون وفق مقومات إسلامية، وشخصية، وأخلاقية، وأن الخلافة لاتدخل ضمن مبدأ الوراثة النسبية أو القبلية، وإن إثارة (قريش) في سقيفة بني ساعدة باعتباره واقع يجب أخذه في الحسبان، ويجب اعتبار أي شيء مشابه مالم يكن متعارضاً مع أصول الاسلام، وأن الحوار الذي دار في سقيفة بني ساعدة قام على قاعدة الأمن النفسي السائد بين المسلمين حيث لاهرج ولا مرج، ولا تكذيب ولا مؤامرات ولا نقض للاتفاق، ولكن تسليم للنصوص التي تحكمهم حيث المرجعية في الحوار الى النصوص الشرعية( ).
وقد استدل الدكتور توفيق الشاوي على بعض الأمثلة التي صدرت بالشورى الجماعية في عهد الراشدين من حادثة السقيفة حيث قال:
• أول ماقرره اجتماع يوم السقيفة هو أن (نظام الحكم ودستور الدولة) يقرر بالشورى الحرة، تطبيقاً لمبدأ الشورى الذي نص عليه القرآن، ولذلك كان هذا المبدأ محل إجماع، وسند هذا الإجماع النصوص القرآنية التي فرضت الشورى، أي أن هذا الاجماع كشف وأكد أول أصل شرعي لنظام الحكم في الاسلام وهو الشورى الملزمة، وهذا أول مبدأ دستوري تقرر بالإجماع بعد وفاة رسولنا ? ، ثم إن هذا الاجماع لم يكن إلا تأييداً وتطبيقاً لنصوص الكتاب والسنّة التي أوجبت الشورى .
• تقرر يوم السقيفة أيضاً أن اختيار رئيس الدولة أو الحكومة الاسلامية وتحديد سلطاته يجب أن يتم بالشورى، أي البيعة الحرة التي تمنحه تفويضاً ليتولى الولاية بالشروط والقيود التي يتضمنها عقد البيعة الاختيارية الحرة - الدستور في النظم المعاصرة-، وكان هذا ثاني المبادئ الدستورية التي أقرها الإجماع، وكان قراراً إجماعياً كالقرار السابق.
• تطبيقاً للمبدأين السابقين، قرر اجتماع السقيفة اختيار أبي بكر ليكون الخليفة الأول للدولة الاسلامية( ).
ثم إن هذا الترشيح لم يصح نهائياً إلا بعد أن تمت له البيعة العامة، أي موافقة جمهور المسلمين في اليوم التالي بمسجد الرسول ?، ثم قبوله لها بالشروط التي ذكرها في خطابه الذي ألقاه( )، وسنأتي على ذلك بالتفصيل بإذن الله تعالى.











المبحث الثاني
البيعة العامة، وإدارة الشؤون الداخلية



أولاً: البيعة العامة:
بعد أن تمت بيعة أبي بكر ? البيعة الخاصة في سقيفة بني ساعدة، كان لعمر ? في اليوم التالي موقف في تأييد أبي بكر وذلك في اليوم التالي حينما اجتمع المسلمون للبيعة( ) العامة قال أنس بن مالك: لما بويع أبي بكر في السقيفة وكان الغد جلس ابوبكر على المنبر فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر فحمدالله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس إني كنت قلت لكم بالأمس مقالة ماكانت مما وجدتها في كتاب الله، ولا كانت عهداً عهده الى رسول الله ? ولكني قد كنت أرى أن رسول الله ? سيدبر أمرنا -يقول يكون آخرنا- وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى الله ورسوله ?، فإن عصيتم به هداكم الله لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله ? ثاني أثنين إذ هما في الغار فقوموا فبايعوه فبايع الناس أبابكر بعد بيعة السقيفة فتكلم أبوبكر فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله ثم قال: أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لايدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قومٍ إلا عمّهم الله بالبلاء، أطيعوني ماأطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا الى صلاتكم يرحمكم الله( ).
وقال عمر لأبي بكر يومئذ: اصعد المنبر، فلم يزل به حتى صعد المنبر فبايعه الناس عامة( ).
وتعتبر هذه الخطبة الرائعة من عيون الخطب الاسلامية على إيجازها وقد قرر الصديق فيها قواعد العدل والرحمة في التعامل بين الحاكم والمحكوم وركز على أن طاعة ولي الأمر مترتبة على طاعة الله ورسوله، ونص على الجهاد في سبيل الله لأهميته في إعزاز الأمة، وعلى اجتناب الفاحشة لأهمية ذلك في حماية المجتمع من الانهيار والفساد( )، من خلال الخطبة والأحداث التي تمت بعد وفاة الرسول يمكن للباحث أن يستنبط بعض ملامح نظام الحكم في بداية عهد الخلافة الراشدة والتي من أهمها:
1- مفهوم البيعة:
عرّف العلماء البيعة بتعاريف عدة منها تعريف ابن خلدون: العهد على الطاعة لولي الأمر( )، وعرفها بعضهم بقوله: البيعة على التعاقد على الاسلام( )، وعرفت كذلك بأنها أخذ العهد والميثاق والمعاقدة على إحياء ماأحياه الكتاب والسنّة، وإقامة ماأقامه( )، وكان المسلمون إذا بايعوا الأمير جعلوا أيديهم في يده، تأكيداً للعهد والولاء، فاشبه ذلك الفعل البائع والمشتري، فسمى هذا الفعل بيعة( ).
ونتعلم من مبايعة الأمة للصديق بأن الحاكم في الدولة الاسلامية إذا وصل الى الحكم عن طريق أهل الحل والعقد وبايعته الأمة بعد أن توفرت فيه الشروط المعتبرة، فيجب على المسلمين جميعاً مبايعته والاجتماع عليه، ونصرته على من يخرج عليه، حفظاً على وحدة الأمة وتماسك بنيانها أمام الأعداء في داخل الدولة الاسلامية وخارجها( ).
قال ?: (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)( )، فهذا الحديث فيه حث على وجوب إعطاء البيعة والتوعد على تركها، فمن مات ولم يبايع عاش على الضلال ومات على الضلال( ).
وقال رسول الله ?: (ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فيطعه مااستطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر)( ).
فالشارع الحكيم قد رتب القتل وأمر به، نتيجة الخروج على الامام مما يدل على حرمة هذا الفعل، لأنه بطلب بيعة أخرى بالبيعة الاولى التي هي فرض على المسلمين( ).
والذي يأخذ البيعة في حاضرة الدولة هو الخليفة. وأما في الأقاليم فقد يأخذها الإمام، وقد يأخذها نواب الإمام، كما حدث في بيعة الصديق ?، فأهل مكة والطائف أخذها نواب الخليفة.
والذي تجب بيعتهم للإمام هم أهل الحل والعقد، وأهل الاختيار من علماء الأمة وقادتها، وأهل الشورى وأمراء الأمصار وأما سائر الناس وعامتهم فيكفيهم دخولهم تحت بيعة هؤلاء، ولا يمنع العامة من البيعة بعد بيعة أهل الحل والعقد( )، وهناك من العلماء من قال لابد من البيعة العامة لأن الصديق لم يباشر مهامه كخليفة للمسلمين إلا بعد البيعة العامة له من المسلمين( ).
والبيعة بهذا المعنى الخاص الذي تمّ للصديق لا تعطي إلا للإمام الأعظم في الدولة الاسلامية ولاتعطى لغيره من الأشخاص سوءا في ظل الدولة الإسلامية أو عند فقدها، لما يترتب على هذه البيعة من أحكام( )، وخلاصة القول أن البيعة بمعناها الخاص هي إعطاء الولاء والسمع والطاعة للخليفة مقابل الحكم بما أنزل الله تعالى، وأنها في جوهرها وأصلها عقد وميثاق بين طرفين؛ الإمام من جهة وهو الطرف الأول، والأمة من جهة ثانية وهي الطرف الثاني، فالإمام يبايع على الحكم بالكتاب والسنّة والخضوع التام للشريعة الاسلامية عقيدة وشريعة ونظام حياة، والأمة تبايع على الخضوع والسمع والطاعة للإمام في حدود الشريعة.
فالبيعة خصصية من خصائص نظام الحكم في الاسلام تفرد به عن غيره من النظم الاخرى في القديم والحديث. ومفهومه أن الحاكم والأمة كليهما مقيد بما جاء به الاسلام من الأحكام الشرعية، ولا يحق لأحدهما سواء كان الحاكم أو الأمة ممثلة بأهل الحل والعقد، الخروج على أحكام الشريعة أو تشريع الأحكام التي تصادم الكتاب والسنّة، أو القواعد العامة في الشريعة ويعد فعل مثل ذلك خروجاً على الاسلام، بل إعلان الحرب على النظام العام للدولة الاسلامية بل أبعد من هذا نجد أن القرآن الكريم نفى عنهم صفة الايمان( )، قال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (سورة النساء، الآية:65).
فهذا مفهوم البيعة من خلال عصر أبي بكر الصديق ?.
2- مصدر التشريع في دولة الصديق:
قال أبوبكر ?: أطيعوني ماأطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم( )، فمصدر التشريع عند الصديق :
أ- القرآن الكريم:
قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} (سورة النساء، الآية:105).
فهو المصدر الاول الذي يشتمل على جميع الأحكام الشرعية التي تتعلق بشؤون الحياة، كما يتضمن مبادئ أساسية وأحكاماً قاطعة لإصلاح كل شعبة من شعب الحياة، كما بين القرآن الكريم للمسلمين كل مايحتاجون إليه من أسس تقوم عليها دولتهم.
ب- السنّة المطهرة:
هي المصدر الثاني الذي يستمد منه الدستور الاسلامي أصوله ومن خلالها يمكن معرفة الصيغ التنفيذية والتطبيقية لأحكام القرآن( ).
إن دولة الصديق خضعت للشريعة وأصبحت سيادة الشريعة الاسلامية فيها فوق كل تشريع وفوق كل قانون وأعطت لنا صورة مضيئة مشرقة على أن الدولة الاسلامية دولة شريعة، خاضعة بكل أجهزتها لأحكام هذه الشريعة، والحاكم فيها مقيد بأحكامها لايتقدم ولايتأخر عنها( ).
ففي دولة الصديق وفي مجتمع الصحابة، الشريعة فوق الجميع، يخضع لها الحاكم والمحكوم ولهذا قيد الصديق طاعته التي طلبها من الأمة بطاعة الله ورسوله، لئن رسول الله ? قال: (لا طاعة في المعصية، إنما الطاعة في المعروف)( ).
3- حق الأمة في مراقبة الحاكم ومحاسبته:
قال ابوبكر ?: فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني( ).
فهذا الصديق يقرّ بحق الأمة وأفرادها في الرقابة على أعماله ومحسبته عليها، بل وفي مقاومته لمنع كل منكر يرتكبه وإلزامه بما يعتبرونه الطريق الصحيح والسلوك الشرعي( )، وقد أقرّ الصديق في بداية خطابه للأمة أن كل حاكم معرض للخطأ والمحاسبة، وأنه لايستمد سلطته من أي امتياز شخصي يجعل له أفضلية على غيره؛ لأن عهد الرسالات والرسل المعصومين قد انتهى، وان آخر رسول كان يتلقى الوحى انتقل الى جوار ربه، وقد كانت له سلطة دينية مستمدة من عصمته كنبي ومن صفته كرسول يتلقى التوجيه من السماء، ولكن هذه العصمة قد انتهت بوفاته ? وبعد وفاته ? أصبح الحكم والسلطة مستمدة من عقد البيعة وتفويض الأمة له( ).
إن الأمة في فقه أبي بكر لها إدارة حية واعية لها القدرة على المناصرة والمناصحة والمتابعة والتقويم، فالواجب على الرعية نُصرة الإمام الحاكم بما أنزل الله ومعاضدته ومناصرته في أمور الدين والجهاد، ومن نصرة الامام ألا يهان، ومن معاضدته أن يحترم، وأن يكرّم فقوامته على الأمة وقيادته لها لإعلاء كلمة الله، تستوجب تبجيله وإجلاله وإكرامه وتبجيله، إجلالاً وإكراماً لشرع الله الذي ينافع عنه ويدافع عنه. قال رسول الله ? : (إن من إجلال الله تعالى: إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير المغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط)( )، والأمة واجب عليها أن تُناصح ولاة أمرها قال ?: (الدين النصحية
-ثلاثاً-) قال الصحابة: لمن يارسول الله؟ قال: (لله -عز وجل- ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)( )، ولقد استقر في مفهوم الصحابة أن بقاء الأمة على الاستقامة رهن باستقامة ولاتها ولذلك كان من واجبات الرعية تجاه حكامهم نصحهم وتقويمهم ولقد أخذت الدولة الحديثة تلك السياسة الرائدة للصديق ? وترجمت ذلك الى لجان متخصصة ومجالس شورية، تمد الحاكم بالخطط، وتزوده بالمعلومات، وتشير عليه بما يحسن أن يقرره، والشيء المحزن أن كثيراً من الدول الاسلامية تعرض عن هذا النظام الحكيم، فعظم مصيبتها في تسلط الحكام وجبروتهم، والتخلق الذي يعم معظم ديار المسلمين ماهو إلا نتيجة لتسلط بغيض، (ودكتاتورية) لعين، أماتت في الأمة روح التناصح والشجاعة، وبذرت فيها، وزرعت بها الجبن والفزع إلا من رحم ربي، وأما الأمة التي تقوم بدورها في مراقبة الحاكم ومناصحته تأخذ بأسباب القوة والتمكين في الأرض، فتنطلق الى آفاق الدنيا تبلغ دعوة الله( ).
4 الطيبين الأبرار.
Back to top Go down
سلمى العربيه
عربي مميز
عربي مميز


عدد المساهمات: 250
تاريخ التسجيل: 2010-01-18

PostSubject: Re: الصحابه رضوان الله عليهم   Tue Jan 19, 2010 8:09 am

- إقرار مبدأ العدل والمساواة بين الناس:
قال أبو بكر ?: الضعيف فيكم قوي عندى حتى أرجع عليه حقه إن شاء الله والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله( ).
إن من أهداف الحكم الإسلامي الحرص على إقامة قواعد النظام الإسلامي التي تساهم في إقامة المجتمع المسلم ومن أهم هذه القواعد، الشورى والعدل، والمساواة والحريات، ففي خطاب الصديق للأمة أقرّ هذه المبادئ، فالشورى تظهر في طريقة اختياره وبيعته وفي خطبته في المسجد الجامع، بمحضر من جمهور المسلمين وأما عدالته فتظهر في نص خطابه ولاشك أن العدل في فكر أبي بكر هو عدل الإسلام الذي هو الدعامة الرئيسية في إقامة المجتمع الإسلامي والحكم الإسلامي فلاوجود للإسلام في مجتمع يسوده الظلم ولايعرف العدل.
إن إقامة العدل بين الناس أفراداً وجماعات ودولاً، ليست من الأمور التطوعية التي تترك لمزاج الحاكم أو الأمير وهواه، بل إن إقامة العدل بين الناس في الدين الإسلامي تعد من أقدس الواجبات وأهمها، وقد أجمعت الأمة على وجوب العدل( ) قال الفخر الرازي -رحمه الله- أجمعوا على أن من كان حاكماً وجب عليه أن يحكم بالعدل( ).
وهذا الحكم تؤيده النصوص القرآنية والسنة النبوية. إن من أهداف دولة الإسلام إقامة المجتمع الإسلامي الذي تسود فيه قيم العدل والمساواة ورفع الظلم ومحاربته، بكافة أشكاله وأنواعه، وعليها أن تفسح المجال وتيسر السبل أمام كل إنسان يطلب حقه أن يصل إليه بأيسر السبل وأسرعها دون أن يكلفه ذلك جهد أو مال وعليها أن تمنع أي وسيلة من الوسائل من شأنها أن تعيق صاحب الحق من الوصول إلى حقه.
لقد أوجب الإسلام على الحكام أن يقيموا العدل بين الناس دون النظر إلى لغاتهم أو أوطانهم أو أحوالهم الإجتماعية فهو يعدل بين المتخاصمين ويحكم بالحق، ولايهمه أن يكون المحكوم لهم أصدقاء أو أعداء، أغنياء أو فقراء عمالاً أو أصحاب عمل( )، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (سورة المائدة، آية:Cool.
لقد كان الصديق ? قدوة في عدله يأسر القلوب ويبهر الألباب، فالعدل في نظره دعوة عملية للإسلام فيه تفتح قلوب الناس للإيمان، لقد عدل بين الناس في العطاء، وطلب منهم أن يكونوا عوناً له في هذا العدل، وعرض القصاص من نفسه في واقعة تدل على العدل والخوف من الله سبحانه( )، فعن عبدالله بن عمرو بن العاص ?: أن أبا بكر الصديق ? قام يوم جمعة فقال: إذا كنا بالغداة فأحضروا صدقات الإبل نقسمها، ولايدخل علينا أحد إلا بإذن، فقالت امرأة لزوجها خذ هذا الخطام لعل الله يرزقنا جملاً، فأتى الرجل فوجد أبا بكر وعمر رضي الله عنهما قد دخلا إلى الإبل فدخل معهما، فالتفت أبو بكر فقال: ما أدخلك علينا؟ ثم أخذ منه الخطام فضربه، فلما فرغ أبو بكر من قسم الإبل دعا الرجل فأعطاه الخطام وقال: استقد .. فقال عمر: والله لايستقد ولاتجعلها سنة، قال أبو بكر فمن لي من الله يوم القيامة؟ قال عمر: أرضه، فأمر أبو بكر غلامه أن يأتيه براحلة ورحلها وقطيفة وخمسة دنانير فأرضاه بها( ).
وأما مبدأ المساواة الذي أقره الصديق في بيانه الذي ألقاه على الأمة، فيعد أحد المبادئ العامة التي أقرها الإسلام وهي من المبادئ التي تساهم في بناء المجتمع المسلم وسبق به تشريعات وقوانين العصر الحاضر، ومما ورد في القرآن الكريم تأكيداً لمبدأ المساواة قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (سورة الحجرات، آية:13).
إن الناس جميعاً في نظر الإسلام سواسية، الحاكم والمحكوم، الرجال والنساء، العرب والعجم، الأبيض والأسود، لقد ألغى الإسلام الفوارق بين الناس بسبب الجنس واللون أو النسب أو الطبقة، والحكام والمحكومون كلهم في نظر الشرع سواء( )، وجاءت ممارسة الصديق لهذا المبدأ خير شاهد على ذلك حيث يقول: وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه( ).
وكان ? ينفق من بيت مال المسلمين فيعطي كل مافيه سواسية بين الناس، فقد روى ابن سعد وغيره أن أبا بكر ?، كان له بيت مال بالسُّنح معروف، ليس يحرسه أحد، فقيل له: ألا تجعل على بيت المال من يحرسه؟ فقال: لايخاف عليه، قيل له: ولم؟ قال: عليه قفل! وكان يعطي مافيه حتى لايبقى فيه شيئاً، فلما تحوّل إلى المدينة حوّله معه فجعله في الدار التي كان فيها، وقدم عليه مال من معدن من معادن جُهينة، فكان كثيراً، وانفتح معدن بني سليم في خلافته، فقدم عليه منه بصدقة فكان يضع ذلك في بيت المال، فيقسمه بين الناس سوّياً، بين الحر والعبد، والذكر والأنثى، والصغير والكبير على السواء. قالت عائشة رضي الله عنها: فأعطى أول عام الحرّ عشرة والمملوك عشرة، وأعطى المرأة عشرة، وأمتها عشرة، ثم قسم في العام الثاني، فأعطاهم عشرين عشرين، فجاء ناس من المسلمين فقالوا: ياخليفة رسول الله: إنك قسمت هذا المال فسوّيت بين الناس، ومن الناس أناس لهم فضل وسوابق وقدم، فلو فضلت أهل السوابق والقدم والفضل. فقال: أما ماذكرتم من السوابق والقدم والفضل فما أعرفني بذلك وإنما ذلك شئ ثوابه على الله جلّ ثناؤه، وهذا معاش، فالأسوة فيه خير من الأثرة( ) فقد كان توزيع العطاء في خلافته على التسوية بين الناس، وقد ناظر الفاروق عمر ? أبا بكر في ذلك فقال: أتسوي بين من هاجر الهجرتين وصلى إلى القبلتين، وبين من أسلم عام الفتح؟ فقال أبو بكر: إنما عملوا لله، وإنما أجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ للراكب.
ورغم أن عمر ? غيّر في طريقة التوزيع فجعل التفضيل بالسابقة إلى الإسلام والجهاد إلا أنه في نهاية خلافته قال: لو استقبلت من أمري مااستدبرت لرجعت إلى طريقة أبي بكر فسويت بين الناس( ).
وكان يشتري الإبل والخيل والسلاح، فيحمل في سبيل الله، واشترى عاماً قطائف (القطيفة كساء مخمل) أتى بها من البادية، ففرقها في أرامل أهل المدينة في الشتاء وقد بلغ المال الذي ورد على أبي بكر في خلافته مائتي ألف وزعت في أبواب الخير( ).
لقد اتبع ابو بكر ? المنهج الرباني في إقرار العدل، وتحقيق المساواة بين الناس وراعى حقوق الضعفاء فرأى أن يضع نفسه في كفة هؤلاء الواهنة أصواتهم فيتبعهم بسمع مرهف وبصر حاد وإرادة واعية لاتستذلها عوامل القوة الأرضية فتملي كلمتها .. إنه الإسلام في فقه رجل دولته النابه الذي قام يضع القهر تحت أقدام قومه، ويرفع بالعدل رؤوسهم فيؤمن به كيان دولته ويحفظ لها دورها في حراسة الملة والأمة( ).
لقد قام الصديق منذ أول لحظة بتطبيق هذه المبادئ السامية، فقد كان يدرك أن العدل عز للحاكم والمحكوم، ولهذا وضع الصديق سياسته تلك موضع التنفيذ وهو يردد قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (سورة النحل، آية:90).
أكان أبو بكر يريد أن يطمئن المسلمون إلى دينهم، وحرية الدعوة إليه، وإنما تتم الطمأنينة للمسلمين ماقام الحاكم فيهم على أساس من العدل المجرد عن الهوى.
والحكم على هذا الأساس يقتضي الحاكم أن يسمو فوق كل اعتبار شخصي وأن يكون العدل والرحمة مجتمعين، وقد كانت نظرية أبي بكر في تولي أمور الدولة قائمة على إنكار الذات، والتجرد لله تجرداً مطلقاً جعله يشعر بضعف الضعيف، وحاجة المجتمع ويسمو بعدله على كل هوى، وينسى في سبيل ذلك نفسه وأبناءه، وأهله، ثم يتتبع أمور الدولة جليلها، ورقيقها بكل ما أتاه الله من يقظة وحذر( ).
وبناء على ماسبق يرفع العدل لواءه بين الناس، فالضعيف آمن على حقه، وكله يقين أن ضعفه يزول حينما يحكم العدل، فهو به قوي لايمنع حقه ولايضيع، والقوي حين يظلم يردعه الحق، وينتصف منه للمظلوم، فلا يحتمي بجاه أو سلطان أو قرابة لذي سطوة أو مكانة، وذلك هو العز الشامخ، والتمكين الكامل في الأرض( ).
وما أجمل ماقاله ابن تيمية رحمه الله: إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولاينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة،... بالعدل تستصلح الرجال، وتستغزر الأموال( ).
5-الصدق أساس التعامل بين الحاكم والمحكوم:
قال أبو بكر ?: الصدق أمانة والكذب خيانة( ) أعلن الصديق ? مبدأ أساسياً تقوم عليه خطته في قيادة الأمة وهو: أن الصدق بين الحاكم والأمة هو أساس التعامل، وهذا المبدأ السياسي الحكيم له الأثر الهام في قوة الأمة حيث ترسيخ جسور الثقة بينها وبين حاكمها إنه خلق سياسي منطلق من دعوة الإسلام إلى الصدق قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (سورة التوبة، آية:119) ومن التحذير منه كقول رسول الله ?: ثلاثة لايكلمهم الله يوم القيامة ولايزكيهم ولاينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر( ).
فهذه الكلمات (الصدق أمانة) اكتست بالمعاني، فكأن لها روحاً تروح بها وتغدو بين الناس، تلهب الحماس، وتصنع الأمل، (والكذب خيانة) وهكذا يأبى أبو بكر إلا أن يمس المعاني، فيسمي الأشياء بأسمائها، فالحاكم الكذاب هو ذلك الوكيل الخائن الذي يأكل خبز الأمة ثم يخدعها، فما أتعس حاكم يتعاطى الكذب فيسميه بغير اسمه، لقد نعته الصديق بالخيانة، وأنه عدو أمته الأول .. وهل بعد الخيانة من عداوة؟ حقا لازال الصديق يطل على الدنيا من موقفه هذا فيرفع أقواماً ويسقط آخرين! .. وتظل صناعة الرجال أرقى فنون الحكم! إذ هم عدة الأمة ورصيدها الذي تدافع به عن نفسها ملمات الأيام، ولاشك أن من تأمل كلمات أبي بكر تلك أصدقته الخبر بأن الرجل كان رائداً في هذا الفن الرفيع، فقد كان يسير على النهج النبوي الكريم( ) إن شعوب العالم اليوم تحتاج إلى هذا المنهج الرباني في التعامل بين الحاكم والمحكوم لكي تقاوم أساليب تزوير الانتخابات وتلفيق التهم، واستخدام الإعلام وسيلة لترويج اتهامات باطلة لمن يعارضون الحكام أو ينتقدونهم، ولابد من إشراف الأمة على التزام الحكام بالصدق والأمانة من خلال مؤسساتها التي تساعدها على تقويم ومحاسبة الحكام إذا انحرفوا( )، فتمنعهم من سرقة إرادتها، وشرفها، وحريتها وأموالها.
6-إعلان التمسك بالجهاد وإعداد الأمة لذلك:
قال أبو بكر ?: وماترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا خذلهم الله بالذل( )، لقد تلقى أبو بكر تربيته الجهادية مباشرة من نبيه وقائده العظيم ?، تلقاها تربية حية في ميادين الصراع بين الشرك والإيمان، والضلال والهدى، والشر والخير ولقد ذكرت مواقف الصديق في غزوات الرسول ?، ولقد فهم الصديق ? من حديث رسول الله ?: إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لاينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم( )، إن الأمة تصاب بالذل إذا تركت الجهاد فلذلك جعل الصديق الجهاد إحدى حقائق الحكم في دولته( )، ولذلك حشد طاقات الأمة من أجل الجهاد، لكي يرفع الظلم عن المظلومين ويزيل الغشاوة عن أعين المقهورين ويعيد الحرية للمحرومين، وينطلق بدعوة الله في آفاق الأرض يزيل كل عائق ضدها.
7-إعلان الحرب على الفواحش:
قال أبو بكر ?: ولاتشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء( )، والصديق هنا يذكر الأمة بقول النبي ?Sad لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا...)( ) إن الفاحشة هي داء المجتمع العضال الذي لادواء له، وهي سبيل تحلله وضعفه حيث لاقداسة لشيء، فالمجتمع الفاحش لايغار ويقر الدنية ويرضاها، إنه مجتمع الضعف والعار والأوجاع والأسقام، وحال الناس أدل شاهد. لقد وقف أبو بكر يحفظ قيم الأمة وأخلاقها( )، فقد حرص في سياسته على طهر الأمة ونقائها، وبعدها عن الفواحش ماظهر منها ومابطن، وهو ? يريد بذلك أمة قوية لاتشغلها شهواتها، ولايضلها شيطانها، لتعيش أمة منتجة تعطي الخير، وتقدم الفضل لكل الناس.
إن علاقة الأخلاق بقيام الدول وظهور الحضارة علاقة ظاهرة، فإن فسدت الأخلاق، وخربت الذمم، ضاعت الأمم، وعمها الفساد والدمار والدارس لحياة الأمم السابقة والحضارات السالفة بعين البصيرة، يدرك كيف قامت حضارات على الأخلاق الكريمة والدين الصحيح كالحضارة التي قامت في زمن داود وسليمان عليه السلام والتي قامت في زمن ذي القرنين وكثير من الأمم التي التزمت بالقيم والأخلاق فظلت قوية طالما حافظت عليها، فلما دب سوس الفواحش إليها استسلمت للشياطين، وبدلت نعمة الله كفراً، وأحلت قومها دار البوار، فزالت قوتها، وتلاشت حضارتها( ) إن الصديق ? استوعب سنن الله في المجتمعات وبناء الدول وزوالها وفهم أن زوال الدول يكون بالترف والفساد والإنغماس في الفواحش والموبقات قال تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} (سورة الإسراء، آية:16). أي أمرناهم بالأمر الشرعي من فعل الطاعات وترك المعاصي فعصوا وفسقوا فحق عليهم العذاب والتدمير جزاء فسقهم وعصيانهم. وفي قراءة {أمّرنا}( ) بالتشديد أي جعلناهم أمراء. والترف وإن كان كثرة المال والسلطان من أسبابه إلا أنه حالة نفسية ترفض الإستقامة على منهج الله وليس كل ثراء ترف( ).
إن سياسة الصديق في حربه للفواحش حرى بحكام المسلمين أن يقتدوا به، فالحاكم التقي الذكي العادل هو الذي يربي أمته على الأخلاق القويمة لأنه حينئذ سيقود شعباً أحس طعم الآدمية، وجرى في عروقه دم الإنسانية.. وأما إن سلب الحاكم الذكاء، وصار من الأغبياء.. أشاع الفاحشة في قومه وعمل على حمايتها بالقوة والقانون، وحارب القيم والأخلاق الحميدة ودفع بقومه إلى مستنقعات الرذيلة ليصبحوا كالحيوانات الضالة، والقطعان الهائمة لاهم لها إلا المتاع، والزينة الخادعة، فيصبحوا بعد ذلك أقزاماً، قد ودّعوا الرجولة والشهامة( ) ويصدق فيهم قول الله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} (سورة النحل، آية:112).
هذه بعض التعليقات التي فتح الله بها بما ترى على البيان الذي ألقاه الصديق للأمة والذي رسم فيه سياسة الدولة، فحدد مسؤولية الحاكم ومدى العلاقة بينه وبين المحكومين وغير ذلك من القواعد المهمة في بناء الدولة وتربية الشعوب وهكذا قامت الخلافة الإسلامية، وتحدد مفهوم الحكم تحديداً عملياً وكان حرص الأمة على منصب الخلافة واختيار الخليفة على هذه الصورة ومسارعة الناس إلى الرضا بذلك دليلاً على أنهم كانوا يسلمون بأن النظام الذي أنشأه النبي عليه الصلاة والسلام واجب البقاء، وأن النبي ? وإن مات فإنه خلف فيهم دينا وكتابا يسيرون على هديه فرضاء الناس يومئذ يعبر عن إرادة الاستمرار في ظل النظام الذي أنشأه النبي ?( ).
إن حكومة الصديق ? تمتع بها المسلمون زمناً ليس بكثير وعيَّن أبو بكر حد السلطة العليا فيها بتلك الخطبة الراقية على مستوى أنظمة الحكم في ذلك العصر وفي هذا الزمن فهي حكومة شورية قل أن يجد طلاب الحرية والعدل في كل عصر أحسن لسياسة الأمم منها( ) قادها التلميذ الأنجب والأذكى والأعلم والأعظم ايماناً للحبيب المصطفى ? أبو بكر ?.
وقد بين الإمام مالك بأنه لايكون أحد إماماً أبداً إلا على هذا الشرط( ) يقصد بالمضامين العظيمة التي ألقاها الصديق في بيانه السياسي الأول.
ثانياً: إدارة الشؤون الداخلية:
أراد الصديق ? أن ينفذ السياسة التي رسمها لدولته واتخذ من الصحابة الكرام أعواناً يساعدونه على ذلك، فجعل أبا عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة (وزير المالية) فأسند إليه شؤون بيت المال، وتولى عمر بن الخطاب القضاء (وزارة العدل) وباشر الصديق القضاء بنفسه أيضاً، وتولى زيد بن ثابت الكتابة (وزير البريد والمواصلات)( ) وأحياناً يكتب له من يكون حاضر من الصحابة كعلي بن أبي طالب أو عثمان بن عفان رضي الله عنهم، وأطلق المسلمون على الصديق لقب خليفة رسول الله ورأى الصحابة ضرورة تفريغ الصديق للخلافة، فقد كان أبو بكر ? رجلاً تاجراً يغدو كل يوم إلى السوق فيبيع ويبتاع فلما استُخلف أصبح غادياً إلى السوق وعلى رقبته أثواب يتجر بها، فلقيه عمر وأبو عبيدة فقالا: أين تريد ياخليفة رسول الله؟ قال: السوق. قالا: تصنع ماذا وقد وليت أمور المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالي؟ فقالاSadانطلق معنا حتى نفرض لك شيئاً. فانطلق معهما ففرضوا له كل يوم شطر شاه( )، وجاء في الرياض النضرة أن رزقه الذي فرضوه له خمسون ومائتا دينار في السنة وشاة يؤخذ من بطنها ورأسها وأكارِعها، فلم يكن يكفيه ذلك ولاعياله، قالوا وقد كان قد ألقى كل دينار ودرهم عنده في بيت مال المسلمين، فخرج إلى البقيع فتصافق (بايع) فجاء عمر ? فإذا هو بنسوة جلوس، فقالSadماشأنكن؟) قلن: نريد خليفة رسول الله ? يقضي بيننا، فانطلق فوجده في السوق فأخذه بيده فقالSadتعالى هاهنا). فقال: لاحاجة لي في إمارتكم( )، رزقتموني مالايكفيني ولاعيالي قالSad فإنّا نزيدك). قال أبو بكرSadثلاثمائة دينار والشاة كلها) قال عمر: أما هذا فلا، فجاء علي ? وهما على حالهما تلك، قالSadأكملها له) قالSadترى ذلك؟) قال: نعم، قالSadقد فعلنا)( ) وانطلق أبوبكر ? فصعد المنبر، واجتمع إليه الناس فقال: (أيها الناس إن رزقي كان خمسين ومائتي دينار وشاة يؤخذ من بطنها ورأسها وأكارِعُها وإن عمر وعلياً كمّلا لي ثلاثمائة دينار والشاة أفرضيتم؟ قال المهاجرونSadاللهم نعم قد رضينا)( ).
وهكذا وقف الصحابة في فهمهم الراقي لولاية الدين وأمانة الحكم يفرضون لإمامهم رزقاً يغتني به عن التجارة بعد إذ صار عاملاً للأمة تملك منه الوقت والجهد والفكر .. ومن ثم يقررون معنى في الإسلام بديعاً يفصل الذمة المالية للأمة عن ذمة الحاكم.
هذا المعنى الذي لم يعرفه الغرب إلا في عهوده القريبة، إذ ظلت راية مالقيصر لقيصر مشرعة خفاقة يقاتل الناس دونها أزماناً طويلة، إن أصدق تعبير نقف به على دخول الذمة المالية للدولة بأسرها في ذمة الحاكم لهو مقالة لويس الخامس عشر (أنا الدولة والدولة أنا) لقد كان لويس تاجر غلال معروفاً يتجر في قوت أمته وهي تتضور جوعاً ثم لايرى أحد في ذلك شيئاً من العار .. أليس هو الأصل والأمة فرع عنه؟( ).
اين البشرية اليوم من أولئك الصحابة رضوان الله عليهم؟ فإن الخزينة قد أضحت بعدهم بيد أشخاص ينفقون كيف يشاءون، ويتصرفون كما يريدون، كما أصبحت لهم نفقات مستورة لاحصر لها، وفوق هذا فقد تكدست لهم الأموال في المصارف خارج البلاد، حتى غدت دول أجنبية تعيش على هذه الأموال لكثرتها وأكثرها يعود إلى الحكام وأمراء الشعوب المستضعفة، مع أنه قد ظهر أن هذه الأموال مهما بلغت، والعقارات مهما كثرت، فإنها لاتكفي شيئاً، ولاتغني صاحبها شيئاً، فإن شاه إيران مع ضخامة ما يملك لم يجد أرضاً تقبله ليأوي إليها هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فالأمر أشد والحساب عظيم( ).
فعلى حكام المسلمين أن يقتدوا بهذا الصحابي الجليل الذي أدار دولة الإسلام بعد وفاة الرسول ?، فما أجمل قوله ?: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي وشغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال وأحترف للمسلمين فيه( ).
إن الصديق يؤكد معاني بديعة، فولاية الدين ليست في حد ذاتها مغنما، أما مايفرض لها من رزق فلما تقضي إليه من اشتغال عامل الأمة عن أمر نفسه( ).
لقد سطر الصديق والصحابة الكرام صفحات رائعة في جبين الزمن، حتى أن البشرية تسعى في سلم التطور وتسعى ثم إذا هي قابعة عند أقدامهم( ).
سار الصديق في بناء دولة الإسلام بجد ونشاط واهتم بالبناء الداخلي، ولم يترك أي ثغرة يمكن أن تؤثر في ذلك البناء الشامخ الذي تركه رسول الله ?، فاهتم بالرعية وله مواقف مشرفة في هذا الباب، وأعطى للقضاء اهتماماً خاصاً، وتابع أمر الولاة وسار على المنهج النبوي الكريم في كل خطواته وإليك شيء من التفصيل عن تلك السياسة الرشيدة:
1-الصديق في المجتمع:
عاش الصديق ? بين المسلمين كخليفة لرسول الله ?، فكان لايترك فرصة تمر إلا علم الناس وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فكانت مواقفه تشع على من حوله من الرعية بالهدى والإيمان والأخلاق فمن هذه المواقف:
أ-حلبه للأغنام، والعجوز العمياء، وزيارة أم أيمن:
كان قبل الخلافة يحلب للحي أغنامهم، فلما بويع له بالخلافة قالت جارية من الحي: الآن لايحلب لنا منايح (أغنام) دارنا فسمعها أبو بكر فقال: لعمري لأحلبنها لكم، وإني لأرجو ألا يغيرني مادخلت فيه عن خلق كنت عليه، فكان يحلب لهنَّ، وكنَّ إذا أتينه بأغنامهنّ يقول: أنضح أم ألبد؟ فإن قالت انضح باعد الإناء من الضرع حتى تشتد الرغوة، وإن قالت ألبد أدناه منه حتى لاتكون له رغوة، فمكث كذلك بالسُّنح ستة أشهر ثم نزل إلى المدينة( ).
ففي هذا الخبر بيان شيء من أخلاق أبي بكر الصديق ?، فهذا تواضع كبير من رجل كبير، كبير في سنه، وكبير في منزلته وجاهه، حيث كان خليفة المسلمين، وكان حريصاً على أن لاتغير الخلافة شيئاً من معاملته للناس وإن كان ذلك سيأخذ عليه وقتا هو بحاجة إليه، كما أن هذا العمل يدلنا على مقدار تقدير الصحابة رضي الله عنهم لأعمال البر والإحسان وإن كلفتهم الجهد والوقت( ).
هذا أبو بكر ? غلب بعزيمته الصادقة، وثباته العجيب الجزيرة العربية، وأخضعها لدين الله، ثم بعث بها فقاتلت تحت ألويته الدولتين الكبريين على وجه الأرض، وغلبت عليها. أبو بكر.. يحلب لجواري الحي أغنامهنّ، ويقول: أرجو أن لايغيرني مادخلت فيه. وليس الذي دخل فيه بالأمر الهين، بل هو خلافة رسول الله، وسيادة العرب، وقيادة الجيوش التي ذهبت لتقلع من الأرض الجبروت الفارسي، والعظمة الرومانية، وتنشئ مكانهما صرح العدل، والعلم والحضارة، ثم يرجو ألاّ يغيره هذا كله، ولايمنعه من حلب أغنام الحيِّ( ).
إن من ثمار الإيمان بالله تعالى أخلاق حميدة منها خلق التواضع الذي تجسد في شخصية الصديق في هذا الموقف وفي غيره من المواقف وكان عندما يسقط خطام ناقته ينزل ليأخذه فيقال له: لو أمرتنا أن نناولكه، فيقول: أمرنا رسول الله ? ألا نسأل الناس شيئاً( )، لقد ترك لنا الصديق مثالاً حياً في فهم وتطبيق خلق التواضع المستمد من قوله تعالى: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} (سورة القصص، آية:40) ومن قوله ?: (مانقصت صدقة من مال، ومازاد الله عبداً بعفو إلا عزا، وماتواضع أحد لله إلا رفعه الله)( ). ولقد دفعه هذا الخلق إلى خدمة المسلمين وبخاصة أهل الحاجة منهم والضعفاء فعن أبي صالح الغفاري أن عمر بن الخطاب كان يتعهد عجوزاً كبيرة عمياء في بعض حواشي المدينة من الليل، فيسقي لها، ويقوم بأمرها فكان إذا جاءها وجد غيره قد سبقه إليها فأصلح ماأرادت، فجاءها غير مرة كيلا يسبق إليها –فرصده عمر، فإذا هو أبو بكر الذي يأتيها وهو يومئذ خليفة( )، وعن أنس بن مالك ?: قال أبو بكر ? بعد وفاة رسول الله ? لعمر: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله ? يزورها، فلما انتهينا إليها بكت، فقالا مايبكيك؟ ماعند الله خير لرسول الله ?، فقالت: ما أبكي أن أكون أعلم أن ماعند الله خير لرسول الله ?، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء. فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها( ).
ب-نصحه لأمرأة نذرت أن لاتحدث أحداً:
كان أبو بكر ? ينهى عن أعمال الجاهلية، والابتداع في الدين، ويدعو إلى إلى أعمال الإسلام، والتمسك بالسنّة( )، فعن قيس بن أبي حازم: دخل أبو بكر على امرأة من أحمس( )، يقال لها زينب، فرآها لاتتكلم. فقال أبو بكر: مالها لاتتكلم؟ قالوا: نوت حجه مصمتة( ) فقال لها: تكلمي، فإن هذا لايحل،( ) هذا من عمل الجاهلية. قال: فتكلمت، فقالت: من أنت؟ قال: أنا امرؤ من المهاجرين. قالت: أيُّ المهاجرين؟ قال: من قريش. قالت: من أيِّ قريش أنت؟ قال: إنك لسؤول، أنا أبو بكر. قالت: ياخليفة رسول الله: مابقاؤنا على هذا الأمر الصالح، الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ فقال: بقاؤكم عليه مااستقامت به أئمتكم.
قالت: وما الأئمة؟ قال: أما كان لقومك رؤوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟
قالت: بلى قال: فهم أولئك على الناس( ).
قال الخطابي رحمه الله: كان من نسك الجاهلية الصمت، فكان أحدهم يعتكف اليوم والليلة، ويصمت، فنهوا عن ذلك، وأمروا بالنطق بالخير، وقد استدل بقول أبي بكر هذا من قال بأن من حلف أن لايتكلم استحب له أن يتكلم، ولاكفارة عليه، لأن أبا بكر لم يأمرها بالكفارة، وقياسه أن من نذر أن لايتكلم لم ينعقد نذره، لأن أبا بكر أطلق أن ذلك لايحل، وأنه من فعل الجاهلية، وأن الإسلام هدم ذلك، ولايقول مثل هذا إلا عن علم من النبي ? فيكون في حكم المرفوع( ).
وقال ابن حجر: وأما الأحاديث الواردة في الصمت وفضله، فلايعارض لاختلاف المقاصد في ذلك، فالصمت المرغب فيه: ترك الكلام بالباطل، وكذا المباح إن جر إلى شيء من ذلك، والصمت المنهي عنه ترك الكلام في الحق لمن يستطيعه، وكذا المباح المستوي الطرفين، والله أعلم( ).
جـ-اهتمامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
كان الصديق ? يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويبين للناس ما التبس عليهم من الفهم فعن قيس بن أبي حازم قال سمعت أبا بكر الصديق يقول: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لايضركم من ضل إذا اهتديتم) إني سمعت رسول الله ? يقول: إن القوم إذا رأوا المنكر فلم يغيِّروه عمهم الله بعقاب. وفي رواية: يا أيها الناس إنكم تقرؤن هذه الآية، وتضعونها على غير مواضعها، وإنا سمعنا النبي ? يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب( ) قال النووي: وأما قوله تعالى{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} الآية. فليس مخالفاً لوجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لأن المذهب الصحيح عند المحققين في معنى الآية: أنكم إذا فعلتم ماكلفتم به فلايضركم تقصير غيركم، مثل قوله تعالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} فإذا كان كذلك فمما كلف به الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فإذا فعله، ولم يمتثل المخاطب فلاعتب بعد ذلك على الفاعل لكونه أدى ماعليه( ).
وكان ? يحث الناس على الصواب، فعن ميمون بن مهران أن رجلاً سلّم على أبي بكر فقال: السلام عليك ياخليفة رسول الله. قال: من بين هؤلاء أجمعين( )، وكان ? يترك السنة مخافة أن يظن مالاعلم له أنها فريضة أو واجبة، فعن حذيفة بن أسيد ? أنه قال: رأيت أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وما يضحيان مخافة أن يستن بهما وفي رواية: كراهية أن يقتدي بهما( )، وكان يوصي ابنه عبدالرحمن بحسن المعاملة لجيرانه، فقد قال له ذات يوم وهو يخاصم جاراً له: لاتماظ جارك، فإنّ هذا يبقى ويذهب الناس( )، وكان باراً بوالده فلما اعتمر في رجب سنة اثنتي عشر من الهجرة، دخل مكة ضحوة فأتى منزله وأبوه أبو قحافة جالس على باب داره، معه فتيان يحوشهم، فقيل له: هذا ابنك فنهض قائماً، وعجل أبو بكر أن ينيخ ناقته فنزل عنها وهي قائمة –ليقابل أباه في بر وطاعة، وجاء الناس يسلمون عليه، فقال أبو قحافة ياعتيق هؤلاء الملأ فأحسن صحبتهم فقال أبو بكر: يا أبة لاحول ولاقوة إلا بالله، طوقت أمراً عظيماً لاقدرة لي به ولايدان إلا بالله ..)( ) وكان يهتم بالصلاة والخشوع فيها ويحرص على حسن العبادة، وكان لايلتفت في صلاته( )، وكان أهل مكة يقولون: أخذ ابن جريج الصلاة من عطاء، وأخذها عطاء من ابن الزبير، وأخذها ابن الزبير من أبي بكر، وأخذها أبو بكر من النبي ?، وكان عبدالرزاق يقول: مارأيت أحداً أحسن صلاة من ابن جريج( )، وعن أنس ? قال: صلى أبو بكر بالناس الفجر فاقترأ البقرة في ركعتيه، فلما انصرف قال له عمر: ياخليفة رسول الله ماانصرفت حتى رأينا أن الشمس قد طلعت قال: لو طلعت لم تجدنا غافلين( )، وكان يحث الناس على الصبر في المصائب ويقول لمن مات له أحد: ليس مع العزاء مصيبة ولامع الجزع فائدة، الموت أهون مما قبله وأشدُّ مما بعده، اذكروا فقد رسول الله تصغر مصيبتكم، وعظم الله أجركم( )، وعزّى عمر ? عن طفل أصيب به فقال: عوَّضك الله منه ماعوضك منك( )، وكان ? يحذر الناس من البغي، والنكث، والمكر ويقول ثلاث من كُنَّ فيه كُنَّ عليه: البغي، والنكث والمكر( ) وكان يعظ الناس ويذكرهم بالله ومن مواعظه ?: الظلمات خمس والسُّرُج خمس: حب الدنيا ظلمة والسراج له التقوى، والذنب ظلمة والسراج له التوبة، والقبر ظلمة والسراج له لا إله إلا الله محمد رسول الله، والآخرة ظلمة والسراج لها العمل الصالح، والصراط ظلمة والسراج لها اليقين( )، وكان ? من خلال منبر الجمعة يحث على الصدق والحياء ويحث على الاعتبار والاستعداد للقدوم على الله ويحذر من الغرور، فعن أوسط بن اسماعيل رحمه الله قال: سمعت أبا بكر الصديق ? يخطب بعد وفاة رسول الله بسنة فقال: قام فينا رسول الله ? مقامي هذا عام أول، ثم بكى أبو بكر ثم قال: وفي رواية، ثم ذرفت عيناه، فلم يستطيع من العبرة أن يتكلم، ثم قال: أيها الناس: اسألوا الله العافية، فإنه لم يعط أحد خير من العافية بعد اليقين، وعليكم بالصدق فإنه مع البر، وهما في الجنة، وإياكم والكذب، فإنه مع الفجور، وهما في النار ولاتقاطعوا ولاتدابروا، ولاتباغضوا، ولاتحاسدوا، وكونوا عباد الله إخواناً( )، وقال الزبير بن العوام ?: إن أبا بكر قال وهو يخطب الناس: يامعشر المسلمين: استحيوا من الله عزوجل، فوالذي نفسي بيده إني لأظل حين أذهب الغائط في الفضاء متقنعاً بثوبي استحياء من ربي عزوجل( ) وعن عبدالله بن حكيم قال: خطبنا أبو بكر ? فقال: أما بعد:
فإني أوصيكم بتقوى الله، وأن تثنوا عليه بما هو له أهل، وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاح بالمسألة، فإن الله أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}، ثم اعلموا عباد الله أن الله قد ارتهن بحقه أنفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقكم، فاشترى القليل الفاني بالكثير الباقي، وهذا كتاب الله فيكم لاتفنى عجائبه، ولايطفأ نوره، فصدقوا قوله، وانتصحوا كتابه، واستوضئوا منه ليوم الظلمة، فإنما خلقكم للعبادة، ووكل بكم الكرام الكاتبين يعلمون ماتفعلون ثم اعلموا عباد الله أنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيّب عنكم علمه، فإن استطعتم أن تنقضي الآجال وأنتم وأنتم في عمل لله فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله، فسابقوا في مهل آجالكم قبل أن تنقضي آجالكم فيردكم إلى أسوأ أعمالكم، فإن أقواماً جعلوا آجالهم لغيرهم، ونسوا أنفسهم، فأنهاكم أن تكونوا مثلهم. فالوحا الوحا( )، ثم النجا النجا، فإن وراءكم طلباً حثيثاً مَرُّهُ( ) سريع وفي رواية أخرى: أين من تعرفون من إخوانكم؟! ومن أصحابكم؟! قد وردوا على ماقدموا، قدموا ماقدموا في أيام سلفهم، وحلوا فيه بالشقوة والسعادة. أين الجبارون الذين بنوا المدائن، وحففوها بالحوائط، قد صاروا تحت الصخر والآبار. أين الوضاءة الحسنة وجوههم، المعجبون بشبابهم؟ أين الملوك وأين الذين كانوا يعطون الغلبة في مواطن الحرب؟ قد تضعضع بهم الدهر، فأصبحوا في ظلمات القبور. لاخير في قول لايراد به وجه الله، ولاخير في مال لاينفق في سبيل الله، ولاخير فيمن يغلب جهله حلمه، ولاخير فيمن يخاف في الله لومة لائم.
إن الله تعالى ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب يعطيه به خيراً، ولايصرفه عن سوءاً، إلا بطاعته واتباع أمره، وإنه لاخير بخير بعده النار، ولاشر بشر بعده الجنة، واعلموا أنكم ما أخلفتم لله عزوجل فربكم أطعتم، وحقكم حفظتم، وأوصيكم بالله لفقركم وفاقتكم أن تتقوه، وأن تثنوا عليه بما هو أهله، وأن تستغفروه إنه كان غفاراً، أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم( ).
وهكذا كان الصديق يهتم بالمجتمع فيوعظ المسلمين، ويحثهم على الخير ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فهذا غيظ من فيظ، وقليل من كثير.
2-القضاء في عهد الصديق:
يعتبر عهد الصديق بداية العهد الراشدي الذي تتجلى أهميته بصلته بالعهد النبوي وقربه منه، فكان العهد الراشدي عامة، والجانب القضائي خاصة، امتداداً للقضاء في العهد النبوي، مع المحافظة الكاملة والتامة على جميع ماثبت في العهد النبوي، وتطبيقه بحذافيره وتنفيذه بنصه ومعناه، وتظهر أهمية العهد الراشدي في القضاء بأمرين أساسيين:
• المحافظة على نصوص العهد النبوي في القضاء، والتقيد بما جاء فيه، والسير في ركابه، والاستمرار في الالتزام به.
• وضع التنظيمات القضائية الجديدة لترسيخ دعائم الدولة الإسلامية الواسعة ومواجهة المستجدات المتنوعة( ).
كان أبو بكر ? يقضي بنفسه إذا عرض له قضاء، ولم تفصل ولاية القضاء عن الولاية العامة في عهده، ولم يكن للقضاء ولاية خاصة مستقلة كما كان الأمر في عهد رسول الله ?، إذ كان الناس على مقربة من النبوة، يأخذون أنفسهم بهدي الإسلام، وتقوم حياتهم على شريعته، وقلما توجد بينهم خصومة تذكر، ففي المدينة عهد أبو بكر إلى عمر بالقضاء، ليستعين به في بعض الأقضية ولكن هذا لم يعطي لعمر صفة الاستقلال بالقضاء( )، وأقر أبو بكر ? معظم القضاة والولاة الذين عينهم رسول الله واستمروا على ممارسة القضاء والولاية أو أحديهما في عهده( ) وسوف نأتي على ذكر الولاة وأعمالهم بإذن الله تعالى.
وأما مصادر القضاء في عهد الصديق ? هي:
1-القرآن الكريم.
2-السنة النبوية ويندرج فيها قضاء رسول الله ?.
3-الإجماع، باستشارة أهل العلم والفتوى.
4-الاجتهاد والرأي، وذلك عند عدم وجود مايحكم به من كتاب أو سنة أو إجماع( ).
فكان ابو بكر ? إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه مايقضي به قضى، فإن لم يجد في كتاب الله نظر في سنة رسول الله ?، فإن وجد فيها مايقضي به قضى به، فإن أعياه ذلك سأل الناس، هل علمتم أن رسول الله ? قضى فيه بقضاء، فربما قام إليه القوم فيقولون: قضى فيه بكذا أو بكذا، فيأخذ بقضاء رسول الله، يقول عندئذ: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا وإن أعياه ذلك دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على الأمر قضى به( )، ويظهر أن الصديق يرأى الشورى ملزمة إذا اجتمع رأي أهل الشورى على أمر، إذ لايجوز للإمام مخالفتهم وهذا ماحكى عنه في القضاء فإنه كان إذا اجتمع رأي المستشارين على الأمر قضى به وهذا ماأمر به عمرو بن العاص عندما أرسل إليه خالد بن الوليد مدداً حيث قال له: شاورهم ولاتخالفهم( )، وكان ? يتثبت في قبول الأخبار، فعن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تورث فقال: ما أجد لك في كتاب الله تعالى شيئاً، وماعلمت أن رسول الله ? ذكر لك شيئاً، ثم سأل الناس فقام المغيرة فقال: حضرت رسول الله ? يعطيها السدس فقال أبو بكر: هل معك أحد؟ فشهد ابن مسلمة بمثل ذلك فأنفذه لها أبو بكر ?( )، وكان يرأى أن القاضي لايحكم بعلمه الشخصي، إلا إذا كان معه شاهد آخر يعزز هذا العلم، فقد روي عن أبي بكر ? أنه قال: لو رأيت رجلاً على حد، لم أعاقبه حتى تقوم البينة عليه، أو يكون معي شاهد آخر( )، وهذه بعض الأقضية التي صدرت في عهد أبي بكر ?:
أ-قضيه قصاص:
قال علي بن ماجدة السهمي: قاتلت رجلاً، فقطعت بعض أذنه، فقدم أبو بكر حاجا، فرفع شأننا إليه، فقال لعمر: انظر هل بلغ أن يقتص منه، قال: نعم، عليَّ بالحجّام، فلما ذكر الحجام قال أبو بكر: سمعت رسول الله ? يقول: إني وهبت لخالتي غُلاما، أرجو أن يبارك لها فيه، وإني نهيتها أن تجعله حجاماً، أو قصّاباً، أو صانعاً( ).
2-نفقة الوالد على الولد:
عن قيس بن حازم قال: حضرت أبا بكر الصديق ?، فقال له رجل: ياخليفة رسول الله: هذا يريد أن يأخذ مالي كله ويجتاحه، فقال أبو بكر ?: إنما لك من ماله مايكفيك، فقال: ياخليفة رسول الله ?، أليس قال رسول الله ?: أنت ومالك لأبيك؟ فقال أبو بكر ?: ارض بما رضي الله به، ورواه غيره عن المنذر بن زياد، وقال فيه: إنما يعني بذلك النفقة( ).
3-الدفاع المشروع:
عن أبي مليكة عن جده أن رجلاً عضَّ يد رجل فأنذَرَ ثنيته (قلع سنه) فأهدرها أبو بكر( ).
4-الحكم بالجلد:
روى الإمام مالك عن نافع أن صفية بنت أبي عبيد أخبرته: أن أبا بكر الصديق أتى برجل قد وقع على جارية بكر فأحبلها، ثم اعترف على نفسه بالزنا، ولم يكن أحصن، فأمر به أبو بكر فجلد الحدَّ، ثم نُفي إلى فدك( )، وفي رواية بأنه لم يجلد الجارية ولم ينفها لأنها استكرهت، ثم زوجها إياه أبو بكر وأدخله عليها( )، وعندما سئل الصديق عن رجل زنى بامرأة، ثم يريد أن يتزوجها قال: مامن توبة أفضل من أن يتزوجها، خرجا من سفاح إلى نكاح( ).
5-الحضانة للأم مالم تتزوج:
طلق عمر بن الخطاب امرأته الأنصارية-أم ابنه عاصم- فلقيها تحمله بمُحَسِّر( )، ولقيه قد فُطم ومشى، فأخذ بيديه لينتزعه منها، ونازعها إياه حتى أوجع الغلام وبكى، وقال: أنا أحق بإبني منك. فاختصمها إلى أبي بكر، فقضى لها به، وقال: ريحها، وحِجْرُها وفرشها خير له منك حتى يشب ويختار لنفسه( ) وفي رواية: هي أعطف وألطف وأرحم وأحْنا وأرأف، وهي أحق بولدها مالم تتزوج( ).
هذه بعض الأقضية والأحكام التي حدثت في عهد الصديق ? هذا وقد تميز القضاء في عهد الصديق بعدة أمور منها:
أ-كان القضاء في عهد الصديق امتداداً لصورة القضاء في العهد النبوي، بالالتزام به، والتأسي بمنهجه، وانتشار التربية الدينية، والإرتباط بالإيمان والعقيدة والاعتماد على الوازع الديني، والبساطة في سير الدعوى، واختصار الإجراءات القضائية، وقلة الدعاوى والخصومات.
ب- اصبحت الأحكام القضائية في عصر الصديق موئل الباحثين، ومحط الأنظار للفقهاء، وصارت الأحكام القضائية، مصدراً للأحكام الشرعية، والاجتهادات القضائية، والآراء الفقهية في مختلف العصور.
جـ-مارس الصديق وبعض ولاته النظر في المنازعات، وتولي القضاء بجانب الولاية.
د-ساهمت فترة الصديق في ظهور مصادر جديدة للقضاء في العهد الراشدي، وصارت مصادر الأحكام القضائية هي: القرآن الكريم، والسنة الشريفة، الإجماع، القياس، السوابق القضائية، الرأي الاجتهادي مع المشورة( ).
هـ-كانت آداب القضاء مرعية في حماية الضعيف، ونصرة المظلوم، والمساواة بين الخصوم وإقامة الحق والشرع على جميع الناس، ولو كان الحكم على الخليفة أو الأمير أو الوالي، وكان القاضي في الغالب يتولى تنفيذ الأحكام، إن لم ينفذها الأطراف طوعاً واختياراً، وكان التنفيذ عقب صدور الحكم فوراً( ).
3-الولاية على البلدان:
كان أبو بكر يستعمل الولاة في البلدان المختلفة ويعهد إليهم بالولاية العامة في الإدارة والحكم والإمامة، وجباية الصدقات، وسائر أنواع الولايات، وكان ينظر إلى حسن اختيار الرسول للأمراء والولاة على البلدان فيقتدي به في هذا العمل، ولهذا نجده قد أقر جميع عمال الرسول الذين توفي الرسول وهم على ولايتهم، ولم يعزل أحداً منهم إلا ليعينه في مكان آخر أكثر أهمية من موقعه الأول ويرضاه كما حدث لعمرو بن العاص( ) وكانت مسؤوليات الولاة في عهد أبي بكر الصديق ? بالدرجة الأولى امتداداً لصلاحياتهم في عصر الرسول ? خصوصاً الولاة الذين سبق تعيينهم أيام الرسول ويمكن تلخيص أهم مسئوليات الولاة في عصر أبي بكر وهي:
أ-إقامة الصلاة وإمامة الناس وهي المهمة الرئيسية لدى الولاة نظراً لما تحمله من معان دينية ودنيوية سياسية واجتماعية حيث الولاة يؤمون الناس وعلى وجه الخصوص في صلاة الجمعة، والأمراء دائماً كانت توكل إليهم الصلاة سواء كانوا أمراء على البلدان أم أمراء على الأجناد.
ب-الجهاد كان يقوم به أمراء الأجناد في بلاد الفتح، فكانوا يتولون أموره ومافيه من مهام مختلفة بأنفسهم أو ينيبون غيرهم في بعض المهام كتقسيم الغنائم أو المحافظة على الأسرى، أو غير ذلك، وكذلك مايتبع هذا الجهاد من مهام أخرى كمفاوضة الأعداء وعقود المصالحة معهم وغيرها، ويتساوى في المهمات الجهادية أمراء الأجناد في الشام والعراق وكذلك الأمراء في البلاد التي حدثت فيها الردة كاليمن والبحرين وعمان ونجد، نظراً لوجود تشابه في العمليات الجهادية مع اختلاف الأسباب الموجهة لهذه العمليات.
ت-إدارة شؤون البلاد المفتوحة وتعيين القضاة والعمال عليها من قبل الأمراء أنفسهم، وبإقرار من الخليفة أبي بكر، أو تعيين من أبي بكر ?، عن طريق هؤلاء العمال( ).
جـ-أخذ البيعة للخليفة، فقد قام الولاة في اليمن وفي مكة والطائف وغيرها بأخذ البيعة لأبي بكر ? من أهل البلاد التي كانوا يتولون عليها.
ح-كانت هناك أمور مالية توكل إلى الولاة إو إلى من يساعدهم ممن يعينهم الخليفة أو الوالي لأخذ الزكاة من الأغنياء وتوزيعها على الفقراء أو أخذ الجزية من غير المسلمين وصرفها في محلها الشرعي وهي امتداد لما قام به ولاة الرسول في هذا الخصوص.
خ-تجديد العهود القائمة من أيام الرسول ? حيث قام والي نجران بتجديد العهد الذي كان بين أهلها وبين الرسول ? بناء على طلب نصارى نجران( ).
د-كانت من أهم مسؤوليات الولاة إقامة الحدود وتأمين البلاد وهم يجتهدون رأيهم فيما لم يكن فيه نص شرعي، كما فعل المهاجر بن أبي أمية بالمرأتين اللتين تغنتا بذم الرسول وفرحتا بوفاته وسيأتي بيان ذلك بإذن الله تعالى في جهاد الصديق لأهل الردة.
س-كان للولاة دور رئيسي في تعليم الناس أمور دينهم وفي نشر الإسلام في البلاد التي يتولون عليها وكان الكثير من هؤلاء الولاة يجلسون في المساجد يعلمون الناس القرآن والأحكام وذلك عملاً بسنة الرسول ? وتعتبر هذه المهمة من أعظم المهام وأجلها في نظر الرسول وخليفته أبي بكر، وقد اشتهر عن ولاة أبي بكر ذلك حيث يتحدث أحد المؤرخين عن عمل زياد والي أبي بكر على حضرموت فيقول: فلما أصبح زياد غداً يقرئ الناس كما كان يفعل قبل ذلك( ).
وبهذا التعليم كان للولاة دور كبير في نشر الإسلام في ربوع البلاد التي يتولونها، وبهذا التعليم تثبت أقدام الإسلام سواء في البلاد المفتوحة الحديثة عهد بالإسلام أو في البلاد التي كانت مسلمة وارتدت، وهي حديثة عهد بالردة جاهلة بأحكام دينها، إضافة إلى أن البلاد المستقرة كمكة والطائف والمدينة، كان بها من يقرئ الناس بأمر من الولاة أو الخليفة نفسه، أو من يعينه الخليفة على التعليم في هذه البلدان( ).
وقد كان الوالي هو المسؤل مسئولية مباشرة عن إدارة الأقليم الذي يتولاه وفي حالة سفر هذا الوالي فإنه يتعين عليه أن يستخلف أو ينيب عنه من يقوم بعمله حتى يعود هذا الوالي إلى عمله، ومن ذلك أن المهاجر بن أبي أمية عينه الرسول على كندة ثم أقره أبو بكر بعد وفاة الرسول ولم يصل المهاجر إلى اليمن مباشرة وتأخر نظراً لمرضه فأرسل إلى (زياد بن لبيد) ليقوم عنه بعمله حتى شفائه وقدومه، وقد أقرأ أبو بكر ذلك( )، كذلك كان خالد أثناء ولايته للعراق ينيب عنه في الحيرة من يقوم بعمله حتى عودته.
وكان أبو بكر ? يشاور الكثير من الصحابة قبل إختيار أحد من الأمراء سواء على الجند أو على البلدان، ونجد في مقدمة مستشاري أبي بكر في هذا الأمر عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وغيرهما( )، كما كان أبو بكر ? يشاور الشخص الذي يريد توليته قبل أن يعينه وعلى وجه الخصوص إذا أراد أن ينقل الشخص من ولاية إلى أخرى كما حدث حينما أراد أن ينقل عمرو بن العاص من ولايته التي ولاه عليها الرسول إلى ولاية جند فلسطين، فلم يصدر أبو بكر قراره إلا بعد أن استشاره وأخذ منه موافقة على ذلك( )، كذلك الحال بالنسبة للمهاجر بن أمية الذي خيّره أبو بكر بين اليمن أو حضرموت فاختار المهاجر اليمن فعينه أبو بكر عليها( ).
ومن الأمور التي سار عليها أبو بكر ? أنه كان يعمل بسنة النبي ? في تولية بعض الناس على قومهم إذا وجد فيهم صلحاء، كالطائف وبعض القبائل وكان أبو بكر ? عندما يريد أن يعين شخصاً على ولاية يكتب للشخص المعين عهداً له على المنطقة التي ولاه عليها، كما أنه في كثير من الأحيان قد يحدد له طريقه إلى ولايته ومايمر عليه من أماكن خصوصاً إذا كان التعيين مختصاً بمنطقة لم تفتح بعد ولم تدخل ضمن سلطات الدولة ويتضح ذلك في حروب الردة، وفتوح الشام والعراق وقام الصديق أحياناً بضم بعض الولايات إلى بعض، خصوصاً بعد الانتهاء من قتال المرتدين فقد ضم أبو بكر كندة إلى زياد بن لبيد البياضي، وكان والياً على حضرموت واستمر بعد ذلك والياً لحضرموت وكندة( ).
وكانت معاملة أبي بكر للولاة تتسم بالاحترام المتبادل الذي لم تشبه شائبة، وأما عن الاتصالات بين الولاة وبين الخليفة أبي بكر ? فقد كانت تجري بصفة دائمة وكانت هذه الاتصالات تختص بمصالح الولاية ومهام العمل، فقد كان الولاة كثيراً مايكتبون لأبي بكر في مختلف شئونهم يستشيرونه، وكان أبو بكر ي
Back to top Go down
سلمى العربيه
عربي مميز
عربي مميز


عدد المساهمات: 250
تاريخ التسجيل: 2010-01-18

PostSubject: Re: الصحابه رضوان الله عليهم   Tue Jan 19, 2010 10:07 pm

المبحث الثاني
البيعة العامة، وإدارة الشؤون الداخلية



أولاً: البيعة العامة:
بعد أن تمت بيعة أبي بكر ? البيعة الخاصة في سقيفة بني ساعدة، كان لعمر ? في اليوم التالي موقف في تأييد أبي بكر وذلك في اليوم التالي حينما اجتمع المسلمون للبيعة( ) العامة قال أنس بن مالك: لما بويع أبي بكر في السقيفة وكان الغد جلس ابوبكر على المنبر فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر فحمدالله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس إني كنت قلت لكم بالأمس مقالة ماكانت مما وجدتها في كتاب الله، ولا كانت عهداً عهده الى رسول الله ? ولكني قد كنت أرى أن رسول الله ? سيدبر أمرنا -يقول يكون آخرنا- وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى الله ورسوله ?، فإن عصيتم به هداكم الله لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله ? ثاني أثنين إذ هما في الغار فقوموا فبايعوه فبايع الناس أبابكر بعد بيعة السقيفة فتكلم أبوبكر فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله ثم قال: أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لايدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قومٍ إلا عمّهم الله بالبلاء، أطيعوني ماأطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا الى صلاتكم يرحمكم الله( ).
وقال عمر لأبي بكر يومئذ: اصعد المنبر، فلم يزل به حتى صعد المنبر فبايعه الناس عامة( ).
وتعتبر هذه الخطبة الرائعة من عيون الخطب الاسلامية على إيجازها وقد قرر الصديق فيها قواعد العدل والرحمة في التعامل بين الحاكم والمحكوم وركز على أن طاعة ولي الأمر مترتبة على طاعة الله ورسوله، ونص على الجهاد في سبيل الله لأهميته في إعزاز الأمة، وعلى اجتناب الفاحشة لأهمية ذلك في حماية المجتمع من الانهيار والفساد( )، من خلال الخطبة والأحداث التي تمت بعد وفاة الرسول يمكن للباحث أن يستنبط بعض ملامح نظام الحكم في بداية عهد الخلافة الراشدة والتي من أهمها:
1- مفهوم البيعة:
عرّف العلماء البيعة بتعاريف عدة منها تعريف ابن خلدون: العهد على الطاعة لولي الأمر( )، وعرفها بعضهم بقوله: البيعة على التعاقد على الاسلام( )، وعرفت كذلك بأنها أخذ العهد والميثاق والمعاقدة على إحياء ماأحياه الكتاب والسنّة، وإقامة ماأقامه( )، وكان المسلمون إذا بايعوا الأمير جعلوا أيديهم في يده، تأكيداً للعهد والولاء، فاشبه ذلك الفعل البائع والمشتري، فسمى هذا الفعل بيعة( ).
ونتعلم من مبايعة الأمة للصديق بأن الحاكم في الدولة الاسلامية إذا وصل الى الحكم عن طريق أهل الحل والعقد وبايعته الأمة بعد أن توفرت فيه الشروط المعتبرة، فيجب على المسلمين جميعاً مبايعته والاجتماع عليه، ونصرته على من يخرج عليه، حفظاً على وحدة الأمة وتماسك بنيانها أمام الأعداء في داخل الدولة الاسلامية وخارجها( ).
قال ?: (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)( )، فهذا الحديث فيه حث على وجوب إعطاء البيعة والتوعد على تركها، فمن مات ولم يبايع عاش على الضلال ومات على الضلال( ).
وقال رسول الله ?: (ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فيطعه مااستطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر)( ).
فالشارع الحكيم قد رتب القتل وأمر به، نتيجة الخروج على الامام مما يدل على حرمة هذا الفعل، لأنه بطلب بيعة أخرى بالبيعة الاولى التي هي فرض على المسلمين( ).
والذي يأخذ البيعة في حاضرة الدولة هو الخليفة. وأما في الأقاليم فقد يأخذها الإمام، وقد يأخذها نواب الإمام، كما حدث في بيعة الصديق ?، فأهل مكة والطائف أخذها نواب الخليفة.
والذي تجب بيعتهم للإمام هم أهل الحل والعقد، وأهل الاختيار من علماء الأمة وقادتها، وأهل الشورى وأمراء الأمصار وأما سائر الناس وعامتهم فيكفيهم دخولهم تحت بيعة هؤلاء، ولا يمنع العامة من البيعة بعد بيعة أهل الحل والعقد( )، وهناك من العلماء من قال لابد من البيعة العامة لأن الصديق لم يباشر مهامه كخليفة للمسلمين إلا بعد البيعة العامة له من المسلمين( ).
والبيعة بهذا المعنى الخاص الذي تمّ للصديق لا تعطي إلا للإمام الأعظم في الدولة الاسلامية ولاتعطى لغيره من الأشخاص سوءا في ظل الدولة الإسلامية أو عند فقدها، لما يترتب على هذه البيعة من أحكام( )، وخلاصة القول أن البيعة بمعناها الخاص هي إعطاء الولاء والسمع والطاعة للخليفة مقابل الحكم بما أنزل الله تعالى، وأنها في جوهرها وأصلها عقد وميثاق بين طرفين؛ الإمام من جهة وهو الطرف الأول، والأمة من جهة ثانية وهي الطرف الثاني، فالإمام يبايع على الحكم بالكتاب والسنّة والخضوع التام للشريعة الاسلامية عقيدة وشريعة ونظام حياة، والأمة تبايع على الخضوع والسمع والطاعة للإمام في حدود الشريعة.
فالبيعة خصصية من خصائص نظام الحكم في الاسلام تفرد به عن غيره من النظم الاخرى في القديم والحديث. ومفهومه أن الحاكم والأمة كليهما مقيد بما جاء به الاسلام من الأحكام الشرعية، ولا يحق لأحدهما سواء كان الحاكم أو الأمة ممثلة بأهل الحل والعقد، الخروج على أحكام الشريعة أو تشريع الأحكام التي تصادم الكتاب والسنّة، أو القواعد العامة في الشريعة ويعد فعل مثل ذلك خروجاً على الاسلام، بل إعلان الحرب على النظام العام للدولة الاسلامية بل أبعد من هذا نجد أن القرآن الكريم نفى عنهم صفة الايمان( )، قال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (سورة النساء، الآية:65).
فهذا مفهوم البيعة من خلال عصر أبي بكر الصديق ?.
2- مصدر التشريع في دولة الصديق:
قال أبوبكر ?: أطيعوني ماأطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم( )، فمصدر التشريع عند الصديق :
أ- القرآن الكريم:
قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} (سورة النساء، الآية:105).
فهو المصدر الاول الذي يشتمل على جميع الأحكام الشرعية التي تتعلق بشؤون الحياة، كما يتضمن مبادئ أساسية وأحكاماً قاطعة لإصلاح كل شعبة من شعب الحياة، كما بين القرآن الكريم للمسلمين كل مايحتاجون إليه من أسس تقوم عليها دولتهم.
ب- السنّة المطهرة:
هي المصدر الثاني الذي يستمد منه الدستور الاسلامي أصوله ومن خلالها يمكن معرفة الصيغ التنفيذية والتطبيقية لأحكام القرآن( ).
إن دولة الصديق خضعت للشريعة وأصبحت سيادة الشريعة الاسلامية فيها فوق كل تشريع وفوق كل قانون وأعطت لنا صورة مضيئة مشرقة على أن الدولة الاسلامية دولة شريعة، خاضعة بكل أجهزتها لأحكام هذه الشريعة، والحاكم فيها مقيد بأحكامها لايتقدم ولايتأخر عنها( ).
ففي دولة الصديق وفي مجتمع الصحابة، الشريعة فوق الجميع، يخضع لها الحاكم والمحكوم ولهذا قيد الصديق طاعته التي طلبها من الأمة بطاعة الله ورسوله، لئن رسول الله ? قال: (لا طاعة في المعصية، إنما الطاعة في المعروف)( ).
3- حق الأمة في مراقبة الحاكم ومحاسبته:
قال ابوبكر ?: فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني( ).
فهذا الصديق يقرّ بحق الأمة وأفرادها في الرقابة على أعماله ومحسبته عليها، بل وفي مقاومته لمنع كل منكر يرتكبه وإلزامه بما يعتبرونه الطريق الصحيح والسلوك الشرعي( )، وقد أقرّ الصديق في بداية خطابه للأمة أن كل حاكم معرض للخطأ والمحاسبة، وأنه لايستمد سلطته من أي امتياز شخصي يجعل له أفضلية على غيره؛ لأن عهد الرسالات والرسل المعصومين قد انتهى، وان آخر رسول كان يتلقى الوحى انتقل الى جوار ربه، وقد كانت له سلطة دينية مستمدة من عصمته كنبي ومن صفته كرسول يتلقى التوجيه من السماء، ولكن هذه العصمة قد انتهت بوفاته ? وبعد وفاته ? أصبح الحكم والسلطة مستمدة من عقد البيعة وتفويض الأمة له( ).
إن الأمة في فقه أبي بكر لها إدارة حية واعية لها القدرة على المناصرة والمناصحة والمتابعة والتقويم، فالواجب على الرعية نُصرة الإمام الحاكم بما أنزل الله ومعاضدته ومناصرته في أمور الدين والجهاد، ومن نصرة الامام ألا يهان، ومن معاضدته أن يحترم، وأن يكرّم فقوامته على الأمة وقيادته لها لإعلاء كلمة الله، تستوجب تبجيله وإجلاله وإكرامه وتبجيله، إجلالاً وإكراماً لشرع الله الذي ينافع عنه ويدافع عنه. قال رسول الله ? : (إن من إجلال الله تعالى: إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير المغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط)( )، والأمة واجب عليها أن تُناصح ولاة أمرها قال ?: (الدين النصحية
-ثلاثاً-) قال الصحابة: لمن يارسول الله؟ قال: (لله -عز وجل- ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)( )، ولقد استقر في مفهوم الصحابة أن بقاء الأمة على الاستقامة رهن باستقامة ولاتها ولذلك كان من واجبات الرعية تجاه حكامهم نصحهم وتقويمهم ولقد أخذت الدولة الحديثة تلك السياسة الرائدة للصديق ? وترجمت ذلك الى لجان متخصصة ومجالس شورية، تمد الحاكم بالخطط، وتزوده بالمعلومات، وتشير عليه بما يحسن أن يقرره، والشيء المحزن أن كثيراً من الدول الاسلامية تعرض عن هذا النظام الحكيم، فعظم مصيبتها في تسلط الحكام وجبروتهم، والتخلق الذي يعم معظم ديار المسلمين ماهو إلا نتيجة لتسلط بغيض، (ودكتاتورية) لعين، أماتت في الأمة روح التناصح والشجاعة، وبذرت فيها، وزرعت بها الجبن والفزع إلا من رحم ربي، وأما الأمة التي تقوم بدورها في مراقبة الحاكم ومناصحته تأخذ بأسباب القوة والتمكين في الأرض، فتنطلق الى آفاق الدنيا تبلغ دعوة الله( ).
4- إقرار مبدأ العدل والمساواة بين الناس:
قال أبو بكر ?: الضعيف فيكم قوي عندى حتى أرجع عليه حقه إن شاء الله والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله( ).
إن من أهداف الحكم الإسلامي الحرص على إقامة قواعد النظام الإسلامي التي تساهم في إقامة المجتمع المسلم ومن أهم هذه القواعد، الشورى والعدل، والمساواة والحريات، ففي خطاب الصديق للأمة أقرّ هذه المبادئ، فالشورى تظهر في طريقة اختياره وبيعته وفي خطبته في المسجد الجامع، بمحضر من جمهور المسلمين وأما عدالته فتظهر في نص خطابه ولاشك أن العدل في فكر أبي بكر هو عدل الإسلام الذي هو الدعامة الرئيسية في إقامة المجتمع الإسلامي والحكم الإسلامي فلاوجود للإسلام في مجتمع يسوده الظلم ولايعرف العدل.
إن إقامة العدل بين الناس أفراداً وجماعات ودولاً، ليست من الأمور التطوعية التي تترك لمزاج الحاكم أو الأمير وهواه، بل إن إقامة العدل بين الناس في الدين الإسلامي تعد من أقدس الواجبات وأهمها، وقد أجمعت الأمة على وجوب العدل( ) قال الفخر الرازي -رحمه الله- أجمعوا على أن من كان حاكماً وجب عليه أن يحكم بالعدل( ).
وهذا الحكم تؤيده النصوص القرآنية والسنة النبوية. إن من أهداف دولة الإسلام إقامة المجتمع الإسلامي الذي تسود فيه قيم العدل والمساواة ورفع الظلم ومحاربته، بكافة أشكاله وأنواعه، وعليها أن تفسح المجال وتيسر السبل أمام كل إنسان يطلب حقه أن يصل إليه بأيسر السبل وأسرعها دون أن يكلفه ذلك جهد أو مال وعليها أن تمنع أي وسيلة من الوسائل من شأنها أن تعيق صاحب الحق من الوصول إلى حقه.
لقد أوجب الإسلام على الحكام أن يقيموا العدل بين الناس دون النظر إلى لغاتهم أو أوطانهم أو أحوالهم الإجتماعية فهو يعدل بين المتخاصمين ويحكم بالحق، ولايهمه أن يكون المحكوم لهم أصدقاء أو أعداء، أغنياء أو فقراء عمالاً أو أصحاب عمل( )، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (سورة المائدة، آية:Cool.
لقد كان الصديق ? قدوة في عدله يأسر القلوب ويبهر الألباب، فالعدل في نظره دعوة عملية للإسلام فيه تفتح قلوب الناس للإيمان، لقد عدل بين الناس في العطاء، وطلب منهم أن يكونوا عوناً له في هذا العدل، وعرض القصاص من نفسه في واقعة تدل على العدل والخوف من الله سبحانه( )، فعن عبدالله بن عمرو بن العاص ?: أن أبا بكر الصديق ? قام يوم جمعة فقال: إذا كنا بالغداة فأحضروا صدقات الإبل نقسمها، ولايدخل علينا أحد إلا بإذن، فقالت امرأة لزوجها خذ هذا الخطام لعل الله يرزقنا جملاً، فأتى الرجل فوجد أبا بكر وعمر رضي الله عنهما قد دخلا إلى الإبل فدخل معهما، فالتفت أبو بكر فقال: ما أدخلك علينا؟ ثم أخذ منه الخطام فضربه، فلما فرغ أبو بكر من قسم الإبل دعا الرجل فأعطاه الخطام وقال: استقد .. فقال عمر: والله لايستقد ولاتجعلها سنة، قال أبو بكر فمن لي من الله يوم القيامة؟ قال عمر: أرضه، فأمر أبو بكر غلامه أن يأتيه براحلة ورحلها وقطيفة وخمسة دنانير فأرضاه بها( ).
وأما مبدأ المساواة الذي أقره الصديق في بيانه الذي ألقاه على الأمة، فيعد أحد المبادئ العامة التي أقرها الإسلام وهي من المبادئ التي تساهم في بناء المجتمع المسلم وسبق به تشريعات وقوانين العصر الحاضر، ومما ورد في القرآن الكريم تأكيداً لمبدأ المساواة قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (سورة الحجرات، آية:13).
إن الناس جميعاً في نظر الإسلام سواسية، الحاكم والمحكوم، الرجال والنساء، العرب والعجم، الأبيض والأسود، لقد ألغى الإسلام الفوارق بين الناس بسبب الجنس واللون أو النسب أو الطبقة، والحكام والمحكومون كلهم في نظر الشرع سواء( )، وجاءت ممارسة الصديق لهذا المبدأ خير شاهد على ذلك حيث يقول: وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه( ).
وكان ? ينفق من بيت مال المسلمين فيعطي كل مافيه سواسية بين الناس، فقد روى ابن سعد وغيره أن أبا بكر ?، كان له بيت مال بالسُّنح معروف، ليس يحرسه أحد، فقيل له: ألا تجعل على بيت المال من يحرسه؟ فقال: لايخاف عليه، قيل له: ولم؟ قال: عليه قفل! وكان يعطي مافيه حتى لايبقى فيه شيئاً، فلما تحوّل إلى المدينة حوّله معه فجعله في الدار التي كان فيها، وقدم عليه مال من معدن من معادن جُهينة، فكان كثيراً، وانفتح معدن بني سليم في خلافته، فقدم عليه منه بصدقة فكان يضع ذلك في بيت المال، فيقسمه بين الناس سوّياً، بين الحر والعبد، والذكر والأنثى، والصغير والكبير على السواء. قالت عائشة رضي الله عنها: فأعطى أول عام الحرّ عشرة والمملوك عشرة، وأعطى المرأة عشرة، وأمتها عشرة، ثم قسم في العام الثاني، فأعطاهم عشرين عشرين، فجاء ناس من المسلمين فقالوا: ياخليفة رسول الله: إنك قسمت هذا المال فسوّيت بين الناس، ومن الناس أناس لهم فضل وسوابق وقدم، فلو فضلت أهل السوابق والقدم والفضل. فقال: أما ماذكرتم من السوابق والقدم والفضل فما أعرفني بذلك وإنما ذلك شئ ثوابه على الله جلّ ثناؤه، وهذا معاش، فالأسوة فيه خير من الأثرة( ) فقد كان توزيع العطاء في خلافته على التسوية بين الناس، وقد ناظر الفاروق عمر ? أبا بكر في ذلك فقال: أتسوي بين من هاجر الهجرتين وصلى إلى القبلتين، وبين من أسلم عام الفتح؟ فقال أبو بكر: إنما عملوا لله، وإنما أجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ للراكب.
ورغم أن عمر ? غيّر في طريقة التوزيع فجعل التفضيل بالسابقة إلى الإسلام والجهاد إلا أنه في نهاية خلافته قال: لو استقبلت من أمري مااستدبرت لرجعت إلى طريقة أبي بكر فسويت بين الناس( ).
وكان يشتري الإبل والخيل والسلاح، فيحمل في سبيل الله، واشترى عاماً قطائف (القطيفة كساء مخمل) أتى بها من البادية، ففرقها في أرامل أهل المدينة في الشتاء وقد بلغ المال الذي ورد على أبي بكر في خلافته مائتي ألف وزعت في أبواب الخير( ).
لقد اتبع ابو بكر ? المنهج الرباني في إقرار العدل، وتحقيق المساواة بين الناس وراعى حقوق الضعفاء فرأى أن يضع نفسه في كفة هؤلاء الواهنة أصواتهم فيتبعهم بسمع مرهف وبصر حاد وإرادة واعية لاتستذلها عوامل القوة الأرضية فتملي كلمتها .. إنه الإسلام في فقه رجل دولته النابه الذي قام يضع القهر تحت أقدام قومه، ويرفع بالعدل رؤوسهم فيؤمن به كيان دولته ويحفظ لها دورها في حراسة الملة والأمة( ).
لقد قام الصديق منذ أول لحظة بتطبيق هذه المبادئ السامية، فقد كان يدرك أن العدل عز للحاكم والمحكوم، ولهذا وضع الصديق سياسته تلك موضع التنفيذ وهو يردد قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (سورة النحل، آية:90).
أكان أبو بكر يريد أن يطمئن المسلمون إلى دينهم، وحرية الدعوة إليه، وإنما تتم الطمأنينة للمسلمين ماقام الحاكم فيهم على أساس من العدل المجرد عن الهوى.
والحكم على هذا الأساس يقتضي الحاكم أن يسمو فوق كل اعتبار شخصي وأن يكون العدل والرحمة مجتمعين، وقد كانت نظرية أبي بكر في تولي أمور الدولة قائمة على إنكار الذات، والتجرد لله تجرداً مطلقاً جعله يشعر بضعف الضعيف، وحاجة المجتمع ويسمو بعدله على كل هوى، وينسى في سبيل ذلك نفسه وأبناءه، وأهله، ثم يتتبع أمور الدولة جليلها، ورقيقها بكل ما أتاه الله من يقظة وحذر( ).
وبناء على ماسبق يرفع العدل لواءه بين الناس، فالضعيف آمن على حقه، وكله يقين أن ضعفه يزول حينما يحكم العدل، فهو به قوي لايمنع حقه ولايضيع، والقوي حين يظلم يردعه الحق، وينتصف منه للمظلوم، فلا يحتمي بجاه أو سلطان أو قرابة لذي سطوة أو مكانة، وذلك هو العز الشامخ، والتمكين الكامل في الأرض( ).
وما أجمل ماقاله ابن تيمية رحمه الله: إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولاينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة،... بالعدل تستصلح الرجال، وتستغزر الأموال( ).
5-الصدق أساس التعامل بين الحاكم والمحكوم:
قال أبو بكر ?: الصدق أمانة والكذب خيانة( ) أعلن الصديق ? مبدأ أساسياً تقوم عليه خطته في قيادة الأمة وهو: أن الصدق بين الحاكم والأمة هو أساس التعامل، وهذا المبدأ السياسي الحكيم له الأثر الهام في قوة الأمة حيث ترسيخ جسور الثقة بينها وبين حاكمها إنه خلق سياسي منطلق من دعوة الإسلام إلى الصدق قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (سورة التوبة، آية:119) ومن التحذير منه كقول رسول الله ?: ثلاثة لايكلمهم الله يوم القيامة ولايزكيهم ولاينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر( ).
فهذه الكلمات (الصدق أمانة) اكتست بالمعاني، فكأن لها روحاً تروح بها وتغدو بين الناس، تلهب الحماس، وتصنع الأمل، (والكذب خيانة) وهكذا يأبى أبو بكر إلا أن يمس المعاني، فيسمي الأشياء بأسمائها، فالحاكم الكذاب هو ذلك الوكيل الخائن الذي يأكل خبز الأمة ثم يخدعها، فما أتعس حاكم يتعاطى الكذب فيسميه بغير اسمه، لقد نعته الصديق بالخيانة، وأنه عدو أمته الأول .. وهل بعد الخيانة من عداوة؟ حقا لازال الصديق يطل على الدنيا من موقفه هذا فيرفع أقواماً ويسقط آخرين! .. وتظل صناعة الرجال أرقى فنون الحكم! إذ هم عدة الأمة ورصيدها الذي تدافع به عن نفسها ملمات الأيام، ولاشك أن من تأمل كلمات أبي بكر تلك أصدقته الخبر بأن الرجل كان رائداً في هذا الفن الرفيع، فقد كان يسير على النهج النبوي الكريم( ) إن شعوب العالم اليوم تحتاج إلى هذا المنهج الرباني في التعامل بين الحاكم والمحكوم لكي تقاوم أساليب تزوير الانتخابات وتلفيق التهم، واستخدام الإعلام وسيلة لترويج اتهامات باطلة لمن يعارضون الحكام أو ينتقدونهم، ولابد من إشراف الأمة على التزام الحكام بالصدق والأمانة من خلال مؤسساتها التي تساعدها على تقويم ومحاسبة الحكام إذا انحرفوا( )، فتمنعهم من سرقة إرادتها، وشرفها، وحريتها وأموالها.
6-إعلان التمسك بالجهاد وإعداد الأمة لذلك:
قال أبو بكر ?: وماترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا خذلهم الله بالذل( )، لقد تلقى أبو بكر تربيته الجهادية مباشرة من نبيه وقائده العظيم ?، تلقاها تربية حية في ميادين الصراع بين الشرك والإيمان، والضلال والهدى، والشر والخير ولقد ذكرت مواقف الصديق في غزوات الرسول ?، ولقد فهم الصديق ? من حديث رسول الله ?: إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لاينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم( )، إن الأمة تصاب بالذل إذا تركت الجهاد فلذلك جعل الصديق الجهاد إحدى حقائق الحكم في دولته( )، ولذلك حشد طاقات الأمة من أجل الجهاد، لكي يرفع الظلم عن المظلومين ويزيل الغشاوة عن أعين المقهورين ويعيد الحرية للمحرومين، وينطلق بدعوة الله في آفاق الأرض يزيل كل عائق ضدها.
7-إعلان الحرب على الفواحش:
قال أبو بكر ?: ولاتشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء( )، والصديق هنا يذكر الأمة بقول النبي ?Sad لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا...)( ) إن الفاحشة هي داء المجتمع العضال الذي لادواء له، وهي سبيل تحلله وضعفه حيث لاقداسة لشيء، فالمجتمع الفاحش لايغار ويقر الدنية ويرضاها، إنه مجتمع الضعف والعار والأوجاع والأسقام، وحال الناس أدل شاهد. لقد وقف أبو بكر يحفظ قيم الأمة وأخلاقها( )، فقد حرص في سياسته على طهر الأمة ونقائها، وبعدها عن الفواحش ماظهر منها ومابطن، وهو ? يريد بذلك أمة قوية لاتشغلها شهواتها، ولايضلها شيطانها، لتعيش أمة منتجة تعطي الخير، وتقدم الفضل لكل الناس.
إن علاقة الأخلاق بقيام الدول وظهور الحضارة علاقة ظاهرة، فإن فسدت الأخلاق، وخربت الذمم، ضاعت الأمم، وعمها الفساد والدمار والدارس لحياة الأمم السابقة والحضارات السالفة بعين البصيرة، يدرك كيف قامت حضارات على الأخلاق الكريمة والدين الصحيح كالحضارة التي قامت في زمن داود وسليمان عليه السلام والتي قامت في زمن ذي القرنين وكثير من الأمم التي التزمت بالقيم والأخلاق فظلت قوية طالما حافظت عليها، فلما دب سوس الفواحش إليها استسلمت للشياطين، وبدلت نعمة الله كفراً، وأحلت قومها دار البوار، فزالت قوتها، وتلاشت حضارتها( ) إن الصديق ? استوعب سنن الله في المجتمعات وبناء الدول وزوالها وفهم أن زوال الدول يكون بالترف والفساد والإنغماس في الفواحش والموبقات قال تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} (سورة الإسراء، آية:16). أي أمرناهم بالأمر الشرعي من فعل الطاعات وترك المعاصي فعصوا وفسقوا فحق عليهم العذاب والتدمير جزاء فسقهم وعصيانهم. وفي قراءة {أمّرنا}( ) بالتشديد أي جعلناهم أمراء. والترف وإن كان كثرة المال والسلطان من أسبابه إلا أنه حالة نفسية ترفض الإستقامة على منهج الله وليس كل ثراء ترف( ).
إن سياسة الصديق في حربه للفواحش حرى بحكام المسلمين أن يقتدوا به، فالحاكم التقي الذكي العادل هو الذي يربي أمته على الأخلاق القويمة لأنه حينئذ سيقود شعباً أحس طعم الآدمية، وجرى في عروقه دم الإنسانية.. وأما إن سلب الحاكم الذكاء، وصار من الأغبياء.. أشاع الفاحشة في قومه وعمل على حمايتها بالقوة والقانون، وحارب القيم والأخلاق الحميدة ودفع بقومه إلى مستنقعات الرذيلة ليصبحوا كالحيوانات الضالة، والقطعان الهائمة لاهم لها إلا المتاع، والزينة الخادعة، فيصبحوا بعد ذلك أقزاماً، قد ودّعوا الرجولة والشهامة( ) ويصدق فيهم قول الله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} (سورة النحل، آية:112).
هذه بعض التعليقات التي فتح الله بها بما ترى على البيان الذي ألقاه الصديق للأمة والذي رسم فيه سياسة الدولة، فحدد مسؤولية الحاكم ومدى العلاقة بينه وبين المحكومين وغير ذلك من القواعد المهمة في بناء الدولة وتربية الشعوب وهكذا قامت الخلافة الإسلامية، وتحدد مفهوم الحكم تحديداً عملياً وكان حرص الأمة على منصب الخلافة واختيار الخليفة على هذه الصورة ومسارعة الناس إلى الرضا بذلك دليلاً على أنهم كانوا يسلمون بأن النظام الذي أنشأه النبي عليه الصلاة والسلام واجب البقاء، وأن النبي ? وإن مات فإنه خلف فيهم دينا وكتابا يسيرون على هديه فرضاء الناس يومئذ يعبر عن إرادة الاستمرار في ظل النظام الذي أنشأه النبي ?( ).
إن حكومة الصديق ? تمتع بها المسلمون زمناً ليس بكثير وعيَّن أبو بكر حد السلطة العليا فيها بتلك الخطبة الراقية على مستوى أنظمة الحكم في ذلك العصر وفي هذا الزمن فهي حكومة شورية قل أن يجد طلاب الحرية والعدل في كل عصر أحسن لسياسة الأمم منها( ) قادها التلميذ الأنجب والأذكى والأعلم والأعظم ايماناً للحبيب المصطفى ? أبو بكر ?.
وقد بين الإمام مالك بأنه لايكون أحد إماماً أبداً إلا على هذا الشرط( ) يقصد بالمضامين العظيمة التي ألقاها الصديق في بيانه السياسي الأول.
ثانياً: إدارة الشؤون الداخلية:
أراد الصديق ? أن ينفذ السياسة التي رسمها لدولته واتخذ من الصحابة الكرام أعواناً يساعدونه على ذلك، فجعل أبا عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة (وزير المالية) فأسند إليه شؤون بيت المال، وتولى عمر بن الخطاب القضاء (وزارة العدل) وباشر الصديق القضاء بنفسه أيضاً، وتولى زيد بن ثابت الكتابة (وزير البريد والمواصلات)( ) وأحياناً يكتب له من يكون حاضر من الصحابة كعلي بن أبي طالب أو عثمان بن عفان رضي الله عنهم، وأطلق المسلمون على الصديق لقب خليفة رسول الله ورأى الصحابة ضرورة تفريغ الصديق للخلافة، فقد كان أبو بكر ? رجلاً تاجراً يغدو كل يوم إلى السوق فيبيع ويبتاع فلما استُخلف أصبح غادياً إلى السوق وعلى رقبته أثواب يتجر بها، فلقيه عمر وأبو عبيدة فقالا: أين تريد ياخليفة رسول الله؟ قال: السوق. قالا: تصنع ماذا وقد وليت أمور المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالي؟ فقالاSadانطلق معنا حتى نفرض لك شيئاً. فانطلق معهما ففرضوا له كل يوم شطر شاه( )، وجاء في الرياض النضرة أن رزقه الذي فرضوه له خمسون ومائتا دينار في السنة وشاة يؤخذ من بطنها ورأسها وأكارِعها، فلم يكن يكفيه ذلك ولاعياله، قالوا وقد كان قد ألقى كل دينار ودرهم عنده في بيت مال المسلمين، فخرج إلى البقيع فتصافق (بايع) فجاء عمر ? فإذا هو بنسوة جلوس، فقالSadماشأنكن؟) قلن: نريد خليفة رسول الله ? يقضي بيننا، فانطلق فوجده في السوق فأخذه بيده فقالSadتعالى هاهنا). فقال: لاحاجة لي في إمارتكم( )، رزقتموني مالايكفيني ولاعيالي قالSad فإنّا نزيدك). قال أبو بكرSadثلاثمائة دينار والشاة كلها) قال عمر: أما هذا فلا، فجاء علي ? وهما على حالهما تلك، قالSadأكملها له) قالSadترى ذلك؟) قال: نعم، قالSadقد فعلنا)( ) وانطلق أبوبكر ? فصعد المنبر، واجتمع إليه الناس فقال: (أيها الناس إن رزقي كان خمسين ومائتي دينار وشاة يؤخذ من بطنها ورأسها وأكارِعُها وإن عمر وعلياً كمّلا لي ثلاثمائة دينار والشاة أفرضيتم؟ قال المهاجرونSadاللهم نعم قد رضينا)( ).
وهكذا وقف الصحابة في فهمهم الراقي لولاية الدين وأمانة الحكم يفرضون لإمامهم رزقاً يغتني به عن التجارة بعد إذ صار عاملاً للأمة تملك منه الوقت والجهد والفكر .. ومن ثم يقررون معنى في الإسلام بديعاً يفصل الذمة المالية للأمة عن ذمة الحاكم.
هذا المعنى الذي لم يعرفه الغرب إلا في عهوده القريبة، إذ ظلت راية مالقيصر لقيصر مشرعة خفاقة يقاتل الناس دونها أزماناً طويلة، إن أصدق تعبير نقف به على دخول الذمة المالية للدولة بأسرها في ذمة الحاكم لهو مقالة لويس الخامس عشر (أنا الدولة والدولة أنا) لقد كان لويس تاجر غلال معروفاً يتجر في قوت أمته وهي تتضور جوعاً ثم لايرى أحد في ذلك شيئاً من العار .. أليس هو الأصل والأمة فرع عنه؟( ).
اين البشرية اليوم من أولئك الصحابة رضوان الله عليهم؟ فإن الخزينة قد أضحت بعدهم بيد أشخاص ينفقون كيف يشاءون، ويتصرفون كما يريدون، كما أصبحت لهم نفقات مستورة لاحصر لها، وفوق هذا فقد تكدست لهم الأموال في المصارف خارج البلاد، حتى غدت دول أجنبية تعيش على هذه الأموال لكثرتها وأكثرها يعود إلى الحكام وأمراء الشعوب المستضعفة، مع أنه قد ظهر أن هذه الأموال مهما بلغت، والعقارات مهما كثرت، فإنها لاتكفي شيئاً، ولاتغني صاحبها شيئاً، فإن شاه إيران مع ضخامة ما يملك لم يجد أرضاً تقبله ليأوي إليها هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فالأمر أشد والحساب عظيم( ).
فعلى حكام المسلمين أن يقتدوا بهذا الصحابي الجليل الذي أدار دولة الإسلام بعد وفاة الرسول ?، فما أجمل قوله ?: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي وشغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال وأحترف للمسلمين فيه( ).
إن الصديق يؤكد معاني بديعة، فولاية الدين ليست في حد ذاتها مغنما، أما مايفرض لها من رزق فلما تقضي إليه من اشتغال عامل الأمة عن أمر نفسه( ).
لقد سطر الصديق والصحابة الكرام صفحات رائعة في جبين الزمن، حتى أن البشرية تسعى في سلم التطور وتسعى ثم إذا هي قابعة عند أقدامهم( ).
سار الصديق في بناء دولة الإسلام بجد ونشاط واهتم بالبناء الداخلي، ولم يترك أي ثغرة يمكن أن تؤثر في ذلك البناء الشامخ الذي تركه رسول الله ?، فاهتم بالرعية وله مواقف مشرفة في هذا الباب، وأعطى للقضاء اهتماماً خاصاً، وتابع أمر الولاة وسار على المنهج النبوي الكريم في كل خطواته
Back to top Go down
سلمى العربيه
عربي مميز
عربي مميز


عدد المساهمات: 250
تاريخ التسجيل: 2010-01-18

PostSubject: Re: الصحابه رضوان الله عليهم   Tue Jan 19, 2010 10:08 pm

وإليك شيء من التفصيل عن تلك السياسة الرشيدة:
1-الصديق في المجتمع:
عاش الصديق ? بين المسلمين كخليفة لرسول الله ?، فكان لايترك فرصة تمر إلا علم الناس وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فكانت مواقفه تشع على من حوله من الرعية بالهدى والإيمان والأخلاق فمن هذه المواقف:
أ-حلبه للأغنام، والعجوز العمياء، وزيارة أم أيمن:
كان قبل الخلافة يحلب للحي أغنامهم، فلما بويع له بالخلافة قالت جارية من الحي: الآن لايحلب لنا منايح (أغنام) دارنا فسمعها أبو بكر فقال: لعمري لأحلبنها لكم، وإني لأرجو ألا يغيرني مادخلت فيه عن خلق كنت عليه، فكان يحلب لهنَّ، وكنَّ إذا أتينه بأغنامهنّ يقول: أنضح أم ألبد؟ فإن قالت انضح باعد الإناء من الضرع حتى تشتد الرغوة، وإن قالت ألبد أدناه منه حتى لاتكون له رغوة، فمكث كذلك بالسُّنح ستة أشهر ثم نزل إلى المدينة( ).
ففي هذا الخبر بيان شيء من أخلاق أبي بكر الصديق ?، فهذا تواضع كبير من رجل كبير، كبير في سنه، وكبير في منزلته وجاهه، حيث كان خليفة المسلمين، وكان حريصاً على أن لاتغير الخلافة شيئاً من معاملته للناس وإن كان ذلك سيأخذ عليه وقتا هو بحاجة إليه، كما أن هذا العمل يدلنا على مقدار تقدير الصحابة رضي الله عنهم لأعمال البر والإحسان وإن كلفتهم الجهد والوقت( ).
هذا أبو بكر ? غلب بعزيمته الصادقة، وثباته العجيب الجزيرة العربية، وأخضعها لدين الله، ثم بعث بها فقاتلت تحت ألويته الدولتين الكبريين على وجه الأرض، وغلبت عليها. أبو بكر.. يحلب لجواري الحي أغنامهنّ، ويقول: أرجو أن لايغيرني مادخلت فيه. وليس الذي دخل فيه بالأمر الهين، بل هو خلافة رسول الله، وسيادة العرب، وقيادة الجيوش التي ذهبت لتقلع من الأرض الجبروت الفارسي، والعظمة الرومانية، وتنشئ مكانهما صرح العدل، والعلم والحضارة، ثم يرجو ألاّ يغيره هذا كله، ولايمنعه من حلب أغنام الحيِّ( ).
إن من ثمار الإيمان بالله تعالى أخلاق حميدة منها خلق التواضع الذي تجسد في شخصية الصديق في هذا الموقف وفي غيره من المواقف وكان عندما يسقط خطام ناقته ينزل ليأخذه فيقال له: لو أمرتنا أن نناولكه، فيقول: أمرنا رسول الله ? ألا نسأل الناس شيئاً( )، لقد ترك لنا الصديق مثالاً حياً في فهم وتطبيق خلق التواضع المستمد من قوله تعالى: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} (سورة القصص، آية:40) ومن قوله ?: (مانقصت صدقة من مال، ومازاد الله عبداً بعفو إلا عزا، وماتواضع أحد لله إلا رفعه الله)( ). ولقد دفعه هذا الخلق إلى خدمة المسلمين وبخاصة أهل الحاجة منهم والضعفاء فعن أبي صالح الغفاري أن عمر بن الخطاب كان يتعهد عجوزاً كبيرة عمياء في بعض حواشي المدينة من الليل، فيسقي لها، ويقوم بأمرها فكان إذا جاءها وجد غيره قد سبقه إليها فأصلح ماأرادت، فجاءها غير مرة كيلا يسبق إليها –فرصده عمر، فإذا هو أبو بكر الذي يأتيها وهو يومئذ خليفة( )، وعن أنس بن مالك ?: قال أبو بكر ? بعد وفاة رسول الله ? لعمر: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله ? يزورها، فلما انتهينا إليها بكت، فقالا مايبكيك؟ ماعند الله خير لرسول الله ?، فقالت: ما أبكي أن أكون أعلم أن ماعند الله خير لرسول الله ?، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء. فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها( ).
ب-نصحه لأمرأة نذرت أن لاتحدث أحداً:
كان أبو بكر ? ينهى عن أعمال الجاهلية، والابتداع في الدين، ويدعو إلى إلى أعمال الإسلام، والتمسك بالسنّة( )، فعن قيس بن أبي حازم: دخل أبو بكر على امرأة من أحمس( )، يقال لها زينب، فرآها لاتتكلم. فقال أبو بكر: مالها لاتتكلم؟ قالوا: نوت حجه مصمتة( ) فقال لها: تكلمي، فإن هذا لايحل،( ) هذا من عمل الجاهلية. قال: فتكلمت، فقالت: من أنت؟ قال: أنا امرؤ من المهاجرين. قالت: أيُّ المهاجرين؟ قال: من قريش. قالت: من أيِّ قريش أنت؟ قال: إنك لسؤول، أنا أبو بكر. قالت: ياخليفة رسول الله: مابقاؤنا على هذا الأمر الصالح، الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ فقال: بقاؤكم عليه مااستقامت به أئمتكم.
قالت: وما الأئمة؟ قال: أما كان لقومك رؤوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟
قالت: بلى قال: فهم أولئك على الناس( ).
قال الخطابي رحمه الله: كان من نسك الجاهلية الصمت، فكان أحدهم يعتكف اليوم والليلة، ويصمت، فنهوا عن ذلك، وأمروا بالنطق بالخير، وقد استدل بقول أبي بكر هذا من قال بأن من حلف أن لايتكلم استحب له أن يتكلم، ولاكفارة عليه، لأن أبا بكر لم يأمرها بالكفارة، وقياسه أن من نذر أن لايتكلم لم ينعقد نذره، لأن أبا بكر أطلق أن ذلك لايحل، وأنه من فعل الجاهلية، وأن الإسلام هدم ذلك، ولايقول مثل هذا إلا عن علم من النبي ? فيكون في حكم المرفوع( ).
وقال ابن حجر: وأما الأحاديث الواردة في الصمت وفضله، فلايعارض لاختلاف المقاصد في ذلك، فالصمت المرغب فيه: ترك الكلام بالباطل، وكذا المباح إن جر إلى شيء من ذلك، والصمت المنهي عنه ترك الكلام في الحق لمن يستطيعه، وكذا المباح المستوي الطرفين، والله أعلم( ).
جـ-اهتمامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
كان الصديق ? يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويبين للناس ما التبس عليهم من الفهم فعن قيس بن أبي حازم قال سمعت أبا بكر الصديق يقول: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لايضركم من ضل إذا اهتديتم) إني سمعت رسول الله ? يقول: إن القوم إذا رأوا المنكر فلم يغيِّروه عمهم الله بعقاب. وفي رواية: يا أيها الناس إنكم تقرؤن هذه الآية، وتضعونها على غير مواضعها، وإنا سمعنا النبي ? يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب( ) قال النووي: وأما قوله تعالى{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} الآية. فليس مخالفاً لوجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لأن المذهب الصحيح عند المحققين في معنى الآية: أنكم إذا فعلتم ماكلفتم به فلايضركم تقصير غيركم، مثل قوله تعالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} فإذا كان كذلك فمما كلف به الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فإذا فعله، ولم يمتثل المخاطب فلاعتب بعد ذلك على الفاعل لكونه أدى ماعليه( ).
وكان ? يحث الناس على الصواب، فعن ميمون بن مهران أن رجلاً سلّم على أبي بكر فقال: السلام عليك ياخليفة رسول الله. قال: من بين هؤلاء أجمعين( )، وكان ? يترك السنة مخافة أن يظن مالاعلم له أنها فريضة أو واجبة، فعن حذيفة بن أسيد ? أنه قال: رأيت أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وما يضحيان مخافة أن يستن بهما وفي رواية: كراهية أن يقتدي بهما( )، وكان يوصي ابنه عبدالرحمن بحسن المعاملة لجيرانه، فقد قال له ذات يوم وهو يخاصم جاراً له: لاتماظ جارك، فإنّ هذا يبقى ويذهب الناس( )، وكان باراً بوالده فلما اعتمر في رجب سنة اثنتي عشر من الهجرة، دخل مكة ضحوة فأتى منزله وأبوه أبو قحافة جالس على باب داره، معه فتيان يحوشهم، فقيل له: هذا ابنك فنهض قائماً، وعجل أبو بكر أن ينيخ ناقته فنزل عنها وهي قائمة –ليقابل أباه في بر وطاعة، وجاء الناس يسلمون عليه، فقال أبو قحافة ياعتيق هؤلاء الملأ فأحسن صحبتهم فقال أبو بكر: يا أبة لاحول ولاقوة إلا بالله، طوقت أمراً عظيماً لاقدرة لي به ولايدان إلا بالله ..)( ) وكان يهتم بالصلاة والخشوع فيها ويحرص على حسن العبادة، وكان لايلتفت في صلاته( )، وكان أهل مكة يقولون: أخذ ابن جريج الصلاة من عطاء، وأخذها عطاء من ابن الزبير، وأخذها ابن الزبير من أبي بكر، وأخذها أبو بكر من النبي ?، وكان عبدالرزاق يقول: مارأيت أحداً أحسن صلاة من ابن جريج( )، وعن أنس ? قال: صلى أبو بكر بالناس الفجر فاقترأ البقرة في ركعتيه، فلما انصرف قال له عمر: ياخليفة رسول الله ماانصرفت حتى رأينا أن الشمس قد طلعت قال: لو طلعت لم تجدنا غافلين( )، وكان يحث الناس على الصبر في المصائب ويقول لمن مات له أحد: ليس مع العزاء مصيبة ولامع الجزع فائدة، الموت أهون مما قبله وأشدُّ مما بعده، اذكروا فقد رسول الله تصغر مصيبتكم، وعظم الله أجركم( )، وعزّى عمر ? عن طفل أصيب به فقال: عوَّضك الله منه ماعوضك منك( )، وكان ? يحذر الناس من البغي، والنكث، والمكر ويقول ثلاث من كُنَّ فيه كُنَّ عليه: البغي، والنكث والمكر( ) وكان يعظ الناس ويذكرهم بالله ومن مواعظه ?: الظلمات خمس والسُّرُج خمس: حب الدنيا ظلمة والسراج له التقوى، والذنب ظلمة والسراج له التوبة، والقبر ظلمة والسراج له لا إله إلا الله محمد رسول الله، والآخرة ظلمة والسراج لها العمل الصالح، والصراط ظلمة والسراج لها اليقين( )، وكان ? من خلال منبر الجمعة يحث على الصدق والحياء ويحث على الاعتبار والاستعداد للقدوم على الله ويحذر من الغرور، فعن أوسط بن اسماعيل رحمه الله قال: سمعت أبا بكر الصديق ? يخطب بعد وفاة رسول الله بسنة فقال: قام فينا رسول الله ? مقامي هذا عام أول، ثم بكى أبو بكر ثم قال: وفي رواية، ثم ذرفت عيناه، فلم يستطيع من العبرة أن يتكلم، ثم قال: أيها الناس: اسألوا الله العافية، فإنه لم يعط أحد خير من العافية بعد اليقين، وعليكم بالصدق فإنه مع البر، وهما في الجنة، وإياكم والكذب، فإنه مع الفجور، وهما في النار ولاتقاطعوا ولاتدابروا، ولاتباغضوا، ولاتحاسدوا، وكونوا عباد الله إخواناً( )، وقال الزبير بن العوام ?: إن أبا بكر قال وهو يخطب الناس: يامعشر المسلمين: استحيوا من الله عزوجل، فوالذي نفسي بيده إني لأظل حين أذهب الغائط في الفضاء متقنعاً بثوبي استحياء من ربي عزوجل( ) وعن عبدالله بن حكيم قال: خطبنا أبو بكر ? فقال: أما بعد:
فإني أوصيكم بتقوى الله، وأن تثنوا عليه بما هو له أهل، وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاح بالمسألة، فإن الله أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}، ثم اعلموا عباد الله أن الله قد ارتهن بحقه أنفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقكم، فاشترى القليل الفاني بالكثير الباقي، وهذا كتاب الله فيكم لاتفنى عجائبه، ولايطفأ نوره، فصدقوا قوله، وانتصحوا كتابه، واستوضئوا منه ليوم الظلمة، فإنما خلقكم للعبادة، ووكل بكم الكرام الكاتبين يعلمون ماتفعلون ثم اعلموا عباد الله أنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيّب عنكم علمه، فإن استطعتم أن تنقضي الآجال وأنتم وأنتم في عمل لله فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله، فسابقوا في مهل آجالكم قبل أن تنقضي آجالكم فيردكم إلى أسوأ أعمالكم، فإن أقواماً جعلوا آجالهم لغيرهم، ونسوا أنفسهم، فأنهاكم أن تكونوا مثلهم. فالوحا الوحا( )، ثم النجا النجا، فإن وراءكم طلباً حثيثاً مَرُّهُ( ) سريع وفي رواية أخرى: أين من تعرفون من إخوانكم؟! ومن أصحابكم؟! قد وردوا على ماقدموا، قدموا ماقدموا في أيام سلفهم، وحلوا فيه بالشقوة والسعادة. أين الجبارون الذين بنوا المدائن، وحففوها بالحوائط، قد صاروا تحت الصخر والآبار. أين الوضاءة الحسنة وجوههم، المعجبون بشبابهم؟ أين الملوك وأين الذين كانوا يعطون الغلبة في مواطن الحرب؟ قد تضعضع بهم الدهر، فأصبحوا في ظلمات القبور. لاخير في قول لايراد به وجه الله، ولاخير في مال لاينفق في سبيل الله، ولاخير فيمن يغلب جهله حلمه، ولاخير فيمن يخاف في الله لومة لائم.
إن الله تعالى ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب يعطيه به خيراً، ولايصرفه عن سوءاً، إلا بطاعته واتباع أمره، وإنه لاخير بخير بعده النار، ولاشر بشر بعده الجنة، واعلموا أنكم ما أخلفتم لله عزوجل فربكم أطعتم، وحقكم حفظتم، وأوصيكم بالله لفقركم وفاقتكم أن تتقوه، وأن تثنوا عليه بما هو أهله، وأن تستغفروه إنه كان غفاراً، أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم( ).
وهكذا كان الصديق يهتم بالمجتمع فيوعظ المسلمين، ويحثهم على الخير ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فهذا غيظ من فيظ، وقليل من كثير.
2-القضاء في عهد الصديق:
يعتبر عهد الصديق بداية العهد الراشدي الذي تتجلى أهميته بصلته بالعهد النبوي وقربه منه، فكان العهد الراشدي عامة، والجانب القضائي خاصة، امتداداً للقضاء في العهد النبوي، مع المحافظة الكاملة والتامة على جميع ماثبت في العهد النبوي، وتطبيقه بحذافيره وتنفيذه بنصه ومعناه، وتظهر أهمية العهد الراشدي في القضاء بأمرين أساسيين:
• المحافظة على نصوص العهد النبوي في القضاء، والتقيد بما جاء فيه، والسير في ركابه، والاستمرار في الالتزام به.
• وضع التنظيمات القضائية الجديدة لترسيخ دعائم الدولة الإسلامية الواسعة ومواجهة المستجدات المتنوعة( ).
كان أبو بكر ? يقضي بنفسه إذا عرض له قضاء، ولم تفصل ولاية القضاء عن الولاية العامة في عهده، ولم يكن للقضاء ولاية خاصة مستقلة كما كان الأمر في عهد رسول الله ?، إذ كان الناس على مقربة من النبوة، يأخذون أنفسهم بهدي الإسلام، وتقوم حياتهم على شريعته، وقلما توجد بينهم خصومة تذكر، ففي المدينة عهد أبو بكر إلى عمر بالقضاء، ليستعين به في بعض الأقضية ولكن هذا لم يعطي لعمر صفة الاستقلال بالقضاء( )، وأقر أبو بكر ? معظم القضاة والولاة الذين عينهم رسول الله واستمروا على ممارسة القضاء والولاية أو أحديهما في عهده( ) وسوف نأتي على ذكر الولاة وأعمالهم بإذن الله تعالى.
وأما مصادر القضاء في عهد الصديق ? هي:
1-القرآن الكريم.
2-السنة النبوية ويندرج فيها قضاء رسول الله ?.
3-الإجماع، باستشارة أهل العلم والفتوى.
4-الاجتهاد والرأي، وذلك عند عدم وجود مايحكم به من كتاب أو سنة أو إجماع( ).
فكان ابو بكر ? إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه مايقضي به قضى، فإن لم يجد في كتاب الله نظر في سنة رسول الله ?، فإن وجد فيها مايقضي به قضى به، فإن أعياه ذلك سأل الناس، هل علمتم أن رسول الله ? قضى فيه بقضاء، فربما قام إليه القوم فيقولون: قضى فيه بكذا أو بكذا، فيأخذ بقضاء رسول الله، يقول عندئذ: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا وإن أعياه ذلك دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على الأمر قضى به( )، ويظهر أن الصديق يرأى الشورى ملزمة إذا اجتمع رأي أهل الشورى على أمر، إذ لايجوز للإمام مخالفتهم وهذا ماحكى عنه في القضاء فإنه كان إذا اجتمع رأي المستشارين على الأمر قضى به وهذا ماأمر به عمرو بن العاص عندما أرسل إليه خالد بن الوليد مدداً حيث قال له: شاورهم ولاتخالفهم( )، وكان ? يتثبت في قبول الأخبار، فعن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تورث فقال: ما أجد لك في كتاب الله تعالى شيئاً، وماعلمت أن رسول الله ? ذكر لك شيئاً، ثم سأل الناس فقام المغيرة فقال: حضرت رسول الله ? يعطيها السدس فقال أبو بكر: هل معك أحد؟ فشهد ابن مسلمة بمثل ذلك فأنفذه لها أبو بكر ?( )، وكان يرأى أن القاضي لايحكم بعلمه الشخصي، إلا إذا كان معه شاهد آخر يعزز هذا العلم، فقد روي عن أبي بكر ? أنه قال: لو رأيت رجلاً على حد، لم أعاقبه حتى تقوم البينة عليه، أو يكون معي شاهد آخر( )، وهذه بعض الأقضية التي صدرت في عهد أبي بكر ?:
أ-قضيه قصاص:
قال علي بن ماجدة السهمي: قاتلت رجلاً، فقطعت بعض أذنه، فقدم أبو بكر حاجا، فرفع شأننا إليه، فقال لعمر: انظر هل بلغ أن يقتص منه، قال: نعم، عليَّ بالحجّام، فلما ذكر الحجام قال أبو بكر: سمعت رسول الله ? يقول: إني وهبت لخالتي غُلاما، أرجو أن يبارك لها فيه، وإني نهيتها أن تجعله حجاماً، أو قصّاباً، أو صانعاً( ).
2-نفقة الوالد على الولد:
عن قيس بن حازم قال: حضرت أبا بكر الصديق ?، فقال له رجل: ياخليفة رسول الله: هذا يريد أن يأخذ مالي كله ويجتاحه، فقال أبو بكر ?: إنما لك من ماله مايكفيك، فقال: ياخليفة رسول الله ?، أليس قال رسول الله ?: أنت ومالك لأبيك؟ فقال أبو بكر ?: ارض بما رضي الله به، ورواه غيره عن المنذر بن زياد، وقال فيه: إنما يعني بذلك النفقة( ).
3-الدفاع المشروع:
عن أبي مليكة عن جده أن رجلاً عضَّ يد رجل فأنذَرَ ثنيته (قلع سنه) فأهدرها أبو بكر( ).
4-الحكم بالجلد:
روى الإمام مالك عن نافع أن صفية بنت أبي عبيد أخبرته: أن أبا بكر الصديق أتى برجل قد وقع على جارية بكر فأحبلها، ثم اعترف على نفسه بالزنا، ولم يكن أحصن، فأمر به أبو بكر فجلد الحدَّ، ثم نُفي إلى فدك( )، وفي رواية بأنه لم يجلد الجارية ولم ينفها لأنها استكرهت، ثم زوجها إياه أبو بكر وأدخله عليها( )، وعندما سئل الصديق عن رجل زنى بامرأة، ثم يريد أن يتزوجها قال: مامن توبة أفضل من أن يتزوجها، خرجا من سفاح إلى نكاح( ).
5-الحضانة للأم مالم تتزوج:
طلق عمر بن الخطاب امرأته الأنصارية-أم ابنه عاصم- فلقيها تحمله بمُحَسِّر( )، ولقيه قد فُطم ومشى، فأخذ بيديه لينتزعه منها، ونازعها إياه حتى أوجع الغلام وبكى، وقال: أنا أحق بإبني منك. فاختصمها إلى أبي بكر، فقضى لها به، وقال: ريحها، وحِجْرُها وفرشها خير له منك حتى يشب ويختار لنفسه( ) وفي رواية: هي أعطف وألطف وأرحم وأحْنا وأرأف، وهي أحق بولدها مالم تتزوج( ).
هذه بعض الأقضية والأحكام التي حدثت في عهد الصديق ? هذا وقد تميز القضاء في عهد الصديق بعدة أمور منها:
أ-كان القضاء في عهد الصديق امتداداً لصورة القضاء في العهد النبوي، بالالتزام به، والتأسي بمنهجه، وانتشار التربية الدينية، والإرتباط بالإيمان والعقيدة والاعتماد على الوازع الديني، والبساطة في سير الدعوى، واختصار الإجراءات القضائية، وقلة الدعاوى والخصومات.
ب- اصبحت الأحكام القضائية في عصر الصديق موئل الباحثين، ومحط الأنظار للفقهاء، وصارت الأحكام القضائية، مصدراً للأحكام الشرعية، والاجتهادات القضائية، والآراء الفقهية في مختلف العصور.
جـ-مارس الصديق وبعض ولاته النظر في المنازعات، وتولي القضاء بجانب الولاية.
د-ساهمت فترة الصديق في ظهور مصادر جديدة للقضاء في العهد الراشدي، وصارت مصادر الأحكام القضائية هي: القرآن الكريم، والسنة الشريفة، الإجماع، القياس، السوابق القضائية، الرأي الاجتهادي مع المشورة( ).
هـ-كانت آداب القضاء مرعية في حماية الضعيف، ونصرة المظلوم، والمساواة بين الخصوم وإقامة الحق والشرع على جميع الناس، ولو كان الحكم على الخليفة أو الأمير أو الوالي، وكان القاضي في الغالب يتولى تنفيذ الأحكام، إن لم ينفذها الأطراف طوعاً واختياراً، وكان التنفيذ عقب صدور الحكم فوراً( ).
3-الولاية على البلدان:
كان أبو بكر يستعمل الولاة في البلدان المختلفة ويعهد إليهم بالولاية العامة في الإدارة والحكم والإمامة، وجباية الصدقات، وسائر أنواع الولايات، وكان ينظر إلى حسن اختيار الرسول للأمراء والولاة على البلدان فيقتدي به في هذا العمل، ولهذا نجده قد أقر جميع عمال الرسول الذين توفي الرسول وهم على ولايتهم، ولم يعزل أحداً منهم إلا ليعينه في مكان آخر أكثر أهمية من موقعه الأول ويرضاه كما حدث لعمرو بن العاص( ) وكانت مسؤوليات الولاة في عهد أبي بكر الصديق ? بالدرجة الأولى امتداداً لصلاحياتهم في عصر الرسول ? خصوصاً الولاة الذين سبق تعيينهم أيام الرسول ويمكن تلخيص أهم مسئوليات الولاة في عصر أبي بكر وهي:
أ-إقامة الصلاة وإمامة الناس وهي المهمة الرئيسية لدى الولاة نظراً لما تحمله من معان دينية ودنيوية سياسية واجتماعية حيث الولاة يؤمون الناس وعلى وجه الخصوص في صلاة الجمعة، والأمراء دائماً كانت توكل إليهم الصلاة سواء كانوا أمراء على البلدان أم أمراء على الأجناد.
ب-الجهاد كان يقوم به أمراء الأجناد في بلاد الفتح، فكانوا يتولون أموره ومافيه من مهام مختلفة بأنفسهم أو ينيبون غيرهم في بعض المهام كتقسيم الغنائم أو المحافظة على الأسرى، أو غير ذلك، وكذلك مايتبع هذا الجهاد من مهام أخرى كمفاوضة الأعداء وعقود المصالحة معهم وغيرها، ويتساوى في المهمات الجهادية أمراء الأجناد في الشام والعراق وكذلك الأمراء في البلاد التي حدثت فيها الردة كاليمن والبحرين وعمان ونجد، نظراً لوجود تشابه في العمليات الجهادية مع اختلاف الأسباب الموجهة لهذه العمليات.
ت-إدارة شؤون البلاد المفتوحة وتعيين القضاة والعمال عليها من قبل الأمراء أنفسهم، وبإقرار من الخليفة أبي بكر، أو تعيين من أبي بكر ?، عن طريق هؤلاء العمال( ).
جـ-أخذ البيعة للخليفة، فقد قام الولاة في اليمن وفي مكة والطائف وغيرها بأخذ البيعة لأبي بكر ? من أهل البلاد التي كانوا يتولون عليها.
ح-كانت هناك أمور مالية توكل إلى الولاة إو إلى من يساعدهم ممن يعينهم الخليفة أو الوالي لأخذ الزكاة من الأغنياء وتوزيعها على الفقراء أو أخذ الجزية من غير المسلمين وصرفها في محلها الشرعي وهي امتداد لما قام به ولاة الرسول في هذا الخصوص.
خ-تجديد العهود القائمة من أيام الرسول ? حيث قام والي نجران بتجديد العهد الذي كان بين أهلها وبين الرسول ? بناء على طلب نصارى نجران( ).
د-كانت من أهم مسؤوليات الولاة إقامة الحدود وتأمين البلاد وهم يجتهدون رأيهم فيما لم يكن فيه نص شرعي، كما فعل المهاجر بن أبي أمية بالمرأتين اللتين تغنتا بذم الرسول وفرحتا بوفاته وسيأتي بيان ذلك بإذن الله تعالى في جهاد الصديق لأهل الردة.
س-كان للولاة دور رئيسي في تعليم الناس أمور دينهم وفي نشر الإسلام في البلاد التي يتولون عليها وكان الكثير من هؤلاء الولاة يجلسون في المساجد يعلمون الناس القرآن والأحكام وذلك عملاً بسنة الرسول ? وتعتبر هذه المهمة من أعظم المهام وأجلها في نظر الرسول وخليفته أبي بكر، وقد اشتهر عن ولاة أبي بكر ذلك حيث يتحدث أحد المؤرخين عن عمل زياد والي أبي بكر على حضرموت فيقول: فلما أصبح زياد غداً يقرئ الناس كما كان يفعل قبل ذلك( ).
وبهذا التعليم كان للولاة دور كبير في نشر الإسلام في ربوع البلاد التي يتولونها، وبهذا التعليم تثبت أقدام الإسلام سواء في البلاد المفتوحة الحديثة عهد بالإسلام أو في البلاد التي كانت مسلمة وارتدت، وهي حديثة عهد بالردة جاهلة بأحكام دينها، إضافة إلى أن البلاد المستقرة كمكة والطائف والمدينة، كان بها من يقرئ الناس بأمر من الولاة أو الخليفة نفسه، أو من يعينه الخليفة على التعليم في هذه البلدان( ).
وقد كان الوالي هو المسؤل مسئولية مباشرة عن إدارة الأقليم الذي يتولاه وفي حالة سفر هذا الوالي فإنه يتعين عليه أن يستخلف أو ينيب عنه من يقوم بعمله حتى يعود هذا الوالي إلى عمله، ومن ذلك أن المهاجر بن أبي أمية عينه الرسول على كندة ثم أقره أبو بكر بعد وفاة الرسول ولم يصل المهاجر إلى اليمن مباشرة وتأخر نظراً لمرضه فأرسل إلى (زياد بن لبيد) ليقوم عنه بعمله حتى شفائه وقدومه، وقد أقرأ أبو بكر ذلك( )، كذلك كان خالد أثناء ولايته للعراق ينيب عنه في الحيرة من يقوم بعمله حتى عودته.
وكان أبو بكر ? يشاور الكثير من الصحابة قبل إختيار أحد من الأمراء سواء على الجند أو على البلدان، ونجد في مقدمة مستشاري أبي بكر في هذا الأمر عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وغيرهما( )، كما كان أبو بكر ? يشاور الشخص الذي يريد توليته قبل أن يعينه وعلى وجه الخصوص إذا أراد أن ينقل الشخص من ولاية إلى أخرى كما حدث حينما أراد أن ينقل عمرو بن العاص من ولايته التي ولاه عليها الرسول إلى ولاية جند فلسطين، فلم يصدر أبو بكر قراره إلا بعد أن استشاره وأخذ منه موافقة على ذلك( )، كذلك الحال بالنسبة للمهاجر بن أمية الذي خيّره أبو بكر بين اليمن أو حضرموت فاختار المهاجر اليمن فعينه أبو بكر عليها( ).
ومن الأمور التي سار عليها أبو بكر ? أنه كان يعمل بسنة النبي ? في تولية بعض الناس على قومهم إذا وجد فيهم صلحاء، كالطائف وبعض القبائل وكان أبو بكر ? عندما يريد أن يعين شخصاً على ولاية يكتب للشخص المعين عهداً له على المنطقة التي ولاه عليها، كما أنه في كثير من الأحيان قد يحدد له طريقه إلى ولايته ومايمر عليه من أماكن خصوصاً إذا كان التعيين مختصاً بمنطقة لم تفتح بعد ولم تدخل ضمن سلطات الدولة ويتضح ذلك في حروب الردة، وفتوح الشام والعراق وقام الصديق أحياناً بضم بعض الولايات إلى بعض، خصوصاً بعد الانتهاء من قتال المرتدين فقد ضم أبو بكر كندة إلى زياد بن لبيد البياضي، وكان والياً على حضرموت واستمر بعد ذلك والياً لحضرموت وكندة( ).
وكانت معاملة أبي بكر للولاة تتسم بالاحترام المتبادل الذي لم تشبه شائبة، وأما عن الاتصالات بين الولاة وبين الخليفة أبي بكر ? فقد كانت تجري بصفة دائمة وكانت هذه الاتصالات تختص بمصالح الولاية ومهام العمل، فقد كان الولاة كثيراً مايكتبون لأبي بكر في مختلف شئونهم يستشيرونه، وكان أبو بكر يكتب لهم الاجابة على استفساراتهم، أو يوجه لهم أوامره وكانت الرسل تأتي بالأخبار من الولاة سواء أخبار الجهاد أو قبل ذلك على جبهات حروب المرتدين كذلك كان الولاة يبعثون بأخبار ولاياتهم من تلقاء أنفسهم( )، وكان الولاة يتصل بعضهم ببعض عن طريق الرسل أو عن طريق الاتصال المباشر واللقاءات، وتتمثل هذه اللقاءات والاتصالات بالدرجة الأولى بين ولاة اليمن وحضرموت بعضهم مع بعض، وكذلك الحال بالنسبة لولاة الشام، الذين كانوا كثيراً مايجتمعون لتدارس أمورهم العسكرية بالدرجة الأولى، وكانت كثير من مراسلات أبي بكر ? تختص بحث الولاة على الزهد في الدنيا وطلب الآخرة، وكانت بعض هذه النصائح تصدر على شكل كتب عامة رسمية من الخليفة نفسه إلى مختلف الولاة وأمراء الأجناد( ) هذا وقد قسمت الدولة الإسلامية في عهد أبي بكر إلى عدة ولايات وهذه أسماء الولايات والولاة:
أ-المدينة: عاصمة الدولة وبها الخليفة أبو بكر ?.
ب-مكة: وأميرها عتاب بن أسيد وهو الذي ولاّه الرسول ? واستمر مدة حكم أبي بكر.
ت-الطائف: وأميرها عثمان بن أبي العاص، ولاّه رسول الله ? وأقره أبو بكر عليها.
ث-صنعاء: وأميرها المهاجر بن أبي أمية، وهو الذي فتحها ووليها بعد انتهاء أمر الردة.
جـ-حضرموت: ووليها زياد بن لبيد.
حـ-زبيد ورقع: ووليها أبو موسى الأشعري.
خـ-خولان: ووليها يعلى بن أبي أمية.
ذ-الجند: وأميرها معاذ بن جبل.
س-نجران: ووليها جرير بن عبدالله.
ش-جرش: ووليها عبدالله بن نور.
ك-البحرين: ووليها العلاء بن الحضرمي.
ل-العراق والشام كان أمراء الجند هم ولاة الأمر فيها.
و-عمان: ووليها حذيفة بن محصن.
هـ-اليمامة: ووليها سليط بن قيس( ).
4-موقف علي والزبير رضي الله عنهما من خلافة الصديق:
وردت أخبار كثيرة في شأن تأخر علي عن مبايعة الصديق رضي الله عنهما وكذا تأخر الزبير بن العوام وجُلّ هذه الأخبار ليس بصحيح إلا مارواه ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن عليا والزبير، ومن كان معهما تخلفوا في بيت فاطمة بنت رسول الله ?( )، فقد كان انشغال جماعة من المهاجرين وعلى رأسهم علي بن أبي طالب بأمر جهاز رسول الله ? من تغسيل، وتكفين، ويبدو ذلك واضحاً فيما رواه الصحابي سالم بن عبيد ? من أن أبا بكر قال لأهل بيت النبي، وعلى رأسهم علي: عندكم صاحبكم، فأمرهم يغسلونه( ).
وقد بايع الزبير بن العوام وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما أبا بكر في اليوم التالي لوفاة الرسول، وهو يوم الثلاثاء، قال أبو سعيد الخدري: لما صعد أبو بكر المنبر، نظر في وجوه القوم، فلم ير الزبير بن العوام فدعا بالزبير فجاء، فقال له أبو بكر: يابن عمة رسول الله ?، وحوارّيه، أتريد أن تشقَّ عصا المسلمين؟ فقال الزبير: لاتثريب عليك ياخليفة رسول الله، فقام الزبير، فبايع أبا بكر!، ثم نظر أبو بكر في وجوه القوم، فلم ير علي بن أبي طالب فدعا بعلي، فجاء. فقال له أبو بكر: يا ابن عمّ رسول الله ?، وختنه على ابنته، أتريد أن تشق عصا المسلمين؟
فقال علي: لاتثريب عليك ياخليفة رسول الله ?، فقام علي، فبايع أبا بكر( )!
ومما يدل على أهمية حديث أبي سعيد الخدري الصحيح أن الإمام (مسلم بن الحجاج) صاحب الجامع الصحيح الذي هو أصح الكتب الحديثية بعد صحيح البخاري- ذهب إلى شيخه الإمام الحافظ محمد بن إسحاق بن خزيمة – صاحب صحيح ابن خزيمة – فسأله عن هذا الحديث، فكتب له ابن الخزيمة الحديث، وقرأه عليه، فقال مسلم لشيخه ابن خزيمة: هذا الحديث يساوي بدنة، فقال ابن خزيمة: هذا الحديث لايساوي بَدَنَة( ) فقط، إنه يساوي بدرة( ) مال، وعلق على هذا الحديث ابن كثير –رحمه الله- فقال: هذا إسناد صحيح محفوظ، وفيه فائدة جليلة، وهي مبايعة علي بن أبي طالب إما في أول يوم أو في اليوم الثاني من الوفاة، وهذا حق، فإن علي بن أبي طالب لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات، ولم ينقطع في صلاة من الصلوات خلفه( )، وفي رواية حبيب بن أبي ثابت، حيث قال: كان علي بن أبي طالب في بيته، فأتاه رجل، فقال له: قد جلس أبو بكر للبيعة، فخرج عليُّ إلى المسجد في قميص له، ماعليه إزار ولارداء، وهو متعجِّل، كراهة أن يبطئ عن البيعة. فبايع أبا بكر، ثم جلس، وبعث إلى ردائه، فجاؤوه به، فلبسه فوق قميصه( ) وقد سأل عمرو بن حريث سعيد بن زيد ?، فقال له: أشهِدْتَ وفاة رسول الله ?؟
قال: نعم.
قال له: متى بويع أبو بكر؟
قال سعيد: يوم مات رسول الله ?، كره المسلمون أن يبقوا بعض يوم، وليسوا في جماعة.
قال: هل خالف أحد أبا بكر؟
قال سعيد: لا. لم يخالفه إلا مرتد، أو كاد أن يرتد، وقد أنقذ الله الأنصار، فجمعهم عليه وبايعوه.
قال: هل قعد أحد من المهاجرين عن بيعته؟
قال سعيد: لا. لقد تتابع المهاجرون على بيعته( )!!.
وأما علي ? فلم يفارق الصديق في وقت من الأوقات ولم ينقطع عنه في جماعة من الجماعات، وكان يشاركه في المشورة، وفي تدبير أمور المسلمين( ).
ويرى ابن كثير وكثير من أهل العلم أن علياً جدّد بيعته بعد ستة أشهر من البيعة الأولى أي بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها، وجاءت في هذه البيعة روايات صحيحة( ).
وكان علي في خلافة أبي بكر عيبة نصح له، مرجِّحاً لما فيه مصلحة للإسلام والمسلمين على أي شيء آخر، ومن الدلائل الساطعة على إخلاصه لأبي بكر ونصحه للإسلام والمسلمين وحرصه على الاحتفاظ ببقاء الخلافة واجتماع شمل المسلمين ماجاء من موقفه من توجه أبي بكر ? بنفسه إلى ذي القصة( )، وعزمه على محاربة المرتدين، وقيادته للتحركات العسكرية ضدهم بنفسه، وماكان في ذلك من مخاطرة وخطر على الوجود الإسلامي( )، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما برز أبو بكر إلى ذي القصة، واستوى على راحلته أخذ علي بن أبي طالب بزمامها، وقال: إلى أين ياخليفة رسول الله ?؟ أقول لك ماقال رسول الله ? يوم أحد: لمَّ سيفك ولاتفجعنا بنفسك، وارجع إلى المدينة، فوالله لئن فجعنا بك لايكون للإسلام نظام أبداً فرجع( ).
فلو كان علي ? -أعاذه الله من ذلك- لم ينشرح صدره لأبي بكر وقد بايعه على رغم من نفسه، فقد كانت هذه فرصة ذهبية ينتهزها علي، فيترك أبا بكر وشأنه، لعله يحدث به حدث فيستريح منه ويصفو الجو له، وإذا كان فوق ذلك
-حاشاه عنه- من كراهته له وحرصه على التخلُّص منه، أغرى به أحداً يغتاله، كما يفعله الرجال السياسيون بمنافسيهم وأعدائهم( ).
5-(إنا معشر الأنبياء لانُرَثُ ماتركنا صدقة)( ):
قالت عائشة رضي الله عنها: أن فاطمة والعباس رضي الله عنهم: أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله ? وهما حينئذ يطلبان أرضيهما من فدك وسهمهما من خيبر فقال لهما أبو بكر: سمعت رسول الله ? يقول: لانورث، ماتركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال( )، وفي رواية قال أبو بكر ?: … لست تاركاً شيئاً كان رسول الله ? يعمل به إلا عملت به، فإني أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ( ).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: إن أزواج النبي ?، حين توفى رسول الله ?، أردن أن يبعثن عثمان بن عفان ? إلى أبي بكر، يسألنه ميراثهن، فقالت عائشة: أليس قال رسول الله ?: لانورث ماتركنا صدقة( )، وعن أبي هريرة ? قال رسول الله ?: لايقتسم ورثتي ديناراً، ماتركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة( ).
وهذا مافعله أبو بكر الصديق ? مع فاطمة رضي الله عنها إمتثالاً لقوله ? لذلك قال الصديق: لست تاركاً شيئاً كان رسول الله يعمل به إلا عملت به( )، وقال: والله لاأدع أمراً رأيت رسول الله ? يصنعه فيه إلا صنعته( ).
وقد تركت فاطمة رضي الله عنها منازعته بعد احتجاجه بالحديث وبيانه لها وفيه دليل على قبولها الحق واذعانها لقوله ?: قال ابن قتيبة( )، وأما منازعة فاطمة أبا بكر رضي الله عنهما في ميراث النبي ? فليس بمنكر، لأنها لم تعلم ماقاله رسول الله ? وظنت أنها ترثه كما يرث الأولاد آباءهم فلما أخبرها بقوله كفت( ).
وقال القاضي عياض: وفي ترك فاطمة منازعة أبي بكر بعد احتجاجه عليها بالحديث التسليم للإجماع على قضية، وأنها لما بلغها الحديث وبين لها التأويل تركت رأيها ثم لم يكن منها ولا من ذريتها بعد ذلك طلب ميراث ثم ولي علي الخلافة فلم يعدل بها عما فعله أبو بكر وعمر رضي الله عنهم( ).
وقال حماد بن إسحاق: والذي جاءت به الروايات الصحيحة فيما طلبه العباس وفاطمة وعلي لها وأزواج النبي ? من أبي بكر رضي الله عنهم جميعاً إنما هو الميراث حتى أخبرهم أبو بكر والأكابر من أصحاب رسول الله ? أنه قال: (لانورث ماتركنا صدقة) فقبلوا بذلك وعلموا أنه الحق ولو لم يقل رسول الله ? ذلك كان لأبي بكر وعمر فيه الحظ الوافر بميراث عائشة وحفصة رضي الله عنهما فآثروا أمر الله وأمر رسوله، ومنعوا عائشة وحفصة، ومن سواهما ذلك، ولو كان رسول، يورث، لكان لأبي بكر وعمر أعظم الفخر به أن تكون ابنتاهما وارثتي محمد ?( ).
وأما ماذكره من الرواة في كون فاطمة رضي الله عنها غضبت وهجرت الصديق حتى ماتت فبعيد جداً لعدة أدلة منها:
أ-مارواه البيهقي من طريق الشعبي: أن أبا بكر عاد فاطمة، فقال لها علي: هذا أبو بكر يستأذن عليك فقالت: أتحب أن آذن له قال: نعم فأذنت له فدخل عليها فترضاها حتى رضيت( )، وبهذا يزول الإشكال الوارد في تمادي فاطمة رضي الله عنها لهجر أبي بكر الصديق ?، كيف وهو القائل: والله لقرابة رسول الله ?، أحب إليّ أن أصل من قرابتي( )، ومافعل ? إلا امتثالاً وإتباعاً لأمر رسول الله ?( ).
ب-لقد انشغلت عن كل شيء بحزنها لفقدها أكرم الخلق، وهي مصيبة تزري بكل المصائب، كما أنها انشغلت بمرضها الذي ألزمها الفراش عن أي مشاركة في أي شأن من الشؤون، فضلاً عن لقاء خليفة المسلمين المشغول -لكل لحظة من لحظاته- بشؤون الأمة، وحروب الردة وغيرها، كما أنها كانت تعلم بقرب لحوقها بأبيها، فقد أخبرها رسول الله ? بأنها أول من يلحق به من أهله -ومن كان في مثل علمها لايخطر بباله أمور الدنيا، وما أحسن قول المهلب الذي نقله العيني: ولم يرو أحد، أنهما ألتقيا وامتنعا عن التسليم، وإنما لازمت بيتها، فعبر الراوي عن ذلك بالهجران( ).
هذا ومن الثابت تاريخياً أن أبابكر دام أيام خلافته يعطي أهل البيت حقهم في فيء رسول الله ? في المدينة، ومن أموال فدك وخمس خيبر، إلا أنه لم ينفذ فيها أحكام الميراث، عملاً بما سمعه من رسول الله ? وقد روي عن محمد بن علي بن الحسين المشهور بمحمد الباقر، وعن زيد بن علي أنهما قالا: إنه لم يكن من أبي بكر -فيما يختص بآبائهم- شيء من الجور أو الشطط، أو مايشكونه من الحيف أو الظلم( ).
ولما توفيت فاطمة رضي الله عنها بعد رسول الله ? بستة أشهر على الأشهر، وقد كان صلوات الله وسلامه عليه عهد إليها أنها أول أهله لحوقاً به، وقال لها مع ذلك: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة( )، وذلك ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من رمضان سنة إحدى عشرة، عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده علي بن الحسين، قال: ماتت فاطمة بين المغرب والعشاء، فحضرها أبوبكر وعمر وعثمان والزبير وعبدالرحمن بن عوف، فلما وُضِعت ليُصلى عليها، قال علي: تقدم ياأبابكر، قال أبوبكر: وأنت شاهد ياأبا الحسن؟ قال: نعم تقدم، فوالله لا يصلي عليها غيرك؛ فصلى عليها أبوبكر ودفنت ليلاً، وجاء في رواية: صلى أبوبكر الصديق على فاطمة بنت رسول الله ? فكبر عليها أربعاً( ) وفي رواية مسلم صلى عليها علي بن أبي طالب( ).
هذا وقد كانت صلة سيدنا أبي بكر الصديق خليفة رسول الله ? بأعضاء أهل البيت، صلة ودية تقديرية تليق به وبهم، وقد كانت هذه المودة والثقة متبادلتين بين أبي بكر وعلي، فقد سمَّى علي أحد أولاده بأبي بكر( )، وقد احتضن علي ابن أبي بكر محمداً بعد وفاة الصديق وكفله بالرعاية ورشحه للولاية في خلافته حتى حسب عليه، وانطلقت الألسنة بانتقاده من أجله( ).
هذا بعض القضايا الداخلية التي عالجها الصديق ? والتزم فيها بمتابعة الرسول ? بكل دقة وحرص ر? وعن جميع الصحابة الكرام الطيبين الأبرار.
Back to top Go down
سلمى العربيه
عربي مميز
عربي مميز


عدد المساهمات: 250
تاريخ التسجيل: 2010-01-18

PostSubject: Re: الصحابه رضوان الله عليهم   Tue Jan 19, 2010 10:10 pm

الفصل الثالث
جيش أسامة وجهاد الصديق لأهل الردة


المبحث الأول
جيش أسـامة


أولاً: إنفاذ أبي بكر الصديق جيش أسامة رضي الله عنهما:
كانت الدولة الرومانية إحدى الدولتين المجاورتين للجزيرة العربية في عهد النبي ?، وكانت تحتل أجزاء كبيرة من شمال الجزيرة، وكان أمراء تلك المناطق يُعيَّنون من قبل الدولة الرومانية وينصاعون لأوامرها.
بعث النبي الكريم ? الدعاة والبعوث إلى تلك المناطق، وأرسل دحية الكلبي ? بكتاب إلى هرقل ملك الروم، يدعوه فيه إلى الإسلام( )، ولكنه عاند وأخذته العزة بالإثم وكانت خطة الرسول ? واضحة المعالم لهز هيبة الروم في نفوس العرب ومن ثم تنطلق جيوش المسلمين لفتح تلك الأراضي، فأرسل ? في العام السابع للهجرة جيشاً واشتبك مع نصارى العرب والروم في معركة مؤتة واستشهد قادة الجيش على التوالي، زيد بن حارثة ثم جعفر بن أبي طالب ثم عبدالله بن رواحة رضي الله عنهم، وتولى قيادة الجيش بعدهم سيف الله خالد بن الوليد ?، فعاد بالجيش إلى المدينة النبوية( )، وفي العام التاسع للهجرة خرج رسول الله ? بجيش عظيم إلى الشام ووصل إلى تبوك( )، ولم يشتبك جيش المسلمين بالروم ولا القبائل العربية، وآثر حكّام المدن الصلح على الجزية، وعاد الجيش إلى المدينة بعدما مكثوا عشرين ليلة بتبوك( ) وفي العام الحادي عشر ندب النبي ? الناس لغزو الروم بالبلقاء وفلسطين، وفيهم كبار المهاجرين والأنصار، وأمر عليهم أسامة رضي الله عنهم( ) قال الحافظ بن حجر: جاء أنه كان تجهيز جيش أسامة ? يوم السبت قبل موت النبي ? بيومين، وكان ابتداء ذلك قبل مرض النبي ?، فندب الناس لغزو الروم في آخر صفر، ودعا أسامة ? فقال: سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش( )، وطعن بعض الناس في إمارة أسامة ?، فردّ عليهم رسول الله ? فقال: إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل، وأيم الله! إن كان لخليقاً للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليّ، وإنّ هذا لمن أحبّ الناس إليَّ بعده( ). ومرض النبي ? بعد البدء بتجهيز هذا الجيش بيومين، واشتدّ وجعه عليه الصلاة والسلام، فلم يخرج هذا الجيش وظل معسكراً بالجرف( )، ورجع إلى المدينة بعد وفاة النبي الكريم ?( )، وتغيرت الأحوال مع انتقال الرسول الكريم ? إلى رحمة ربه، وصارت كما تصف أم المؤمنين عائشة الصديقة رضي الله عنها بقولها: لما قبض رسول الله ? ارتدت العرب قاطبة، واشرأبت( ) النفاق والله! قد نزل بي( )، مالو نزل بالجبال الراسيات لهاضها( ) وصار أصحاب محمد ? كأنهم معزى( )، مطيرة في حش( ) في ليلة مطيرة بأرض مسبعة( )( ) ولما تولى الخلافة الصديق أمر ? رجلاً في اليوم الثالث من مُتَوَّفى رسول الله ? أن ينادي في الناس: ليُتمَّ بعث أسامة ?، ألا لا يبيتنَّ في المدينة أحد من جند أسامة ? إلا خرج إلى عسكره بالجرف( ) ثم قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس: إنما أنا مثلكم، وإني لاأدري لعلكم ستكلفونني ماكان رسول الله ? يطيق، إن الله اصطفى محمداً على العالمين، وعصمه من الآفات، وإنما أنا متبع ولست مبتدع، فإن استقمت فتابعوني، وإن زغت فقوموني، وإن رسول الله ? قبض وليس لأحد من هذه الأمة يطلبه بمظلمة -ضربة سوط فما دونها- ألا وإن لي شيطاناً يعتريني، فإذا أتاني فاجتنبوني لاأؤثر في أشعاركم وأبشاركم، وأنتم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه، فإنه ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله، فسابقوا في جهل آجالكم من قبل أن تسلمكم آجالكم إلى انقطاع الأعمال، فإن قوماً نسوا آجالهم، وجعلوا أعمالهم لغيرهم، فإياكم أن تكونوا مثلهم، الجد الجد، والوحا الوحاء، والنجا النجاء، فإن وراءكم طالبا حثيثا- مره سريع - احذروا الموت، واعتبروا بالآباء والأبناء والأخوان، ولاتغبطوا الأحياء إلا بما تغبطون به الأموات( ) وقام أيضاً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله لايقبل من الأعمال إلا ما أريد به وجهه، فأريدوا الله بأعمالكم، فإنما أخلصتم لحين فقركم وحاجتكم، اعتبروا عباد الله بمن مات منكم، وتفكروا فيمن كان قبلكم، أين كانوا أمس، وأين هم اليوم، أين الجبارون الذين كان لهم ذكر القتال والغلبة في مواطن الحروب، قد تضعضع بهم الدهر، وصاروا رميماً، قد تولت عليهم العالات ... وأين الملوك الذين أثاروا الأرض وعمروها؟ قد بعدوا ونسي ذكرهم، وصاروا كلاشئ، إلا أن الله عزوجل قد أبقى عليهم التبعات، وقطع عنهم الشهوات، ومضوا والأعمال أعمالهم، والدنيا دنيا غيرهم، وبعثنا خلفا بعدهم، فإن نحن اعتبرنا بهم نجونا، وإن انحدرنا كنا مثلهم، أين الوضاءة الحسنة وجوههم، المعجبون بشبابهم؟ صاروا ترابا، وصار مافرطوا فيه حسرة عليهم، أين الملوك الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط، وجعلوا فيها الأعاجيب؟ قد تركوها لمن خلفهم، فتلك مساكنهم خاوية وهم في ظلمات القبور، {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} (سورة مريم، آية:98)؟ أين من تعرفون من آبائكم وإخوانكم، قد انتهت بهم آجالهم فردوا على ماقدموا فحلوا عليه وأقاموا للشقاوة أو السعادة بعد الموت، ألا إن الله لاشريك له ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيراً، ولايصرف به عنه سوءاً، إلا بطاعته واتباع أمره، واعلموا أنكم عبيد مدينون، وأن ماعنده لايدرك إلا بطاعته أما آن لأحدكم أن تحسر عنه النارولاتبعد عنه الجنة( )، وفي هذه الخطبة دروس وعبر منها:
أ-بيان طبيعة خليفة رسول الله ?، وأنه ليس خليفة عن الله بل عن رسوله ? وأنه بشر غير معصوم لايطيق مقام رسول الله ? بنبوته ورسالته، ولذلك فهو في سياسته متبع وليس بمبتدع أي أنه على نهج النبي ? في الحكم بالعدل والإحسان( ).
ب-بيان واجب الأمة في مراقبة الحاكم لتعينه في إحسانه وصلاحه وتقومه وتنصحه في غير ذلك، ليظل على الطريق متبعاً غير مبتدع.
جـ-بيان أن النبي ? عدل بين الأمة فلم يظلم أحداً، ولذلك ليس لأحد عند النبي ? مظلمة صغيرة أو كبيرة ومعنى هذا أنه سوف يسير على نفس النهج، ينشر العدل ويبتعد عن الظلم، ومن ثم على الأمة أن تعينه على ذلك، وإذا رآه أحد غاضباً فعليه أن يجتنبه حتى لايؤذي أحدا، فيخالف مارآه في سياسة الاتباع( ) للنبي ?، والشيطان الذي يعتري الصديق يعتري جميع بني آدم، فإنه مامن أحد إلا وقد وكَّل الله به قرينه من الملائكة وقرينه من الجن( )، والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فقد قال رسول الله ?: مامن أحد إلا وقد وكّل به قرينه من الملائكة وقرينه من الجن، قيل: وأنت يارسول الله؟ قال: وأنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير( )، وقد جاء في الحديث أيضاً: لما مرّ به بعض الأنصار وهو يتحدث مع صفية ليلاً، فقال: على رسلكما، إنها صفية بنت حيي. ثم قال: إني خشيت أن يقذف الشيطان في قلوبكما شيئاً، إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم( ) ومقصود الصديق بذلك: إني لست معصوماً كالرسول ? وهذا حق( ).
د-حرص الصديق على وعظ المسلمين وتذكيرهم بالموت وحال الملوك الذين مضوا، وحثهم على العمل الصالح ليستعدوا للقاء الله عزوجل ويستقيموا في حياتهم على منهج الله تعالى( )، وهنا نلحظ توظيف الصديق لقوة البيان في خطبه وفي حديثه للأمة وقد كان ? أفصح خطباء النبي ? يقول عنه الاستاذ العقاد: أما كلامه فهو من أرجح ماقيل في موازين الخلق والحكمة، وله من مواقع الكلم أمثلة نادرة تدل الواحدة منها على ملكة صاحبها فيغني القليل منها عن الكثير، كما تغني السنبلة الواحدة عن الجرين الحافل، فحسبك أن تعلم معدن القول من نفسه وفكره حين تسمع كلمة كقوله (احرص على الموت تهب لك الحياة) أو قوله: أصدق الصدق الأمانة وأكذب الكذب الخيانة. الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله، فهي كلمات تتسم بالقصد والسداد، كما تتسم بالبلاغة وحسن التعبير، وتنبئ عن المعدن الذي نجمت منه، فتغني عن علامات التثقيف التي يستكثر منها المستكثرون لأن هذا الفهم الأصيل هو اللباب المقصود من التثقيف وكانت له ? لباقة في الخطاب إلى جانب البلاغة في الكلام( ).
ثانياً: ماتمّ بين الصديق والصحابة في أمر إنفاذ الجيش:
اقترح بعض الصحابة على الصديق ? بأن يبقى الجيش فقالوا: إن هؤلاء جل المسلمين، والعرب كما ترى -قد انتفضت بك فليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين( ) وأرسل أسامة من معسكره من الجرف عمر بن الخطاب رضي الله عنهما إلى أبي بكر يستأذنه أن يرجع بالناس، وقال: إنّ معي وجوه المسلمين وجلتهم، ولاآمن على خليفة رسول الله ?، وحرم رسول الله ?، والمسلمين أن يتخطفهم المشركون( ).
ولكن أبا بكر خالف ذلك وأصرّ على أن تستمر الحملة العسكرية في تحركها إلى الشام مهما كانت الظروف والأحوال والنتائج، ولم يرتاح أسامة وهيئة أركان حربه لإصرار الخليفة على رأيه وقد بذلوا لدى الخليفة عدة محاولات كي يقنعوه بصواب فكرتهم، وعندما كثر الإلحاح على أبي بكر، دعا عامة المهاجرين والأنصار إلى اجتماع في المجلس لمناقشة هذا الأمر معهم، وفي هذا الاجتماع دار نقاش طويل متشعب وكان أشد المعارضين لاستمرار حملة الشام عمر بن الخطاب، مبدياً تخوفه الشديد على الخليفة وحرم رسول الله وكل المدينة وأهلها من أن تقع في قبضة الأعراب المرتدين المشركين، وعندما أكثر وجوه الصحابة بهذا الصدد على الخليفة وخوفوه مما ستتعرض له المدينة من أخطار جسام إن هو أصرّ على تحريك جيش أسامة لغزو الروم أمر بفض الاجتماع الأول( )، بعد أن سمع الصديق لرأيهم واستوضح منهم إن كان لأحدهم مايقول وذلك حتى يعطي إخوانه وأهل الرأي كامل الفرصة لبيان رأيهم( ) أمر بفض الاجتماع الاول ثم دعاهم إلى اجتماع عام آخر في المسجد، وفي هذا الاجتماع طلب من الصحابة أن ينسوا فكرة إلغاء مشروع وضعه رسول الله ? بنفسه وأبلغهم أنه سينفذ هذا المشروع حتى لو تسبب تنفيذه في احتلال المدينة من قبل الأعراب المرتدين، فقد وقف خطيباً وخاطب الصحابة( ) قائلاً: والذي نفس أبي بكر بيده! لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله ?. ولو لم يبقى في القرى غيري لأنفذته( ).
نعم لقد كان أبو بكر مصيباً فيما عزم عليه من بعث أسامة مخالفاً بذلك رأي جميع المسلمين، لأن في ذلك أمراً من رسول الله، وقد أثبتت الأيام والأحداث سلامة رأيه وصواب قراره الذي اعتزم تنفيذه( ).
وطلبت الأنصار رجلاً أقدم سناً من أسامة يتولى أمر الجيش وأرسلوا عمر بن الخطاب ليحدث الصديق في ذلك، فقال عمر ?: فإن الأنصار تطلب رجلاً أقدم سناً من أسامة ? فوثب أبو بكر ? وكان جالساً وأخذ بلحية عمر ? وقال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب! استعمله رسول الله ? وتأمرني أن أعزله( )، فخرج عمر ? إلى الناس فقالوا: ماصنعت؟ فقال: امضوا ثكلتكم أمهاتكم! مالقيت في سببكم من خليفة رسول الله ?( ).
ثم خرج أبو بكر الصديق ? حتى أتاهم، فأشخصهم، وشيعهم، وهو ماش راكب، وعبدالرحمن بن عوف يقود دابة أبي بكر رضي الله عنهم، فقال له أسامة ?: ياخليفة رسول الله ?: والله لتركبن أو لأنزلن. فقال: والله لاتنزل، ووالله لاأركب. وماعلي أن أغبر قدميَّ في سبيل الله( ).
ثم قال الصديق ? لأسامة ?: إن رأيت تعينني بعمر ? فافعل، فأذن له( ). ثم توجه الصديق ? إلى الجيش فقال: يا أيها الناس! قفوا أوصيكم بعشر، فاحفظوها عني:
لاتخونوا ولاتغلوا، ولاتغدروا ولاتمثلوا( )، ولاتقطعوا شجرة مثمرة، ولاتذبحوا شاة ولابقرة ولابعيراً إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرّغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم ومافرّغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام، فإذا أكلتم منه شيئاً بعد شيء فاذكروا اسم الله عليها. وتلقون أقواماً قد فحصوا( ) أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب، فأخفقوهم( ) بالسيف خفقاً. اندفعوا باسم الله( ) وأوصى الصديق أسامة رضي الله عنهما أن يفعل ما أمر به النبي الكريم ? قائلاً: اصنع ماأمرك به نبي الله ?، ابدأ ببلاد قضاعة، ثم إيت آبل( )، ولاتقصرن في شيء من أمر رسول الله ? ولاتعجلنَّ لما خلَّفت عن عهده( )، ومضى أسامة ? بجيشه، وانتهى إلى ما أمر به النبي ? من بث الخيول في قبائل قضاعة، والغارة على آبل، فسَلِم وغنم( )، وكان مسيره ذاهباً وقافلاً أربعين يوماً( ).
وقدم بنعي رسول الله على هِرَقل وإغارة أسامة في ناحية أرضه خبراً واحداً، فقالت الروم: مابال هؤلاء يموت صاحبهم ثم أغاروا على أرضنا( )، وقال العرب: لو لم يكن لهم قوة لما أرسلوا هذا الجيش( )، فكفوا عن كثير مما كانوا يريدون أن يفعلوه( ).
ثالثاً: أهم الدروس والعبر والفوائد من انفاذ الصديق جيش أسامة:
1-الأحوال تتغير وتتبدل والشدائد لاتشغل أهل الإيمان عن أمر الدين:
ماأشد التحول وأخطره! وماأسرعه كذلك! سبحان الله الذي يقلّب الأحوال كيفما يشاء {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} (سورة البروج، آية:16)، {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} (سورة الأنبياء، آية:23). تأتي وفود العرب مذعنة منقادة، مطيعة، وبهذه الكثرة حتى سمّي العام التاسع عام الوفود، ثم تتقلب الأحوال فيخشى من أن تأتي القبائل العربية للإغارة على المدينة المنورة عاصمة الإسلام( )، بل قد جاءت للإغارة للقضاء -على حسب زعمها الباطل - على الإسلام والمسلمين( )، ولاغرابة في هذا، فإن من سنن الله الثابتة في الأمم أن أيامها لاتبقى ثابتة على حالة، بل تتغير وتتبدل، وقد أخبر بذلك الذي يقلب الايام ويصرِّفها عزوجل بقوله: {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} (سورة آل عمران، آية:140).
قال الرازي في تفسيره: والمعنى أن أيام الدنيا هي دول بين الناس، لايدوم مسارها ولامضارها. فيوم يحصل فيه سرور له، والغم لعدوه، ويوم آخر بالعكس من ذلك، ولايبقى شيء من أحوالها، ولايستقر أثر من آثارها( ).
وجاءت صيغة المضارع {نُدَاوِلُهَا} للدلالة على تجدّد سنة مداولة الأيام من الأمم واستمرارها. وفي هذا قال القاضي أبو السعود: وصيغة المضارع الدالة على التجدّد والاستمرار للإيذان بأن تلك المداولة سنة مسلوكة بين الأمم قاطبة سابقتها ولاحقتها( ) وقد قيل: الأيام دول والحرب سجال( ).
وقال الشاعر:
فيوم لنا ويوم علينا
ويوم نُساء ويوم نُسّرّ( )
فالصديق يعلّم الأمة إذا نزلت بها الشدة وألمت بها المصيبة أن تصبر، فالنصر مع الصبر، وأن لاتيأس ولاتقنط من رحمة الله {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} (سورة الأعراف، آية:56). وليتذكر المسلم دائماً أن الشدة مهما عظمت، والمصيبة مهما اشتدت وكبرت فإن من سنن الله الثابتة، {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا?إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا?} (سورة الانشراح، آية:5-6) وإن المسلم لأمره عجيب في هذه الدنيا فقد بين رسول الله ? ذلك في قوله: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له)( ).
ومن الدروس المستفادة من بعث جيش أسامة: أن الشدائد والمصائب مهما عظمت وكبرت لاتشغل أهل الإيمان عن أمر الدين. إن وفاة الرسول الكريم ? لم تشغل الصديق عن أمر الدين وأمر ببعث أسامة في ظروف كالحة مظلمة بالنسبة للمسلمين ولكن ماتعلمه الصديق من رسول الله من الاهتمام بأمر الدين مقدم على كل شيء وبقى هذا الأمر حتى ارتحل من هذه الدنيا( ).
2-المسيرة الدعوية لاترتبط بأحد، ووجوب اتباع النبي:
وفي قصة إنفاذ أبي بكر الصديق جيش أسامة رضي الله عنهما نجد أن الصديق ? بين بقوله وعمله أن مسيرة الدعوة لم ولن تتوقف، حتى بموت سيد الخلق، وإمام الأنبياء وقائد المرسلين ? وأثبت مواصلة العمل الدعوي بالمبادرة إلى تنفيذ هذا الجيش حيث نادى مناديه في اليوم الثالث من وفاة رسول الله بخروج جند أسامة ? إلى عسكره بالجرف. وقد كان الصديق ? قبل ذلك قد بين في خطبته التي ألقاها إثر بيعته عن عزمه على مواصلة بذل الجهود لخدمة هذا الدين( )، وقد جاء في رواية قوله: فاتقوا الله أيها الناس! واعتصموا بدينكم وتوكلوا على ربكم فإن دين الله قائم، وإنَّ كلمة الله تامة، وإن الله ناصر من نصره، ومعز دينه. والله! لانبالي من أجلب علينا من خلق الله. إن سيوف الله لمسلولة، ماوضعناها بعد، ولنجاهدنّ من خالفنا كما جاهدنا مع رسول الله ?، فلايبغينّ أحد إلا على نفسه( ).
ومن الدروس المستفادة من قصة إنفاذ الصديق جيش أسامة رضي الله عنهما أنه يجب على المسلمين اتباع أمر النبي ? في السراء والضراء، فقد بين الصديق من فعله أنه عاض على أوامر النبي ? بالنواجذ ومنفِّذها مهما كثرت المخاوف وشدّت المخاطر، وقد تجلّى هذا أثناء هذه القصة عدة مرات منها:
أ-لما طلب المسلمون إيقاف جيش أسامة ? نظراً لتغير الأحوال وتدهورها أجاب ? بمقولته الخالدة: والذي نفس أبي بكر بيده لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله ?، ولو لم يبقى في القرى غيري لانفذته( ).
ب-ولما استأذنه أسامة رضي الله عنهما في الرجوع بجيشه من الجرف إلى المدينة خوفاً على الصديق وأهل المدينة، لم يأذن له، بل أبدى عزمه وتصميمه على تنفيذ قضاء النبي الكريم ? بقوله: لو خطفتني الكلاب والذئاب لم أردّ قضاء قضى به رسول الله ?( )، وقدّم ? بموقفه هذا صورة تطبيقية لقول الله عزوجل: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا} (سورة الأحزاب، آية:36).
جـ-وعندما طلب منه تعيين رجل أقدم سناً من أسامة ? أبدى غضبه الشديد على الفاروق ? بسبب جرأته على نقل مثل هذا الاقتراح( )، وقال له: ثكلتك أمك وعدمتك يابن الخطاب! استعمله رسول الله ? وتأمرني أن أنزعه( ).
د-وتجلّى اهتمام أبي بكر الصديق ? باتباع النبي الكريم ? كذلك في خروجه لتشييع الجيش، ومشيه مع أسامة ? الذي كان راكباً( ).ولقد كان الصديق ? في عمله هذا مقتدياً بما فعله سيد الأولين والآخرين رسولنا الكريم صلوات ربي وسلامه عليه مع معاذ بن جبل ? قال: لما بعثه رسول الله ? الى اليمن( )، فقد روى الامام أحمد عن معاذ بن جبل ? قال: لما بعثه رسول الله ? الى اليمن، خرج معه رسول الله ? يوصيه، ومعاذ ? -راكب، ورسول الله ? يمشي تحت راحلته( ). قال الشيخ أحمد البنا تعليقاً على هذا الحديث: وقد فعل ذلك أبوبكر ? بأسامة بن زيد رضي الله عنهما مع صغر سنة، فقد عقد له النبي ? قبل وفاته لواء على جيش، ولم يسافر إلا بعد وفاة النبي ?، فشيعه أبوبكر ? ماشياً، وأسامة ? راكباً، اقتداءً بما فعله النبي بمعاذ ?( ).
س- وظهرت عناية أبي بكر الصديق ? بالاقتداء بالرسول الكريم ? أيضاً في قيامه بتوصيه الجيش عند توديعهم حيث كان رسول الله ? يوصي الجيوش عند توديعهم، ولم يقتصر الصديق على هذا؛ بل إن معظم ماجاء في وصيته لجيش أسامة كان مقتبساً من وصايا النبي ? للجيوش( ).
ولم يقف أبوبكر الصديق ? في الاقتداء بالرسول الكريم ? فيما قاله وفعله فحسب؛ بل أمر أمير الجيش أسامة ? بتنفيذ أمره ?، ونهاه عن التقصير فيه( ) فقد قال له رضي الله عنهما: اضع ماأمرك به نبي الله ?. ابدأ ببلاد قضاعة، ثم ايت آبل، ولا تقصرنَّ شيئاً من أمر رسول الله ?( ) وفي رواية أخرى أنه قال ?: امض ياأسامة للوجه الذي أمرت به ثم اغز حيث أمرك رسول الله ? من ناحية فلسطين، وعلى أهل مؤتة فإن الله سيكفي ماتركت( )، وفي رواية عند ابن الأثير: وأوصى أسامة ? أن يفعل به ماأمر به رسول الله ?( ).
لقد انقاد الصحابة رضي الله عنهم لرأي الصديق وشرح الله صدورهم لذلك، وتمسكوا بأمر الرسول الكريم، وبذلوا المستطاع لتحقيقه فنصرهم الله تعالى، ورزقهم الغنائم، وألقى في قلوب الناس هيبتهم، وكفّ عنهم كيد الأعداء وشرهم( ).
وقد تحدث توماس آرنولد عن بعث جيش أسامة فقال: بعد وفاة محمد ? أرسل أبوبكر ? الجيش الذي كان النبي ? قد عزم على إرساله الى مشارف الشام، على الرغم من معارضة بعض المسلمين، بسبب الحالة المضطربة في بلاد العرب، إذ ذاك، فأسكت احتجاجهم بقوله: أر قضاءً قضى به رسول الله، ولو ظنتت أن السباع تخطفني لأنفذت جيش أسامة ? كما أمر النبي ?( ).... ثم قال: وكانت هذه هي أولى تلك السلسلة الرائعة من الحملات التي اجتاح العرب فيها سورية وفارس وإفريقية الشمالية، فقوضوا دولة فارس القديمة ، وجردوا الامبراطورية الرومانية من أجمل ولاياتها( ).
وهكذا نرى أن الله تعالى قد ربط نصر الأمة وعزها باتباع النبي الكريم ?، فمن أطاعه فله النصر والتمكين، ومن عصاه فله الذل والهوان، فسر حياة الأمة في طاعتها لربها واقتدائها بسنّة نبيها ?( ).
3- حدوث الخلاف بين المؤمنين ورده الى الكتاب والسنّة:
ومما نستفيد من هذه القصة أنه قد يحدث الخلاف بين المؤمنين الصادقين حول بعض الأمور، فقد اختلفت الآراء حول تنفيذ جيش أسامة ? في تلك الظروف الصعبة، وقد تعددت الأقوال حول إمارته ولم يجرهم الخلاف في الرأي الى التباغض والتشاجر، والتدابر، والتقاطع، والتقاتل، ولم يصر أحد على رأي بعد وضوح فساده وبطلانه( )، وعندما ردّ الصديق الخلاف الى ماثبت من أمر النبي ? ببعث أسامة وبين ? أنه ماكان ليفرّط فيما أمر به رسول ? مهما تغيرت الأحوال وتبدلت واستجاب بقية الصحابة لحكم النبي ? بعد ماوضحه لهم الصديق، كما أنه لاعبرة لرأي الأغلبية إذا كان مخالفاً للنص، فقد رأى عامة الصحابة حبس جيش أسامة وقالوا للصديق: إن العرب قد انتقصت عليك وإنك لاتضع بتفريق الناس شيئاً( )، فأولئك الناس لم يكونوا كعامة الناس بل كانوا من الصحابة الذين هم خير البشر وجدوا على الأرض بعد الأنبياء والرسل عليه السلام، لكن الصديق ? لم يستجب لهم مبيناً أن أمر رسول الله ? أجل وأكرم، وأوجب وألزم من رأيهم كلهم( )، وقد تجلت هذه الحقيقة في حادثة وفاة النبي ? حيث رأى عامة الصحابة رضي الله عنهم وفيهم عمر ? أن النبي ? لم يمت ورأى عدد قليل من الصحابة رضي الله عنهم أنه ? قد مات منهم أبوبكر ?، وقد رأينا أن أبابكر تمسك بالنص وبين خطأ من قال أن رسول الله? لم يمت( ).
قال الحافظ بن حجر: تعليقاً على رأي الأكثير حول وفاته ?: فيؤخذ منه أن الأقل عدداً في الاجتهاد قد يصيب ويخطئ الأكثرية، فلا يتعين الترجيح بالأكثر( )، فخلاصة الكلام أن مما نستفيده من قصة تنفيذ الصديق جيش أسامة رضي الله عنهما أن تأييد الكثرة لرأي ليس دليلاً على إصابته( )، ومما يستفاد من هذه القصة انقياد المؤمنين وخضوعهم للحق إذا اتضح لهم، فعندما ذكرهم الصديق أن النبي ? قد أمر بتنفيذ جيش امامة وهو الذي عين أسامة أميراً على الجيش، انقاد أولئك الأبرار للأمر النبوي الكريم( ).
4- جعل الدعوة مقرونة بالعمل، ومكانة الشباب في خدمة الاسلام:
لما أصر أبوبكر ? على إبقاء أسامة بن زيد ? أميراً للجيش حرصاً منه على التمسك بما قرره رسول الله ? لم يقتصر على الإصرار على إمارته فحسب بل قدم اعترافاً عملياً بإمارته وقد تجلى ذلك في أمرين:
أ- مشى أبوبكر ? مع أسامة ?، وهو راكب وقد كان ابن عشرين سنة أو ثماني عشرة سنة، وكان الصديق ? قد تجاوز ستين سنة من عمره وأصر على المشي مع أسامة ?، كما أصر على بقاء أسامة ? راكباً لما طلب منه أسامة ? إما أن يركب هو، أو يأذن له بالنزول؛ فلم يوافق ? لا على هذا ولا على ذاك، وبهذا قدّم ? باستمراره في مشيه ذلك دعوة لجيش أسامة ? الى الاعتراف بإمارة أسامة ?، ورفع الحرج عنها من صدورهم، وكأن الصديق ? بمشيه ذلك يخاطب الجيش فيقول: انظروا أيها المسلمون أنا أبوبكر رغم كوني خليفة رسول الله ? أمشي مع أسامة وهو راكب إقراراً وتقديراً لإمارته حيث أمره رسولنا الكريم إمامنا الأعظم وقائدنا الأعلى صلوات ربي وسلامه عليه، فكيف تجرّأتم أنتم على الانتقاد على إمارته( ).
ب- كان أبوبكر الصديق يرغب في بقاء عمر بن الخطاب رضي الله عنهما بالمدينة نظراً لحاجته إليه. لكنه لم يأمره بذلك، بل استأذن من أسامة ? في تركه إياه بالمدينة إن رأى هو ذلك مناسباً وبهذا قدّم الصديق ? صورة تطبيقية اخرى لاعترافه واحترامه لإمارة أسامة ?، وفيها بلا شك دعوة قوية للجيش الى الإقرار والانقياد لإمارته.
وهذا الذي اهتم به الصديق ? من جعل دعوته مقرونة بالعمل هو الذي أمر به الاسلام، ووبّخ الرب عز وجل أولئك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم( )، قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} (سورة البقرة، الآية:44).
ومما يتجلى في هذه القصة كذلك منزلة الشباب العظيمة في خدمة الاسلام، فقد عين رسول الله ? الشاب أسامة بن زيد رضي الله عنهما أميراً على الجيش المعدّ لقتال الروم - القوة العظمة في زعم الناس في ذلك الوقت- وكان عمره آنذاك عشرين سنة، أو ثماني عشرة سنة، وأقره أبوبكر الصديق ? على منصبه رغم انتقاد الناس، وعاد الأمير الشاب بفضل الله تعالى من مهمته التي أسندت إليه غانماً ظافراً وفي هذا توجيه للشباب في معرفة مكانتهم في خدمة الاسلام، ولو نعيد النظر في تاريخ الدعوة الاسلامية في المرحلتي المكية والمدنية لوجدنا شواهد كثيرة تدل على ماقام به شباب الاسلام في خدمة القرآن والسنّة، وإدارة أمور الدولة، والمشاركة في الجهاد في سبيل الله والدعوة الى الله تعالى( ).
5- صورة مشرقة من آداب الجهاد في الاسلام:
ومن فوائد قصة بعث أبي بكر ? لجيش أسامة أنها تقدم لنا صورة مشرقة للجهاد الاسلامي، وقد تجلت تلك الصورة في وصية أبي بكر الصديق لجيش أسامة عند توديعه إياهم، ولم يكن أبي بكر الصديق ? في وصاياه للجيوش إلا مستناً بسنّة المصطفى ? حيث كان عليه الصلاة والسلام يوصي الأمراء والجيوش عند توديعهم( ) ومن خلال فقرات الوصية التي جاءت في البحث تظهر الغاية من حروب المسلمين فهي دعوة الى الاسلام، فإذا مارأت الشعوب جيشاً يلتزم بهذه الوصايا لا تملك إلا الدخول في دين الله طواعية واختياراً:
أ- إنها ترى جيشاً لايخون، بل يصون الامانة، ويفي بالعهد، ولا يسرق مال الناس أو يستولي عليه دون حق.
ب- جيشاً لايمثل بالآدميين بل هو يحسن القتل كما يحسن العفو يحترم الطفل ويرحمه، ويبر الشيخ الكبير ويكرمه، ويصون المرأة ويحفظها.
ج- جيشاً لايبدد ثروة البلاد المفتوحة، بل تراه يحفظ النخيل ولا يحرقه ولايقطع شجرة مثمرة، ولا يدمر المزروعات أو يخرب الحقول.
د- وإذا ماحافظ على الثروة الآدمية فلم يغدر، ولم يخن، ولم يغل، ولم يمثل بقتيل، ولم يقتل طفلاً، ولا شيخاً كبيراً، ولا أمرأة، وحافظ على الثروة الزراعية، فلم يعقر نخلاً، أو يقطع شجرة مثمرة، فهو يحافظ في نفس الوقت على الثروة الحيوانية فلا يذبح شاة أو بقرة أو بعيراً إلا للأكل فقط، فهل تحافظ الجيوش على واحد من هذه الأشياء؟ أم أنها تحول البلاد التي تحاربها الى خراب ودمار؟ والمثال قائم في العدوان الشيوعي الملحد على أفغانستان( )، وفي البوسنة من قبل الصرب وكذلك كوسوفا وفي كشمير من قبل الهند على المسلمين، وفي الشيشان، وفي فلسطين من قبل اليهود، ألا ماأعظم الفرق بين هداية الله، وضلال الملحدين.
هـ- وهو جيش يحترم العقائد والأديان السابقة عليه، فيحافظ على العباد في صوامعهم، ولا يتعرض لهم بأذى.. وتلك دعوة عملية تدل على سماحة الاسلام وعدالته، أما من يعبثون فيهم في الأرض فساداً، ويحاربون الحق فجزاؤهم القتل ليكونوا عبرة لغيرهم( ).
وماجاء في وصية الصديق ? لم يكن كلمات قبلت بل طبقها المسلمون في عصره وبعده( ) وسنرى ذلك بإذن الله في فتوحاته ?.
6- أثر جيش أسامة على هيبة الدولة الاسلامية:
عاد جيش أسامة ظافراً غانماً بعد ماأرهب الروم حتى قال لهم هرقل وهو بحمص بعدما جمع بطارقته: هذا الذي حذرتكم فأبيتم أن تقبلوا مني!! قد صارت العرب تأتي مسيرة شهر فتغير عليكم، ثم تخرج من ساعتها ولم تكلم. قال أخوه (يناف) فابعث رباط (جندا مرابطين) تكون بالبلقاء، فبعث رباطاً واستعمل عليهم رجلاً من أصحابه فلم يزل مقيماً حتى تقدمت البعوث الى الشام في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما( ). ثم تعجب الروم بأجمعهم وقالوا: مابال هؤلاء يموت صاحبهم ثم أغاروا على أرضنا؟ ( )، وأصاب القبائل العربية في الشمال الرعب والفزع من سطوة الدولة( )، وعندما بلغ جيش أسامة الظافر الى المدينة، تلقاه أبوبكر، وكان قد خرج في جماعة من كبار المهاجرين والأنصار للقائه وكلهم خرج وتهلل، وتلقاه أهل المدينة بالإعجاب والسرور والتقدير، ودخل أسامة المدينة وقصد مسجد رسول الله ? وصلى لله شكراً على ماأنعم به عليه وعلى المسلمين وكان لهذه الغزوة أثر في حياة المسلمين وفي حياة العرب الذين فكروا في الثورة عليهم، وفي حياة الروم الذين تمتد بلادهم على حدودهم( )، فقد فعل هذا الجيش بسمعته مالم يفعله بقوته وعدده، فأحجم من المرتدين من أقدم، وتفرق من اجتمع، وهادن المسلمين من أوشك أن ينقلب عليهم، وصنعت الهيبة صنيعها قبل أن يصنع الرجال، وقبل أن يضع السلاح( ).
حقاً لقد كان إرسال هذا الجيش نعمة على المسلمين، إذ أمست جبهة الردة في الشمال أضعف الجبهات، ولعل من آثار هذا أن هذه الجبهة في وقت الفتوحات كان كسرها أهون على المسلمين من كسر جبهة العدو في العراق، كل ذلك يؤكد أن أبابكر ? كان في الأزمات، من بين جميع الباحثين عن الحل، أثقبهم نظراً، وأعمقهم فهماً( ).
Back to top Go down
سلمى العربيه
عربي مميز
عربي مميز


عدد المساهمات: 250
تاريخ التسجيل: 2010-01-18

PostSubject: Re: الصحابه رضوان الله عليهم   Tue Jan 19, 2010 10:18 pm

المبحث الثاني
جهاد الصديق لأهل الردة



أولاً: الردة إصطلاحاً وبعض الآيات التي حذرت من الردة:
1- الردة إصطلاحاً:
عرف النووي الردة بأنها : قطع الاسلام بنية أو قول كفر أو فعل، سواء قاله استهزاءً أو عناداً أو اعتقاداً، فمن نفى الصانع أو الرسل أو كذب رسولاً أو حلل محرماً بالإجماع كالزنا وعكسه، أو نفى وجوب مجمع عليه أو عكسه، أو عزم على الكفر أو تردد فيه، كفر( )، وعرفها عليش المالكي: بأنها كفر المسلم بقول صريح أو لفظ يقتضيه أو بفعل يتضمنه( )، وعرفه ابن حزم الظاهري (المرتد) بأنه: كل من صح عنه أنه كان مسلماً متبرئاً من كل دين حاش دين الاسلام، ثم ثبت عنه أنه ارتد عن الاسلام وخرج الى دين كتابيّ أو غير كتابّي أو الى غير دين( )، وعرفه عثمان الحنبلي: بأنه لغة الراجع. قال تعالى: {وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ}، وشرعاً من أتى بما يوجب الكفر بعد إسلامه( ).
ومعنى هذا أن المرتد هو كل من أنكر معلوماً من الدين بالضرورة كالصلاة والزكاة والنبوة وموالاة المؤمنين، أو أتى بقول أو فعل لا يحتمل تأويلاً غير الكفر( ).
2- بعض الآيات التي أشارت الى المرتدين:
أطلق الله سبحانه وتعالى على المرتدين عن دينه عبارات تشير الى هذا المرتكس الوبئ الذي تحولوا إليه. منها الردة على الأعقاب أو على الأدبار، والانقلاب بالخسران، وطمس الوجوه، وردّ الأيدي في الأفواه، والارتياب والتردد، واسوداد الوجوه( )، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} (سورة آل عمران، الآية: 149). وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ءَامِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا} (سورة النساء، الآية: 47) وجاء في تفسير ابن كثير: وطمسها أن تعمى، وقوله: فنردها على أدبارها أي نجعل لأحدهم عينين من قفاه، وهذا أبلغ من العقوبة والنكال وهذا مثل ضربه الله لهم في صرفهم عن الحق وردهم الى الباطل ورجوعهم عن المحجة البيضاء الى سبيل الضلالة يهرعون ويمشون القهقري على أدبارهم( ).
وقال تعالى:{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} (سورة آل عمران، الآية:106).
نقل القرطبي فيها جملة آراء منها رأي قتادة أنها في المرتدين كما نقل حديثاً لأبي هريرة، وقال عنه قد يستشهد به بأن الآية في الردة وهو (يرد على الحوض يوم القيامة رهط من أصحابي فيجلون عن الحوض فأقول: يارب أصحابي، فيقول: إنك لاعلم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري( )، وفي رواية أخرى لهذا الحديث عن ابن عباس قال: قال رسول الله ?: يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات اليمين، فأقول: أصحابي فيقال: إنك لاتدري ماأحدثوا بعدك، فأقول، كما قال العبد الصالح: وكنت عليهم شهيداً مادمت فيهم، فلما توفيتني ، كنت أنت الرقيب عليهم. فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم( ).
ثانياً: أسباب الردة وأصنافها:
إن الردة التي قامت بها القبائل العربية بعد وفاة رسول الله ? لها أسباب منها، هو الصدمة بموت رسول الله ?، رقة الدين والسقم في فهم نصوصه، الحنين الى الجاهلية ومقارفة موبقاتها، التفلت من النظام والخروج على السلطة الشرعية، العصبية القبلية، الطمع في الملك، التكسب بالدين والشح بالمال، التحاسد، المؤثرات الأجنبية( ) كدور اليهود والنصارى، والمجوس وسنتحدث عن كل سبب في البحث بإذن الله تعالى.
وأما أصنافها، فمنهم من ترك الاسلام جملة وتفصيلاً وعاد الى الوثنية، وعبادة الأصنام، ومنهم من أدعى النبوة، ومنهم من دعا الى ترك الصلاة، ومنهم من بقي يعترف بالإسلام ويقيم الصلاة، ولكنه امتنع عن أداء زكاتة، ومنهم من شمت بموت الرسول وعاد أدراجه يمارس عاداته الجاهلية، ومنهم من تحير وتردد وانتظر على من تكون الدبرة، وكل ذلك وضحه علماء الفقه والسير( ).
قال الخطابي: إن أهل الردة كانوا صنفين: صنفاً ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة وعادوا الى الكفر. وهذه الفرقة طائفتان: إحداهما أصحاب مسيلمة من بني حنيفة وغيرهم الذين صدقوه على دعواه في النبوة وأصحاب الأسود العنسي ومن كان من مستجيبيه من أهل اليمن وغيرهم وهذه الفرقة بأسرها منكرة لنبوة سيدنا محمد ? مدعية النبوة لغيره، والطائفة الاخرى ارتدو عن الدين وأنكروا الشرائع وتركوا الصلاة والزكاة وغيرها من أمور الدين وعادوا الى ماكانوا عليه في الجاهلية، والصنف الآخر هم الذين فرّقوا بين الصلاة والزكاة فأقروا بالصلاة وأنكروا فرض الزكاة ووجوب أدائها الى الإمام( )،... وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين للزكاة من كان يسمح (بها) ولا يمنعها، إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك وقبضوا أيديهم على ذلك( )، وقريب من هذا التقسيم لأصناف المرتدين تقسيم القاضي عياض، غير أنهم عنده ثلاثة: صنف عادوا الى عبادة الأوثان، وصنف تبعوا مسيلمة والأسود العنسي. وكل منهما ادعى النبوة، وصنف ثالث استمروا على الاسلام ولكنهم جحدوا الزكاة وتأولوا بأنها خاصة بزمن النبي ?( ).
وقسّم الدكتور عبدالرحمن بن صالح المحمود المرتدين الى أربعة أصناف: صنف عادوا الى عبادة الأوثان والأصنام، وصنف اتبعوا المتنبئين بالكذبة، الأسود العنسي ومسيلمة وسجاح، وصنف أنكروا وجوب الزكاة وجحدوها، وصنف لم ينكروا وجوبها ولكنهم أبوا أن يدفعوها الى أبي بكر( ).
ثالثاً: الردة أواخر عصر النبوة:
بدأت هذه الردة منذ العام التاسع للهجرة المسمى بعام الوفود. وهو العام الذي أسلمت فيه الجزيرة العربية قيادها للرسول ? ممثلة بزعمائها الذين قدما عليه من أصقاعها المختلفة، وكانت حركة الردة في هذه الأثناء لما تستَعلِن، بشكل واسع حتى إذا كان أواخر العام العاشر الهجري، وهو عام حجة الوداع التي حجها رسول الله ?، ونزل به وجعه الذي مات فيه وتسامع بذلك الناس، بدأ الجمر يتململ من تحت الرماد، وأخذت الأفاعي تطل برؤوسها من جحورها، وتجرأ الذين في قلوبهم مرض على الخروج، فوثب الأسود العنسي باليمن، ومسيلمة الكذاب باليمامة، وطليحة الاسدي في بلاد قومه( ). ولما كان أخطر متمردين على الاسلام، وهما الأسود العنسي ومسيلمة وأنهما مصممان - كما يبدو- على المضي في طريق ردتهما قدماً دون أن يفكرا في الرجوع، وأنهما مشايعان بقوى غفيرة وإمكانيات وفيرة، فقد أرى الله نبيه ? من أمرهما ماتقر به عينه، ومن ثم ماتقر به عيون أمته من بعده. فقد قال يوماً وهو يخطب على منبره: أيها الناس، إني قد رأيت ليلة القدر، ثم أُنستها، ورأيت في ذراعي سوارين من ذهب فكرهتهما فنفختهما فطارا، فأولتهما الكذابين: صاحب اليمن، وصاحب اليمامة( ).
وقد فسر أهل العلم بالتعبير هذه الرؤيا على هذه الصورة فقالوا: إن نفخه ?، لهما يدل على أنهما يقتلان بريحه، لأنه لايغزوهما بنفسه، وإن وصفه لهما بأنهما من ذهب دلالة على كذبهما لأن شأنهما زخرف وتمويه، كما دل لفظ السوارين على أنهما ملكان لأن الأساورة هم الملوك، ودلاّ بكونهما يحيطان باليدين أن أمرهما يشتد على المسلمين فترة، لكون السوار مضيقاً على الذراع( ).
وعبّر الدكتور علي العتوم بقوله: ...بأن طيرانهما بالنفخ دلالة على ضعف كيدهما مهما تضاخم فشأنهما زبد لابد أن يؤول الى جُفاء مادام هذا الكيد مستمداً من الشيطان، فهو واهن لامحالة، إذ أقل هجمة مركزة في سبيل الله تحيلهما أثراً بعد عين، وكونهما من ذهب دلالة على أنهما يقصدان من عملهما الدنيا لأن الذهب رمز لحطامها الذي يسعى المغترون بها خلفه، وأنهما سواران إشارة الى محاولتهما الإطاحة بكيان المسلمين عن طريق الإحاطة بهم من كل جانب، تماماً كم يحيط السوار بالمعصم( ).
رابعاً: موقف الصديق من المرتدين:
لما كانت الردة قام أبوبكر ? في الناس خطيباً فحمدالله وأثنى عليه ثم قال: الحمدلله الذي هدى فكفى وأعطى فأغنى إن الله بعث محمداً ? والعلم شريد، والإسلام غريب طريد، قدرت حبله، وخلق ثوبه، وضل أهله منه، ومقت الله أهل الكتاب فلا يعطيهم خيراً لخير عندهم، ولا يصرف عنهم شراً لشر عندهم، وقد غيروا كتابهم، وألحقوا فيه ماليس منه، والعرب الآمنون يحسبون أنهم في منعة من الله، لايعبدونه، ولايدعونه، فأجهدهم عيشاً، وأظلهم ديناً في ظلف الأرض مع مافيه من سحاب، فختمهم الله بحمد وجعلهم الأمة الوسطى، ونصرهم بمن اتبعهم، ونصرهم على غيرهم، حتى قبض الله نبيه ? فركب منهم الشيطان مركبه الذي أنزله عليه، وأخذ بأيديهم، وبغى هلكتهم {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} (سورة آل عمران، الآية:144).
إن من حولكم من الأعراب قد منعوا شاتهم، وبعيرهم، ولم يكونوا في دينهم وإن رجعوا إليه أزهد منهم يومهم هذا، ولم تكونوا في دينكم أقوى منكم يومكم هذا، على متقدم من بركة نبيكم وقد وكلكم الى المولى الكافي الذي وجده ضالاً فهداه، وعائلاً فأغناه {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (سورة آل عمران، الآية: 103).
والله لا أدع أن أقاتل على أمر الله حتى ينجز الله وعده، ويوفي لنا عهده، ويقتل من قتل شهيداً من أهل الجنة، ويبقى منها خليفته وذريته في أرضه قضاء الله الحق، وقوله الذي لا خلف له {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}( ) (سورة النور، الاية 55).
وقد أشار بعض الصحابة ومنهم عمر على الصديق بأن يترك مانعي الزكاة ويتألفهم حتى يتمكن الايمان من قلوبهم ثم هم بعد ذلك يزكون فامتنع الصديق عن ذلك وأباه( )، فعن أبي هريرة ? قال: لما توفى رسول الله ?، وكان أبوبكر، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس، وقد قال ?: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله، ونفسه إلا بحقه( )، وحسابه على الله، فقال أبوبكر: والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً( ) كانوا يؤدونها الى رسول الله لقاتلتهم على منعها وفي رواية: والله لو منعوني عقالاً( )، كانوا يؤدونه الى رسول الله لقاتلتهم على منعه. قال عمر فوالله ماهو إلآ أن قد شرح الله صدر أبي بكر، فعرفت أنه الحق( )، ثم قال عمر بعد ذلك؛ والله لقد رجح إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمة جميعاً في قتال أهل الردة( )، وبذلك يكون أبوبكر قد كشف لعمر (وهو يناقشه) عن ناحية فقهية مهمة أجلاها له، وكانت قد غابت عنه وهي أن جملة جاءت في الحديث النبوي الشريف الذي أحتج به عمر هي الدليل على وجوب محاربة من منع الزكاة حتى وإن نطق بالشهادتين وهي قول النبي ?: فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها( )، وفعلاً كان رأي أبوبكر في حرب المرتدين رأياً ملهماً، وهو الرأي الذي تمليه طبيعة الموقف لمصلحة الاسلام والمسلمين، وأي موقف غيره سيكون فيه الفشل والضياع والهزيمة والرجوع الى الجاهلية، ولولا الله ثم هذا القرار الحاسم من أبي بكر لتغير وجه التاريخ وتحولت مسيرته، ورجعت عقارب الساعة الى الوراء، ولعادت الجاهلية تعيث في الأرض فساداً( ).
لقد تجلى فهمه الدقيق للاسلام، وشدة غيرته على هذا الدين، وبقائه على ماكان عليه في عهد نبيه في الكلمة التي فاضى بها لسانه ونطق بها جنانه، وهي الكلمة التي تساوي خطبة بليغة طويلة وكتاباً حافلاً، وهي قوله عندما امتنع كثير من قبائل العرب أن يدفعوا الزكاة الى بيت المال، أو منعوها مطلقاً وأنكروا فرضيتها: قد انقطع الوحي وتم الدين، أينقص وأنا حي( ) وفي رواية قال عمر: فقلت ياخليفة رسول الله تألف الناس وارفق بهم، فقال لي: أجبّار في الجاهلية خوَّار في الاسلام، قد انقطع الوحي، وتم الدين أينقص وأنا حي( ).
لقد سمع أبوبكر وجهات نظر الصحابة في حرب المرتدين وماعزم على خوض الحرب إلا بعد أن سمع وجهات النظر بوضوح، إلا أنه كان سريع القرار حاسم الرأي فلم يتردد لحظة واحدة بعد ظهور الصواب له وعدم التردد كان سمة بارزة من سمات أبي بكر -هذا الخليفة العظيم- في حياته كلها( )، ولقد اقتنع المسلمون بصحة رأيه ورجعوا الى قوله واستصوبوه.
لقد كان أبوبكر ? أبعد الصحابة نظراً، وأحقهم فهماً، وأربطهم جناناً في هذه الطامة العظيمة( )، والمفاجئة المذهلة، ومن هنا أتى قول سعيد بن المسيب رحمه الله: وكان أفقهم، يعني الصحابة، وأمثلهم رأياً( ).
إن أبابكر كان أنفذ بصيرة من جميع من حوله لأنه فهم بإيمانه الذي فاق إيمانهم جميعاً، أن الزكاة لا تنفصل عن الشهادتين؛ فمن أقر لله بالوحدانية لابد أن يقر له بما يفرض من حق في ماله الذي هو مال الله أصلاً (وأن لا إله إلا الله بغير زكاة لا وزن لها في حياة الشعوب، وأن السيف يشرع دفاعاً عن أدائها تماماً كما يشرع دفاعاً عن لا إله إلا الله، تماماً هذه كتلك. هذا هو الاسلام وغير هذا ليس من الاسلام( )، فقد توعد الله اولئك الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض قال تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (سورة البقرة، الآية: 85).
كان موقف أبي بكر ? الذي لاهوادة فيه ولا مساومة فيه ولا تنازل، موفقاً ملهماً من الله، يرجع إليه الفضل الأكبر -بعد الله تعالى- في سلامة هذا الدين وبقائه على نقائه وصفائه وأصالته، وقد أقر الجميع وشهد التاريخ بأن أبابكر قد وقف في مواجهة الردة الطاغية، ومحاولة نقض عرى الاسلام عروة عروة، موقف الأنبياء والرسل في عصورهم، وهذه خلافة النبوة التي أدى أبوبكر حقها واستحق بها ثناء المسلمين ودعاءهم الى أن يرث الله الأرض وأهلها( ).
خامساً: خطة الصديق لحماية المدينة:
انصرفت وفود القبائل المانعة للزكاة من المدينة بعدما رأت عزم الصديق وحزمه وقد خرجت بأمرين:
أ- أن قضية منع الزكاة لاتقبل المفاوضة وأن حكم الإسلام فيها واضح ولذلك لاأمل في تنازل خليفة المسلمين عن عزمه ورأيه وخاصة بعدما أيده المسلمون وثبتوا على رأيه بعد وضوح الرؤية وظهور الدليل.
ب-أنه لابد من اغتنام فرصة ضعف المسلمين -كما يظنون- وقلة عددهم لهجوم كاسح على المدينة يسقط الحكم الإسلامي فيها ويقضي على هذا الدين( ).
قرأ الصديق في وجوه القوم مافيها من الغدر، ورأى فيها الخسة وتفرس فيها اللؤم فقال لأصحابه: إن الأرض كافرة وقد رأى وفدهم منكم قلة، وإنكم لاتدرون أَليْلاً تؤتون أم نهاراً! وأدناهم منكم على بريد، وقد كان القوم يأملون أن نقبل منهم ونوادعهم، وقد أبينا عليهم، ونبذنا إليهم عهدهم، فاستعدوا وأعدوا( )، ووضع الصديق خطته على الوجه التالي:
أ-ألزم أهل المدينة بالمبيت في المسجد حتى يكونوا على أكمل استعداد للدفاع.
ب-نظم الحرس الذين يقومون على أنقاب المدينة ويبيتون حولها حتى يدفعوا أي غارة قادمة.
جـ-عين على الحرس أمراؤهم: علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيدالله، وسعد بن أبي وقاص، وعبدالرحمن بن عوف، وعبدالله بن مسعود رضي الله عنهم( ).
س-وبعث أبو بكر ? إلى من كان حوله من القبائل التي ثبتت على الإسلام، من أسلم وغفار، ومزينة، وأشجع، وجهينة وكعب، يأمرهم بجهاد أهل الردة فاستجابوا له، حتى امتلأت المدينة المنورة بهم، وكانت معهم الخيل والجمال التي وضعوها تحت تصرف الصديق( )، ومما يدل على كثرة رجال هذه القبائل وكبر حجم دعمها للصديق، أن جهينة وحدها قدمت إلى الصديق في أربعمائة من رجالها ومعهم الظهر والخيل، وساق عمرو بن مرة الجهني مائة بعير لإعانة المسلمين، فوزعها أبو بكر في الناس( ).
هـ-ومن ابتعد من المرتدين عن المدينة، وأبطأ خطره، حاربه بالكتب يبعث بها إلى الولاة المسلمين في أقاليمهم كما كان رسول الله يفعل، يحرضهم على النهوض لقتال المرتدين، ويذمر الناس للقيام معهم في هذا الأمر، ومن أمثلة ذلك رسالته لأهل اليمن حيث المرتدة من جنود الأسود العنسي التي قال فيهاSadأما بعد، فأعينوا الأبناء على من ناوأهم، وحوطوهم، واسمعوا من فيروز، وجدوا معه، فإني قد وليته)( )، وقد أثمرت هذه الرسالة، وقام المسلمون من أبناء الفرس بزعامة فيروز، يعاونهم إخوانهم من العرب بشن غارة شعواء على العصاة المارقين حتى رد الله كيدهم إلى نحورهم، وعادت اليمن بالتدرج إلى جادة الحق( ).
و-وأما من قرب منهم من المدينة واشتد خطره كبني عبس وذبيان فإنه لم ير بداً من محاربتهم على الرغم من الظروف القاسية التي كانت تعيشها مدينة رسول الله ?، فكان أن آوى الذراري والعيال إلى الحصون والشعاب، محافظة عليهم من غدر المرتدين( )، واستعد للنزال بنفسه ورجاله.
سادساً: فشل أهل الردة في غزو المدينة:
بعد ثلاثة أيام من رجوع وفود المرتدين طرقت بعض قبائل أسد وغطفان وعبس وذبيان وبكر المدينة ليلاً وخلفوا بعضهم بذي حُسىَ، ليكونوا لهم ردءاً، وانتبه حرس الأنقاب لذلك وأرسلوا للصديق بالخبر، فأرسل إليهم أن ألزموا أماكنكم، ففعلوا، وخرج في أهل المسجد على النواضح إليهم فانفشَّ العدو، فاتبعهم المسلمون على إبلهم، حتى بلغوا ذا حُسىَ، فخرج عليهم الرّدء بأنحاء( ) قد نفخوها، وجعلوا فيها الحبال، ثم دهدهوها( )، بأرجلهم في وجوه الإبل، فتدهده كل نحْي في طوله( )، فنفرت إبل المسلمين وهم عليها -ولاتنفر الإبل في شيء نفارَها من الأنحاء- فعاجت بهم مايملكونها، حتى دخلت بهم المدينة فلم يُصْرَع مسلم ولم يُصَبْ( ) وقال عبدالله الليثي وكانت بنو عبد مناة من المرتدة -وهم بنوذبيان- في ذلك الأمر بذي القصة وبذي حسى:
أطعنا رسول الله ماكان بي